قطاع النشر في الخليج يصارع الجائحة

قطاع النشر في الخليج يصارع الجائحة

عامٌ عصفت فيه «كورونا»
الخميس - 10 جمادى الأولى 1442 هـ - 24 ديسمبر 2020 مـ رقم العدد [ 15367]
فهد الهندال - مسفر السبيعي - خالد بن عبد العزيز العتيق - فهد العودة

تركت الجائحة آثاراً صعبة خلّفت مصاعب كبيرة، واجهها عموم دور النشر، إذ توقف تنفيذ معظم الخطط المعدّة لعام 2020 والتي كانت مرتبطة مالياً وزمنياً بمعارض الكتاب المحلية والدولية بما تقدمه لدور النشر عامة من سيولة مالية يتم ضخها في مشروعات النشر وبما تتخللها من نشاطات ولقاءات وتعاقدات مع العملاء على مستوى الأفراد والمؤسسات ودور النشر العربية والعالمية، يضاف إليها تقلص حجم المبيعات، وخصوصاً المبيعات المحصّلة عن طريق المتاجر الورقية، وتدني عميات الشراء، التي عوض عنها نسبياً الشراء الإلكتروني.

هنا ناشرون من السعودية يتحدثون عن العام الذي قصفت به «كورونا» عالم النشر...



خالد بن عبد العزيز العتيق (الرئيس التنفيذي لشركة مدارك للنشر والتوزيع، وعضو لجنة الثقافة والترفيه بغرفة الرياض): خسائر باهظة

تمثل معارض الكتب الرئة الاقتصادية التي تتنفس بها دور النشر، لذلك فهي تحرص على الوجود في معارض الكتب الدولية، لسبب اقتصادي في المقام الأول، يمثله البيع المباشر للقارئ؛ حيث تجني دور النشر دخلاً مباشراً وصافياً، خاصة إذا علمنا أن نقاط التوزيع مثل المكتبات تقتطع أكثر من 50 في المائة من سعر البيع للكتاب.

لكن ثمة أهمية أخرى غير الاقتصاد، تمثلها معارض الكتب بالنسبة لدور النشر، وهي خلق سوق للتبادل المعرفي والثقافي، ونقطة التقاء صناع المعرفة والعاملين في سوق الكتاب خصوصاً من أجل تبادل التجارب، وإبرام الصفقات، وعقد الاتفاقيات، والتفكير الجماعي في مشروعات مشتركة.

يمكن اعتبار المعارض نقطة التقاء بين أصحاب المكتبات في ‏الوطن العربي لتبادل الإصدارات، وتوسيع منافذ البيع بشكل دولي، فالدور السعودية «مثلاً» تلتقي ‏بمكتبة من المغرب العربي داخل أروقة المعرض، لتعرض أهم إصداراتها لهذا العام، كما تقوم بتحصيل ما تم بيعه من كتبها ‏من مكتبة أخرى في الأردن. ‏

لكن ما حدث هذا العام أنه بسبب الجائحة، دخل مختلف المناطق في «الحظر الاحترازي» خلال موسم الكتاب لعام 2020 (الذي يبدأ من شهر نوفمبر - تشرين الثاني، في الشارقة، وينتهي في ‏أبوظبي في شهر مايو - أيار، ويمر بينهما جميع العواصم الخليجية والعربية)، ما تسبب في تكبيد دور النشر خسائر باهظة، فقدت خلالها ‏أكثر من نصف مدخولاتها السنوية؛ حيث يقدر حجم السوق في السعودية فقط حسب ما ‏نشرته وزارة الثقافة بـ4.5 مليار ريال سعودي (أكثر من مليار دولار). ‏

وفي الوقت الراهن، يحاول قطاع النشر في السعودية إخماد الخسائر، والسعي إلى ‏الخروج هذا العام بأقل الأضرار، كما أن مؤسسات نشر ستجد أن السبيل الوحيد أمامها هو الانسحاب من السوق. وهي خسارة فادحة للحوامل الثقافية، التي تعمل لإنارة شعلة ‏الثقافة والتنوير وتعزيز مصدر المعرفة، ونقل الحضارة. ‏

وعند الحديث عن تجربة شركة «مدارك للنشر والتوزيع»، وهي إحدى شركات مجموعة «أنوفا ‏الاستثمارية»، فقد حاولت خلال فترة الجائحة تفعيل وابتكار طرق جديدة للوصول إلى القارئ وتسويق منتجها الثقافي، من أجل البقاء والمحافظة على موظفيها من سعوديين وأجانب.‏

وبدأت بتسويق إصداراتها الثقافية عبر موقعها الإلكتروني والدخول إلى عالم التجارة ‏الإلكترونية؛ حيث شكلت مبيعاتها خلال الفترة تحسناً طفيفاً على مستوى التجارة ‏الإلكترونية، مع ارتفاع إجمالي المبيعات عبر موقعها الخاص مقارنة بمبيعات الموقع ‏العام الماضي، وذلك بسبب عدم تمكن الناس من الشراء من المكتبات مباشرة. لكن هذا ‏التحسن في المبيعات لا يشكل في المجمل أكثر من 10 في المائة من مبيعات معرض دولي واحد.

