قطاع النشر في الخليج يصارع الجائحة

عامٌ عصفت فيه «كورونا»

فهد الهندال - مسفر السبيعي - خالد بن عبد العزيز العتيق - فهد العودة
فهد الهندال - مسفر السبيعي - خالد بن عبد العزيز العتيق - فهد العودة
TT

قطاع النشر في الخليج يصارع الجائحة

فهد الهندال - مسفر السبيعي - خالد بن عبد العزيز العتيق - فهد العودة
فهد الهندال - مسفر السبيعي - خالد بن عبد العزيز العتيق - فهد العودة

تركت الجائحة آثاراً صعبة خلّفت مصاعب كبيرة، واجهها عموم دور النشر، إذ توقف تنفيذ معظم الخطط المعدّة لعام 2020 والتي كانت مرتبطة مالياً وزمنياً بمعارض الكتاب المحلية والدولية بما تقدمه لدور النشر عامة من سيولة مالية يتم ضخها في مشروعات النشر وبما تتخللها من نشاطات ولقاءات وتعاقدات مع العملاء على مستوى الأفراد والمؤسسات ودور النشر العربية والعالمية، يضاف إليها تقلص حجم المبيعات، وخصوصاً المبيعات المحصّلة عن طريق المتاجر الورقية، وتدني عميات الشراء، التي عوض عنها نسبياً الشراء الإلكتروني.
هنا ناشرون من السعودية يتحدثون عن العام الذي قصفت به «كورونا» عالم النشر...

خالد بن عبد العزيز العتيق (الرئيس التنفيذي لشركة مدارك للنشر والتوزيع، وعضو لجنة الثقافة والترفيه بغرفة الرياض): خسائر باهظة
تمثل معارض الكتب الرئة الاقتصادية التي تتنفس بها دور النشر، لذلك فهي تحرص على الوجود في معارض الكتب الدولية، لسبب اقتصادي في المقام الأول، يمثله البيع المباشر للقارئ؛ حيث تجني دور النشر دخلاً مباشراً وصافياً، خاصة إذا علمنا أن نقاط التوزيع مثل المكتبات تقتطع أكثر من 50 في المائة من سعر البيع للكتاب.
لكن ثمة أهمية أخرى غير الاقتصاد، تمثلها معارض الكتب بالنسبة لدور النشر، وهي خلق سوق للتبادل المعرفي والثقافي، ونقطة التقاء صناع المعرفة والعاملين في سوق الكتاب خصوصاً من أجل تبادل التجارب، وإبرام الصفقات، وعقد الاتفاقيات، والتفكير الجماعي في مشروعات مشتركة.
يمكن اعتبار المعارض نقطة التقاء بين أصحاب المكتبات في ‏الوطن العربي لتبادل الإصدارات، وتوسيع منافذ البيع بشكل دولي، فالدور السعودية «مثلاً» تلتقي ‏بمكتبة من المغرب العربي داخل أروقة المعرض، لتعرض أهم إصداراتها لهذا العام، كما تقوم بتحصيل ما تم بيعه من كتبها ‏من مكتبة أخرى في الأردن. ‏
لكن ما حدث هذا العام أنه بسبب الجائحة، دخل مختلف المناطق في «الحظر الاحترازي» خلال موسم الكتاب لعام 2020 (الذي يبدأ من شهر نوفمبر - تشرين الثاني، في الشارقة، وينتهي في ‏أبوظبي في شهر مايو - أيار، ويمر بينهما جميع العواصم الخليجية والعربية)، ما تسبب في تكبيد دور النشر خسائر باهظة، فقدت خلالها ‏أكثر من نصف مدخولاتها السنوية؛ حيث يقدر حجم السوق في السعودية فقط حسب ما ‏نشرته وزارة الثقافة بـ4.5 مليار ريال سعودي (أكثر من مليار دولار). ‏
وفي الوقت الراهن، يحاول قطاع النشر في السعودية إخماد الخسائر، والسعي إلى ‏الخروج هذا العام بأقل الأضرار، كما أن مؤسسات نشر ستجد أن السبيل الوحيد أمامها هو الانسحاب من السوق. وهي خسارة فادحة للحوامل الثقافية، التي تعمل لإنارة شعلة ‏الثقافة والتنوير وتعزيز مصدر المعرفة، ونقل الحضارة. ‏
وعند الحديث عن تجربة شركة «مدارك للنشر والتوزيع»، وهي إحدى شركات مجموعة «أنوفا ‏الاستثمارية»، فقد حاولت خلال فترة الجائحة تفعيل وابتكار طرق جديدة للوصول إلى القارئ وتسويق منتجها الثقافي، من أجل البقاء والمحافظة على موظفيها من سعوديين وأجانب.‏
وبدأت بتسويق إصداراتها الثقافية عبر موقعها الإلكتروني والدخول إلى عالم التجارة ‏الإلكترونية؛ حيث شكلت مبيعاتها خلال الفترة تحسناً طفيفاً على مستوى التجارة ‏الإلكترونية، مع ارتفاع إجمالي المبيعات عبر موقعها الخاص مقارنة بمبيعات الموقع ‏العام الماضي، وذلك بسبب عدم تمكن الناس من الشراء من المكتبات مباشرة. لكن هذا ‏التحسن في المبيعات لا يشكل في المجمل أكثر من 10 في المائة من مبيعات معرض دولي واحد.
ولعلنا نشير هنا إلى حاجة قطاع النشر إلى حوافز أو دعم حكومي؛ حيث نهضت الدولة بتقديم حزمة دعم متنوعة لانتشال القطاعات الاقتصادية من آثار الجائحة، لكن بقي قطاع النشر خارج مظلة الدعم، مع أهمية إنقاذه من الركود.
ووزارة الثقافة جديرة بأن تأخذ على عاتقها دعم سوق الكتاب، وربما كان أحد أهم المحفزات التي يمكن تقديمها تبني مبادرة تضع إنتاج الكتب ضمن المنتجات المعفية من ضريبة القيمة المضافة. ‏أسوة بعدد كبير من دول العالم التي تعفي الكتب ووسائل المعرفة من هذه الضريبة، وهو ما يصبّ في مصلحة الثقافة أولاً، ودور النشر والقارئ على حدٍ سواء.
لعلي هنا ألفت الانتباه إلى مبادرة قامت بها الغرفة التجارية في الرياض بتشكيل لجنة تعنى بالثقافة والترفيه، عقدت اجتماعها الأول بداية الشهر الحالي، وتم انتخاب الأستاذ مصعب المهيدب رئيساً للجنة ‏الثقافة والترفيه، وهي حالياً تجهز لورش العمل لبدء التحضير لدورتها التي تمتد 4 سنوات. ‏

فهد الهندال (دار الفراشة، الكويت): نعوّل على الدعم الحكومي 2021

كانت سنة 2020 ثقيلة جداً، ولعل الضربة الموجعة التي وجّهتها لنا ناشرين جائحة «كورونا» تمّثلت بإلغاء المعارض المتبقية من الموسم السابق، والحالي أيضاً، ومنها معرض الكويت للكتاب الدولي. وكان ممكناً تأجيله لمطلع العام المقبل 2021.
وهنا، أستغرب السماح بفتح المولات والأنشطة التجارية ذات التجمعات البشرية العالية، ويتم إلغاء معرض الكتاب بسبب الخوف من التجمعات البشرية!
وأعتقد أن هذا الإلغاء قد يشكل ظناً لدى الناس بقلة الثقة بالإجراءات الصحية أكثر من الوعي المجتمعي.
وحين تسألني عن مدى تأثير الجائحة على القارئ؟ أجيبك بأنه صعب بعد الجائحة عودة النشاط لكامل طاقته حيث عصفت «كورونا» بكل نواحي الحياة، ومنها نشاط النشر، لكونه يعتمد على فعل القراءة المستمر والفعاليات المصاحبة، كمعارض الكتب وجلسات القراءة وحفلات التوقيع والتوزيع، وبالتالي كان أثر «كورونا» قاسياً علينا ناشرين، حالنا كحال كل أصحاب الأنشطة التجارية التي لديها مصاريف من أجور وإيجارات وعليها مستحقات وغيرها؛ قضت كلها على معظم الإيرادات.
ما يجعلنا نخفف من المعاناة، جراء هذه الأزمة، وبسبب غياب إقامة المعارض الإقليمية، هو الاعتماد على البيع عبر «الأونلاين» والتوصيل فقط، وهو لا يغطي خسائر الشهور الماضية.
أما عن خطط النشر في 2021. فإننا تعوّل على الدعم الحكومي، فنحن لا نطلب دعماً مالياً وإنما معنوياً، وهناك بعض إدارات المعارض العربية والمحلية تقدم خدمات ملموسة للناشرين كتبسيط إجراءات وكلفة الشحن والاتفاق مع فنادق معينة لعمل خصومات حقيقية للناشرين وتوفير المواصلات من المعرض وإليه، وقيام المؤسسات الحكومية بشراء إصدارات سنوية.
كل هذه الجهود مشكورون عليها، يبقى إيجار الجناح الذي نتمنى إعادة النظر بتكلفته العالية في بعض المعارض، وهنا نشكر الشيخ الدكتور سلطان القاسمي حاكم الشارقة وإدارة معرض الشارقة الدولي للكتاب على مبادرة تحمّل إيجارات الأجنحة في المعرض، وأتمنى أن تحذو حذوهم بقية إدارات المعارض العربية؛ حيث أعتقد أن ذلك سيساهم في دعم الناشرين أكثر.
وأتمنى أن تعيد الحكومات النظر في قرار إلغاء معارض الكتب الدولية والمحلية في البلاد؛ حيث إنها مهرجانات تسويقية للكتب والكتّاب والناشرين.
ولتكن لدينا ثقة بالإجراءات الصحية ووعي المجتمع. فالنشر صناعة وطنية ومشروعات يقودها شباب، والمكتبات كذلك، وقد تضررت أيضاً بما تعرضت له دور النشر من خسارة، كذلك المطابع وغيرها من الأنشطة المرتبطة بها ارتباطاً كبيراً.

