قطاع النشر في الخليج يصارع الجائحة

عامٌ عصفت فيه «كورونا»

فهد الهندال - مسفر السبيعي - خالد بن عبد العزيز العتيق - فهد العودة
فهد الهندال - مسفر السبيعي - خالد بن عبد العزيز العتيق - فهد العودة
TT

قطاع النشر في الخليج يصارع الجائحة

فهد الهندال - مسفر السبيعي - خالد بن عبد العزيز العتيق - فهد العودة
فهد الهندال - مسفر السبيعي - خالد بن عبد العزيز العتيق - فهد العودة

تركت الجائحة آثاراً صعبة خلّفت مصاعب كبيرة، واجهها عموم دور النشر، إذ توقف تنفيذ معظم الخطط المعدّة لعام 2020 والتي كانت مرتبطة مالياً وزمنياً بمعارض الكتاب المحلية والدولية بما تقدمه لدور النشر عامة من سيولة مالية يتم ضخها في مشروعات النشر وبما تتخللها من نشاطات ولقاءات وتعاقدات مع العملاء على مستوى الأفراد والمؤسسات ودور النشر العربية والعالمية، يضاف إليها تقلص حجم المبيعات، وخصوصاً المبيعات المحصّلة عن طريق المتاجر الورقية، وتدني عميات الشراء، التي عوض عنها نسبياً الشراء الإلكتروني.
هنا ناشرون من السعودية يتحدثون عن العام الذي قصفت به «كورونا» عالم النشر...

خالد بن عبد العزيز العتيق (الرئيس التنفيذي لشركة مدارك للنشر والتوزيع، وعضو لجنة الثقافة والترفيه بغرفة الرياض): خسائر باهظة
تمثل معارض الكتب الرئة الاقتصادية التي تتنفس بها دور النشر، لذلك فهي تحرص على الوجود في معارض الكتب الدولية، لسبب اقتصادي في المقام الأول، يمثله البيع المباشر للقارئ؛ حيث تجني دور النشر دخلاً مباشراً وصافياً، خاصة إذا علمنا أن نقاط التوزيع مثل المكتبات تقتطع أكثر من 50 في المائة من سعر البيع للكتاب.
لكن ثمة أهمية أخرى غير الاقتصاد، تمثلها معارض الكتب بالنسبة لدور النشر، وهي خلق سوق للتبادل المعرفي والثقافي، ونقطة التقاء صناع المعرفة والعاملين في سوق الكتاب خصوصاً من أجل تبادل التجارب، وإبرام الصفقات، وعقد الاتفاقيات، والتفكير الجماعي في مشروعات مشتركة.
يمكن اعتبار المعارض نقطة التقاء بين أصحاب المكتبات في ‏الوطن العربي لتبادل الإصدارات، وتوسيع منافذ البيع بشكل دولي، فالدور السعودية «مثلاً» تلتقي ‏بمكتبة من المغرب العربي داخل أروقة المعرض، لتعرض أهم إصداراتها لهذا العام، كما تقوم بتحصيل ما تم بيعه من كتبها ‏من مكتبة أخرى في الأردن. ‏
لكن ما حدث هذا العام أنه بسبب الجائحة، دخل مختلف المناطق في «الحظر الاحترازي» خلال موسم الكتاب لعام 2020 (الذي يبدأ من شهر نوفمبر - تشرين الثاني، في الشارقة، وينتهي في ‏أبوظبي في شهر مايو - أيار، ويمر بينهما جميع العواصم الخليجية والعربية)، ما تسبب في تكبيد دور النشر خسائر باهظة، فقدت خلالها ‏أكثر من نصف مدخولاتها السنوية؛ حيث يقدر حجم السوق في السعودية فقط حسب ما ‏نشرته وزارة الثقافة بـ4.5 مليار ريال سعودي (أكثر من مليار دولار). ‏
وفي الوقت الراهن، يحاول قطاع النشر في السعودية إخماد الخسائر، والسعي إلى ‏الخروج هذا العام بأقل الأضرار، كما أن مؤسسات نشر ستجد أن السبيل الوحيد أمامها هو الانسحاب من السوق. وهي خسارة فادحة للحوامل الثقافية، التي تعمل لإنارة شعلة ‏الثقافة والتنوير وتعزيز مصدر المعرفة، ونقل الحضارة. ‏
وعند الحديث عن تجربة شركة «مدارك للنشر والتوزيع»، وهي إحدى شركات مجموعة «أنوفا ‏الاستثمارية»، فقد حاولت خلال فترة الجائحة تفعيل وابتكار طرق جديدة للوصول إلى القارئ وتسويق منتجها الثقافي، من أجل البقاء والمحافظة على موظفيها من سعوديين وأجانب.‏
وبدأت بتسويق إصداراتها الثقافية عبر موقعها الإلكتروني والدخول إلى عالم التجارة ‏الإلكترونية؛ حيث شكلت مبيعاتها خلال الفترة تحسناً طفيفاً على مستوى التجارة ‏الإلكترونية، مع ارتفاع إجمالي المبيعات عبر موقعها الخاص مقارنة بمبيعات الموقع ‏العام الماضي، وذلك بسبب عدم تمكن الناس من الشراء من المكتبات مباشرة. لكن هذا ‏التحسن في المبيعات لا يشكل في المجمل أكثر من 10 في المائة من مبيعات معرض دولي واحد.
ولعلنا نشير هنا إلى حاجة قطاع النشر إلى حوافز أو دعم حكومي؛ حيث نهضت الدولة بتقديم حزمة دعم متنوعة لانتشال القطاعات الاقتصادية من آثار الجائحة، لكن بقي قطاع النشر خارج مظلة الدعم، مع أهمية إنقاذه من الركود.
ووزارة الثقافة جديرة بأن تأخذ على عاتقها دعم سوق الكتاب، وربما كان أحد أهم المحفزات التي يمكن تقديمها تبني مبادرة تضع إنتاج الكتب ضمن المنتجات المعفية من ضريبة القيمة المضافة. ‏أسوة بعدد كبير من دول العالم التي تعفي الكتب ووسائل المعرفة من هذه الضريبة، وهو ما يصبّ في مصلحة الثقافة أولاً، ودور النشر والقارئ على حدٍ سواء.
لعلي هنا ألفت الانتباه إلى مبادرة قامت بها الغرفة التجارية في الرياض بتشكيل لجنة تعنى بالثقافة والترفيه، عقدت اجتماعها الأول بداية الشهر الحالي، وتم انتخاب الأستاذ مصعب المهيدب رئيساً للجنة ‏الثقافة والترفيه، وهي حالياً تجهز لورش العمل لبدء التحضير لدورتها التي تمتد 4 سنوات. ‏