ولعلنا نشير هنا إلى حاجة قطاع النشر إلى حوافز أو دعم حكومي؛ حيث نهضت الدولة بتقديم حزمة دعم متنوعة لانتشال القطاعات الاقتصادية من آثار الجائحة، لكن بقي قطاع النشر خارج مظلة الدعم، مع أهمية إنقاذه من الركود.

ووزارة الثقافة جديرة بأن تأخذ على عاتقها دعم سوق الكتاب، وربما كان أحد أهم المحفزات التي يمكن تقديمها تبني مبادرة تضع إنتاج الكتب ضمن المنتجات المعفية من ضريبة القيمة المضافة. ‏أسوة بعدد كبير من دول العالم التي تعفي الكتب ووسائل المعرفة من هذه الضريبة، وهو ما يصبّ في مصلحة الثقافة أولاً، ودور النشر والقارئ على حدٍ سواء.

لعلي هنا ألفت الانتباه إلى مبادرة قامت بها الغرفة التجارية في الرياض بتشكيل لجنة تعنى بالثقافة والترفيه، عقدت اجتماعها الأول بداية الشهر الحالي، وتم انتخاب الأستاذ مصعب المهيدب رئيساً للجنة ‏الثقافة والترفيه، وهي حالياً تجهز لورش العمل لبدء التحضير لدورتها التي تمتد 4 سنوات. ‏


فهد الهندال (دار الفراشة، الكويت): نعوّل على الدعم الحكومي 2021


كانت سنة 2020 ثقيلة جداً، ولعل الضربة الموجعة التي وجّهتها لنا ناشرين جائحة «كورونا» تمّثلت بإلغاء المعارض المتبقية من الموسم السابق، والحالي أيضاً، ومنها معرض الكويت للكتاب الدولي. وكان ممكناً تأجيله لمطلع العام المقبل 2021.

وهنا، أستغرب السماح بفتح المولات والأنشطة التجارية ذات التجمعات البشرية العالية، ويتم إلغاء معرض الكتاب بسبب الخوف من التجمعات البشرية!

وأعتقد أن هذا الإلغاء قد يشكل ظناً لدى الناس بقلة الثقة بالإجراءات الصحية أكثر من الوعي المجتمعي.

وحين تسألني عن مدى تأثير الجائحة على القارئ؟ أجيبك بأنه صعب بعد الجائحة عودة النشاط لكامل طاقته حيث عصفت «كورونا» بكل نواحي الحياة، ومنها نشاط النشر، لكونه يعتمد على فعل القراءة المستمر والفعاليات المصاحبة، كمعارض الكتب وجلسات القراءة وحفلات التوقيع والتوزيع، وبالتالي كان أثر «كورونا» قاسياً علينا ناشرين، حالنا كحال كل أصحاب الأنشطة التجارية التي لديها مصاريف من أجور وإيجارات وعليها مستحقات وغيرها؛ قضت كلها على معظم الإيرادات.

ما يجعلنا نخفف من المعاناة، جراء هذه الأزمة، وبسبب غياب إقامة المعارض الإقليمية، هو الاعتماد على البيع عبر «الأونلاين» والتوصيل فقط، وهو لا يغطي خسائر الشهور الماضية.

أما عن خطط النشر في 2021. فإننا تعوّل على الدعم الحكومي، فنحن لا نطلب دعماً مالياً وإنما معنوياً، وهناك بعض إدارات المعارض العربية والمحلية تقدم خدمات ملموسة للناشرين كتبسيط إجراءات وكلفة الشحن والاتفاق مع فنادق معينة لعمل خصومات حقيقية للناشرين وتوفير المواصلات من المعرض وإليه، وقيام المؤسسات الحكومية بشراء إصدارات سنوية.

كل هذه الجهود مشكورون عليها، يبقى إيجار الجناح الذي نتمنى إعادة النظر بتكلفته العالية في بعض المعارض، وهنا نشكر الشيخ الدكتور سلطان القاسمي حاكم الشارقة وإدارة معرض الشارقة الدولي للكتاب على مبادرة تحمّل إيجارات الأجنحة في المعرض، وأتمنى أن تحذو حذوهم بقية إدارات المعارض العربية؛ حيث أعتقد أن ذلك سيساهم في دعم الناشرين أكثر.

وأتمنى أن تعيد الحكومات النظر في قرار إلغاء معارض الكتب الدولية والمحلية في البلاد؛ حيث إنها مهرجانات تسويقية للكتب والكتّاب والناشرين.

ولتكن لدينا ثقة بالإجراءات الصحية ووعي المجتمع. فالنشر صناعة وطنية ومشروعات يقودها شباب، والمكتبات كذلك، وقد تضررت أيضاً بما تعرضت له دور النشر من خسارة، كذلك المطابع وغيرها من الأنشطة المرتبطة بها ارتباطاً كبيراً.


فهد العودة (مدير دار كلمات،

سعودية - كويتية):

تأثير إيجابي على القراءة


مع ما شهده العالم من ظروف حظر عالمي، أغلقت فيه الأماكن التي نجد فيها متنفساً ونقضي فيها وقتاً ماتعاً يشغل جزءاً كبيراً من يومنا، كان باب المكتبة مفتوحاً على مصراعيه، يحوي وحشة الوحدة لتستأنس به النفس، في مكتبة «كلمات» كثفنا جهود الخدمات الإلكترونية، وأقمنا حملات توعوية عدة تجذب الناس للقراءة وتحثهم عليها بعنوان: «في عزلتك، القراءة خير صديق»، كما حرصنا على تكثيف حضورنا على منصات التواصل الاجتماعي بمسابقات ثقافية ومنشورات تفاعلية تحبب الناس إلى القراءة.

وحين تسألني؛ هل تغير سوق الكتاب؟ أقول لك؛ تغير، فهذا هو عامنا الأول الذي تُلغى فيه بعض معارض الكتب التي صادف موعد انعقادها أيام الحظر الكلي، لكن من وجهة نظري الشخصية أرى أن تأثير الجائحة كان إيجابياً على القراء، وأراهن أن عدداً كبيراً من الناس قد يكون لجأ للقراءة لأول مرة في هذا العام، ووجد فيها أنسه ومتنفسه.

بعد كساد سنة كاملة، نخطط للعمل بجهد حثيث، وبهمة عالية لخدمة القراء وتلبية احتياجاتهم في أنحاء العالم العربي كافة، وقد تزامن في هذا العام عملنا على ترجمة وإصدار كثير من المؤلفات التي نفخر بها برغم كل الصعوبات والمشاق، تقديراً لإيمان ومحبة الناس لمكتبة كلمات، وترقب جديدها، والقادم أجمل لقرائنا الذين يستحقون الأفضل دائماً.


مسفر السبيعي (مركز الأدب العربي، دار نشر وترجمة، السعودية):

تأثرنا... لكننا نستعد

لانطلاقة جديدة


لو أردنا تناول تأثير الجائحة وتداعياتها على الحياة الاقتصادية بقطاعاتها المختلفة لبرز لدينا بشكل واضح تأثيرها الكبير على قطاع النشر وصناعة وبيع الكتاب الورقي، فمن ظروف الإغلاق التام والجزئي التي أدت إلى إغلاق متاجر الكتب الورقية، إلى توّقف معارض الكتاب التي كانت بمثابة الرئة التي يتنفس منها قطاع النشر، إلى غيرها من التداعيات والآثار التي لا تخفى على أحد.

و«مركز الأدب العربي» دار نشر سعودية تأثرت كغيرها من دور النشر العربية والعالمية بانعكاسات الجائحة وآثارها.

لقد تراجعت طلبات النشر خلال فترة الإغلاق التام وعودتها بشكل تدريجي بعد انتهاء الإغلاق التام ووصولها إلى مستوياتها الطبيعية في الوقت الحالي.

لقد ساعدت ظروف الإغلاق التام في زيادة التوجه للقراءة ومحاولة استثمار الوقت الطويل بإنتاج أعمال إبداعية، وفي هذا السياق نذكر مبادرة «مركز الأدب العربي» المتمثلة في مسابقة القصة القصيرة جداً (ق.ق.ج) على منصة «تويتر»، وفي ذات الوقت أسهمت صعوبة حصول القارئ على الكتاب الورقي في نمو الطلب على النسخة الإلكترونية للكتب من منصات التحميل المختلفة، بوصفها بديلاً أسرع وأسهل وأقل كلفة.

أما عن خطط العام المقبل، فيأتي في طليعتها؛ دخول عالم إنتاج ونشر الكتاب المترجم، وعمل تعاقدات مع المترجمين، ودور النشر العالمية، لتقديم ترشيحات للكتب والروايات العالمية الأكثر أهمية ورواجاً، والسعي للحصول على حقوق النشر لها وترجمتها ونشرها وإتاحتها للقارئ العربي.

مع تعزيز وزيادة دور المركز في إنتاج ونشر كتب أدب الأطفال وسلاسل الناشئين من خلال التعاقد مع كُتاب أدب الطفل وتهيئة بيئة إنتاج هذا النوع من الكتب من خلال التعاون مع رسامين ومصممين عالميين.

واستقطاب مزيد من الكتاب والمبدعين العرب والمساهمة في نشر نتاجهم الأدبي والفكري وإتاحته في السوق السعودية.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة