«التنين» يخوض حربه الأخيرة لصالح حليفته الخرطوم

العلاقات السودانية ـ الصينية من «فرقة الأكروبات» إلى «سد مروي»

«التنين» يخوض حربه الأخيرة لصالح حليفته الخرطوم
TT

«التنين» يخوض حربه الأخيرة لصالح حليفته الخرطوم

«التنين» يخوض حربه الأخيرة لصالح حليفته الخرطوم

على قلة استخدامها لحق النقض (فيتو) بشكل عام، ولصالح السودان بشكل خاص، فإن الصين استخدمت هي وروسيا - حق النقض (فيتو) لصالح الحكومة السودانية، لأول مرة، منذ بدء العلاقات السودانية الصينية أبريل (نيسان) 1955.
واعترضت الصين وروسيا نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2014 على مشروع قرار من مجلس الأمن بإدانة السودان لطرده موظفين كبار بالأمم المتحدة، وهو ما يعد عمليا إسقاطا لمشروع القرار، باعتبارهما دولتين تملكان حق النقض (فيتو) داخل المجلس.
واستخدمت الصين غير الميالة لممارسة الـ«فيتو» مثل غيرها من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، حق النقض لصالح الخرطوم، بعد أن كانت قد اكتفت بالامتناع عن التصويت إبان قرار المجلس بإحالة جرائم دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية، وهو قرار تبنته 11 دولة وتحفظت عليه دول «الجزائر، والبرازيل، والصين، والولايات المتحدة»، وصدرت بموجب تلك الإحالة مذكرتي قبض بحق الرئيس السوداني عمر البشير، وعدد من معاونيه أبرزهم وزير دفاعه عبد الرحيم محمد حسين.

على قلة استخدامها لحق النقض (فيتو) بشكل عام، ولصالح السودان بشكل خاص، فإن الصين استخدمت هي وروسيا - حق النقض (فيتو) لصالح الحكومة السودانية، لأول مرة، منذ بدء العلاقات السودانية الصينية أبريل (نيسان) 1955.
واعترضت الصين وروسيا نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2014 على مشروع قرار من مجلس الأمن بإدانة السودان لطرده موظفين كبار بالأمم المتحدة، وهو ما يعد عمليا إسقاطا لمشروع القرار، باعتبارهما دولتين تملكان حق النقض (فيتو) داخل المجلس.
واستخدمت الصين غير الميالة لممارسة الـ«فيتو» مثل غيرها من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، حق النقض لصالح الخرطوم، بعد أن كانت قد اكتفت بالامتناع عن التصويت إبان قرار المجلس بإحالة جرائم دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية، وهو قرار تبنته 11 دولة وتحفظت عليه دول «الجزائر، والبرازيل، والصين، والولايات المتحدة»، وصدرت بموجب تلك الإحالة مذكرتي قبض بحق الرئيس السوداني عمر البشير، وعدد من معاونيه أبرزهم وزير دفاعه عبد الرحيم محمد حسين.
واستخدمت الصين حق النقض طوال تاريخها 7 مرات فقط، مرة لإعاقة عضوية «منغوليا» في الأمم المتحدة، ولإعاقة عضوية بنغلاديش، ومع الاتحاد السوفياتي بشأن الصراع العربي الإسرائيلي، ولإعاقة تمديد تفويض قوات الأمم المتحدة في مقدونيا، ولإعاقة إرسال مراقبين دوليين لغواتيمالا، ومرتين لوقف إدانة النظام السوري، أما المرة السابعة فقد جاءت لمنع إدانة السودان بسبب طرده لموظفي الأمم المتحدة.
ليس هذا الموقف وحده هو الذي يؤكد وضع الصين لثقلها مع الخرطوم، فرغم حجم التبادل التجاري الذي لا يقارن بين الولايات المتحدة والصين، وبينها والسودان، فإن الصين دفعت ثمن العلاقة مع السودان، بمواجهة قرار الكونغرس الأميركي 422 لدفعها لممارسة ضغوط على السودان، لكنها لم تأبه ومضت في إسنادها للسودان.
