تونس: النظام السياسي في مأزق

اضطرابات الذكرى العاشرة للانتفاضة على نظام بن علي

جانب من المظاهرات ضد نظام حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي في يناير 2011 (رويترز)
جانب من المظاهرات ضد نظام حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي في يناير 2011 (رويترز)
TT

تونس: النظام السياسي في مأزق

جانب من المظاهرات ضد نظام حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي في يناير 2011 (رويترز)
جانب من المظاهرات ضد نظام حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي في يناير 2011 (رويترز)

صادق البرلمان التونسي أخيراً على قانون المالية لعام 2021 بعد جدل طويل، فجنّب تونس «سيناريو» الفراغ السياسي والدستوري، وأزمة خانقة مع النقابات والمعارضة، ومزيداً من التوتر في علاقات رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة والسلطة التشريعية. إلا أن نسق الإضرابات والاحتجاجات في عموم البلاد على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ارتفع، كما تعاقبت صيحات الفزع خلال مهرجانات إحياء الذكرى العاشرة لانتفاضة إسقاط حكم زين العابدين بن علي.
وفي الوقت نفسه، تعاقبت مبادرات أنصار «النظام السابق» ووزراء مرحلة بن علي، وتنوعت انتقاداتهم لـ«الثورة التونسية والثورات العربية» التي يتهمون مفجّريها بـ«الانقلاب على السلطات الشرعية السابقة بدعم من جهات خارجية». وهذا أمر يطرح عدة تساؤلات عن مسار تونس، ومآل غضب الشباب الغاضب والعاطلين والفقراء والمهمَّشين، وانعكاسات الأزمة الحادة الحالية على المشهد السياسي، في ظل تزايد تأثير «الورقة الدولية» والسفارات الأجنبية.
تتباين التقييمات لموجة الإضرابات وأعمال العنف التي شلّت في تونس أخيراً قطاعات كثيرة، من بينها القضاء. وبينما فسّرها البعض بالصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، اتهم فريق آخر «أعداء الثورة» بتحريكها بمناسبة الاحتفالات بالذكرى العاشرة لاندلاع الثورة التونسية والثورات العربية. كذلك، تبادل الرئيس التونسي قيس سعيّد، ورئيس الحكومة هشام المشيشي، وزعماء النقابات والأحزاب وأنصارهم، الاتهامات بالدفع نحو «انهيار الدولة» و«تخريب الاستثناء الديمقراطي» التونسي خدمة لقوى «الثورة المضادة» و«لوبيات الفساد والاستبداد في الداخل والخارج».
في الواقع، تعمقت الهوة بين صناع القرار الاقتصادي والسياسي في البلاد بعد التحذيرات من احتمال إفلاس الدولة واستفحال عجز موازناتها. وصدرت هذه التحذيرات أخيراً بصيغ مختلفة عن البرلمانيين، وأيضاً عن الرئيس سعيّد، ومحافظ البنك المركزي مروان العباسي، وسمير ماجول رئيس نقابات رجال الأعمال الصناعيين والتجار، ونور الدين الطبوبي أمين عام نقابات العمال، وعبد المجيد الزار رئيس نقابة الفلاحين.
- انتفاضات «كارثية»
في هذا المناخ، يتابع «الأوفياء لثورة يناير (كانون الثاني)» تنويههم «بإنجازاتها» خاصة في مجال الحريات، مقابل ارتفاع أصوات خصومهم الذين يعتبرون أن حصيلتها كانت «كارثية» على كل المستويات. وهو ما يراه أصحاب مبادرة «الراية الوطنية» التي أطلقها أخيراً عشرات السياسيين، بينهم عدد من كبار المسؤولين السابقين في الدولة، قبل انتفاضة يناير 2011 بزعامة مبروك كورشيد البرلماني والوزير السابق، وأحمد عياض الودرني الوزير ومدير الديوان الرئاسي في عهد بن علي. ويساير هذا التقييم النقدي مستقلون، بينهم الباحث في السياسة الدولية أيمن البوغانمي الذي أصدر أخيراً كتاباً عن «الشعبوية السياسية الجديدة» وتزايد تأثيرها خلال الأعوام الماضية على الخطاب السياسي في تونس وفي أوروبا والعالم.
واعتبر البوغانمي، في تصريح لـ«لشرق الأوسط»، أن السياسيين في تونس والدول العربية مطالبون بالقطع مع مرحلة الدفاع عن الثورات و«الفكر الثوري» ومنطق «القطيعة والصدام» مع المنظومات القديمة. واعتبر أن «الأنجع والأسلم هو الانخراط في مسار المطالبة بالإصلاح والتغيير الديمقراطي الهادئ للواقع، بعيداً عن الشعارات الثورية الجوفاء» التي ثبت فشلها في دول كثيرة قبل عقود، وتورطت النخب التونسية والعربية في تبنيها مجدداً منذ 10 سنوات.
وفي الاتجاه نفسه، حذّر نقيب المحامين التونسيين إبراهيم بودربالة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» من «الأضرار الفادحة التي لحقت بالمجتمع والدولة بسبب الثورجية – حسب تعبيره – والإضرابات العشوائية في البلاد عامة، وفي قطاع القضاء خاصة». بل ذهب النقيب السابق للمحامين وزعيم التيار القومي العربي البشير الصيد إلى أبعد من ذلك، فحذر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» من إمكانية «دفع تونس نحو سيناريوهات العنف والحرب الأهلية»، على غرار ما حصل في بقية بلدان ما سُمّي بـ«الربيع العربي» مثل ليبيا وسوريا واليمن.
- قصر قرطاج والسفير الفرنسي
ولعل أهم عنصر جديد في الأزمة السياسية الاجتماعية الاقتصادية في تونس كان إقحام السفير الفرنسي والسفراء الأجانب في المعركة بين الرؤساء الثلاثة (الجمهورية والحكومة والبرلمان). إذ اتهم محسن مرزوق زعيم حزب «المشروع» (يساري علماني)، الوزير والمستشار السياسي للرئيس السابق الباجي قائد السبسي، مقرّبين من الرئيس قيس سعيّد، بينهم كبيرة مستشاريه نادية عكاشا، «بالتشويش على عمل» رئيس الحكومة هشام المشيشي، وعلى وزير الخارجية المقرّب من القصر عثمان الجارندي، وبعقد اجتماعات من دون حضورهما أو حضور من يمثلهما، في قصر قرطاج مع سفير فرنسا في تونس أندريه باران، وعضو في الحكومة الفرنسية. وقد أصدر سفير فرنسا بلاغاً رسمياً لتفنيد هذه الاتهامات، غير أن مرزوق عاد إلى توجيه الاتهام في بلاغ مطوّل. وقدّم ما قال إنها تفاصيل عن اللقاء، ونشر صوراً تجمع الوزيرة المستشارة مديرة الديوان الرئاسي عكاشا بالسفير باران وكاتب الدولة الفرنسي، بغياب أي ممثل عن وزارة الخارجية وعن رئاسة الحكومة التونسيتين. ومن ثم، دعم هذه الرواية وزير الخارجية الأسبق والقيادي في حزب «حركة النهضة» الدكتور رفيق عبد السلام، الذي اتهم بدوره «قصر قرطاج» (مقر رئيس الجمهورية) بالتشويش على رئيس الحكومة المشيشي عشية زيارته الرسمية الأولى إلى باريس، وزيارة كانت مقررة إلى روما لكنها أجّلت «لأسباب صحية».
- اتهامات بـ«الخيانة»
أكثر من هذا، فإن رفيق عبد السلام كتب على صفحته الرسمية في «فيسبوك» أن «القصر (أي الرئيس سعيّد) اشتغل على إفشال زيارة هشام المشيشي إلى فرنسا، والمحيطون به ربطوا خيوطهم مع قرطاج لتحقيق نفس الهدف، ووزير الخارجية أغلق هاتفه واختفى عن الأنظار، ولم يعد لعمله إلا بعد انتهاء الزيارة».
بيد أن مقرّبين من قصر قرطاج أوضحوا أن المسؤول الحكومي الفرنسي إنما جاء إلى تونس في سياق «التحضير للقمة العالمية للدول الفرنكوفونية» التي من المقرر عقدها عام 2021 في جزيرة جربة السياحية في الجنوب التونسي. كذلك، عقّب الرئيس سعيّد بطريقة غير مباشرة على الاتهامات التي وجّهها إليه وإلى مستشارته الوزيران السابقان مرزوق وعبد السلام وأنصارهما، متهماً خصومه بـ«الخيانة». واستخدم رئيس الجمهورية مصطلح «خائن» 3 مرات في كلمة توجه بها إلى الشعب بمناسبة ترؤسه اجتماع المجلس الأعلى للجيوش. لكن الباحث في العلوم السياسية والقانونية حمادي الرديسي، الذي أصدر بدوره في الآونة الأخيرة كتاباً عن «الشعبوية السياسية» في تونس وفي المنطقة، لا يوافق على كلام الرئيس سعيّد، ويردّ متهماً إياه ومجموعة من الساسة التونسيين بالمبالغة في «تخوين النخبة والخصوم السياسيين والإعلاميين». في حين يشير عالم الاجتماع ووزير الثقافة السابق المهدي مبروك إلى أن خطب الرئيس سعيّد اتهمت فيما لا يقل عن 10 مناسبات خصومه بالخيانة والتآمر... من دون الكشف عن الأسماء وتقديم أدلة.
في أي حال، تطوّر هذا الجدل إلى حملات في وسائل الإعلام التقليدية والاجتماعية ضد الوزيرة عكاشا، كبيرة مستشاري قصر الرئاسة، واتهامها بممارسة ضغوط كبيرة على رئيس الحكومة هشام المشيشي منذ ترشيحه للمنصب، وذلك بسبب اعتراضه على بعض الوزراء الذين فرضتهم كبيرة المستشارين ضمن فريقه الحكومي، باسم رئاسة الجمهورية، خلافاً لما ينص عليه الدستور والقانون.
- ورقة الفساد المالي
في هذه الأثناء، التزم رئيس الحكومة هشام المشيشي الصمت إزاء هذه الأزمة. في حين بادرت قيادات الأحزاب التي صوتت لمصلحة حكومته في البرلمان بإعلان دعمها له، ولتزعمه عملية واسعة لـ«محاربة الفساد المالي والإداري» شملت وزير البيئة والحكم المحلي وعدداً من كبار المسؤولين عن قطاعات التوريد والقمارق (الجمرك)، جرى توقيفهم في انتظار توقيف بقية المتهمين. ولقد ردّ قصر قرطاج على بوادر تشكيل جبهة ضد الرئيس من قبل الائتلاف الحزبي المناصر لحكومة المشيشي عبر الإعلان عن استقبالات أجراها الرئيس سعيّد مع خصومهم، بزعامة أمين عام نقابات العمال نور الدين الطبوبي والوزير والزعيم السابق لحزب التيار الديمقراطي محمد عبو. وكان عبو قد أدلى أخيراً بسلسلة من التصريحات المساندة لرئيس الجمهورية، كما انتقد بقوة قيادات حزبي «حركة النهضة» و«قلب تونس» واتهمها بالفساد المالي والإداري وبتحمل مسؤولية «إجهاض مسار الثورة والتغيير والإصلاح». كذلك، طالب عبو بتوقيف «الفاسدين» من قيادات الحزبين «وإيداعها السجن». وهكذا، يشبّه مراقبون التنافس الحالي بين قصري قرطاج (مقر رئيس الجمهورية) والقصبة (مقر رئيس الحكومة) في استخدام ورقة محاربة الفساد المالي بالحملة التي قادها رئيس الحكومة الأسبق يوسف الشاهد، عام 2017. ضد عدد من المسؤولين ورجال الأعمال الذين أذن باعتقالهم واتهمهم بالفساد في سياق معركته مع الرئيس السابق الراحل الباجي قائد السبسي ونجله حافظ وبعض المقربين منهما.
- انحياز السفراء إلى رئيس الحكومة
في سياق متصل، كشفت مصادر من مفوضية الاتحاد الأوروبي لـ«الشرق الأوسط» عن أن سفراء دول الاتحاد الأوروبي في تونس تواصلوا خلال الفترة الأخيرة مع رئيسي الحكومة هشام المشيشي والبرلمان راشد الغنوشي، وأعلموهما باستعداد حكوماتهم لتطوير شراكاتها الاقتصادية والسياسية والأمنية مع تونس. وعُلم أنه زار عدد منهم رئيس البرلمان وعقدوا جلسات عمل علنية معه، ونظموا غداء عمل في أحد فنادق ضاحية قرطاج مع رئيس الحكومة، تعبيراً عن مساندتهم له. ونوه المشيشي، من جانبه، بالمبادرة فأدلى بتصريحات رحبت بها العواصم الأوروبية، لكون رئيس الحكومة قد أعلن عن موافقة رسمية - هي الأولى من نوعها - على ترحيل المهاجرين غير القانونيين والمتهمين بالضلوع في الإرهاب من أوروبا إلى تونس.
