عودة التوتر إلى شرق المتوسط... وتركيا تجدد دعوة اليونان لـ«حوار بلا شروط»

أوروبا تحذّر من استمرار انتهاكات حقوق معارضي إردوغان

مواطنون في حديقة عامة بأنقرة يوم الجمعة (أ.ب)
مواطنون في حديقة عامة بأنقرة يوم الجمعة (أ.ب)
TT

عودة التوتر إلى شرق المتوسط... وتركيا تجدد دعوة اليونان لـ«حوار بلا شروط»

مواطنون في حديقة عامة بأنقرة يوم الجمعة (أ.ب)
مواطنون في حديقة عامة بأنقرة يوم الجمعة (أ.ب)

تصاعد التوتر بين تركيا واليونان مجدداً بعد إعلان اليونان عن إجراء مناورات في شرق المتوسط وبحر إيجه، بينما حذر الاتحاد الأوروبي أنقرة من تردي أوضاع حقوق الإنسان، على خلفية الأحكام القضائية بحق صحافيين وناشطين معارضين للرئيس رجب طيب إردوغان، ورفض قرارات محكمة حقوق الإنسان الأوروبية في هذا الشأن.
وطالبت أنقرة اليونان بـ«التصرف بمسؤولية أكبر من أجل إحلال السلام والاستقرار في المنطقة»، بعدما أصدرت إشعار «نوتام» للطيارين لإجراء مناورات في مساحات واسعة شرق البحر المتوسط و15 موقعاً على طول بحر إيجه، بما فيها عدد من الجزر منزوعة السلاح المتنازع عليها مع تركيا، في الفترة من 4 يناير (كانون الثاني) حتى 26 فبراير (شباط) المقبلين.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية التركية، حامي أكصوي، في بيان، أمس (السبت)، إن موقف بلاده لم يتغير إزاء المباحثات الاستكشافية مع اليونان، وإبقاء قنوات الحوار مفتوحة دون شروط مسبقة، متهماً أثينا بمواصلة اتخاذ خطوات استفزازية، وتصعيد التوتر.
وأضاف أكصوي أن «أحدث الأمثلة على ذلك هو إعلان اليونان إشعار نوتام... ندعو اليونان إلى التجاوب مع مساعينا الرامية لتعزيز السلام والاستقرار في المنطقة في إطار علاقات حسن الجوار، والحكمة، والتصرف بمسؤولية أكبر في هذا الشأن».
وجاءت الخطوة اليونانية بعدما أصدرت تركيا إخطار «نافتكس» جديداً، الثلاثاء، أعلنت فيه أن السفينة «أوروتش رئيس» عادت لاستئناف عملها في شرق المتوسط، رفقة سفينتي الدعم «أطامان» و«جنكيز خان»، وأنها ستواصل مهامها حتى 15 يونيو (حزيران) المقبل. وسبق ذلك إجراء البحرية التركية تدريبات بالذخيرة الحية في شرق المتوسط.
وفي السياق ذاته، جدد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، في كلمة له أمس، استعداد بلاده للحوار مع الجميع بشرط احترام سيادة تركيا وحقوقها، قائلاً: «ليس لدينا أي مشكلات أو قضايا عصية على الحل مع أوروبا أو الولايات المتحدة أو روسيا أو الصين أو أي دول في المنطقة... مستعدون للحوار والاتفاق والتعاون مع الجميع بشرط احترام سيادتنا وحقوقنا وإمكانياتنا».
وفي غضون ذلك، حذر الاتحاد الأوروبي من الوضع المتدهور لحقوق الإنسان في تركيا، مندداً بالأحكام القضائية الغيابية بحق صحافيين معارضين لإردوغان، منهم الصحافي جان دوندار، رئيس تحرير صحيفة «جمهورييت» السابق المقيم في ألمانيا، الذي صدر ضده حكم بالسجن لأكثر من 27 عاماً، الأربعاء، بتهم تتعلق بالتجسس والإرهاب، على خلفية تحقيق نشره عام 2015 حول تسليم المخابرات التركية شحنات أسلحة لجماعات مسلحة في سوريا.
وقالت نبيلة نسرالي، المتحدثة باسم المفوض الأعلى للسياسة الخارجية والشؤون الأمنية للاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، إن «الاتحاد أعرب مرات عدة عن قلقه العميق إزاء التطور السلبي المستمر لوضعية دولة القانون والحقوق الأساسية والنظام القضائي في تركيا».
وأضافت: «قدمت توصيات إلى تركيا لمعالجة الوضع، لكن الحكم الصادر عن محكمة تركية في حق الصحافي جان دوندار، على خلفية حقه الأساسي في حرية التعبير، يذهب للأسف في الاتجاه المعاكس، على غرار التوقيف الاحتياطي المتواصل لرجل الأعمال عثمان كافالا».
ونبهت نسرالي إلى أنه «بصفتها بلداً مرشحاً لعضوية الاتحاد، وعضواً منذ أمد طويل في مجلس أوروبا، يجب على تركيا بشكل عاجل تحقيق تقدم ملموس مستدام في حماية الحقوق الأساسية التي تمثل حجر زاوية في العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، ويشمل ذلك إسراع النظام القضائي التركي في تطبيق قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، والإفراج العاجل عن عثمان كافالا، وصلاح الدين دميرطاش الرئيس المشارك السابق لحزب الشعوب الديمقراطية المؤيد للأكراد».
وفي الإطار ذاته، أكدت محكمة النقض التركية، مجدداً، أن الأحكام الصادرة عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ملزمة لتركيا، بموجب المادة (90) من الدستور التي تنص على أن المعاهدات الدولية بشأن الحقوق والحريات الأساسية لها الأسبقية على القوانين المحلية، في حالة وجود تعارض بينهما.
وقضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، الثلاثاء، بأنه يتعين على تركيا الإفراج فوراً عن الزعيم الكردي صلاح الدين دميرطاش بسبب انتهاك حقوقه المدنية الأساسية نتيجة احتجازه المطول، لكن إردوغان رفض القرار، قائلاً: «هذا الشخص مذنب في نظر أمتنا، ليس فقط بسبب واجباته أو تصريحاته السياسية، ولكن أيضاً لأنه لم يستطع إبعاد نفسه عن الإرهاب... قرار المحكمة الأوروبية لا يلزمنا».
وفي السياق ذاته، كشف تقرير أعدته نائبة رئيس حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة التركية، جمزة أكوش إلغيزدي، عن رصد مليوني حالة تعذيب ومعاملة مهينة للمعتقلين في السجون خلال السنوات الـ9 الأخيرة.
وبحسب التقرير، تجاوز عدد المعتقلين 300 ألف شخص، وتتزايد انتهاكات الحقوق في السجون يوماً بعد آخر، فيما يتعرض 20 معتقلاً كل ساعة للتعذيب والإهانة، كما تقدم مليون و691 ألفاً و131 سجيناً بشكاوى للقضاء للتحقيق في وقائع تعذيب وضرب وحرمان من الحقوق الإنسانية للمعتقلين.
إلى ذلك، ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية أن تلفزيوناً تركياً خاصاً أعلن نقل وجهة نظر المعارضة الموالية للأكراد أنه اضطر على وقف بثه بعد أقل من شهر على بدء أنشطته، ما أثار مزيداً من المخاوف على حرية الصحافة التي تتعرض أصلاً للتضييق في تركيا.
وكان تلفزيون «أولاي تي في»، المملوك أساساً من رجل الأعمال الوزير السابق جاويد تشغلار، قد بدأ بثه في 30 نوفمبر (تشرين الثاني)، واضطر إلى تعليق برامجه الجمعة، وأعلن التوقف عن البث مباشرة على الهواء.
وقال تشغلار إنه قرر وقف استثماره لأن النهج التحريري للقناة قريب جداً من المعارضة الموالية للأكراد، لكن رئيس تحرير القناة يتهمه بأنه خضع ببساطة لضغوط الحكومة.
وأعلن المدير التنفيذي للقناة، سليمان ساريلار، أن التلفزيون حاول الحفاظ على «التوازن بين فئات المجتمع التركي كافة»، وأضاف: «لكن تبين لنا أنه لا يمكننا الاستمرار في هذا النهج (...) قال جاويد تشغلار إنه يخضع لضغوط كبيرة من الحكومة، وإنه غير قادر على الاستمرار». وأوقفت القناة بثها بعد كلمته.
ومن جهته، اتهم تشغلار القناة، في بيان، بالتخلي عن حيادها، وأنها «مقربة جداً من نهج حزب الشعوب الديمقراطي (الموالي للأكراد)» الذي تتهمه الحكومة بأنه «الواجهة السياسية» لحزب العمال الكردستاني الذي يشن منذ 1984 تمرداً دامياً على الأراضي التركية.
وأعلن: «إني ناشط في السياسة من اليمين الوسط، وقد خدمت بلادي، لكن قوضت نشرات أخبار فريق تحرير (أولاي تي في) موقعي. تباحثت مع شريكي، واقترحت عليه إعادة التوازن، من خلال توظيف القناة لصحافيين جدد»، وأضاف: «أمام رفضه، أبلغته أني غير قادر على الاستمرار، وسأنسحب» من القناة.
وغالباً ما تتعرض تركيا لانتقادات بسبب التضييق على حرية الصحافة، وهي من بين أكثر دول العالم التي يسجن فيها صحافيون، وتحتل المرتبة الـ154 على قائمة منظمة «مراسلون بلا حدود» لحرية الصحافة التي تضم 180 بلداً.



«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
TT

«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)

‌قال مسؤول أميركي إن رسالة بريد إلكتروني داخلية لوزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة أعضاء في حلف شمال الأطلسي تعتقد ​أنهم لم يدعموا العمليات الأميركية في الحرب مع إيران، بما في ذلك تعليق عضوية إسبانيا في الحلف، ومراجعة موقف الولايات المتحدة بشأن مطالبة بريطانيا بجزر فوكلاند.

وذكر المسؤول، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته للتحدث عن محتوى الرسالة، أن الخيارات السياسية مفصلة في مذكرة تصف خيبة الأمل إزاء ما يُنظر إليه على أنه تردد أو رفض من جانب بعض أعضاء الحلف لمنح الولايات المتحدة حقوق الوصول والتمركز ‌العسكري والعبور ‌الجوي في إطار حرب إيران، وفقاً لما نقلته وكالة «رويتر» للأنباء».

وأشار إلى أن ​الرسالة ‌وصفت ⁠حقوق الوصول ​والتمركز العسكري والعبور ⁠الجوي بأنها «مجرد الحد الأدنى المطلق بالنسبة لحلف شمال الأطلسي»، وأضاف أن الخيارات كانت متداولة على مستويات عالية في البنتاغون.

وذكر المسؤول أن أحد الخيارات الواردة في الرسالة يتضمن تعليق عضوية الدول «صعبة المراس» من مناصب مهمة أو مرموقة في حلف الأطلسي.

وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشدة أعضاء حلف شمال الأطلسي لعدم إرسال أساطيل بحرية للمساعدة في فتح مضيق هرمز، الذي أُغلق ⁠أمام الملاحة البحرية العالمية عقب اندلاع الحرب ‌الجوية في 28 فبراير (شباط).

كما أشار ترمب ‌إلى أنه يفكر في الانسحاب من ​الحلف. وتساءل ترمب خلال مقابلة مع ‌«رويترز» في أول أبريل (نيسان) قائلاً: «ألم تكونوا لتفعلوا ذلك لو ‌كنتم مكاني؟»، رداً على سؤال حول ما إذا كان انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي مطروحاً.

وقال المسؤول إنه مع ذلك فإن رسالة البريد الإلكتروني لا تشير إلى أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك. كما أنها لا ‌تحتوي على اقتراح لإغلاق القواعد الأميركية في أوروبا. ولكن المسؤول رفض الإفصاح عما إذا كانت الخيارات تتضمن ⁠سحب الولايات المتحدة لبعض ⁠قواتها من أوروبا، وهو ما يتوقعه الكثيرون.

ورداً على طلب للتعليق بشأن رسالة البريد الإلكتروني، قالت المتحدثة باسم البنتاغون كينجسلي ويلسون: «مثلما قال الرئيس ترمب، على الرغم من كل ما فعلته الولايات المتحدة لحلفائنا في حلف الأطلسي، فإنهم لم يقفوا إلى جانبنا».

وأضافت ويلسون: «ستضمن وزارة الدفاع أن تكون لدى الرئيس خيارات موثوقة لضمان ألا يكون حلفاؤنا مجرد نمر من ورق (قوة ظاهرية بلا تأثير حقيقي)، بل أن يقوموا بدورهم. ليس لدينا أي تعليق آخر على أي مداولات داخلية بهذا الشأن».

ويقول محللون ودبلوماسيون إن الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران أثارت تساؤلات جدية ​حول مستقبل حلف الأطلسي ​الذي تأسس منذ 76 عاماً، وأثارت قلقاً غير مسبوق من أن الولايات المتحدة قد لا تمد يد العون لحلفائها الأوروبيين إذا تعرضوا لهجوم.


بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
TT

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

وسط استمرار الحرب في أوكرانيا وازدياد تداخل المواقف السياسية في هذا الملف، أثارت تصريحات للأمير البريطاني هاري جدلاً، خصوصاً بعد تعليقه على دور الولايات المتحدة في النزاع. وسرعان ما جاءت ردود فعل رسمية، حيث رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تلك التصريحات وشكّك في صفة تمثيل هاري لبلاده.

فقد انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكداً أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة»، وذلك وفقاً لما نقلته صحيفة «إندبندنت».

وجاءت هذه التصريحات عقب خطاب حماسي ألقاه هاري خلال مشاركته في منتدى كييف الأمني يوم الخميس، دعا فيه «القيادة الأميركية» إلى «الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية»، مشدداً على أهمية الدور الأميركي المستمر في حفظ الأمن العالمي.

وفي مداخلة نادرة له حول قضايا دولية، أوضح هاري أنه لا يتحدث بصفته سياسياً، بل «جندي يُدرك معنى الخدمة»، في إشارة إلى خلفيته العسكرية.

ورداً على هذا الخطاب، الذي ألقاه الأمير خلال زيارة مفاجئة لأوكرانيا، قال ترمب للصحافيين: «أعلم أمراً واحداً، وهو أن الأمير هاري لا يتحدث باسم المملكة المتحدة، هذا أمر مؤكد. بل أعتقد أنني أتحدث باسم المملكة المتحدة أكثر منه».

وأضاف ترمب بنبرة لافتة: «لكنني أُقدّر نصيحته كثيراً».

ثم وجّه سؤالاً قال فيه: «كيف حاله؟ وكيف حال زوجته؟ أرجو إبلاغها تحياتي».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وتأتي زيارة الأمير هاري المفاجئة، وهي الثالثة له إلى أوكرانيا منذ اندلاع الحرب عام 2022، بعد أيام قليلة من اختتام جولة قام بها في أستراليا برفقة زوجته ميغان ماركل.

وفي كلمته، شدد هاري على أن للولايات المتحدة دوراً محورياً في هذا الملف، قائلاً: «للولايات المتحدة دور فريد في هذه القضية، ليس فقط بسبب قوتها، بل لأنها كانت جزءاً من ضمان احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها عندما تخلت عن أسلحتها النووية».

وأضاف: «هذه لحظة للقيادة الأميركية، لحظة لأميركا لتُظهر قدرتها على الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية، ليس بدافع الإحسان، بل انطلاقاً من دورها الدائم في تعزيز الأمن العالمي والاستقرار الاستراتيجي».


إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
TT

إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

دخلت الأزمة بين إثيوبيا وإقليم تيغراي مرحلة جديدة من الصراع، بعد إعلان الحزب السياسي الرئيسي في الإقليم اعتزام استعادة سيطرته على مقاليد الأمور من الحكومة الفيدرالية.

ويعتقد خبير بالشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط» أن تلك التطورات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام، وقد تعيد مشاهد النزاع مجدداً، بينما يرى برلماني ومحلل سياسي في إثيوبيا إمكانية لحل الخلافات عبر مسار سلمي.

وشهدت إثيوبيا أزمات عديدة، بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي أودت بحياة مئات الآلاف وتسببت في نزوح نحو مليون نسمة.

و«جبهة تحرير شعب تيغراي» حركة مسلحة تحولت إلى حزب سياسي وهيمنت على الحياة السياسية الإثيوبية لما يقرب من ثلاثة عقود، قبل أن تنتهي تلك الهيمنة مع تولي آبي أحمد رئاسة الوزراء عام 2018.

انتقادات حقوقية دولية

من جهة أخرى، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية الدولية في تقرير، صدر الأربعاء، إن أبناء إقليم تيغراي، الواقع في شمال إثيوبيا، يتعرّضون «للتمييز والاعتقال التعسفي»، وإن الانتهاكات بحقهم قد ترقى إلى «جرائم ضدّ الإنسانية».

وذكرت لايتيتيا بدر، نائبة مديرة قسم أفريقيا في المنظمة، أن أبناء تيغراي يواجهون «قيوداً قاسية ولا إنسانية على كل جوانب حياتهم»، واتهمت السلطات الإثيوبية وشركاءها بتجاهل هذا الواقع.

وجاءت تلك الانتقادات بعد يومين من تحركات داخلية بالإقليم مناهضة للحكومة الفيدرالية، حيث اتهمتها «جبهة تحرير شعب تيغراي» بانتهاك اتفاقية «بريتوريا» عبر حجب الأموال المخصصة لدفع رواتب موظفي الخدمة المدنية في الإقليم، وأشارت إلى تمديدها ولاية رئيس الإدارة المؤقتة تاديسي ووريدي قبل أيام دون استشارة الحزب. وبحسب الجبهة، فإن الحكومة الفيدرالية تستعجل شن «حرب دامية أخرى».

وقالت الجبهة في بيان إنها تعتزم ممارسة مهامها على كامل الإقليم، وتعهدت بتعزيز الصداقات مع شعوب المناطق الإثيوبية المجاورة ودول الجوار.