فهد العودة (مدير دار كلمات،
سعودية - كويتية):
تأثير إيجابي على القراءة

مع ما شهده العالم من ظروف حظر عالمي، أغلقت فيه الأماكن التي نجد فيها متنفساً ونقضي فيها وقتاً ماتعاً يشغل جزءاً كبيراً من يومنا، كان باب المكتبة مفتوحاً على مصراعيه، يحوي وحشة الوحدة لتستأنس به النفس، في مكتبة «كلمات» كثفنا جهود الخدمات الإلكترونية، وأقمنا حملات توعوية عدة تجذب الناس للقراءة وتحثهم عليها بعنوان: «في عزلتك، القراءة خير صديق»، كما حرصنا على تكثيف حضورنا على منصات التواصل الاجتماعي بمسابقات ثقافية ومنشورات تفاعلية تحبب الناس إلى القراءة.
وحين تسألني؛ هل تغير سوق الكتاب؟ أقول لك؛ تغير، فهذا هو عامنا الأول الذي تُلغى فيه بعض معارض الكتب التي صادف موعد انعقادها أيام الحظر الكلي، لكن من وجهة نظري الشخصية أرى أن تأثير الجائحة كان إيجابياً على القراء، وأراهن أن عدداً كبيراً من الناس قد يكون لجأ للقراءة لأول مرة في هذا العام، ووجد فيها أنسه ومتنفسه.
بعد كساد سنة كاملة، نخطط للعمل بجهد حثيث، وبهمة عالية لخدمة القراء وتلبية احتياجاتهم في أنحاء العالم العربي كافة، وقد تزامن في هذا العام عملنا على ترجمة وإصدار كثير من المؤلفات التي نفخر بها برغم كل الصعوبات والمشاق، تقديراً لإيمان ومحبة الناس لمكتبة كلمات، وترقب جديدها، والقادم أجمل لقرائنا الذين يستحقون الأفضل دائماً.

مسفر السبيعي (مركز الأدب العربي، دار نشر وترجمة، السعودية):
تأثرنا... لكننا نستعد
لانطلاقة جديدة

لو أردنا تناول تأثير الجائحة وتداعياتها على الحياة الاقتصادية بقطاعاتها المختلفة لبرز لدينا بشكل واضح تأثيرها الكبير على قطاع النشر وصناعة وبيع الكتاب الورقي، فمن ظروف الإغلاق التام والجزئي التي أدت إلى إغلاق متاجر الكتب الورقية، إلى توّقف معارض الكتاب التي كانت بمثابة الرئة التي يتنفس منها قطاع النشر، إلى غيرها من التداعيات والآثار التي لا تخفى على أحد.
و«مركز الأدب العربي» دار نشر سعودية تأثرت كغيرها من دور النشر العربية والعالمية بانعكاسات الجائحة وآثارها.
لقد تراجعت طلبات النشر خلال فترة الإغلاق التام وعودتها بشكل تدريجي بعد انتهاء الإغلاق التام ووصولها إلى مستوياتها الطبيعية في الوقت الحالي.
لقد ساعدت ظروف الإغلاق التام في زيادة التوجه للقراءة ومحاولة استثمار الوقت الطويل بإنتاج أعمال إبداعية، وفي هذا السياق نذكر مبادرة «مركز الأدب العربي» المتمثلة في مسابقة القصة القصيرة جداً (ق.ق.ج) على منصة «تويتر»، وفي ذات الوقت أسهمت صعوبة حصول القارئ على الكتاب الورقي في نمو الطلب على النسخة الإلكترونية للكتب من منصات التحميل المختلفة، بوصفها بديلاً أسرع وأسهل وأقل كلفة.
أما عن خطط العام المقبل، فيأتي في طليعتها؛ دخول عالم إنتاج ونشر الكتاب المترجم، وعمل تعاقدات مع المترجمين، ودور النشر العالمية، لتقديم ترشيحات للكتب والروايات العالمية الأكثر أهمية ورواجاً، والسعي للحصول على حقوق النشر لها وترجمتها ونشرها وإتاحتها للقارئ العربي.
مع تعزيز وزيادة دور المركز في إنتاج ونشر كتب أدب الأطفال وسلاسل الناشئين من خلال التعاقد مع كُتاب أدب الطفل وتهيئة بيئة إنتاج هذا النوع من الكتب من خلال التعاون مع رسامين ومصممين عالميين.
واستقطاب مزيد من الكتاب والمبدعين العرب والمساهمة في نشر نتاجهم الأدبي والفكري وإتاحته في السوق السعودية.



هل مات الناقد الأدبي؟

هل مات الناقد الأدبي؟
TT

هل مات الناقد الأدبي؟

هل مات الناقد الأدبي؟

قرأنا كثيراً عن ميتات متعدّدة في تاريخ الفكر، وبالتخصيص في تاريخ الممارسة الأدبيّة؛ لكنّي أحسبُ أنّ موت الناقد الأدبي هي الميتة الأكثر تحقّقاً في عصرنا. هذه الميتة الناجزة تملك مسوّغاتها الكاملة، وليست محض تمنّيات منشودة أو رغبات متفلّتة. ربّما الكياسةُ وحدها هي التي دفعتني لأن أجعل العنوان بصيغة تساؤل يحتملُ التشكيك. أنا من جانبي لا أميلُ للتشكيك، بل لتعضيد فكرة موت الناقد الأدبي.

ربّما في دوائر صناعة الأدب الغربية بات واضحاً أنّ الناقد الأدبي مات، وإن لم يُصرّحْ بهذه الحقيقة، مثلما جرى التصريح بموت المؤلّف. المعضلة تكمنُ فينا؛ فالنقد الأدبي، كما يُمارَسُ في شكله التقليدي، ما زال يقاتِلُ من أجل الاحتفاظ بهالته السلطوية، كأنّما الزمن لم يتزحزحْ عن ستينات وسبعينات القرن الماضي، وكأنّما القرّاء لم يصبحوا شركاء كاملين في إنتاج المعنى، وكأنّما النصوص لم تتفلّتْ منذ زمن بعيد من يد الكاهن الذي يحتكرُ قراءتها وتفسيرها.

تقوم فكرةُ مداخلتي هذه على دحض القناعة الراسخة بأنّ الناقد الأدبي يمتلك سلطة مرجعية تُخوّلُهُ تحديد ما يُعدّ أدباً جيداً وما ليس كذلك. تلقّى القارئ العربيُّ، لعقود طويلة، خطاباً نقدياً يجعل من الناقد الأدبي حارساً للهيبة الأدبية، يستدعي معايير قديمة، ويُصدِرُ الأحكام، ويتصرّف كما لو أنّ ذائقته محمولةٌ على يقين معرفي لا يتزعزع. هذا الخطاب، إذا ما تعهّدناه بما يكفي من المُدارسة والتنقيب المعرفي، سننتهي إلى وضع اليد على هشاشته المؤكّدة؛ إذ يقوم على افتراضٍ غير معلن جوهرُهُ أنّ الناقد يمتلك موقعاً معرفياً أرفع من موقع القارئ العادي. هذا الافتراض ربما كان له شيءٌ من مقبولية في أزمان سابقة؛ لكنّه لم يَعُد اليوم مقبولاً في زمن انفجرت فيه سلطة المعنى، وتنوعّت فيه أشكال القراءة بذات المقادير التي تباينت فيها هذه الأشكال، وتراجع فيه مركز النص لصالح محيطه الذي غُيّبَ طويلاً.

يمكنُ عدّ الناقد الأدبي قارئاً بصوتٍ أعلى من القارئ العادي، وهذا الصوت العالي جاء من تمكين وسائل النشر وسلطة الذيوع الأكاديمي أو الصحافي. سيكون أمراً مشروعاً أن نتساءل: ما الذي يميّز الناقد الأدبي ويمنحُهُ عُلْوية ثقافية فوق القارئ؟ هل يمتلك أدوات قراءة تتمنّعُ عن أيُّ قارئ شغوف لا يحيدُ عن موارد الرصانة الفكرية؟ هل يحتكر الناقد الأدبيُّ مسافة من الفهم لا تُنالُ إلّا عبر طقسٍ سري؟ الجواب ببساطة: لا. الناقد الأدبيّ، مهما امتلك من معرفة، ليس سوى قارئ يشكّلُ رأيه تبعاً لمرجعياته الثقافية، وتربيته الجمالية، وميوله الشخصية، ومواقفه الآيديولوجية. رأيُ الناقد الأدبيّ ليس «حقيقة مكتشفة» بل «موقف مُنتَج أو مصنوع»، وإذا كان كذلك فلماذا نمنحه سلطة غير مسوّغة ليكون رقيباً ومبشّراً ونذيراً؟

القراءةُ ليست حقلاً يمكن لأحد أن يحتكر فيه «الصواب»، وكلّ محاولة لإضفاء صفة المرجعية المطلقة على الناقد الأدبيّ ليست سوى محاولة لإعادة إنتاج سلطة المثقف التقليدي، ذلك الذي كان يتكلّم باسم الآخرين، ويُفكّر نيابة عنهم، ويصادرُ الحقّ الطبيعي للقُرّاء في أن يفهموا النصوص برُؤاهم الخاصة.