وهنا قال عفيف البوني، الباحث في العلوم السياسية والمفكر القومي العربي، لـ«الشرق الأوسط» معلقاً أن «كبار صنّاع القرار في أميركا وفي الدول الأوروبية لا يمكن أن ينحازوا إلى الرئيس قيس سعيّد وفريقه في الصراع الحالي بينه وبين رئيسي الحكومة والبرلمان لأسباب كثيرة، من بينها اتهامه بـ(الخيانة) كل من دافع عن خيار التطبيع بين الدول العربية وإسرائيل، إلى جانب تماديه في الدفاع عن التنويه بما يسمى بالثورة التونسية والثورات العربية».
وفي المنحى نفسه، حذر البشير الصيد، زعيم التيار الوحدوي القومي والعميد السابق للمحامين، من أن توظّف الأزمة السياسية والاقتصادية الاجتماعية الحالية لممارسة مزيد من الضغوط الخارجية على السلطات التونسية كي توافق على «تطبيع علاقاتها مع سلطات الاحتلال الإسرائيلية وإعادة فتح مكتب علاقات إسرائيلي في تونس».
- موت «الجمهورية الثانية»
لكن الأزمة تبدو «أعمق بكثير» حسب الوزير السابق محسن مرزوق، الذي طالب كبار السياسيين بإعلان «موت الجمهورية الثانية» التي ولدت بعد المصادقة على «دستور يناير 2014» والاستعاضة عن النظام الرئاسي بـ«نظام برلماني معدل». ودعا مرزوق السياسيين التونسيين إلى الدفع في اتجاه إعلان قيام «الجمهورية الثالثة» وإعادة توزيع الصلاحيات بين السلطات. وأيضاً دعا الصادق شعبان، الخبير القانوني ووزير التعليم العالي والعدل الأسبق، الرئيس قيس سعيّد إلى تنظيم استفتاء شعبي بهدف تعديل الدستور وتغيير النظام السياسي المعتمد من نظام برلماني إلى نظام رئاسي، بحجة أنه «تبين أن تونس والبلدان النامية ليست مؤهلة بعد لنظام برلماني يؤدي إلى إضعاف السلطة التنفيذية لصالح البرلمان». ودعم مثل هذه الاقتراحات سياسيون بارزون، بينهم العميد الأسبق لكلية الحقوق الصادق بلعيد، والوزير السابق وزعيم حزب التيار الديمقراطي محمد عبو.
هؤلاء طالبوا رئيس الجمهورية بتفعيل الفصل 80 من الدستور الذي يعتبر أن «البلاد تواجه خطراً داهماً» ما يسمح له بإعلان إجراءات استثنائية، من بينها «تشريك الجيش في إنقاذ البلاد». لكن الدعوات إلى «العسكرة» لقيت معارضة من قبل قيادات معظم الأحزاب المشاركة في الائتلاف الحاكم، بل من قبل بعض قيادات المؤسسة العسكرية، بينهم الجنرال مختار بن نصر رئيس اللجنة الوطنية لمكافحة الإرهاب سابقاً. ولقد عارضها أيضاً وزير الدفاع إبراهيم البرتاجي الذي أعلن في كلمة أمام البرلمان أن «الجيش التونسي يلتزم الحياد، وليس طرفاً في الصراعات السياسية».
وأخيراً، دعا عدد من السياسيين المحسوبين على النظام السابق، بينهم عبير موسى، زعيمة الحزب الدستوري الحر، والوزير أحمد عياض الودرني، إلى الرد على «غلطات» السياسيين والحكومات المتعاقبة منذ 10 سنوات عبر تشكيل جبهة سياسية وطنية «تنقذ البلاد من أزماتها الاقتصادية والاجتماعية»، وتضع حداً «للمأزق العام في البلاد... وهيمنة قوى الإسلام السياسي وجماعات (الإخوان المسلمين)» على المشهد السياسي.
- قصة طويلة لدور السفراء في تونس
> لعب السفراء والقناصل الأجانب دوراً كبيراً في شؤون تونس منذ القرن الميلادي الثامن عشر. ولقد تراوح دورهم بين تسهيل حصول السلطات على قروض مالية، وبين فرض شروط سياسية تعجيزية عليها. ومن هذه الأخيرة تغيير الوزراء ورؤساء الحكومات، كما وقع عشية احتلال فرنسا لتونس في مايو (أيار) 1881 عندما أجبر الملك على استبعاد عدد من وزرائه المتهمين بـ«الفساد». ثم أجبر على توقيع معاهدة «الحماية الفرنسية للمملكة» بحجة عجزه عن تسديد الديون المتراكمة.
وبعد استقلال تونس عن فرنسا عام 1956 لعب بعض السفراء، وخاصة سفراء فرنسا والولايات المتحدة والجزائر، دوراً كبيراً في التأثير في قرارات قصري الرئاسة والحكومة ووزارات الخارجية والتعاون الدولي والدفاع والداخلية والتربية والتعليم. وحصل ذلك بـ«ضوء أخضر» من الرئيسين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي.
ثم بعد ثورة يناير 2011 تزايد دور السفارات الأميركية والألمانية والبريطانية في تونس، التي تضاعف عدد دبلوماسييها وموظفيها عدة مرات. وأيضاً ازداد الدور السياسي لسفارة ألمانيا، لأن السلطات الألمانية قدّمت طوال العقد الماضي أكبر دعم مالي ولوجيستي لعملية «الانتقال الديمقراطي» في تونس.
بعدها، إبان الأزمة السياسية الخانقة التي مرّت بها تونس في 2013 لعبت سفارتا ألمانيا وفرنسا ومفوضية الاتحاد الأوروبي دوراً مهماً في اختيار وزير الصناعة - آنذاك - المهدي جمعة، لترؤس الحكومة، في أعقاب استقالة «حكومة الترويكا» برئاسة علي العريّض القيادي في حزب حركة النهضة. وبالفعل، نشرت الصحف صوراً للمهدي جمعة بصدد تناول غداء في مطعم شعبي لمشاوي اللحم خارج العاصمة تونس مع السفير الألماني. وتحدثت وسائل الإعلام، في حينه، عن «دبلوماسية المشوي» التي نجحت في إنهاء الأزمة السياسية واختيار «رئيس حكومة تكنوقراط سبق أن عمل مهندساً في مؤسسات ألمانية وفرنسية».
هذا، وأحدث سفراء الاتحاد الأوروبي، تحديداً «آلية غير رسمية للتنسيق والتشاور» في تونس خلال السنوات الماضية، ساهمت في ترشيح المهدي جمعة رئيساً للحكومة المؤقتة عام 2014. ثم في دعم حكومة يوسف الشاهد ما بين أواسط 2016 ومطلع 2020 بحجة «دعم الاستقرار».



إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)

وسّع الجيش الإسرائيلي موجة إنذارات الإخلاء إلى السفح الغربي لجبل الشيخ، في تمدد غير مسبوق باتجاه منطقة حدودية مع سوريا لم تكن محتلة منذ العام 1985 في جنوب شرقي لبنان، وهو ما أثار موجة أسئلة عن خريطة الحركة الجديدة التي لا تقتصر على تقييد عودة السكان فحسب، بل تعيد توجيه ثقلها العملياتي نحو الشرق.

ويشير ضم الجيش الإسرائيلي لبلدة عين عطا ضمن تمددها إلى جبل كريستوباني، وهي تسمية إسرائيلية مستحدثة للمنطقة، إلى أن المعركة لم تعد محصورة في الجبهة الجنوبية التقليدية، بل تتجه تدريجياً إلى اختبار محاور بديلة باتجاه الحدود مع سوريا، قد تعيد رسم خطوط الاشتباك. وبدل أن تتحول الهدنة إلى مساحة استقرار، تبدو مرحلة لإعادة التموضع، وتقوم على ضبط الأرض جنوباً، وفتح احتمالات التصعيد شرقاً.

خريطة نشرها الجيش الإسرائيلي للمنطقة الحدودية مع لبنان (الجيش الإسرائيلي)

وعين عطا، تتبع إدارياً قضاء راشيا في محافظة البقاع، وتقع على مرتفع استراتيجي على الجانب اللبناني من سفح جبل حرمون، وهي منطقة اتصال بين الأراضي اللبنانية والأراضي السورية التي احتلتها إسرائيل في العام الماضي في شمال القنيطرة، وتشرف في لبنان على عمق استراتيجي يربط البقاع بالجنوب.

محررة منذ 1985

ويضع مصدر نيابي لبناني هذا التصعيد بالتحذيرات في إطار مختلف، معتبراً في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أنّها «تندرج ضمن الضغط الذي يستهدف كل اللبنانيين، عبر توسيع رقعة القلق، وزرع حالة دائمة من الترقّب، والخوف»، مضيفاً: «إنّ المشروع التوسعي الإسرائيلي لا يستثني أحداً من حيث الاستهداف».

ويوضح المصدر أنّ إدراج عين عطا ضمن هذه التحذيرات «يثير تساؤلات جدية، لا سيما أنّ البلدة ليست من القرى التي خضعت للاحتلال في مراحل التسعينات، بل تُعدّ محرّرة منذ عام 1985»، مشدداً على أنّ «الحديث عنها بهذا الشكل يفتقر إلى الدقة، سواء من الناحية التاريخية، أو الميدانية».

أطفال يلهون في سيارة مدمرة بجنوب لبنان العام 1983 (متداول)

تبدّل في التفكير العملياتي

في قراءة أوسع لهذه المؤشرات، يضع رئيس «مركز الشرق الأوسط للدراسات» العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر هذا التصعيد ضمن سياق تحوّل في المقاربة العسكرية الإسرائيلية. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنّ «الحديث عن منطقة جنوب عين عطا لا يمكن فصله عن القراءة العسكرية لطبيعة السيطرة النارية والاستكشافية التي يؤمّنها جبل الشيخ»، موضحاً أنّ «جبل الشيخ يوفّر إشرافاً بالنار والاستطلاع يمتد إلى البقاع الغربي، ومناطق واسعة من الجنوب».

ويشير إلى أنّ «إسرائيل بعدما لم تنجح في تحقيق تقدّم حاسم في الجنوب، بدأت تبحث عن محاور بديلة، من بينها البقاع الغربي، ومنطقة عين عطا تحديداً، لما لهذه المنطقة من أهمية عملياتية»، لافتاً إلى أنّ «هذا المحور كان مطروحاً سابقاً كخيار لهجوم بري محتمل، خصوصاً أنّ التقدّم من الجنوب أثبت تعقيداته الميدانية».

جرافات إسرائيلية معززة بدبابات عسكرية تنفذ أعمال هدم داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

ويضيف أنّ «السيناريو الأكثر ترجيحاً كان، ولا يزال، يعتمد على اختراق من جهة البقاع الغربي، نظراً لخصوصية هذه المنطقة من حيث الطبيعة الجغرافية والديموغرافية، فهي أقل تعقيداً من الجنوب، وأرضها أكثر انفتاحاً، ما يسهّل العمليات العسكرية».

توسعة بالتحذيرات

وتتزامن التحذيرات مع استمرار تمركز القوات الإسرائيلية خلال فترة وقف إطلاق النار، وتشمل طيفاً واسعاً من القرى، من الناقورة في جنوب غربي لبنان، إلى مرجعيون وكفرشوبا وعين عطا شرقاً، مروراً ببلدات محورية، مثل بنت جبيل، والخيام، وميس الجبل، إضافة إلى مناطق حيوية كنهر الليطاني ووادي السلوقي. وعلى الأرض، تتقاطع هذه الإنذارات مع معطيات ميدانية تشير إلى استمرار تمركز القوات الإسرائيلية داخل بعض النقاط، ما يحوّل الهدنة عملياً إلى مساحة ضبابية بين وقف النار واستمرار السيطرة.

وتتقدم منطقة عين عطا في هذه القراءة بوصفها نقطة مفصلية في أي سيناريو عسكري محتمل. ويشدّد جابر على أنّ «منطقة جنوب عين عطا تشكّل نقطة مفصلية في أي حسابات عسكرية، كونها مفرق طرق يربط بين البقاع الغربي وراشيا وحاصبيا والجنوب، وبالتالي فإن السيطرة عليها تفتح مسارات متعددة لأي تقدّم عسكري»، معتبراً أنّ «أهميتها تكمن في كونها عقدة مواصلات تتيح الانتقال نحو عدة اتجاهات في وقت واحد».

نازحون يعبرون جسراً مدمراً في طريق العودة إلى منازلهم في قرية طير فلسيه في جنوب لبنان (أ.ب)

ويشير إلى أنّ السيطرة عليها تتيح التحرك شرقاً نحو عمق البقاع، وجنوباً نحو حاصبيا والعرقوب، وغرباً باتجاه القرى الأساسية في البقاع الغربي، ما يمنح أي قوة مهاجمة مرونة عالية في المناورة، والتحكم بخطوط الإمداد». ويقول إنّ «التركيبة الديموغرافية المختلطة في هذه المنطقة تجعلها، عسكرياً، أكثر رخاوة من بيئة الجنوب».

ويرى أنّ «هذا السيناريو، في حال تحقّق، قد يؤدي إلى فصل البقاع الشمالي عن الجنوب، ما يغيّر موازين المعركة بشكل جذري، ويضع القوى المدافعة أمام تحديات لوجستية وميدانية أكثر تعقيداً».

الأهداف تتجاوز الميدان

لا يقتصر هذا التحوّل، وفق جابر، على البعد العسكري، بل يتعداه إلى أهداف سياسية واضحة. ويرى أنّ «إسرائيل، في حال دخلت واحتلت نقاطاً في هذه المنطقة، قد تتكبّد خسائر، لكنها تراهن على استخدام هذا التقدّم ليكون ورقة ضغط، ولفرض شروطها السياسية على لبنان، خصوصاً فيما يتعلق بسلاح (حزب الله) وترسيم الحدود». ويضيف أنّ «الهدف من أي تحرّك عسكري إسرائيلي لا يقتصر على المكاسب الميدانية، بل يتجاوزها إلى تحقيق أهداف سياسية، أبرزها الضغط على الدولة اللبنانية لفرض وقائع جديدة، سواء لجهة سلاح (حزب الله)، أو إعادة ترتيب الحدود الجنوبية».


ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
TT

ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)

لم تمر وفاة الطبيب المصري ضياء العوضي في دولة الإمارات قبل بضعة أيام مرور الكرام، فالجدل دائر منذ أشهر حول شخصيته و«نظريته» التي يروج لها برفض العلاج عبر الأدوية التقليدية والاعتماد على نظام غذائي أطلق عليه «الطيبات».

ورغم تأكيد محاميه أن الوفاة «طبيعية»، وصدور بيان من وزارة الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، الثلاثاء، ذكر أن الوفاة التي حدثت في أحد فنادق مدينة دبي «جاءت طبيعية، ولا توجد أي شبهات جنائية، وجاءت بسبب جلطة مفاجئة بالقلب»، فإن ملابسات الواقعة تحولت إلى مادة جدل واسع على منصات التواصل الاجتماعي.

فالعوضي عُرف بآرائه المثيرة للجدل، مثل التحذير من تناول الأطفال الذكور الدواجن بزعم تأثيرها على «الرجولة»، وتفضيل الإفطار بـ«النوتيلا» على الأطعمة التقليدية مثل الفول، والدعوة إلى استهلاك كميات كبيرة من السكر يومياً، إلى جانب التحذير من الخضراوات رغم قيمتها الغذائية المعروفة.

العوضي عُرف بالترويج لما سمّاه «نظام الطيبات» رافضاً العلاج بالأدوية التقليدية (لقطة من لقاء تلفزيوني أجراه معه الإعلامي محمود سعد)

ولا تزال صفحات مؤيدة له تضم آلاف المتابعين تعيد نشر مقاطع له وتدافع عن منهجه في التغذية، ومن بين هؤلاء مدوِّنة تُدعى رشا حجازي، قالت إن الطبيب الراحل طوّر ما يُعرف بـ«دايت الأرز» الذي وضعه الطبيب الألماني - الأميركي والتر كيمبنر.

غير أن الطبيب والإعلامي المصري الدكتور خالد منتصر روى تفاصيل موقف وحيد جمعه مع العوضي، عبر منشور على «فيسبوك»، حين علّق الراحل بشكل عدّه منتصر «غير طبيعي» وحذره من «أكل البطيخ» مظهراً «ثقة زائدة»، ولفت منتصر إلى أن «تحويل الطبيب العوضي إلى تريند» على مواقع التواصل أسهم في «زيادة حضوره الإعلامي».

وشدد منتصر على أن الوفاة لا تنفي حق نقد «الآراء الطبية غير العلمية»، مؤكداً أن «توصية الطبيب الراحل بوقف الإنسولين أو مثبطات المناعة أو الكورتيزون بشكل مفاجئ يُعد جريمة طبية»، محذراً من أن ذلك يكرّس الجهل ويغذي من وصفهم بـ«سماسرة الوهم».

اتهامات وشطب عضوية

في السياق ذاته، أشار الدكتور أسامة حمدي، أستاذ الباطنة والسكر بجامعة هارفارد الأميركية، إلى ما وصفها بـ«أخطاء طبية جسيمة» نُسبت إلى الطبيب الراحل، تمثلت في الترويج لعلاج مرض السكري بزيادة تناول السكر، والدعوة إلى وقف الإنسولين حتى لمرضى النوع الأول، إضافةً إلى وقف الكورتيزون عن مرضى يعتمدون عليه.

وأوضح أن هذه الممارسات، وفق روايات طبية، أدت إلى مضاعفات خطيرة بينها حالات تسمم كيتوني ووفاة سيدة، محذراً من خطورة تجاهل الأسس العلمية في علاج الأمراض المزمنة، حسب منشور عبر صفحته على «فيسبوك».

وفي مارس (آذار) الماضي، قررت نقابة الأطباء المصرية شطب عضوية العوضي، بعد اتهامه بنشر معلومات طبية مضللة وغير مدعومة علمياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدةً أن هذه الممارسات قد تمثل تهديداً مباشراً لصحة المواطنين.

كما شملت الاتهامات الترويج لأساليب علاجية غير معتمدة علمياً في التعامل مع بعض الأمراض المزمنة، وهو ما عدّته لجنة التأديب بالنقابة إخلالاً جسيماً بأصول المهنة وقواعدها الأخلاقية والمهنية.

ويعتقد الدكتور وسام إبراهيم حمودة، استشاري ورئيس قسم جراحات التجميل والحروق بجامعة بنها، أن «الأدوية العشبية والمنتجات الطبيعية قد تلعب دوراً في الوقاية من بعض الأمراض، إلا أن فاعليتها في العلاج أو تسريع التعافي لا تزال بحاجة إلى أدلة علمية حاسمة».

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «حسم هذا الجدل يتطلب جهوداً بحثية جادة تقودها مؤسسات علمية وشركات دواء عربية، لإنتاج دراسات موثوقة قادرة على الفصل في هذا الملف، في ظل غياب يقين علمي نهائي حتى الآن».

«منظومة مصالح» أم «منظومة تغذية»؟

ووسط الجدل الدائر حول منهجه، قال مصطفى ماجد، محامي العوضي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن ملابسات وفاة موكله تواكبت مع انقطاع التواصل مع أسرته قبل أيام. لكنه أكد أن سبب الوفاة «لا تتوفر به أي شبهة جنائية»، مشيراً إلى أنه تلقى إخطاراً هاتفياً من السلطات المصرية يفيد بأن «التحقيقات الجارية في الإمارات عزت سبب الحقيقي للوفاة إلى أزمة قلبية». وهو ما أوضحته وزارة الخارجية في بيان الثلاثاء.

وسبق أن وجّه وزير الخارجية، بدر عبد العاطي، القنصلية المصرية في دبي بـ«التواصل المستمر مع السلطات الإماراتية المختصة للوقوف على ملابسات الواقعة، ومتابعة الإجراءات ذات الصلة»، إلى جانب سرعة إنهاء الإجراءات اللازمة لنقل الجثمان إلى مصر.

المحامي مصطفى ماجد (صفحته الرسمية)

ورغم الإعلان لم ينقطع الجدل، إذ كتب أحد متابعيه، ويدعى علي محمد، معبّراً عن قناعته بأن العوضي واجه ما وصفها بـ«منظومة مصالح» داخل القطاع الطبي تشمل أطباء ومعامل وشركات أدوية. وزعم أن هذه المنظومة تستفيد من المرضى عبر الإكثار من الوصفات الطبية والفحوص، وترتبط بعلاقات دعائية وتسويقية مع شركات الأدوية.

غير أن هذه الفرضية يرفضها الدكتور أسامة حمدي الذي رأى أن وقوع الوفاة نتيجة «جلطة قلبية مفاجئة» كان «أمراً متوقعاً»، وكتب في منشور عبر حسابه في «فيسبوك»: «مع الأسف، لقد توقعت تماماً ما حدث له حين رأيت نحافته الشديدة والمستمرة، وفقدانه الشديد لعضلات فخذيه، وشحوب وجهه وتوتره، نتيجة لنظام غذائي صارم ينتهجه، ويمنع عنه -عن عمد- كثيراً من الفيتامينات والأملاح المعدنية، وكثيراً من الأحماض الأمينية المهمة للعمليات الحيوية في الجسم، مع استمراره في التدخين بشراهة رغم التحذيرات المعروفة والمثبتة علمياً».

رأي خبراء الاجتماع

ويُبدي علماء اجتماع شكوكاً في أن هذا الجدل يحمل قدراً مما يُعرف بـ«الافتعال الإعلامي»، وهي أيضاً رؤية الدكتور سعيد صادق، أستاذ الاجتماع السياسي بالجامعة الأميركية، الذي لفت إلى أن العوضي «لم يكن لديه منتج علمي أو طبي ملموس يبرر فرضيات الاستهداف أو المؤامرة، مثل حالات شهيرة لعلماء في عالمنا العربي».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «الانشغال الواسع بالقضية يعكس خللاً في ترتيب أولويات النقاش العام، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية التي يواجهها المواطن المصري»، مضيفاً أن «تضخم مثل هذه القضايا يرتبط بطبيعة الإعلام الرقمي وسعي بعض الصفحات وراء (التريند) لما يحققه من عوائد سريعة».

وانتهى إلى أن «ثورة السوشيال ميديا أعادت تشكيل بيئة الإعلام، وأصبح البحث عن الانتشار هدفاً رئيسياً لدى كثير من المنصات»، مؤكداً أن ذلك يؤدي إلى تضخيم قضايا هامشية على حساب ملفات أكثر أهمية وتأثيراً في المجتمع.


قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
TT

قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

صعّدت الجماعة الحوثية من حملات القمع والاعتقالات في محافظة إب، في تطور يعكس تشديداً في القبضة الأمنية على واحدة من أعلى المحافظات اكتظاظاً بالسكان وأكبرها رفضاً لسلطة الجماعة الانقلابية، وذلك بالتزامن مع تحويل منشآت مدنية سجوناً سرية.

في هذا السياق، كشفت مصادر حقوقية عن استحداث الجماعة ما لا يقل عن 14 سجناً سرياً داخل منشآت مدنية وعسكرية في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، بينها مرافق رياضية وثقافية، في وقت ارتفع فيه عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، بينهم ناشطون وتربويون وشباب، في سياق حملة تستهدف كبح أي تحرك مجتمعي معارض.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن هذه الحملة تأتي ضمن استراتيجية أمنية أوسع تهدف إلى إحكام السيطرة على المحافظة التي ظلت، خلال السنوات الماضية، بؤرة احتجاجات صامتة ومفتوحة ضد ممارسات الجماعة، خصوصاً في ظل تدهور الأوضاع المعيشية وغياب الخدمات الأساسية.

وتفيد مصادر حقوقية بأن ما يسمى «جهاز استخبارات الشرطة»، الذي يقوده علي الحوثي، نجل مؤسس الجماعة، يقف وراء موجة اعتقالات جديدة طالت أكثر من 40 شاباً في مركز المحافظة وأريافها خلال الأسابيع الأخيرة. وبذلك يرتفع عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، في ظل اتهامات فضفاضة تتعلق بدعم الحكومة الشرعية أو معارضة سلطة الجماعة.