عسكرياً، فإن الصين وحسب تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة للتنمية ونزع السلاح، نشره موقع «الجيش العربي» على الإنترنت، وهو موقع يحوي معلومات عن قدرات الجيوش العربية القتالية وتسليحها وعقائدها القتالية، فإن الصين كانت تساعد السودان في اقتناء الأسلحة، إضافة إلى كونها مورد أسلحة رئيسي للسودان فإنها كانت تساعده على تطوير إنتاجه المحلي من الأسلحة.
ويقول الموقع إن أول شحنة أسلحة صينية معلنة للسودان مولتها إيران على عهد رئيس الوزراء الأسبق الصادق المهدي، وتضمنت مروحيات وذخائر، وتواصل بعدها استيراد الطائرات العسكرية من الصين طوال تسعينات القرن الماضي وتضمن طائرات مقاتلة أو مروحيات.
ويقول الموقع إن الصينيين ساعدوا السودان على تطوير صناعته الحربية، مما جعل زعيم الإسلاميين الحاكمين في السودان وقتها حسن يتباهى بأن السودان شرع في بناء مصانع دبابات وصواريخ.
كما كشفت قاعدة بيانات التجارة للأمم المتحدة، أن قيمة الأسلحة العسكرية والأسلحة الصغيرة المنقولة من الصين إلى السودان بلغت مليون دولار أميركي 2000، وارتفعت إلى 23 مليون دولار 2005.
واتهمت الصين بخرق فرض حظر التسلح على السودان، وبتزويده بشاحنات عسكرية وتدريب طيارين على مقاتلات إسرائيلية، يبد أن الصين وصفت الاتهامات بأنها «منحازة»، وقالت إن بيع شاحنات للسودان يحدث في «نطاق ضيق جدا».
لكن مبيعات السلاح الصيني للسودان تراجعت من المركز الأول حسب التقارير العسكرية إلى المركز الثالث أو الرابع، بسبب الضغوط الدولية على الصين.
واستجابت الصين للضغط الدولي وضغطت بدورها على حليفتها الخرطوم لقبول قوات حفظ السلام الدولية، فبعثت مساعد وزير خارجيتها «تشاي جون» أبريل 2007 لإقناع الخرطوم بقبول عملية حفظ السلام في دارفور التي كان يرفضها الرئيس السوداني عمر البشير بشدة، وأفلحت في إقناعها بقبول «حزمة الدعم الثقيل» المكونة من 3 آلاف جندي أممي، وعلى نشرهم في إقليم دارفور.
يرجع «إصرار» الصين على استمرار وقوة علاقتها بالسودان، حسب موقع وزارة الخارجية السودانية على الإنترنت، إلى أن العلاقة بين البلدين «تاريخية» بدأت منذ ما قبل التاريخ.
يقول الموقع إن للعلاقة أبعادا سياسية واقتصادية بل و«عاطفية أحيانا»، فشعبا البلدين تقاسما ما يسمى «تجربة نضالية مشتركة»، إبان الاستعمار البريطاني، واستقدام الجنرال الشهير «غردون باشا» الذي أذاق الفلاحين الصينيين «ثورة تانينغ» الأمرين، وقتله الثوار المهديون الذين جاء للإجهاز على ثورتهم فقتلوه في 1885، وهو ما عدته الخارجية السودانية نصرا للثورة المهدية وانتصارا لآلاف الفلاحين الصينيين.
وفي مؤتمر «باندونغ» الشهير والذي تكونت بموجبه مجموعة دول عدم الانحياز 1955، التقى الزعيمان الصيني «شوان لاي» والسوداني «إسماعيل الأزهري»، ثم اعترف السودان بالصين كدولة مستقلة، وافتتحت الصين سفارتها في الخرطوم عام 1959م، وافتتح السودان سفارته في بكين 1970م.
وتعد زيارة رئيس الوزراء الصيني «شوان لاي» للسودان عام 1964م، ورد الرئيس السوداني وقتها الفريق إبراهيم للزيارة في العام نفسه، علامة فارقة في علاقة البلدين. كما، وتحفظ أضابير الخارجية السودانية الموقف المساند للصين في استعادة مقعدها الدائم في مجلس الأمن عام 1971، ودعم الموقف الصيني مما عرف بـ«المسألة التايوانية»، إذ دأبت الدبلوماسية السودانية على التأكيد على وحدة الصين واعتبار تايوان جزءا من الصين الأم.
ثم تطورت العلاقة السودانية الصينية بشكل مطرد وكبير معا، بعيد انقلاب الرئيس عمر البشير يونيو (حزيران) 1989، الذي واجه عزلة دولية خاصة من الدول الغربية، وأسهمت صراعات مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وبروز الصين كقوة اقتصادية كبيرة في العالم في تمتين العلاقة، وأدت لتوقيع عدة اتفاقات بين البلدين: «اتفاق إنشاء اللجنة الوزارية المشتركة، وإعفاء حاملي الجوازات الدبلوماسية والرسمية والخاصة من تأشيرات الدخول للبلدين عام 1995م، والتنقيب عن البترول، وتشجيع وضمان الاستثمار عام 1997م، ومنع الازدواج الضريبي عام 1997م، وإنشاء لجنة التشاور السياسي بين وزارتي الخارجية في البلدين عام 1997م، وبروتوكول التعاون الثقافي والعلمي، واتفاق تبادل الخبرات في مجال القانون عام 2000».
وزار الرئيس عمر البشير الصين 3 مرات أعوام (1990، 1995، 2006)، فيما زار الرئيس الصيني «هو جينتاو» السودان فبراير (شباط) 2007.
وتعززت بين البلدين العلاقات الاقتصادية والسياسية والدولية، وتقف المصالح التجارية والاقتصادية على رأس أولويات العلاقة التي تتبدى سافرة في تزايد الميزان التجاري والاستثمارات بين البلدين وقيام مشروعات ملموسة في قطاع البترول، الكهرباء، والمعادن، ومعدات وطلمبات المياه، ومياه الشرب، والطرق والجسور ومراكز البحوث الزراعية.
ووقع الطرفان عددا من البروتوكولات واتفاقيات التعاون المشترك، وتتضمن التعاون الزراعي، والطيران المدني، والتمويل، والبترول مقابل المشروعات، وقروض نقدية. ويصف محللون زيارة الرئيس البشير الأخيرة إلى الصين 28 يونيو 2011، وتعرضت طائرته خلالها لمحاولة «قرصنة جوية» بهدف القبض عليه وتسليمه لمحكمة الجنايات الدولية، بأنها كانت «مغامرة» كبيرة، لكنهم يقولون في الوقت ذاته، إنها تكشف بوضوح الحاجة السودانية لتوطيد العلاقة مع الصين مهما كانت المخاطرة.
وورد في تقارير «ويكيليكس» أن الشراكة الصينية السودانية النفطية وحدها كانت تقدر ببلايين الدولارات قبل استقلال جنوب السودان، وأنها كانت تستورد قرابة 70 في المائة من النفط السوداني. وأسهمت الصين بشكل كبير في استخراج البترول السوداني، بعد أن غادرت الشركات الغربية «شيفرون، موبيل أويل» وغيرها للسودان بعد استلام الإسلاميين للسلطة في السودان، كما دأبت على توقيع اتفاقيات اقتصادية معه، يذكر منها تقرير ويكيليس اتفاقية فبراير 2007 قدرها 1.2 مليار دولار المخصصة لتأهيل خط السكة الحديدية بين الخرطوم وبورتسودان.
وعلى الرغم، من استقلال جنوب السودان، وذهاب قرابة 80 في المائة من إنتاج النفط إلى جنوب السودان، فإن الصين معنية بالحفاظ على خط أنابيب البترول البالغ طوله قرابة ألف ميل، باعتباره المخرج الوحيد للبترول السوداني في طريقه إلى الصين، وتقدر نسبته بـ7 في المائة من استهلاك الصين، وهو ما جعل من السودان الشريك التجاري الثاني للصين في أفريقيا بعد دولة جنوب أفريقيا.
وكشفت إجابات وزير الخارجية الصيني وانغ يي أثناء زيارته للسودان 11 يناير (كانون الثاني) الحالي على الأسئلة التي وجهت له - على دبلوماسيتها - بأن علاقة البلدين «تستبطنها» الشكوك ويحيط بها الريب من جوانب كثيرة، وكأنهما «السودان والصين»، يقيمان علاقة حب محرمة، بعيدا عن المجتمعين الإقليمي والدولي.
قال الوزير في إجابة سؤال عن سر اهتمام الصين بملفات الصراع السوداني، وما إن كان البترول هو السبب، إن بلاده والسودان صديقان عزيزان وحقيقيان، نمت علاقتهما منذ نصف قرن من الزمان، تقاسما خلالها «السراء والضراء»، مما أدى لتعميق الصداقة بينهما.
وتعزيزا للقول أضاف، أن علاقة بلاده بالسودان لا تحكمها المصالح النفطية وحدها، وأن اهتمامه بالقضايا المتعقلة بالسودانيين، ليس كله مصالح، بل مرتبط بدور بلاده كدولة عظمى، ولا يقتصر على مآربها الخاصة.
وكرر الضيف هذه الإجابة أكثر من مرة وبمفردات تختلف حسب الحال وصيغة السؤال، لكنها لم تجب على السؤال الذي يلاحق العلاقة مهما كان صيغة طرحه، رغم بداهة السؤال وإجابته. وتفصح هذه الإجابة - رغم دبلوماسيتها وعاطفيتها - أن الصين تعرف أن كل ما يلمع ليس ذهبا، وأنها يمكن أن ترفع الجزرة في الوقت الذي تخبئ فيه العصا، على عكس ما تروج له حكومة السودان بأن رباط البلدين «قصة حب صينية»، يتبادل فيها العاشقان الهوى عند سور الصين العظيم.
أتت الزيارة بعد 10 أيام من استخدام الصين لحق النقض لصالح السودان، خصوصا وأن الخرطوم كانت غير راضية - على الأقل - عن امتناع الصين عن استخدام حق النقض لصالحها في مجلس الأمن لحظة إحالة ملف دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية، وموقفها من القرار 2064 الصادر عن مجلس الأمن الذي حدد لدولتي السودان سقفا زمنيا للوصول لتسوية للقضايا العالقة بينهما يونيو 2012.
وينظر السودان «شذراً» لما يمكن أن يطلق عليه تخلي الصين عن علاقتها التاريخية معه لصالح «النفط»، فقد نقلت تقارير نفطية أنها تقدمت بعطاء لمنافسة اليابان على إنشاء أنبوب نفطي من جنوب السودان إلى ميناء لامو الكيني، للالتفاف على التوتر الذي ظل يشوب علاقة البلدين ويؤدي لإعاقة تصدير نفط جنوب السودان عبر الأنبوب السوداني.
الخرطوم تكسب ما يعادل 25 دولارا على كل برميل نفط جنوبي يمر عبر أنبوبها النفطي، وبإنشاء خط الأنابيب الجديد تتأثر حتما عائداتها من نفط جنوب السودان كثيرا. لكن الصين لا تأبه لهذه الشكوك السودانية على ما يبدو، لأنها جاءت هذه المرة وفي يدها جزرة «الفيتو» الأخير، والثمن إسهام السودان في وقف الحرب في جنوب السودان، والتوصل لاتفاقيات مع الجارة الوليدة، وإنهاء الحروب داخله، إن لم يكن من أجله فمن أجل خاطر عيون «الصين الجديدة».
في الزيارة الأخيرة، سعت الصين لجمع المتحاربين في جنوب السودان، لأن الحرب الدائرة هناك أدت لتعثر إنتاج النفط كثيرا، وفي الوقت ذاته، فإن التوتر بين السودان وجنوب السودان، أضر بالنتيجة بالمصالح الصينية في البلدين. قال الوزير الصيني إن وساطته ليست من أجل المصالح النفطية، وإنما تأتي انطلاقا من مسؤولية وواجبات الصين باعتبارها دولة كبرى، وهو ما يفرض عليها التوسط وليس البحث عن المصالح الخاصة.
وأضاف أن بلاده لعبت في السنوات الأخيرة دورا إيجابيا في تسوية النزاعات المتعلقة بالسودان، وفقا لما يفرضه التوافق الدولي وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.
وأوضح أن هذا الدور فرض على بلاده تعيين السفير «تشونغ جيانهوا» مبعوثا خاصا للحكومة الصينية للشؤون الأفريقية، وإن جيانهوا ظل يتنقل بين الصين والسودان في زيارات مكوكية مع الأطراف للوصول لمصالحة بين السودان وجنوب السودان ولتسوية النزاعات داخل جنوب السودان.
وحذر الوزير «وانغ يي» من تأثير تطاول الحروب والنزاعات على صناعة النفط على التعاون بين السودانيين، وهو ما لا تريده بلاده، وأن وساطته تقوم انطلاقاً من هذه المسؤولية، ومن كونها «صديقا عزيزا» للسودان وجنوب السودان.
تاريخيا، أسهمت الصين في إقامة عدد من المشروعات المهمة بالسودان، ولا يزال السودانيون يذكرون «مصنع الصداقة للنسيج، وكوبري حنتوب، وكوبري سنجة، وقاعة الصداقة، وطريق مدني القضارف، ومركز التدريب المهني، ومصفاة الخرطوم».
وقدمت الصين قروضا ومنحا للسودان بلغت قيمتها 3.83 مليار دولار ابتداء من عام 1970 إلى 2008، وبلغت المنح والقروض الممنوحة في الفترة من 1990 - 2008 وحدها 3.7 مليار دولار من إجمالي القروض الصينية للسودان، مما يشير إلى أن هذه الفترة «حكم الإنقاذ» هي الفترة التي كانت فيها الصين أكثر سخاء مع السودان.
واستغلت معظم القروض الصينية في مشروعات البني التحتية مثل الطرق والجسور والكهرباء، كما استغلت القروض التفضيلية التي منحتها الصين للسودان في مشروعات التنقيب واستخرج البترول والذهب في السودان.
وبدأ التعاون التجاري الفعلي بين البلدين بتوقيع اتفاقية 1992 التجارية، ومنذ ذلك الوقت ظل الميزان التجاري حسب تقارير وزارة المالية السودانية لصالح السودان، الذي يصدر إلى الصين سلعا مثل «القطن، والصمغ العربي، والسمسم، والجلود، إضافة للبترول»، بيد أن الميزان التجاري بدأ يميل لصالح الصين بعد 2008، وبلغت مديونيته لصالح الصين وقتها أكثر من 1.2 مليار دولار، فيما بلغ حجم الاستثمارات الصينية في السودان نحو 5 مليارات دولار، ارتفعت إلى قرابة 15 مليون، فيما يعمل فيه أكثر من 16 ألف عامل صيني في السودان.
وابتدعت الدولتان آلية «النفط مقابل الديون» لتمويل المشروعات السودانية، لكن بعد انفصال جنوب السودان وذهاب 75 في المائة من إنتاج النفط، استمر الجانب السوداني في الاستفادة من أنصبة الشركات المنتجة للنفط لتغطية استهلاكه المحلي وبالتالي لم يعد هناك نفط يذهب لسداد الديون، وهو ما جعله يطلب من الصين تأجيل سداد الديون والاستمرار في تمويل المشروعات، من دون أن يقدم ضمانات مقنعة لاستمرار انسياب التمويل.
ما حدا بالجانب الصيني إيقاف تنفيذ بعض المشروعات والتباطؤ في تنفيذ الأخرى، وضعف حماسه في منح مزيد من القروض للدخول في مشروعات جديدة بما في ذلك مشروعات زيادة إنتاج النفط. ويقول مصدر تحدث للصحيفة إن زيارة وزير الخارجية الأخيرة كانت تتضمن في جدول أعمالها بندا مهما، وهو «ديون الشركات»، وأوضح المصدر أن الصين تتجه إلى مقايضة السودان بمشاريع أخرى مقابل هذه الديون.
وترى وزارة المالية السودانية أن العلاقات الاقتصادية مع الصين أحدثت أثرا سياسيا بينا، وأدت لوقوف الصين مع الخرطوم في المحافل الدولية، وآخرها رفض الصين قرار إدانة السودان لطرده موظفين دوليين.
بعد انفصال جنوب السودان، واشتعال الحرب على الحدود بين الدولتين، واستمرار التنازع الحدودي، والتنازع على عائدات البترول، تراجعت صادرات البترول كثيرا، وزاد الطين بلة اشتعال الحرب الأهلية في جنوب السودان نفسه، بين الموالين للرئيس سلفا كير ميارديت والموالين لنائبه السابق رياك مشار، تأثر إنتاج النفط كثيرا مما أثر على المصالح الصينية في البلدين.
وصدر السودان إلى الصين 49 ألف برميل نفط، فيما صدر جنوب السودان 65 ألف يوميا للصين في عام 2013، بعد أن كانتا تصدران مجتمعتين أكثر من 337 ألف برميل يوميا في عام 2012، بسبب تأثر الإنتاج بتوتر العلاقات بين الدولتين.
وتوقف معظم إنتاج النفط في جنوب السودان عقب اندلاع النزاع المسلح بين الفرقاء الجنوبيين في ديسمبر عام 2013، مما سبب خسائر فادحة للصين والشركات النفطية الصينية.
وينظر كثير من المحللين بريب للاستثمارات الصينية في السودان، ويقول الأستاذ في كلية «ويليام ماري»، وهي واحدة من أهم الكليات التي تدرس العلوم السياسية بالولايات المتحدة البروفسور «فيليب رويسلر»، إن جل استثمارات الصين في السودان، يمكن إدراجها ضمن خطة الحزب الحاكم في السودان «المؤتمر الوطني»، وتقوم على تركيز التنمية فيما يعرف بـ«مثلث حمدي».
وجاء في الدراسة الصادرة في مايو (أيار) مايو 2014، أن الصين هي الممول التنموي الرئيس في السودان، وأن استثماراتها تركزت في المثلث الممتد بين ولاية شمال كردفان مارا بالنيل الأبيض إلى بورتسودان ثم شمالا، بما يتوافق مع الخطة الاستراتيجية طويلة الأمد للحزب الحاكم والتي وضعها وزير المالية السابق عبد الرحيم حمدي، ودعا فيها لإنشاء «استثمارات ضخمة جدا وسريعة جدا» في الشمال الجغرافي، والمنطقة التي تتركز فيها قاعدة المؤتمر الوطني، وذهبت إليها معظم الاستثمارات الكبرى مثل «سد مروي»، مما جعل رويسلر يعتبر أن المعونات الصينية للسودان تملك القدرة على التدخل في إعادة هيكلة الدول.
إلى جانب رويسلر، فإن كثيرين من الذين ينظرون إلى الحضور الصيني في الشأن السوداني بريب، وفي بالهم ازدحام الأسواق، والبيوت مليئة بالسلع الصينية رديئة النوعية التي تتلف قبل الشروع في استعمالها. وعادة يصف عامة الناس السلع الصينية برداءة الصنع، ابتداء من «قابس الكهرباء، والسيارات، ويمتد إلى الجسور التي شيدتها شركات صينية»، أو هذا ما قالته السيدة منى زكريا لـ«الشرق الأوسط» بأن الصين أعطت السودان «فرقة الأكروبات وقاعة الصداقة»، وهي تشير إلى شمعة إضاءة صينية احترقت توا أضافت: «أما سواهما فقد اشترينا منهم الترام».



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.