*****

يموت الناقد الأدبي اليوم لأنّ شروط وجوده القديمة تفسّخت: تغيّرت الوسائط، وتغيّرت طرق تلقّي الأدب، وتحوّلت القراءة من نشاط نخبوي ضيّق إلى ممارسة يومية واسعة. منصّات التواصل الاجتماعي وحدها كفيلةٌ بخلخلة سلطة ناقد أدبي كان يُحسَبُ كلامُهُ كأنّه «القول الفصل». اليوم، منشورٌ على منصّة تواصل اجتماعي قد يوجّهُ دفّة الاهتمام الأدبي أكثر مما يفعله مقالٌ نقدي مطوّل في مجلة ثقافية. هذه حقيقة لا يصحّ، ولن نستطيع، أن نتغافلها.

يموت الناقد الأدبي أيضاً لأنّ النصوص ذاتها تغيّرت: لم تعُدْ تُنتَجُ لتُقرأ بعينٍ واحدة بل بعيون كلّ قارئ. الأدب المعاصر -وبخاصّة في عصر السرد المتشظّي إلى ألوان أدائية عصية على التوصيف الدقيق- لم يَعُدْ يحتمل قارئاً واحداً يقرّر معناه تحت سلطة النقد الأدبي؛ بل يفرض تعدّدَ القراءات، وتفكّكَ سلطة المؤلّف، و«ديمقراطية التأويل». لك -إنْ شئت- أن تنفر من هذا الوضع وأن لا تطيقه؛ لكن لن يفيدك نفورُك في تغيير مسار العجلة.

من المثير تاريخياً أن نشير إلى حقيقة مغيّبة: حين أعلن رولان بارت موت المؤلف، كان يُشير إلى تفكّك سلطة المؤلّف المركزية داخل النص: سلطة المعنى. الجيل النقدي القديم قاوم هذه الفكرة بشراسة، لا لأنّه كان متيّماً بعشق المؤلّف؛ بل لأنّه أدرك -وإنْ من غير تصريح- أنّ موت المؤلف يعني أيضاً تخلخل أساس سلطته؛ فالناقد الأدبي الذي كان يستند في قراءته إلى سلطة المؤلف واعتباره خالقاً مركزياً للنص، وجد نفسه (أعني الناقد الأدبي) ليس أكثر من قارئ آخر، لا يحقّ له ادعاءُ امتلاك الحقيقة، بل تقديم قراءة من بين أعداد هائلة من القراءات الممكنة. هنا صار الناقد الأدبي أسير مساءلة مُرْهِقَة: كيف يمكن للناقد الأدبي أن يمضي في تعزيز سلطته وهو يفقد الموقع الاعتباري الذي يُشرعنُ وجودَهُ؟ وإذا كان المؤلف -بهيبته ورمزيته- قد مات؛ فكيف يظلُّ حيّاً مَن كان يتحدّث باسمه أو يتربّع على عرش تأويله أو يدور في مدارات صنائعه الإبداعيّة؟

موتُ الناقد الأدبيّ ليس ظاهرة منفردة مستقلّة؛ بل هو الوجه الآخر المتعشّقُ عضوياً مع موت المؤلّف، وكلاهما جزء من حركة ثقافية واسعة تُعيدُ تعريف السلطة داخل النص الأدبي. النصّ لم يَعُدْ «موقعاً يُدارُ من الأعلى»، بل «فضاءٌ مفتوحٌ يشارك في تشكيله القرّاء».

هل يعني موت الناقد الأدبي انتصار الرثاثة؟ سيدافع كثيرٌ من النُقّاد عن حصونهم، وهذا أمر متوقّع. سيدبّجون المقالات، ويُحاضرون، ويُسفّهون فكرة موتهم، وسيعتبرونها جزءاً من «انحطاط الذائقة العامّة». أعرف هذا تماماً. سيتحدّثون عن الفوضى، والانهيار، وسقوط المعايير؛ لكنّما العجلة دارت، وما مِنْ سبيلٍ لإيقافها. يبدو أمراً محتّماً أنّ الناقد الأدبيّ التقليدي يشرع في مقاربته الدفاعية من مواضعة، يراها راسخة، مفادُها أنّه كان دوماً المدافع الشرس عن الجودة الأدبية. التاريخ الأدبيّ مليء بالنقّاد الذين احتفوا بأعمال متواضعة وحاربوا نصوصاً عظيمة. هل آتي بأمثلة: الرفض النقدي الطويل لكافكا، واستقبال بودلير العاصف، والهجوم العنيف على نيتشه، والسخرية من شعراء الحداثة العرب في بداياتهم. ثمّ دارت الأيام دورتها وأعيد تقييمُ كلّ شيء.

لم يكن الناقد حارساً للجودة الأدبيّة، بقدر ما كان حارساً لذائقته الخاصة ولذيوع سطوته في الحلقات الثقافية. موت الناقد الأدبي لا يعني موت الذائقة، بل تحريرها. لا يعني سقوط معايير الجودة، بل تعدّدها. لا يعني شيوع الرثاثة، بل إزاحة الحاجز الذي كان يشكّلُ حائط صدّ أمام القرّاء يردعهم عن إثبات جدارتهم.