فهد الهندال (دار الفراشة، الكويت): نعوّل على الدعم الحكومي 2021

كانت سنة 2020 ثقيلة جداً، ولعل الضربة الموجعة التي وجّهتها لنا ناشرين جائحة «كورونا» تمّثلت بإلغاء المعارض المتبقية من الموسم السابق، والحالي أيضاً، ومنها معرض الكويت للكتاب الدولي. وكان ممكناً تأجيله لمطلع العام المقبل 2021.
وهنا، أستغرب السماح بفتح المولات والأنشطة التجارية ذات التجمعات البشرية العالية، ويتم إلغاء معرض الكتاب بسبب الخوف من التجمعات البشرية!
وأعتقد أن هذا الإلغاء قد يشكل ظناً لدى الناس بقلة الثقة بالإجراءات الصحية أكثر من الوعي المجتمعي.
وحين تسألني عن مدى تأثير الجائحة على القارئ؟ أجيبك بأنه صعب بعد الجائحة عودة النشاط لكامل طاقته حيث عصفت «كورونا» بكل نواحي الحياة، ومنها نشاط النشر، لكونه يعتمد على فعل القراءة المستمر والفعاليات المصاحبة، كمعارض الكتب وجلسات القراءة وحفلات التوقيع والتوزيع، وبالتالي كان أثر «كورونا» قاسياً علينا ناشرين، حالنا كحال كل أصحاب الأنشطة التجارية التي لديها مصاريف من أجور وإيجارات وعليها مستحقات وغيرها؛ قضت كلها على معظم الإيرادات.
ما يجعلنا نخفف من المعاناة، جراء هذه الأزمة، وبسبب غياب إقامة المعارض الإقليمية، هو الاعتماد على البيع عبر «الأونلاين» والتوصيل فقط، وهو لا يغطي خسائر الشهور الماضية.
أما عن خطط النشر في 2021. فإننا تعوّل على الدعم الحكومي، فنحن لا نطلب دعماً مالياً وإنما معنوياً، وهناك بعض إدارات المعارض العربية والمحلية تقدم خدمات ملموسة للناشرين كتبسيط إجراءات وكلفة الشحن والاتفاق مع فنادق معينة لعمل خصومات حقيقية للناشرين وتوفير المواصلات من المعرض وإليه، وقيام المؤسسات الحكومية بشراء إصدارات سنوية.
كل هذه الجهود مشكورون عليها، يبقى إيجار الجناح الذي نتمنى إعادة النظر بتكلفته العالية في بعض المعارض، وهنا نشكر الشيخ الدكتور سلطان القاسمي حاكم الشارقة وإدارة معرض الشارقة الدولي للكتاب على مبادرة تحمّل إيجارات الأجنحة في المعرض، وأتمنى أن تحذو حذوهم بقية إدارات المعارض العربية؛ حيث أعتقد أن ذلك سيساهم في دعم الناشرين أكثر.
وأتمنى أن تعيد الحكومات النظر في قرار إلغاء معارض الكتب الدولية والمحلية في البلاد؛ حيث إنها مهرجانات تسويقية للكتب والكتّاب والناشرين.
ولتكن لدينا ثقة بالإجراءات الصحية ووعي المجتمع. فالنشر صناعة وطنية ومشروعات يقودها شباب، والمكتبات كذلك، وقد تضررت أيضاً بما تعرضت له دور النشر من خسارة، كذلك المطابع وغيرها من الأنشطة المرتبطة بها ارتباطاً كبيراً.

فهد العودة (مدير دار كلمات،
سعودية - كويتية):
تأثير إيجابي على القراءة

مع ما شهده العالم من ظروف حظر عالمي، أغلقت فيه الأماكن التي نجد فيها متنفساً ونقضي فيها وقتاً ماتعاً يشغل جزءاً كبيراً من يومنا، كان باب المكتبة مفتوحاً على مصراعيه، يحوي وحشة الوحدة لتستأنس به النفس، في مكتبة «كلمات» كثفنا جهود الخدمات الإلكترونية، وأقمنا حملات توعوية عدة تجذب الناس للقراءة وتحثهم عليها بعنوان: «في عزلتك، القراءة خير صديق»، كما حرصنا على تكثيف حضورنا على منصات التواصل الاجتماعي بمسابقات ثقافية ومنشورات تفاعلية تحبب الناس إلى القراءة.
وحين تسألني؛ هل تغير سوق الكتاب؟ أقول لك؛ تغير، فهذا هو عامنا الأول الذي تُلغى فيه بعض معارض الكتب التي صادف موعد انعقادها أيام الحظر الكلي، لكن من وجهة نظري الشخصية أرى أن تأثير الجائحة كان إيجابياً على القراء، وأراهن أن عدداً كبيراً من الناس قد يكون لجأ للقراءة لأول مرة في هذا العام، ووجد فيها أنسه ومتنفسه.
بعد كساد سنة كاملة، نخطط للعمل بجهد حثيث، وبهمة عالية لخدمة القراء وتلبية احتياجاتهم في أنحاء العالم العربي كافة، وقد تزامن في هذا العام عملنا على ترجمة وإصدار كثير من المؤلفات التي نفخر بها برغم كل الصعوبات والمشاق، تقديراً لإيمان ومحبة الناس لمكتبة كلمات، وترقب جديدها، والقادم أجمل لقرائنا الذين يستحقون الأفضل دائماً.

مسفر السبيعي (مركز الأدب العربي، دار نشر وترجمة، السعودية):
تأثرنا... لكننا نستعد
لانطلاقة جديدة

لو أردنا تناول تأثير الجائحة وتداعياتها على الحياة الاقتصادية بقطاعاتها المختلفة لبرز لدينا بشكل واضح تأثيرها الكبير على قطاع النشر وصناعة وبيع الكتاب الورقي، فمن ظروف الإغلاق التام والجزئي التي أدت إلى إغلاق متاجر الكتب الورقية، إلى توّقف معارض الكتاب التي كانت بمثابة الرئة التي يتنفس منها قطاع النشر، إلى غيرها من التداعيات والآثار التي لا تخفى على أحد.
و«مركز الأدب العربي» دار نشر سعودية تأثرت كغيرها من دور النشر العربية والعالمية بانعكاسات الجائحة وآثارها.
لقد تراجعت طلبات النشر خلال فترة الإغلاق التام وعودتها بشكل تدريجي بعد انتهاء الإغلاق التام ووصولها إلى مستوياتها الطبيعية في الوقت الحالي.
لقد ساعدت ظروف الإغلاق التام في زيادة التوجه للقراءة ومحاولة استثمار الوقت الطويل بإنتاج أعمال إبداعية، وفي هذا السياق نذكر مبادرة «مركز الأدب العربي» المتمثلة في مسابقة القصة القصيرة جداً (ق.ق.ج) على منصة «تويتر»، وفي ذات الوقت أسهمت صعوبة حصول القارئ على الكتاب الورقي في نمو الطلب على النسخة الإلكترونية للكتب من منصات التحميل المختلفة، بوصفها بديلاً أسرع وأسهل وأقل كلفة.
أما عن خطط العام المقبل، فيأتي في طليعتها؛ دخول عالم إنتاج ونشر الكتاب المترجم، وعمل تعاقدات مع المترجمين، ودور النشر العالمية، لتقديم ترشيحات للكتب والروايات العالمية الأكثر أهمية ورواجاً، والسعي للحصول على حقوق النشر لها وترجمتها ونشرها وإتاحتها للقارئ العربي.
مع تعزيز وزيادة دور المركز في إنتاج ونشر كتب أدب الأطفال وسلاسل الناشئين من خلال التعاقد مع كُتاب أدب الطفل وتهيئة بيئة إنتاج هذا النوع من الكتب من خلال التعاون مع رسامين ومصممين عالميين.
واستقطاب مزيد من الكتاب والمبدعين العرب والمساهمة في نشر نتاجهم الأدبي والفكري وإتاحته في السوق السعودية.



محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً