بايدن يستعد لمواجهتين محلياً وخارجياً... وتعييناته تعكس اهتماماً بتحديات الشرق الأوسط

اتهم ترمب بأنه «قوّض» حلفاء الولايات المتحدة و«تخلى» عن القيادة الأميركية

اقترب الرئيس المنتخب بايدن من اكمال تعييناته الوزارية (أ.ف.ب)
اقترب الرئيس المنتخب بايدن من اكمال تعييناته الوزارية (أ.ف.ب)
TT

بايدن يستعد لمواجهتين محلياً وخارجياً... وتعييناته تعكس اهتماماً بتحديات الشرق الأوسط

اقترب الرئيس المنتخب بايدن من اكمال تعييناته الوزارية (أ.ف.ب)
اقترب الرئيس المنتخب بايدن من اكمال تعييناته الوزارية (أ.ف.ب)

اقترب الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن، من استكمال دائرته الحكومية التي ستُعينه في تنفيذ أولويات سياساته المحلية والخارجية. بل إنه شرع في رسم أولوياته في مجالات شتى استعداداً للعبور من محطة يوم التنصيب في 20 يناير (كانون الثاني) المقبل، إلى وعده بأيام أفضل للأميركيين في المواجهة مع جائحة «كوفيد - 19» والتعثر الاقتصادي، وصولاً إلى هدفه «إعادة أميركا إلى طبيعتها» القيادية في خضم أزمات العالم.
توحي التصريحات المتعاقبة التي يدلي بها ابن المؤسسة السياسية العريقة في واشنطن، بالإضافة إلى التعيينات التي أعلنها حتى الآن، أنه عازم على البدء في تطبيق أولوياته الرئيسية في الأيام المائة الأولى له في البيت الأبيض. بيد أن هذه المرحلة الأولى الرمزية التي تعطي انطباعاً أوضح عن الحكم الفعلي للرئيس السادس والأربعين للولايات المتحدة ستكون حبلى بصعوبات التخلص من «التركة الثقيلة» للرئيس المنتهية ولايته دونالد ترمب في ملفات رئيسية، بدءاً من علاقات الولايات المتحدة، ليس فقط مع خصومها التقليديين مثل روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران، بل أيضاً مع حلفائها التاريخيين عبر الأطلسي وفي الشرق الأوسط.
تعكس الخطوات التي اتخذها بايدن حتى الآن ما كتبه في مطلع حملته الرئاسية حين أقر بأن صدقية الولايات المتحدة وتأثيراتها في العالم «تضاءلت»، عازياً ذلك إلى أن الرئيس ترمب «قلل شأن حلفاء أميركا وشركائها، وقوضهم، وفي بعض الأحيان تخلى عنهم»، بل إنه «بدد نفوذنا في مواجهة تحديات الأمن القومي من كوريا الشمالية إلى إيران، ومن سوريا إلى أفغانستان وفنزويلا». واتهمه كذلك بأنه «ديماغوجي»، وبأنه «تخلى عن القيادة الأميركية في حشد العمل الجماعي لمواجهة التهديدات الجديدة».
منذ إعلان انتصاره مع نائبة الرئيس المنتخبة كامالا هاريس، باشر بايدن على الفور ترشيح شخصيات للمراكز الحكومية الرئيسية، مبدياً حرصه أولاً على إتمام الفريق الذي سيعتني بالصحة العامة، ومنها خصوصاً المواجهة مع فيروس «كورونا» الذي فتك بأكثر من 325 ألف أميركي وأصاب ما لا يقل عن 19 مليوناً في غضون عشرة أشهر، علماً بأن «الأسوأ لم يأت بعد» في المعركة مع الفيروس على رغم بدء عمليات توزيع لقاحات «فايزر - بايونتيك» و«موديرنا» والتطعيم في كل أنحاء البلاد. وتمثلت أولويته الثانية الرئيسية في تشكيل فريقه المعني بالمناخ، مانحاً النائبة ديب هالاند منصب وزيرة الداخلية لتكون أول أميركي من الشعوب الأصلية يتسلم منصباً حكومياً. وإذا كان هذا الفريق سيقوم بمهمة داخلية للحفاظ على البيئة في البلاد، سيضطلع أيضاً بالمهمة التي ستلي عودة أميركا إلى اتفاق باريس للمناخ، مع ما يعنيه ذلك من التزامات للحد من انبعاثات الغازات المؤثرة على ظاهرة «الاحتباس الحراري».
- أسئلة عربية
على رغم الأهمية التي يوليها المتابعون العرب لهذين الشأنين الحيويين لهم وللإنسانية جمعاء، يحاولون في الوقت ذاته فهم مغزى تعيين مجموعة من الخبراء المتمرسين في قضايا الشرق الأوسط ونزاعاته، انطلاقاً من توجهات الرئيس المنتخب حيال ما له تأثير مباشر وآني على مستقبل البلدان والقضايا العربية، بدءاً مما سيؤول إليه النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي بعد «صفقة القرن» التي شرع فيها ترمب، وأدت إلى إقامة علاقات دبلوماسية بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، وصولاً إلى تمادي إيران في تدخلاتها الفاضحة في الشؤون الداخلية للدول العربية، لا سيما في كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن عبر إمداداتها العسكرية غير القانونية للجماعات الموالية لها، خصوصاً لـ«حزب الله» و«الحشد الشعبي» وميليشيات الحوثي التي استهدفت مناطق مدنية ومنشآت في السعودية، بالإضافة إلى تهديدات طهران المتواصلة للملاحة البحرية في المضائق الدولية، مثل خليج العرب وباب المندب.
- أسلحة «القوة الناعمة»
يشهر بايدن الديمقراطية وغيرها من وسائل «القوة الناعمة»، باعتبارها من «أسلحة أميركا التقليدية» لنشر قيمها وبسط نفوذها عبر العالم، مشيراً إلى «التوق المشترك للناس، من هونغ كونغ إلى السودان، ومن تشيلي إلى لبنان للحكم الصادق والاشمئزاز العام من الفساد»، باعتباره «جائحة خبيثة تؤجج القمع وتقوض الكرامة الإنسانية». جادل بايدن أن ترمب «ترأس أكثر الإدارات فساداً في التاريخ الأميركي الحديث، ومنح الرخصة للحكام الفاسدين في كل مكان». وانطلاقاً من أن هذا ليس مجرد كلام عن شأن داخلي أميركي، باشر الفريق الانتخابي لبايدن في استعدادات لاستضافة قمة عالمية من أجل الديمقراطية بغية صوغ أجندة مشتركة من أجل «مكافحة الفساد، والدفاع ضد الاستبداد، وتعزيز حقوق الإنسان» في الولايات المتحدة وخارجها. ويتوقع أن يتعهد الرئيس المنتخب خلال الأيام المائة الأولى قيادة ما يسميه «الجهود الدولية لتحقيق الشفافية في النظام المالي العالمي، وملاحقة الملاذات الضريبية غير المشروعة، ومصادرة الأصول المسروقة». ويتوقع أن يضغط أكثر شركات التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي لمنع تحويل حرية التعبير أداة لتسهيل انتشار الأخبار الكاذبة، وللحيلولة دون استخدام منصاتها لتيسير القمع في دول مثل الصين، التي تشكل في الوقت ذاته تحدياً اقتصادياً رئيسياً للولايات المتحدة، بالإضافة إلى استخدامها هذه الأداة لتوسيع نفوذها على حساب النفوذ الأميركي عبر العالم.
- أسباب القلق
ليست لدى الرئيس المنتخب «أي أوهام»، كما قال مراراً حيال النظام الإيراني الذي «يشارك في سلوك مزعزع للاستقرار في كل أنحاء الشرق الأوسط، ويقمع المتظاهرين بوحشية في الداخل، ويعتقل الأميركيين ظلماً». ينتقد تجاهل ترمب لخطة العمل المشتركة الشاملة، أي الاتفاق النووي، التي «منعت إيران من الحصول على سلاح نووي». وقال أخيراً إنه «يجب على طهران أن تعود إلى الامتثال الصارم للاتفاق. وإذا ما فعلت، سأعود إلى الاتفاق وأستخدم التزامنا المتجدد بالدبلوماسية للعمل مع حلفائنا لتقويته وتوسيعه، مع التصدي بشكل أكثر فاعلية لنشاطات إيران الأخرى المزعزعة للاستقرار».
كذلك، تعهد بايدن بالعمل مع حلفاء الولايات المتحدة، وكذلك مع الصين من أجل نزع السلاح النووي من كوريا الشمالية.
في المقابل، وعلى رغم اعترافه باستمرار بأن أميركا «ليست معصومة عن الخطأ»، يؤكد بايدن أنه «لن يتردد أبداً في حماية الشعب الأميركي، بما في ذلك، عند الضرورة، باستخدام القوة». لكنه يؤيد إنهاء «الحروب الأبدية»، مع وجوب «إعادة الغالبية العظمى من قواتنا إلى الوطن من الحروب في أفغانستان والشرق الأوسط»، لكن بحدود تسمح بمواصلة المعركة من أجل القضاء على ما تبقى من «داعش» و«القاعدة» وغيرهما من الجماعات الإرهابية، ووقف النزاعات في المنطقة.
تدل التعيينات الأخيرة أن إدارة بايدن ستفعل «أكثر من مجرد استعادة شراكاتنا التاريخية»، لا سيما مع منظمة حلف شمال الأطلسي «الناتو» لمواجهة «عدوان» روسيا وانتهاكاتها للمعايير الدولية في ظل حكم الرئيس فلاديمير بوتين. وككل رئيس أميركي، يرتقب أن يواصل بايدن «التزامنا الحازم أمن إسرائيل»، من دون أن يفرط بالحلفاء التقليديين الآخرين للولايات المتحدة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بما في ذلك خصوصاً مع السعودية والإمارات ومصر والمغرب.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...