وكانت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية قد وقَّعت مع «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» اتفاق «بريتوريا للسلام» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بجنوب أفريقيا، لإنهاء حرب أهلية دامية استمرت عامين. ونص الاتفاق على وقف دائم للأعمال العدائية، وتشكيل إدارة مؤقتة لإدارة الإقليم، عبر حوار بين الطرفين، لتحل محل الهيئات المنتخبة في الإقليم إلى حين تنظيم انتخابات جديدة.

وكررت الحكومة الفيدرالية أكثر من مرة في بيانات رسمية التزامها باتفاقية بريتوريا، واتهمت «جبهة تحرير شعب تيغراي» بالتآمر ضدها مع إريتريا، التي نالت استقلالها عن إثيوبيا عام 1993 وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامي 1998 و2000.

مخاوف من صدامات جديدة بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي» (رويترز)

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، صلاح حليمة، أن «جبهة تحرير تيغراي» المقربة من إريتريا، ليست وحدها التي تتبنى توجهات ذات نزعة استقلالية، مشيراً إلى منطقة الأورومو، وإقليم أوغادين كذلك.

وأضاف أن هذا النزاع الجاري يشكل تهديداً لاستقرار إثيوبيا ويؤثر على وحدتها وسلامتها الإقليمية، «فضلاً عن أن اتفاق بريتوريا في خطر، ما لم تُعالج الأمور بشكل سليم عبر توافق بين الجبهة والحكومة المركزية بمشاركة إريتريا لكونها طرفاً في هذه المشكلة».

في المقابل، يرى النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الحكومة الإثيوبية تواصل تنفيذ بنود «اتفاقية بريتوريا»، وقال إن «جبهة تحرير تيغراي» حتى لو كانت قد نفذت بعض الالتزامات «فإنها لم تطبق ما ورد في نص الاتفاقية بشكل كامل، حيث يوجد خلل كبير في هذا الجانب».

ويشير المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد إلى حملة عسكرية شنتها «جبهة تحرير تيغراي» قبل بضعة أشهر عبر ثلاثة محاور، سبقتها بأشهر تحركات عبر منطقة شمال عفر على الحدود، وقال إن هذه التحركات «هي جزء من الجهود والضغوط التي تبذلها الجبهة سعياً للحصول على دعم دولي وإعلامي وإقليمي».

تصعيد وسط أجواء حوار

تأتي الأزمة الحالية رغم بدء جولة أولى من «منتدى التشاور» في إثيوبيا أوائل الشهر الحالي بحضور معنيين من إقليم تيغراي، في أجواء وصفتها «وكالة الأنباء الإثيوبية» وقتها بأنها إيجابية.

و«الحوار الوطني» هو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها لجنة وطنية مكونة من 11 مفوضاً، بهدف معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خاصة في إقليم تيغراي، فيما يأتي الحوار قبل انتخابات مقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

لكن الأزمة تأتي بعد أجواء حشد عسكرية في فبراير (شباط) الماضي وكانت متبادلة بين الجيش الإثيوبي الذي حاصر الإقليم، وقوات «تيغراي» التي انتشرت باتجاه حدودها.

ولا يستبعد السفير حليمة احتمال المواجهة العسكرية إذا استمر التصعيد بين الحكومة والجبهة، لافتاً إلى أن الحوار المعلن يبدو أنه لم يقدم نتائج، ولم يُفضِ إلى قبول مطالب الجبهة ورؤيتها، ويؤدي بالضرورة إلى دفع الأمور نحو مزيد من التصعيد.

ولا يعتقد النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الأمور ستصل إلى صدام، خاصة في ظل الحوار الوطني الجاري الذي أوشك على الانتهاء في جميع المناطق والأقاليم الإثيوبية، متهماً بعض لجان الجبهة بمحاولة تخريب الاتفاق.

وقال: «حكومتنا تنظر للأمور بهدوء وعدم استعجال، ولذلك فإننا نتوقع أن تحل هذه المشاكل القائمة قريباً عبر الطرق السلمية».

ويتفق معه عبد الصمد قائلاً إن الجبهة غير قادرة على فعل شيء، خاصة في ظل وجود انقسام داخلي عميق داخل صفوفها، مضيفاً: «أستبعد الصدام العسكري، رغم وجود بعض المساعي الإقليمية والداخلية لمحاولة جر المنطقة إلى هذا الصراع».

واستطرد قائلاً: «الشارع داخل إقليم تيغراي أعلن مراراً وتكراراً أنه قد تعب، ولا يريد الانجرار إلى حرب أخرى. ولذلك، أستبعد خيار الصراع، ونتمنى تلافي ذلك عبر حل سياسي يكون شاملاً».