أكثر من مائة معتقل يمني في إب دون تهم واضحة خلال العام الماضي (إعلام محلي)

وأكدت منصة «ضمير»، المعنية بتوثيق قضايا المعتقلين والمُخفَين قسراً، أنها رصدت نحو 150 حالة اختطاف خلال العام الماضي والربع الأول من العام الحالي، «ضمن خطة أمنية منظمة تستهدف وأد أي نشاط مجتمعي مناهض».

ولفتت إلى أن هذه العمليات لا تجري عشوائياً، بل وفق آلية تبدأ بـ«الرصد والمتابعة، ثم تنفيذ مداهمات ليلية، تنتهي باقتياد المستهدفين إلى أماكن احتجاز سرية، دون أوامر قضائية».

وتركز الحملة، وفق تقرير المنصة، على فئات محددة في المجتمع، في مقدمتها المدرسون والناشطون المجتمعيون، «خصوصاً في فترات تشهد تصاعداً في الغضب الشعبي أو قبيل المناسبات الوطنية، حيث يُخشى من تحول هذا السخط احتجاجاتٍ ميدانية».

سجون سرية

من أبرز ما كشفت عنه المصادر الحقوقية استخدام الجماعة الحوثية منشآتٍ مدنيةً، بينها مرافق رياضية وثقافية، مراكزَ احتجاز سرية، في خطوة تعكس توسعاً في البنية الأمنية غير الرسمية.

وتشمل هذه المواقع أجزاء من معسكرات، مثل «معسكر الحمزة» في منطقة ميتم، و«معسكر القوات الخاصة» بمنطقة شبان، و«معسكر اللواء55» في مديرية يريم، إلى جانب مبانٍ أخرى توصف بأنها «بيوت آمنة».

كما جرى توسيع سجن المخابرات المعروف باسم «الأمن السياسي»، ليضم أعداداً متصاعدة من المعتقلين، وسط تقارير عن استخدام أساليب تعذيب لانتزاع اعترافات، في ظل غياب أي رقابة قضائية أو حقوقية.

تحويل منشآت رياضية في إب سجوناً حوثية سرية للنشطاء (إعلام محلي)

ويثير تحويلُ المنشآت المدنية أماكنَ احتجازٍ مخاوفَ واسعة من تآكل ما تبقى من البنية المدنية في المحافظة، فضلاً عن تداعيات ذلك على الحياة الاجتماعية والثقافية، إذ كانت إب تُعرف قبل سنوات بأنها «عاصمة السياحة» في اليمن.

على وقع هذه التطورات، أعلنت منصة «ضمير» ما سمتها «قائمة العار»، التي تضم قيادات حوثية قالت إنها مسؤولة بشكل مباشر عن إدارة السجون السرية وحملات القمع في إب. وتهدف هذه الخطوة، وفق المنصة، إلى وضع هؤلاء تحت طائلة المساءلة القانونية مستقبلاً.

وتضم القائمة هادي الكحلاني، المعين مديراً لأمن المحافظة، ونائبه حميد الرازحي، ورئيس فرع ما يسمى «جهاز الأمن والمخابرات»، زيد المؤيد، إضافة إلى عدد من القيادات المحلية المتهمة بتنفيذ الاعتقالات والتغطية على الانتهاكات، من بينهم بكيل غلاب ويحيى القاسمي وعبد الباري الطالبي وأشرف الصلاحي.

وتشير المصادر إلى أن بعض هؤلاء يلعبون أدواراً مزدوجة، تجمع بين العمل الأمني والاستفادة المالية من ملف المعتقلين، عبر شبكات وساطة تبتزّ أسر الضحايا مقابل وعود بالإفراج، غالباً ما يتبين لاحقاً أنها زائفة.

اقتصاد الابتزاز

وفق شهادات حقوقية، تحوّل ملف المعتقلين في إب مصدرَ دخلٍ غير مشروع لبعض المتنفذين، حيث تُفرض على الأسر مبالغ مالية كبيرة مقابل تسهيلات مزعومة أو وعود بالإفراج. وفي كثير من الحالات، يُشترط على الأسر عدم التواصل مع وسائل الإعلام أو المنظمات الحقوقية.

ويرى ناشطون أن هذه الممارسات تعكس ما يصفونه بـ«نظام رهائن»، حيث يُعتقل الأفراد ليس فقط لأسباب سياسية، بل أيضاً لأغراض مالية أو نتيجة وشايات كاذبة. ويشمل ذلك مدرسين يطالبون برواتبهم، وشباباً يشاركون في فعاليات وطنية، وحتى أطباء وناشطين مدنيين.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك رشاشاً على متن عربة عسكرية (إ.ب.أ)

وفي ظل هذه التطورات، تتصاعد الدعوات من قبل ناشطين ومنظمات حقوقية إلى ضرورة تحرك عاجل من المجتمع الدولي لمحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات. ويؤكد هؤلاء أن تحويل المنشآت المدنية سجوناً سرية، وممارسة التعذيب، والإخفاء القسري، كلها تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.

كما يطالبون بفتح تحقيقات مستقلة، وضمان وصول المنظمات الدولية إلى أماكن الاحتجاز، والإفراج الفوري عن جميع المعتقلين دون تهم واضحة، ووضع حد لسياسات القمع التي تستهدف المجتمع المحلي في إب.

ويرى مراقبون أن ما يجري في محافظة إب يمثل نموذجاً مصغراً لسياسات أوسع تتبعها الجماعة في مناطق سيطرتها، حيث تُستخدم الأدوات الأمنية لإدارة المجتمع بالقوة، في ظل غياب مؤسساتِ الدولة وسيادةِ القانون.