في هذا السياق، يمكن الإشارة إلى كتاب «The Death of the Critic» للكاتب البريطاني رونان ماكدونالد (Ronan McDonald)، وهو عمل حديث نسبيّاً، نُشِر عام 2007، وتُرجِمَ إلى العربية عام 2014. هذا الكتاب أعاد بقوة طرح السؤال حول جدوى النقد الأدبي التقليدي.

يرى ماكدونالد أنّ سلطة الناقد تتآكل في ظلّ تعدّد الأصوات الثقافية وتحوّل القرّاء إلى مستهلكين/ منتجين للمعنى، وهو ما ينسجم تماماً مع واقعنا العربي والعالمي اليوم.

فضلاً عن ذلك يقدّمُ ماكدونالد في كتابه هذا قراءة عميقة لتحوّلات المؤسسة النقدية الأدبية في العصر الحديث، موضحاً كيف تراجعت سلطة الناقد التقليدي لصالح أصوات القرّاء، ووسائط الإعلام الجديدة، والمنصّات الرقمية التي منحت الجميع حقّ التعبير عن رأيهم في النصوص الأدبية. يرى ماكدونالد أنّ النقد لم يَمُتْ بوصفه ممارسة فكرية؛ بل ماتت سلطته القديمة التي كانت تجعل منه مرجعية أولى للحُكْم على القيمة الأدبية. الكتاب يكشف تعاظم «ديمقراطية القراءة»، ويرصد صعود أشكال جديدة من التلقّي تُقصي الناقد الأدبي الكلاسيكي من موقعه الكهنوتي.

*****

المُشْتَغِل الثقافي (Cultural Worker) هو العنوان الأكثر مقبولية وملاءمة لعصرنا من عنوان الناقد الأدبي، ويبدو أكثر تلاؤماً مع تاريخ التطوّر الطبيعي والثقافي. المشتغل الثقافي يتحرّكُ في فضاء أوسع من حدود النص ومرجعياته الجمالية الكلاسيكية، ويمتدُّ في وسائله التشريحية إلى قراءة سياق إنتاج العمل الثقافي، لا الأدبي فحسب، وأنماط تلقّيه، وصِلاتِهِ بالبنى الاجتماعية والسياسية والمعرفية. فضلاً عن ذلك في استطاعة «المشتغل الثقافي» تقديمُ قراءة مركّبة، بعيداً عن مرجعيات سلطوية مفترضة أو متوقّعة، تعيدُ إطلاق حيوية الأدب كتيّار في الثقافة البشرية هو أبعد ما يمكن عن نمط التمارين الأكاديمية المعزولة عن الحراك العالمي في كلّ ألوانه.

ما الذي يبقى بعد موت الناقد الأدبي؟ يبقى القارئ الشغوف، ويبقى النصّ الخلّاق، ويبقى الاشتغال الثقافي الحيوي، ويبقى الحوار المفتوح الذي لا يحتاج رمزيّة كهنوتية سلطوية مغلقة كي تُشَرْعِنَهُ.


لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟
TT

لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

يكشف كتاب «20 خرافة عن التلوث البيئي» الصادر عن دار «العربي» بالقاهرة لثلاثة من علماء الاجتماع والباحثين الكنديين، كيف أن قضية التلوث البيئي هي في جوهرها معركة ثقافية تتعلق بتزييف الوعي العام وخداع الجماهير العريضة عبر «شعارات زائفة وأفكار مغلوطة» تبثها دوائر رأسمالية تستهدف تحقيق أرباح خرافية على حساب سلامة كوكب الأرض وموارده، دون أن تبدو هى في الصورة نهائياً.

ويقول أرنو توريا كلوتييه وفردريك لوغو وآلان سافار في الكتاب، الذي ترجمته أماني مصطفى، إن جميع من في العالم أصبحوا من أصحاب «التوجه الأخضر» بما في ذلك شركتا «كوكاكولا» و«توتال» على نحو يوحي أن البيئة هي «الفطرة السليمة الجديدة» وأننا يجب أن نسعد بهذا، لكن الحقيقة على عكس ذلك.

إن لديهم أسباباً وجيهة للقلق؛ فإذا كان الجميع ذوي توجه أخضر، فكيف نبرر الكارثة البيئية وتوابعها حيث تعاني الإنسانية بالفعل من عنف الاضطرابات المناخية، مثل موجات الحر والجفاف والفيضانات وحرائق الغابات والأعاصير المدمرة؟ البيئة هي ساحة معركة ثقافية بالأساس، ففيها نجد حلفاء حقيقيين ولكننا نجد أيضاً أعداء شرسين، والمدهش أنه حتى المرتزقة، عديمو الرحمة، يتخفون وراء شعارات نبيلة يأتي في مقدمتها اللون الأخضر.

ويوضح العلماء الثلاثة أن البيئة ليست مسألة بسيطة تتعلق بقناعات أخلاقية أو سياسية، كما أنها وقبل كل شيء نتاج القيود الاقتصادية تلك المفروضة على معظمنا للعمل لمصلحة شركة كبيرة ملوثة للبيئة، أو استخدام سيارة للذهاب إلى العمل أو شراء أغذية غير عضوية لأنها أرخص، أو المعاناة من التلوث الناتج عن منجم أو ازدحام السيارات أو الإسراف في استخدام الطاقة لتدفئة المساكن السيئة العزل، بل أيضاً القيود المفروضة على معظم الشركات لخفض التكاليف عن طريق زيادة التلوث وتحقيق الأرباح، والتميز في المنافسة من خلال إغفال هذه القيود وكيفية تطبيقها بلا مساواة، ومن ثم قد ينتهي بنا الأمر إلى الاعتقاد بأننا جميعاً في القارب نفسه. هذا الوهم جميل بقدر ما هو خطير.

إن المصدر الرئيس للأزمة البيئية هو أننا نستهلك كثيراً، فإذا تمكنا من استهلاك ما هو ضروري فقط لتلبية احتياجاتنا واستهلكنا بطريقة أكثر ذكاء فسوف نتمكن من حل الأزمة البيئية. يجري هذا الكلام على لسان الجميع إلى درجة أنه يصعب علينا أحياناً التخلص من الشعور بالذنب إزاء إقدامنا على شراء ملابس جديدة، فهم يودون أن يضعوا كل ثقل خيارات الاستهلاك على عاتق المستهلكين وحدهم كأفراد يتمتعون بسلطة شرائية معينة وليس لكونهم مواطنات ومواطنين يتمتعون أيضاً بسلطة اجتماعية.

ويلفت العلماء إلى أنه في جوهر هذه الحجة تكمن فكرة تفترض أن المستهلك ستكون لديه السلطة والسيادة أو حتى السيطرة الكاملة على الاقتصاد، حيث يقال لنا إن الشراء اختيار، فالشركات بعد كل شيء تخدم فقط احتياجات المستهلكين، أليس كذلك؟

من وجهة نظر أخلاقية يمكن أن تمتد مسؤولية المستهلك قدر الإمكان إلى المعلومات والسلطة الشرائية التي يمتلكها، لكن من المغالطة والتضليل تحميلنا نحن المستهلكين العاديين مسؤولية انبعاثات الغازات الدفيئة المرتبطة بإنتاج القلم الذي نشتريه لأمر مضلل لأنه من المستحيل في أغلب الأحيان معرفة الانبعاثات الناتجة عن إنتاجه، فضلاً عن الظروف البيئية والاجتماعية التي أنتج فيها. وقبل كل شيء فإنه من المستحيل أيضاً ممارسة سيطرة حقيقية على هذا الإنتاج فتظل هذه المعلومات وهذه السلطة في الأساس ملكاً للشركة، إذ يكون الزبون بعيداً جداً عن أن يكون المالك.

والمؤكد أن الاستهلاك ليس بالضرورة عملاً من أعمال الحرية، ففي أميركا الشمالية أصبح شراء سيارة ضرورة في بيئة تهيمن عليها الطرق السريعة والضواحي دون وجود شبكة نقل عام كبيرة، ففي ثلاثينات القرن العشرين قلصت شركات «ستاندرد أويل» و«جنرال موتورز» و«فايرستون» للإطارات خيارات النقل بشدة بعد شراء شبكة النقل العام للترام الكهربائي وتفكيكها في 45 مدينة بالولايات المتحدة. وهو ما يثبت أن الخضوع لقرارات عدد قليل من الشركات الكبرى ليس بالأمر النادر بل إنه اتجاه قوي في السوق يفضل تركيز رؤوس الأموال ومركزيتها من خلال السباق المستمر لتحقيق الأرباح.

كما أن جزءاً لا بأس به من انبعاثات الغازات الدفيئة المرتبطة باستهلاكنا غير مرغوب فيها بقدر ما هي مقيدة، خاصة بالنسبة للفئات الأشد فقراً، حيث يفرض تنظيم الساحات والنقل على أعضائه استخدام السيارة للوصول إلى أعمالهم خاصة إذا كانوا يعيشون خارج المراكز الرئيسة، كما أن الدخل المحدود يجبر هذه الأسرة الفقيرة أو تلك على اختيار طراز سيارة اقتصادي وهي ليست بالضرورة الأكثر صداقة للبيئة.

وخلافاً للفرد الثري الذي يسافر عدة مرات في السنة بالطائرة، فإن الانبعاثات الصادرة عن الأشخاص الأقل حظاً ليست من باب الرفاهية، لكنها في كثير من الأحيان ضرورة في الواقع، فمن يستطيع شراء سيارة كهربائية اليوم حيث تتطلب نفقات مرتفعة للغاية؟ لا يمكننا أيضاً إلقاء اللوم على أفراد هذه الأسرة لعدم شراء المنتجات العضوية عندما تكون خارج ميزانيتهم في ظل خضوع المواد الغذائية لديناميكيات السوق التي تهيمن عليها الشركات الكبرى.

ويخلص العلماء الثلاثة إلى أنه بالطريقة نفسها فإن الأسر ذات الدخل المنخفض التي تكون من فئة المستأجرين عموماً نادراً ما تتحكم في تدفئة منازلها وتضطر أحياناً إلى التعاون مع أنظمة التدفئة الملوثة التي تعمل بالمازوت أو الغاز.

وفي كثير من الأحيان تكون مبانيها معزولة عزلاً سيئاً، فضلاً عن أنه نادراً ما يكون من الممكن لها اختيار شركة الكهرباء التي قد تعمل بالفحم أو الغاز، كما يمكن أن تؤدي معايير البناء المطبقة حالياً أيضاً إلى ارتفاع استهلاك الطاقة.


شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى

شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى
TT

شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى

شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى

عبر 21 نصاً مشحوناً بالمشاعر والمفارقات الإنسانية، ترسم الكاتبة المصرية نرمين دميس عالماً من الأسى أبطاله أبطال مهزومون، ومصائر عنوانها العريض العزلة والدموع الصامتة، وذلك في مجموعتها القصصية «صندوق أرابيسك» الصادرة أخيراً في القاهرة عن دار «الأدهم».

فضلاً عن أن النصوص تطمح في مجملها لأن تكون لسان حال الشخصيات الصامتة، معبرةً عن أحلامها وصدماتها الدفينة التي يبدو أنها استقرت في «صندوق» مغلق لم يعد بإمكان أحد أن يطلع عليه، وما يزيد الأمر صعوبة وتعقيداً هو أن تلك الشخصيات أدمنت السكوت واعتادت التجاهل من الآخرين، حتى أصبحت العزلة خيارها المفضل على طريقة «مجبر أخاك لا بطل».

على هذه الخلفية، تتعدد النماذج المثيرة للتأمل بين دفتي المجموعة مثل العجوز البسيطة ذات الملابس المهترئة التي تريد أن تصبح واحدة من «حفيدات السندريلا»، والأب الذي يشعر بالعجز وهو يطالع عبر واجهات المحال أسعار الملابس الضرورية لابنته، فضلاً عن البيت الذي يتحول إلى سجن، والمطر الذي يطلق طاقة تحرر داخلية والخوف الذي يصبح إدماناً والدموع التي تصدر عن شخص يحترف مهنة إسعاد الآخرين.

تتعدد التقنيات السردية في المجموعة ومنها «الأنسنة»، أي خلع صفات إنسانية على الأشياء والجمادات، واعتماد المراسلات كأداة لعرض الحدث، فضلاً عن اللجوء إلى التصوير الفانتازي الذي يتجاوز حدود العقل والمنطق ليسبح في حالة شعورية من الانطلاق.

ويبدو أن اسم المجموعة «صندوق أرابيسك» يكتسب دلالته ورمزيته من حالة التعقيد والتشابك، كما في فن الأرابيسك، التي تعكس واحدة من تجليات النفس البشرية والقصص المتداخلة داخل المجموعة، وكذلك حالة التكتم والسرية لهواجس الإنسان المؤلمة التي لا تظهر لنا لأنها استقرت داخل صناديق مزخرفة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«وسط ظلام ليلة عاصفة تنازل فيها القمر عن عرش السماء، وقفت وحيدة مذعورة يلفها الصقيع ويتسلل إلى داخلها، يزلزلها، يكاد يقتلعها من مكانها، تحاول التشبث بالفراغ من حولها فلا يغيثها، تخور قواها وتخمد مقاومتها وتتساءل... كيف تبدل حالها هكذا ما بين عشية وضحاها؟ بالأمس القريب، كانت تستيقظ على زقزقة العصافير وعبير الأزهار، تؤنسها ضحكات الأطفال، تتردد أصداؤها في الفضاء الفسيح، يعانقونها ويختبئون خلف جسدها فتبادلهم العناق كأم حنون. كم من أسرار حفظتها وأطبقت عليها بين الضلوع، لطالما لاذ بها المتعب حتى يستريح، الجائع حتى يشبع، والظمآن حتى يرتوي، شاركت الأحباب أوج الغرام ودمعت معهم لحظة الفراق.

كانت جميلة فتية، لا تكسرها ريح ولا يسكن قلبها برد، تتدثر بردائها الأخضر النضر وأنفاس ساكنيه الدافئة في أعشاشها، تستمتع بزخات السماء، تمنحها سر الحياة. أما اليوم فزال عنها الرداء، وهجرها الأحباب، صارت قاحلة المحيا بذراعين مصلوبتين تستميتان من أجل البقاء، يمزق نياط قلبها إعراض الناس عنها حتى أصبحت كيتيمة تفتقد السكن والونس، تقتلها نظرات التجاهل تلك، يكاد صراخها المكتوم يشق عنان السماء هاتفاً:

- ما زلت على قيد الحياة، لم أمت بعد!».