«التنين» يخوض حربه الأخيرة لصالح حليفته الخرطوم

العلاقات السودانية ـ الصينية من «فرقة الأكروبات» إلى «سد مروي»

«التنين» يخوض حربه الأخيرة لصالح حليفته الخرطوم
TT

«التنين» يخوض حربه الأخيرة لصالح حليفته الخرطوم

«التنين» يخوض حربه الأخيرة لصالح حليفته الخرطوم

على قلة استخدامها لحق النقض (فيتو) بشكل عام، ولصالح السودان بشكل خاص، فإن الصين استخدمت هي وروسيا - حق النقض (فيتو) لصالح الحكومة السودانية، لأول مرة، منذ بدء العلاقات السودانية الصينية أبريل (نيسان) 1955.
واعترضت الصين وروسيا نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2014 على مشروع قرار من مجلس الأمن بإدانة السودان لطرده موظفين كبار بالأمم المتحدة، وهو ما يعد عمليا إسقاطا لمشروع القرار، باعتبارهما دولتين تملكان حق النقض (فيتو) داخل المجلس.
واستخدمت الصين غير الميالة لممارسة الـ«فيتو» مثل غيرها من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، حق النقض لصالح الخرطوم، بعد أن كانت قد اكتفت بالامتناع عن التصويت إبان قرار المجلس بإحالة جرائم دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية، وهو قرار تبنته 11 دولة وتحفظت عليه دول «الجزائر، والبرازيل، والصين، والولايات المتحدة»، وصدرت بموجب تلك الإحالة مذكرتي قبض بحق الرئيس السوداني عمر البشير، وعدد من معاونيه أبرزهم وزير دفاعه عبد الرحيم محمد حسين.

على قلة استخدامها لحق النقض (فيتو) بشكل عام، ولصالح السودان بشكل خاص، فإن الصين استخدمت هي وروسيا - حق النقض (فيتو) لصالح الحكومة السودانية، لأول مرة، منذ بدء العلاقات السودانية الصينية أبريل (نيسان) 1955.
واعترضت الصين وروسيا نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2014 على مشروع قرار من مجلس الأمن بإدانة السودان لطرده موظفين كبار بالأمم المتحدة، وهو ما يعد عمليا إسقاطا لمشروع القرار، باعتبارهما دولتين تملكان حق النقض (فيتو) داخل المجلس.
واستخدمت الصين غير الميالة لممارسة الـ«فيتو» مثل غيرها من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، حق النقض لصالح الخرطوم، بعد أن كانت قد اكتفت بالامتناع عن التصويت إبان قرار المجلس بإحالة جرائم دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية، وهو قرار تبنته 11 دولة وتحفظت عليه دول «الجزائر، والبرازيل، والصين، والولايات المتحدة»، وصدرت بموجب تلك الإحالة مذكرتي قبض بحق الرئيس السوداني عمر البشير، وعدد من معاونيه أبرزهم وزير دفاعه عبد الرحيم محمد حسين.
واستخدمت الصين حق النقض طوال تاريخها 7 مرات فقط، مرة لإعاقة عضوية «منغوليا» في الأمم المتحدة، ولإعاقة عضوية بنغلاديش، ومع الاتحاد السوفياتي بشأن الصراع العربي الإسرائيلي، ولإعاقة تمديد تفويض قوات الأمم المتحدة في مقدونيا، ولإعاقة إرسال مراقبين دوليين لغواتيمالا، ومرتين لوقف إدانة النظام السوري، أما المرة السابعة فقد جاءت لمنع إدانة السودان بسبب طرده لموظفي الأمم المتحدة.
ليس هذا الموقف وحده هو الذي يؤكد وضع الصين لثقلها مع الخرطوم، فرغم حجم التبادل التجاري الذي لا يقارن بين الولايات المتحدة والصين، وبينها والسودان، فإن الصين دفعت ثمن العلاقة مع السودان، بمواجهة قرار الكونغرس الأميركي 422 لدفعها لممارسة ضغوط على السودان، لكنها لم تأبه ومضت في إسنادها للسودان.
عسكرياً، فإن الصين وحسب تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة للتنمية ونزع السلاح، نشره موقع «الجيش العربي» على الإنترنت، وهو موقع يحوي معلومات عن قدرات الجيوش العربية القتالية وتسليحها وعقائدها القتالية، فإن الصين كانت تساعد السودان في اقتناء الأسلحة، إضافة إلى كونها مورد أسلحة رئيسي للسودان فإنها كانت تساعده على تطوير إنتاجه المحلي من الأسلحة.
ويقول الموقع إن أول شحنة أسلحة صينية معلنة للسودان مولتها إيران على عهد رئيس الوزراء الأسبق الصادق المهدي، وتضمنت مروحيات وذخائر، وتواصل بعدها استيراد الطائرات العسكرية من الصين طوال تسعينات القرن الماضي وتضمن طائرات مقاتلة أو مروحيات.
ويقول الموقع إن الصينيين ساعدوا السودان على تطوير صناعته الحربية، مما جعل زعيم الإسلاميين الحاكمين في السودان وقتها حسن يتباهى بأن السودان شرع في بناء مصانع دبابات وصواريخ.
كما كشفت قاعدة بيانات التجارة للأمم المتحدة، أن قيمة الأسلحة العسكرية والأسلحة الصغيرة المنقولة من الصين إلى السودان بلغت مليون دولار أميركي 2000، وارتفعت إلى 23 مليون دولار 2005.
واتهمت الصين بخرق فرض حظر التسلح على السودان، وبتزويده بشاحنات عسكرية وتدريب طيارين على مقاتلات إسرائيلية، يبد أن الصين وصفت الاتهامات بأنها «منحازة»، وقالت إن بيع شاحنات للسودان يحدث في «نطاق ضيق جدا».
لكن مبيعات السلاح الصيني للسودان تراجعت من المركز الأول حسب التقارير العسكرية إلى المركز الثالث أو الرابع، بسبب الضغوط الدولية على الصين.
واستجابت الصين للضغط الدولي وضغطت بدورها على حليفتها الخرطوم لقبول قوات حفظ السلام الدولية، فبعثت مساعد وزير خارجيتها «تشاي جون» أبريل 2007 لإقناع الخرطوم بقبول عملية حفظ السلام في دارفور التي كان يرفضها الرئيس السوداني عمر البشير بشدة، وأفلحت في إقناعها بقبول «حزمة الدعم الثقيل» المكونة من 3 آلاف جندي أممي، وعلى نشرهم في إقليم دارفور.
يرجع «إصرار» الصين على استمرار وقوة علاقتها بالسودان، حسب موقع وزارة الخارجية السودانية على الإنترنت، إلى أن العلاقة بين البلدين «تاريخية» بدأت منذ ما قبل التاريخ.
يقول الموقع إن للعلاقة أبعادا سياسية واقتصادية بل و«عاطفية أحيانا»، فشعبا البلدين تقاسما ما يسمى «تجربة نضالية مشتركة»، إبان الاستعمار البريطاني، واستقدام الجنرال الشهير «غردون باشا» الذي أذاق الفلاحين الصينيين «ثورة تانينغ» الأمرين، وقتله الثوار المهديون الذين جاء للإجهاز على ثورتهم فقتلوه في 1885، وهو ما عدته الخارجية السودانية نصرا للثورة المهدية وانتصارا لآلاف الفلاحين الصينيين.
وفي مؤتمر «باندونغ» الشهير والذي تكونت بموجبه مجموعة دول عدم الانحياز 1955، التقى الزعيمان الصيني «شوان لاي» والسوداني «إسماعيل الأزهري»، ثم اعترف السودان بالصين كدولة مستقلة، وافتتحت الصين سفارتها في الخرطوم عام 1959م، وافتتح السودان سفارته في بكين 1970م.
وتعد زيارة رئيس الوزراء الصيني «شوان لاي» للسودان عام 1964م، ورد الرئيس السوداني وقتها الفريق إبراهيم للزيارة في العام نفسه، علامة فارقة في علاقة البلدين. كما، وتحفظ أضابير الخارجية السودانية الموقف المساند للصين في استعادة مقعدها الدائم في مجلس الأمن عام 1971، ودعم الموقف الصيني مما عرف بـ«المسألة التايوانية»، إذ دأبت الدبلوماسية السودانية على التأكيد على وحدة الصين واعتبار تايوان جزءا من الصين الأم.
ثم تطورت العلاقة السودانية الصينية بشكل مطرد وكبير معا، بعيد انقلاب الرئيس عمر البشير يونيو (حزيران) 1989، الذي واجه عزلة دولية خاصة من الدول الغربية، وأسهمت صراعات مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وبروز الصين كقوة اقتصادية كبيرة في العالم في تمتين العلاقة، وأدت لتوقيع عدة اتفاقات بين البلدين: «اتفاق إنشاء اللجنة الوزارية المشتركة، وإعفاء حاملي الجوازات الدبلوماسية والرسمية والخاصة من تأشيرات الدخول للبلدين عام 1995م، والتنقيب عن البترول، وتشجيع وضمان الاستثمار عام 1997م، ومنع الازدواج الضريبي عام 1997م، وإنشاء لجنة التشاور السياسي بين وزارتي الخارجية في البلدين عام 1997م، وبروتوكول التعاون الثقافي والعلمي، واتفاق تبادل الخبرات في مجال القانون عام 2000».
وزار الرئيس عمر البشير الصين 3 مرات أعوام (1990، 1995، 2006)، فيما زار الرئيس الصيني «هو جينتاو» السودان فبراير (شباط) 2007.
وتعززت بين البلدين العلاقات الاقتصادية والسياسية والدولية، وتقف المصالح التجارية والاقتصادية على رأس أولويات العلاقة التي تتبدى سافرة في تزايد الميزان التجاري والاستثمارات بين البلدين وقيام مشروعات ملموسة في قطاع البترول، الكهرباء، والمعادن، ومعدات وطلمبات المياه، ومياه الشرب، والطرق والجسور ومراكز البحوث الزراعية.
ووقع الطرفان عددا من البروتوكولات واتفاقيات التعاون المشترك، وتتضمن التعاون الزراعي، والطيران المدني، والتمويل، والبترول مقابل المشروعات، وقروض نقدية. ويصف محللون زيارة الرئيس البشير الأخيرة إلى الصين 28 يونيو 2011، وتعرضت طائرته خلالها لمحاولة «قرصنة جوية» بهدف القبض عليه وتسليمه لمحكمة الجنايات الدولية، بأنها كانت «مغامرة» كبيرة، لكنهم يقولون في الوقت ذاته، إنها تكشف بوضوح الحاجة السودانية لتوطيد العلاقة مع الصين مهما كانت المخاطرة.
وورد في تقارير «ويكيليكس» أن الشراكة الصينية السودانية النفطية وحدها كانت تقدر ببلايين الدولارات قبل استقلال جنوب السودان، وأنها كانت تستورد قرابة 70 في المائة من النفط السوداني. وأسهمت الصين بشكل كبير في استخراج البترول السوداني، بعد أن غادرت الشركات الغربية «شيفرون، موبيل أويل» وغيرها للسودان بعد استلام الإسلاميين للسلطة في السودان، كما دأبت على توقيع اتفاقيات اقتصادية معه، يذكر منها تقرير ويكيليس اتفاقية فبراير 2007 قدرها 1.2 مليار دولار المخصصة لتأهيل خط السكة الحديدية بين الخرطوم وبورتسودان.
وعلى الرغم، من استقلال جنوب السودان، وذهاب قرابة 80 في المائة من إنتاج النفط إلى جنوب السودان، فإن الصين معنية بالحفاظ على خط أنابيب البترول البالغ طوله قرابة ألف ميل، باعتباره المخرج الوحيد للبترول السوداني في طريقه إلى الصين، وتقدر نسبته بـ7 في المائة من استهلاك الصين، وهو ما جعل من السودان الشريك التجاري الثاني للصين في أفريقيا بعد دولة جنوب أفريقيا.
وكشفت إجابات وزير الخارجية الصيني وانغ يي أثناء زيارته للسودان 11 يناير (كانون الثاني) الحالي على الأسئلة التي وجهت له - على دبلوماسيتها - بأن علاقة البلدين «تستبطنها» الشكوك ويحيط بها الريب من جوانب كثيرة، وكأنهما «السودان والصين»، يقيمان علاقة حب محرمة، بعيدا عن المجتمعين الإقليمي والدولي.
قال الوزير في إجابة سؤال عن سر اهتمام الصين بملفات الصراع السوداني، وما إن كان البترول هو السبب، إن بلاده والسودان صديقان عزيزان وحقيقيان، نمت علاقتهما منذ نصف قرن من الزمان، تقاسما خلالها «السراء والضراء»، مما أدى لتعميق الصداقة بينهما.
وتعزيزا للقول أضاف، أن علاقة بلاده بالسودان لا تحكمها المصالح النفطية وحدها، وأن اهتمامه بالقضايا المتعقلة بالسودانيين، ليس كله مصالح، بل مرتبط بدور بلاده كدولة عظمى، ولا يقتصر على مآربها الخاصة.
وكرر الضيف هذه الإجابة أكثر من مرة وبمفردات تختلف حسب الحال وصيغة السؤال، لكنها لم تجب على السؤال الذي يلاحق العلاقة مهما كان صيغة طرحه، رغم بداهة السؤال وإجابته. وتفصح هذه الإجابة - رغم دبلوماسيتها وعاطفيتها - أن الصين تعرف أن كل ما يلمع ليس ذهبا، وأنها يمكن أن ترفع الجزرة في الوقت الذي تخبئ فيه العصا، على عكس ما تروج له حكومة السودان بأن رباط البلدين «قصة حب صينية»، يتبادل فيها العاشقان الهوى عند سور الصين العظيم.
أتت الزيارة بعد 10 أيام من استخدام الصين لحق النقض لصالح السودان، خصوصا وأن الخرطوم كانت غير راضية - على الأقل - عن امتناع الصين عن استخدام حق النقض لصالحها في مجلس الأمن لحظة إحالة ملف دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية، وموقفها من القرار 2064 الصادر عن مجلس الأمن الذي حدد لدولتي السودان سقفا زمنيا للوصول لتسوية للقضايا العالقة بينهما يونيو 2012.
وينظر السودان «شذراً» لما يمكن أن يطلق عليه تخلي الصين عن علاقتها التاريخية معه لصالح «النفط»، فقد نقلت تقارير نفطية أنها تقدمت بعطاء لمنافسة اليابان على إنشاء أنبوب نفطي من جنوب السودان إلى ميناء لامو الكيني، للالتفاف على التوتر الذي ظل يشوب علاقة البلدين ويؤدي لإعاقة تصدير نفط جنوب السودان عبر الأنبوب السوداني.
الخرطوم تكسب ما يعادل 25 دولارا على كل برميل نفط جنوبي يمر عبر أنبوبها النفطي، وبإنشاء خط الأنابيب الجديد تتأثر حتما عائداتها من نفط جنوب السودان كثيرا. لكن الصين لا تأبه لهذه الشكوك السودانية على ما يبدو، لأنها جاءت هذه المرة وفي يدها جزرة «الفيتو» الأخير، والثمن إسهام السودان في وقف الحرب في جنوب السودان، والتوصل لاتفاقيات مع الجارة الوليدة، وإنهاء الحروب داخله، إن لم يكن من أجله فمن أجل خاطر عيون «الصين الجديدة».
في الزيارة الأخيرة، سعت الصين لجمع المتحاربين في جنوب السودان، لأن الحرب الدائرة هناك أدت لتعثر إنتاج النفط كثيرا، وفي الوقت ذاته، فإن التوتر بين السودان وجنوب السودان، أضر بالنتيجة بالمصالح الصينية في البلدين. قال الوزير الصيني إن وساطته ليست من أجل المصالح النفطية، وإنما تأتي انطلاقا من مسؤولية وواجبات الصين باعتبارها دولة كبرى، وهو ما يفرض عليها التوسط وليس البحث عن المصالح الخاصة.
وأضاف أن بلاده لعبت في السنوات الأخيرة دورا إيجابيا في تسوية النزاعات المتعلقة بالسودان، وفقا لما يفرضه التوافق الدولي وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.
وأوضح أن هذا الدور فرض على بلاده تعيين السفير «تشونغ جيانهوا» مبعوثا خاصا للحكومة الصينية للشؤون الأفريقية، وإن جيانهوا ظل يتنقل بين الصين والسودان في زيارات مكوكية مع الأطراف للوصول لمصالحة بين السودان وجنوب السودان ولتسوية النزاعات داخل جنوب السودان.
وحذر الوزير «وانغ يي» من تأثير تطاول الحروب والنزاعات على صناعة النفط على التعاون بين السودانيين، وهو ما لا تريده بلاده، وأن وساطته تقوم انطلاقاً من هذه المسؤولية، ومن كونها «صديقا عزيزا» للسودان وجنوب السودان.
تاريخيا، أسهمت الصين في إقامة عدد من المشروعات المهمة بالسودان، ولا يزال السودانيون يذكرون «مصنع الصداقة للنسيج، وكوبري حنتوب، وكوبري سنجة، وقاعة الصداقة، وطريق مدني القضارف، ومركز التدريب المهني، ومصفاة الخرطوم».
وقدمت الصين قروضا ومنحا للسودان بلغت قيمتها 3.83 مليار دولار ابتداء من عام 1970 إلى 2008، وبلغت المنح والقروض الممنوحة في الفترة من 1990 - 2008 وحدها 3.7 مليار دولار من إجمالي القروض الصينية للسودان، مما يشير إلى أن هذه الفترة «حكم الإنقاذ» هي الفترة التي كانت فيها الصين أكثر سخاء مع السودان.
واستغلت معظم القروض الصينية في مشروعات البني التحتية مثل الطرق والجسور والكهرباء، كما استغلت القروض التفضيلية التي منحتها الصين للسودان في مشروعات التنقيب واستخرج البترول والذهب في السودان.
وبدأ التعاون التجاري الفعلي بين البلدين بتوقيع اتفاقية 1992 التجارية، ومنذ ذلك الوقت ظل الميزان التجاري حسب تقارير وزارة المالية السودانية لصالح السودان، الذي يصدر إلى الصين سلعا مثل «القطن، والصمغ العربي، والسمسم، والجلود، إضافة للبترول»، بيد أن الميزان التجاري بدأ يميل لصالح الصين بعد 2008، وبلغت مديونيته لصالح الصين وقتها أكثر من 1.2 مليار دولار، فيما بلغ حجم الاستثمارات الصينية في السودان نحو 5 مليارات دولار، ارتفعت إلى قرابة 15 مليون، فيما يعمل فيه أكثر من 16 ألف عامل صيني في السودان.
وابتدعت الدولتان آلية «النفط مقابل الديون» لتمويل المشروعات السودانية، لكن بعد انفصال جنوب السودان وذهاب 75 في المائة من إنتاج النفط، استمر الجانب السوداني في الاستفادة من أنصبة الشركات المنتجة للنفط لتغطية استهلاكه المحلي وبالتالي لم يعد هناك نفط يذهب لسداد الديون، وهو ما جعله يطلب من الصين تأجيل سداد الديون والاستمرار في تمويل المشروعات، من دون أن يقدم ضمانات مقنعة لاستمرار انسياب التمويل.
ما حدا بالجانب الصيني إيقاف تنفيذ بعض المشروعات والتباطؤ في تنفيذ الأخرى، وضعف حماسه في منح مزيد من القروض للدخول في مشروعات جديدة بما في ذلك مشروعات زيادة إنتاج النفط. ويقول مصدر تحدث للصحيفة إن زيارة وزير الخارجية الأخيرة كانت تتضمن في جدول أعمالها بندا مهما، وهو «ديون الشركات»، وأوضح المصدر أن الصين تتجه إلى مقايضة السودان بمشاريع أخرى مقابل هذه الديون.
وترى وزارة المالية السودانية أن العلاقات الاقتصادية مع الصين أحدثت أثرا سياسيا بينا، وأدت لوقوف الصين مع الخرطوم في المحافل الدولية، وآخرها رفض الصين قرار إدانة السودان لطرده موظفين دوليين.
بعد انفصال جنوب السودان، واشتعال الحرب على الحدود بين الدولتين، واستمرار التنازع الحدودي، والتنازع على عائدات البترول، تراجعت صادرات البترول كثيرا، وزاد الطين بلة اشتعال الحرب الأهلية في جنوب السودان نفسه، بين الموالين للرئيس سلفا كير ميارديت والموالين لنائبه السابق رياك مشار، تأثر إنتاج النفط كثيرا مما أثر على المصالح الصينية في البلدين.
وصدر السودان إلى الصين 49 ألف برميل نفط، فيما صدر جنوب السودان 65 ألف يوميا للصين في عام 2013، بعد أن كانتا تصدران مجتمعتين أكثر من 337 ألف برميل يوميا في عام 2012، بسبب تأثر الإنتاج بتوتر العلاقات بين الدولتين.
وتوقف معظم إنتاج النفط في جنوب السودان عقب اندلاع النزاع المسلح بين الفرقاء الجنوبيين في ديسمبر عام 2013، مما سبب خسائر فادحة للصين والشركات النفطية الصينية.
وينظر كثير من المحللين بريب للاستثمارات الصينية في السودان، ويقول الأستاذ في كلية «ويليام ماري»، وهي واحدة من أهم الكليات التي تدرس العلوم السياسية بالولايات المتحدة البروفسور «فيليب رويسلر»، إن جل استثمارات الصين في السودان، يمكن إدراجها ضمن خطة الحزب الحاكم في السودان «المؤتمر الوطني»، وتقوم على تركيز التنمية فيما يعرف بـ«مثلث حمدي».
وجاء في الدراسة الصادرة في مايو (أيار) مايو 2014، أن الصين هي الممول التنموي الرئيس في السودان، وأن استثماراتها تركزت في المثلث الممتد بين ولاية شمال كردفان مارا بالنيل الأبيض إلى بورتسودان ثم شمالا، بما يتوافق مع الخطة الاستراتيجية طويلة الأمد للحزب الحاكم والتي وضعها وزير المالية السابق عبد الرحيم حمدي، ودعا فيها لإنشاء «استثمارات ضخمة جدا وسريعة جدا» في الشمال الجغرافي، والمنطقة التي تتركز فيها قاعدة المؤتمر الوطني، وذهبت إليها معظم الاستثمارات الكبرى مثل «سد مروي»، مما جعل رويسلر يعتبر أن المعونات الصينية للسودان تملك القدرة على التدخل في إعادة هيكلة الدول.
إلى جانب رويسلر، فإن كثيرين من الذين ينظرون إلى الحضور الصيني في الشأن السوداني بريب، وفي بالهم ازدحام الأسواق، والبيوت مليئة بالسلع الصينية رديئة النوعية التي تتلف قبل الشروع في استعمالها. وعادة يصف عامة الناس السلع الصينية برداءة الصنع، ابتداء من «قابس الكهرباء، والسيارات، ويمتد إلى الجسور التي شيدتها شركات صينية»، أو هذا ما قالته السيدة منى زكريا لـ«الشرق الأوسط» بأن الصين أعطت السودان «فرقة الأكروبات وقاعة الصداقة»، وهي تشير إلى شمعة إضاءة صينية احترقت توا أضافت: «أما سواهما فقد اشترينا منهم الترام».



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».