ابن بغداد يوسف عبد الكريم... حارس الساعات في زمن التحوّلات

TT

ابن بغداد يوسف عبد الكريم... حارس الساعات في زمن التحوّلات

يواظب يوسف عبد الكريم على فتح محله لتصليح الساعات يوميا في شارع الرشيد بوسط بغداد، ليواصل ممارسة مهنة ورثها عن والده وجده، صامداً في وجه التغيّرات التي عرفها الشارع العريق.
عند المرور في شارع الرشيد، لا يمكن تجاهل متجر يوسف الصغير وواجهته المكسوّة بالغبار. ومن خلف الزجاج، تتراءى مئات الساعات من أزمنة مختلفة، بألوان وتصاميم متنوعة، وضعت في أرجاء المتجر دون ترتيب واضح.
في الداخل، يجلس يوسف البالغ من العمر 52 عاماً والمعروف بأبو يحيى على كرسيه أمام مكتب خشبي قديم، محاطا بالساعات من الجهات الأربع، موضوعةً داخل صناديق بلاستيكية على الأرض وفي علب كرتونية على الرفوف وداخل حقائب مختلفة، ما يجعل التنقل داخل المتجر الضيّق مهمة صعبة، لكن الرجل يعرف تفاصيله ومكان كل ساعة عن ظهر قلب.
بدأ عبد الكريم تصليح الساعات في سنّ الحادية عشرة بعد وفاة جدّه الذي أسس المتجر قرابة العام 1940. وتعلّم المهنة من والده على مدى أعوام قبل أن يتقاعد الأخير ويأخذ يوسف مكانه.
يقول الرجل الخمسيني إن شارع الرشيد كان يعجّ بعشرات محلات تصليح وبيع الساعات خلال الثمانينات، لكنها باتت تعد على أصابع اليد الواحدة الآن.
قد يكون للتكنولوجيا دور في تراجع الإقبال الساعات اليدوية، لكن يوسف ينسب المسؤولية أيضا إلى التحولات العميقة التي شهدتها المدينة. ومع ذلك، يرفض فكرة أن الساعات صارت شيئا من الماضي، ويستدل على ذلك بتدفق الزبائن على المحل أغلب ساعات النهار، ويعتبر أن «الأناقة تبدأ من الساعة».
يزور المتجر أشخاص من أعمار وانتماءات مختلفة، من الباحثين عن ساعات زهيدة الثمن إلى المولعين بجمع أخرى ثمينة وبينهم وزراء ومسؤولون سابقون، ويؤكد يوسف بفخر أن «الكل يجد ضالته هنا». ويرى أن ديكور محله «الذي لم يتغير منذ نحو 50 عاما» يشكّل عنصر جذب أيضا، وهو لا ينوي تحديثه «للحفاظ على هوية المكان».
يصلح عبد الكريم نحو خمس ساعات يوميا، لكنّه يقول إن نظره في تراجع، ويقدّر أنه سيضطر للتقاعد خلال خمسة أعوام على الأكثر، مع أنه يريد مواصلة العمل أطول وقت ممكن.
وجدير بالذكر أن مستقبل المحل الأقدم في شارع الرشيد ليس مهدداً، إذ يعكف يوسف على تدريب ابنيه يحيى (24 عاما) ومصطفى (16 عاما) على أمل أن يخلفه أحدهما وأن ينقلا هذا الإرث العائلي إلى أبنائهما.
ويتحدث عبد الكريم مطولا عن الشارع الذي يحمل اسم الخليفة العباسي هارون الرشيد، وعن دور السينما والمسارح والمقاهي والمتاجر «التي لا تغلق أبوابها ليلا» والزبون الذي اشترى ساعة في الثالثة فجرا.
يقول إنه كان يبيع ويصلح «ما يصل إلى 500 ساعة كل أسبوع» في الثمانينات، قبل أن تتراجع كثافة العمل في العقد التالي نتيجة العقوبات الاقتصادية التي فرضت على البلاد، وبعد ذلك إثر الغزو الأميركي عام 2003.
عاش عبد الكريم على غرار بقية العراقيين معاناة الصراع الطائفي الذي بلغ ذروته بين 2006 و2008. وكان وصوله إلى المحل يتطلب منه «قطع خمسة كيلومترات سيراً على القدمين» نتيجة غلق الطرق واضطراره لتغيير مكان سكنه. وأدى ذلك إلى «تراجع عدد الزبائن بنحو 90 في المائة مع مغادرة كثيرين لبغداد»، لكنه حرص حينها على مواصلة فتح المتجر قدر الإمكان.
يخبر أنه تدريجيا «امّحت معالم الشارع وانتقل أغلب أصدقائي» إلى خارج البلد أو نحو مناطق تجارية جديدة في العاصمة بعد أن باعوا محالهم التي تحول معظمها إلى تجارة زيوت وقطع غيار السيارات والأدوات الكهربائية.
أما الشقق ذات الطراز البغدادي العتيق المصفوفة فوق المتاجر والتي كانت تسكنها غالبية من اليهود مطلع القرن العشرين، فقد صار أغلبها خاويا ومتداعيا لغياب الترميم والعناية.
يقول يوسف عبد الكريم بحسرة: «كنت أتمنى أن يصبح الوضع أفضل بعد سقوط النظام، لكنه تغيّر للأسوأ». رغم ذلك، يؤكد: «سأبقى متمسكا بمهنتي».



تيم حسن وسامر البرقاوي و«الصبّاح»: شراكة تتقدَّم المواسم الرمضانية

تيم حسن... حضور يتجدّد كل رمضان (صفحته في «فيسبوك»)
تيم حسن... حضور يتجدّد كل رمضان (صفحته في «فيسبوك»)
TT

تيم حسن وسامر البرقاوي و«الصبّاح»: شراكة تتقدَّم المواسم الرمضانية

تيم حسن... حضور يتجدّد كل رمضان (صفحته في «فيسبوك»)
تيم حسن... حضور يتجدّد كل رمضان (صفحته في «فيسبوك»)

في خريطة الدراما الرمضانية خلال السنوات الأخيرة، يبرز اسم تيم حسن إلى جانب المخرج سامر البرقاوي بصورة تكاد تكون تلقائية. ومع الوقت، اكتمل هذا الترابط بحضور شركة «الصبّاح إخوان» التي تولَّت إنتاج أهمّ أعمال جمعت الرجلين. هكذا تشكَّل مثلث مهني بات مألوفاً لدى الجمهور العربي، يقوم على ممثل يقود العمل بشخصية محورية، ومخرج يعرف كيف يصوغ حضوره داخل اللغة البصرية للمسلسل، ومنتج يُدير هذا التعاون على امتداد مواسم رمضان.

بدايات متأنية مهَّدت لمسار درامي امتدّ عبر سنوات طويلة (صفحة تيم حسن في «فيسبوك»)

تعود البدايات إلى منتصف العقد الماضي مع «تشيللو» عام 2015، ثم «نص يوم» في 2016. في تلك السنوات، كانت الدراما العربية تدخل مرحلة توسُّع في الأعمال المشتركة، مع سعي شركات الإنتاج إلى بناء مسلسلات تتجاوز حدود السوق المحلّية. ضمن هذا المناخ، التقت مصالح فنّية وإنتاجية. تيم حسن كان قد راكم حضوراً قوياً في الدراما السورية، مع قدرة على الانتقال بين الشخصيات المُركَّبة والشعبية. سامر البرقاوي جاء من تجربة إخراجية تميل إلى الإيقاع المُتماسك وبناء التصاعد الدرامي داخل المشهد. شركة «الصبّاح إخوان» كانت تتحرَّك بدورها ضمن استراتيجية إنتاجية تبحث عن نجم قادر على حَمْل عمل كامل والتوجُّه به إلى جمهور عربي واسع.

التحوّل الفعلي جاء مع «الهيبة» في 2017. في ذلك العمل تبلورت صيغة درامية مُكتملة المعالم تقوم على البطل المركزي الذي تدور حوله بقية الشخصيات والصراعات. شخصية «جبل شيخ الجبل» تحوَّلت بسرعة إلى علامة تلفزيونية معروفة، مُستندةً إلى حضور حاسم وعبارات قصيرة قابلة للتداول. إخراج البرقاوي لعب دوراً أساسياً في تثبيت هذه الصورة. اختار الاقتراب بالكاميرا من الشخصية والتحكُّم بإيقاع الحوار، ممّا عزَّز حضور تيم حسن داخل الصورة.

شراكة صنعت حضورها مع الوقت وتواصل كتابة فصولها كلّ موسم (فيسبوك)

مع النجاح الكبير للجزء الأول، تحوَّلت السلسلة إلى مشروع طويل امتدَّ عبر أجزاء، قبل أن تنتقل الثنائية إلى أعمال أخرى مثل «الزند: ذئب العاصي»، و«تاج»، و«تحت سابع أرض»، ثم «مولانا» في موسم رمضان الحالي. خلال هذا المسار، انتقل تيم حسن من موقع الممثل البارز ضمن جيل كامل إلى موقع الركيزة الموسمية الثابتة. حضوره بات جزءاً من توقّعات الموسم الرمضاني، ممّا منح هذه الشراكة وزناً إضافياً داخل السوق الدرامية.

هذا الحضور لم يتكوَّن بفعل النجم والمخرج فقط. خلف الكاميرا يعمل فريق تقني ارتبط بتجارب البرقاوي المتكرّرة، من مصوّرين ومصمّمي إضاءة ومهندسي صورة، أصبحوا يعرفون جيداً كيف يُقدّمون تيم حسن داخل الكادر. مع مرور الوقت، تكوَّنت خبرة مشتركة في التعامل مع ملامح الممثل وصورته على الشاشة، ممّا جعل الصورة تبدو أحياناً وكأنها تعرف طريقها مُسبقاً إلى الشخصية. هذه الخبرة الجماعية أسهمت في تثبيت شكل بصري لافت للأعمال التي تجمع هذا الفريق.

التعاون بين تيم حسن وسامر البرقاوي رسَّخ موقعه في ذاكرة المواسم الرمضانية (فيسبوك)

في المقابل، حافظ تيم حسن على علاقة إنتاجية ممتدّة مع شركة «الصبّاح إخوان». هذه العلاقة تقوم على فَهْم متبادَل لطبيعة المشاريع التي يُفضّلها الممثل، وقدرة الشركة على توفير الظروف الإنتاجية التي تتيح له تقديم أعماله ضمن مستوى تقني وتسويقي مرتفع. ومع تكرار التعاون، أصبح اسم تيم حسن جزءاً من استراتيجية الإنتاج لدى الشركة، كما أصبح وجود الشركة جزءاً من الإطار الذي يعمل ضمنه الممثل في مواسمه الرمضانية.

رهان «الصبّاح إخوان» على هذا الاسم جاء ضمن رؤية إنتاجية محسوبة. الشركة أدركت مبكراً أنّ النجم الذي يستطيع جذب جمهور واسع عبر أكثر من بلد عربي يُشكّل قاعدة صلبة لأي مشروع طويل. ومن هنا جرى الاستثمار في استمرارية هذا الخطّ الإنتاجي، مع المحافظة على فريق إخراج وتقنيات يعرف طبيعة العمل المُشترك بين تيم حسن وسامر البرقاوي.

سنوات من العمل المشترك جعلت هذه الثنائية جزءاً من المشهد الدرامي الرمضاني (فيسبوك)

كما أن استمرار أيّ صيغة درامية لسنوات يضعها أمام معادلة التجدُّد والحفاظ على نجاحها. الذائقة الجماهيرية تتبدَّل بسرعة، والسوق الرمضانية تزدحم كلّ عام بأعمال تحاول جذب الانتباه. هذا الواقع يضع الثنائية أمام امتحان دائم لقدرتها على تقديم ما يتجاوز الإطار الذي كرَّسته أعمالها السابقة. بعض المسلسلات حاولت تبديل البيئة الدرامية والانتقال إلى زمن مختلف كما حدث في «الزند»، بينما بقيت عناصر أخرى ثابتة إلى حدّ بعيد، ركيزتها البطل المحوري والصراع المكثَّف والجُمل القصيرة التي تنتقل بسرعة إلى الفضاء الرقمي.

واليوم، يبدو «مولانا» محاولة لدفع هذا المسار الطويل من التعاون نحو مساحة مختلفة. العمل الذي تصدَّر سريعاً المراتب الأولى في نسب المشاهدة تحوَّل إلى ظاهرة شعبية تُضاهي «الهيبة»، وإنما حضوره لا يُختزل في «الترند» أو الجُمل التي يتناقلها الجمهور. بين مزاح الشخصية واستخفافها الظاهري بما يدور حولها، تمرُّ إشارات أكثر عمقاً تُفكّك الوهم الذي يتمسَّك به بعض الناس، وتُحاكي قادة يُطلقون وعوداً يعرفون أنها فارغة، فيما يجدون دائماً مَن يُصدّقهم ويسير خلفهم.

في «مولانا» تختبئ الرسالة الأثقل بين السطور (بوستر المسلسل)

هذه الرسائل تسير بين السطور عبر سخرية خفيفة تبدو في ظاهرها لعباً لغوياً أو مزحة سريعة. وبينما يشتغل المسلسل على سطح قابل للانتشار على وسائل التواصل، يعمل في الوقت عينه على مستوى أعمق يحمل تأمّلاً قاسياً في قابلية الناس لتصديق الرواية الكاذبة، وفي هذا الأسلوب تحديداً تكمن قوة التأثير.

حتى عناصر مثل شارة البداية والنهاية بصوت منى واصف، تؤكد أنّ الصدى لا يرتبط دائماً باسم النجم الذي يؤدّي الأغنية. أحياناً تكفي الفكرة بنبرتها الصافية لتجد طريقها إلى الجمهور. في هذا التوازن بين الخبرة المُتراكمة والإصرار على التجديد، تستمرّ شراكة تيم حسن وسامر البرقاوي مدعومة بظلّ إنتاجي ثابت من «الصبّاح إخوان». نجاحها حتى الآن يعود إلى قدرة هذا المثلث على إدارة مشروعه بقدر كبير من الاحتراف وقراءة المزاج الجماهيري في توقيت دقيق، وهي معادلة ستبقى مُطالَبة بإثبات قدرتها على الذهاب أبعد في المواسم المقبلة.


ملايين المصلين يشهدون ختم القرآن بـ«الحرمين الشريفين»

شهد المسجد الحرام ليلة التاسع والعشرين حضوراً كثيفاً لقاصديه من المعتمرين والمصلين لأداء صلاة العشاء والتراويح وختم القرآن الكريم (واس)
شهد المسجد الحرام ليلة التاسع والعشرين حضوراً كثيفاً لقاصديه من المعتمرين والمصلين لأداء صلاة العشاء والتراويح وختم القرآن الكريم (واس)
TT

ملايين المصلين يشهدون ختم القرآن بـ«الحرمين الشريفين»

شهد المسجد الحرام ليلة التاسع والعشرين حضوراً كثيفاً لقاصديه من المعتمرين والمصلين لأداء صلاة العشاء والتراويح وختم القرآن الكريم (واس)
شهد المسجد الحرام ليلة التاسع والعشرين حضوراً كثيفاً لقاصديه من المعتمرين والمصلين لأداء صلاة العشاء والتراويح وختم القرآن الكريم (واس)

شهد ملايين المصلين بالمسجد الحرام في مكة المكرمة، والمسجد النبوي في المدينة المنورة، ليلة ختم القرآن الكريم، مساء الثلاثاء، حيث أدوا صلاة العشاء والتراويح ليلة التاسع والعشرين من شهر رمضان المبارك، وسط أجواء روحانية تحفّها السكينة والاطمئنان.

ومنذ الصباح الباكر، توافد ضيوف الرحمن من المعتمرين والزوار والمصلين، إلى أروقة وساحات المسجد الحرام، والطرق المؤدية إليه، حيث تمكن أكثر من مليونين ونصف مليون مصلٍ من أداء مناسكهم وعباداتهم بكل يسر وأمان، بفضل ما وفرته الحكومة السعودية من خدمات، وما نفذته من مشروعات بإشراف ومتابعة قيادة البلاد.

يشهد المسجد الحرام في مكة المكرمة توافد أعداد كبيرة من المصلين من مختلف بقاع العالم (واس)

وجندت الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي كامل طاقاتها وإمكاناتها ضمن منظومة عمل متكاملة، وبالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة، لاستقبال القاصدين وتنظيم حركتهم، وتوجيههم إلى صحن المطاف والمصليات المخصصة، مع مراعاة احتياجات كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة عبر مسارات مهيأة تسهّل تنقلهم.

وامتلأت أروقة المسجد النبوي وساحاته وسطحه، والتوسعات المحيطة به بالمصلين وزائريه، التي حرصت الهيئة على تهيئتها الكاملة، ووضع كل الترتيبات اللازمة للمحافظة على سلامة وراحة المصلين والزائرين، ومساعدتهم في قضاء أوقات مليئة بالذكر والعبادة والراحة والطمأنينة.

وتشهد صلاة التراويح في ليلة ختم القرآن الكريم بالمسجدين «الحرام» و«النبوي» توافداً مبكراً للمتعبدين، حيث تتوافد جموع المصلين منذ ساعات العصر، في انسيابية حركية، وتنظم دقيق، يعكس مستوى العناية براحة القاصدين وسلامتهم.

وهيأت الهيئة لوحات إرشادية مصنفة وفق المواقع، لتيسير وصول المصلين إلى الخدمات والمرافق، إلى جانب تعزيز أعمال النظافة والتعقيم والتعطير باستخدام أحدث المعدات والآليات، وتشغيل دورات المياه بكامل جاهزيتها، وفرش المسجد الحرام بأعداد كبيرة من السجاد، وتوفيرها على المدار الساعة نقاطاً كثيرة لسقيا ماء زمزم، مبردة وغير مبردة.

امتلأت أروقة المسجد النبوي وساحاته وسطحه والتوسعات بالمصلين وزائريه منذ وقت مبكر (واس)

وفي إطار تسهيل الدخول والخروج، عملت الهيئة على تخصيص مداخل لكبار السن وذوي الإعاقة، إلى جانب تكثيف فرق البلاغات لاستقبال الملاحظات، وتوفير المصاحف، والتأكد من كفاءة أنظمة الصوت والتكييف والتهوية، وتشغيل العربات الكهربائية واليدوية عبر تطبيق «تنقل»، وتنظيم عمل دافعي العربات وفق خطط تشغيلية دقيقة.

وعززت الهيئة وجود المراقبين على أبواب المسجد الحرام لتوجيه المصلين، استخدمت فيها شاشات الإلكترونية متعددة اللغات للإرشاد المكاني، بالتكامل مع الجهات الأمنية لتنظيم الحشود، خاصة عند امتلاء المصليات، إضافة إلى تنفيذ خطط متقدمة لأعمال التطهير والتعقيم.

وكثفت الهيئة جهودها الميدانية عبر كوادر مؤهلة للإشراف على تنظيم الساحات والممرات، ومتابعة أعمال النظافة وغسل المسجد الحرام بشكل مستمر، وتهيئة المداخل والممرات، وتنظيم استخدام السلالم الكهربائية، وإرشاد المصلين إلى الأدوار العلوية، والمعتمرين إلى صحن الطواف، مع التأكد من جاهزية أنظمة السلامة وخطط الطوارئ لمواجهة مختلف الظروف.

تعدّ ليلة ختم القرآن من أكثر الليالي ازدحاماً خلال شهر رمضان المبارك (واس)

وجهزت الهيئة السلالم الكهربائية والمصاعد، ورفعت من كفاءة الأنظمة الصوتية والتكييف والإضاءة والتهوية، وصيانة المرافق، وتطبيق أعلى معايير الوقاية البيئية، مع استخدام أنظمة متقدمة لمتابعة الحالة الجوية والتعامل الفوري مع أي مستجدات.

ونفذت الهيئة بالتكامل مع الجهات المعنية خططاً شاملة للإرشاد المكاني، وتخصيص مسارات واضحة في الممرات، ضمن مبادرة «اسألني» التي تقدم خدمات إرشادية ميدانية بعدة لغات، لمساعدة القاصدين وتيسير تنقلهم داخل المسجد الحرام وساحاته.

وأوضح المهندس محمد فقيهي مدير عام خدمات الحشود في هيئة العناية بشؤون الحرمين الشريفين بالمسجد النبوي، أن الهيئة تعمل على تعزيز جوانب التكامل بين مختلف الجهات المعنية في خدمة زائر المسجد النبوي، وتكثيف الجهود التنظيمية والخدمية؛ إذ عُزّزت نقاط الإرشاد، وزادت من جاهزية الفرق الميدانية، للتعامل مع مختلف الحالات، لدعم تنفيذ الخطط التشغيلية بسلاسة وكفاءة، بالإضافة إلى الخدمات المساندة لتعزيز راحة المصلين، من خلال توفير مياه الشرب، واستمرار أعمال التطهير، والعناية بالسجاد، وتيسير حركة التنقل والعربات لكبار السن وذوي الإعاقة.

هيأت الهيئة العامة لـ«شؤون الحرمين» بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة منظومة متكاملة من الخدمات لاستقبال المصلين والزائرين (واس)

وتعكس هذه الجهود منظومة تشغيلية متكاملة تُدار وفق معايير عالية من الكفاءة والتنسيق، تُسهم في تمكين جموع المصلين من أداء صلاة التراويح في ليلة الختمة في أجواء يسودها التنظيم والانسيابية والطمأنينة، بما يجسد مستوى العناية المتواصلة بخدمة قاصدي الحرمين الشريفين، ويؤكد جاهزية المنظومة التشغيلية للتعامل مع أعلى معدلات الكثافة بكفاءة واقتدار.

وأكدت الهيئة العامة للعناية بـ«شؤون الحرمين» تسخير جميع إمكاناتها البشرية والتقنية لخدمة ضيوف الرحمن، والعمل وفق أعلى معايير الجودة والكفاءة، بما يحقق تجربة إيمانية ميسّرة وآمنة لقاصدي بيت الله الحرام في هذه الليلة المباركة.


«مدد مدد»... لوحات فطرية لتجليات الفلكلور في عالم حسن الشرق

من أعمال حسن الشرق (غاليري خان المغربي)
من أعمال حسن الشرق (غاليري خان المغربي)
TT

«مدد مدد»... لوحات فطرية لتجليات الفلكلور في عالم حسن الشرق

من أعمال حسن الشرق (غاليري خان المغربي)
من أعمال حسن الشرق (غاليري خان المغربي)

يبدو عالم الفنان المصري الراحل حسن الشرق، بفضائه الحالِم المشبع بموتيفات الفلكلور الشعبي، متناغماً مع الأصداء الروحية التي يستدعيها معرض «مدد مدد» الذي يبدو مثل هتاف روحي يستجلي العادات والتقاليد والقيم الأصيلة ويطلب منها العون.

ويعد الفنان حسن الشرق (1949 - 2022) من أبرز الأسماء المرتبطة بتجربة الفن الفطري في مصر. ذلك النوع من الفن الذي ينتجه فنانون لم يتلقوا تعليماً أكاديمياً تقليدياً في الفنون، بل يطورون لغتهم البصرية انطلاقاً من خبرتهم الحياتية والبيئية التي ينتمون إليها، وفي هذا السياق اكتسبت أعمال الشرق خصوصيتها، إذ استطاع أن يحوّل مفردات الحياة اليومية في الريف المصري إلى عالم بصري غني بالرموز والدلالات.

موتيفات شعبية تقليدية تميز أعمال حسن الشرق (غاليري خان المغربي)

يضم المعرض الذي يستضيفه غاليري «خان المغربي» بالقاهرة حتى 19 مارس (آذار) الحالي نحو 40 عملاً للفنان الراحل، تسري فيها روح البيئة الريفية وذاكرتها الشعبية، في حوار بصري مع منحوتات للفنان محمود سالم، واختارت صاحبة الغاليري سهير المغربي عنوان المعرض «مدد مدد» لما يحمله من صدى واضح في الفلكلور الشعبي، وارتباطه بالأجواء الروحية لشهر رمضان الكريم، وعن هذا العنوان تقول لـ«الشرق الأوسط»: «يتردد هذا النداء في حلقات الذكر والمواويل الشعبية بوصفه استدعاء للبركة والدعم الروحي، وهو ما يتناغم مع روح أعمال حسن الشرق التي تستلهم الخيال الشعبي بما يحمله من رموز وأساطير، يطوعها بأسلوبه الفطري الفريد».

أعمال حسن الشرق استلهمت الموروث الشعبي (غاليري خان المغربي)

تستقبل الزائر لوحات يغمرها اللون وتفيض بالحركة، أبطالها شخصيات بشرية وفرسان وطيور تتجاور داخل فضاء زخرفي كثيف، مرسومة بخطوط عفوية تمنح المشهد طاقة نابضة بالحياة، ففي أعمال الشرق تبدو الشخصيات والخيول والطيور وكأنها تتحاور في دينامية مرحة، داخل عالم بصري تتشابك فيه العناصر وتحيط بها موتيفات شعبية تمنحها طابعاً احتفالياً.

في إحدى اللوحات يظهر عازف مزمار يستقل مركباً صغيراً، بينما تتلألأ السماء خلفه بنجوم مزركشة الألوان، كأنها امتداد لعالمه الداخلي العفوي، وتغطي الخلفية زخارف دقيقة ونقاط متكررة، وفي لوحة أخرى تُحلّق شخصياته فوق الخيل، بينما تتوزع حولهم مفردات نباتية وطيور في فضاء جمالي مكثف.

وترى الفنانة والناقدة التشكيلية الدكتورة إنجي عبد المنعم فهيم، أن تجربة حسن الشرق تمثل حالة استثنائية داخل هذا المسار، إذ تقدم رغم فطريتها صياغة بصرية عميقة لفلسفة البقاء والارتباط بالأرض والمخيال الشعبي، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «عبقرية الشرق تكمن في قدرته على الحفاظ على دهشة الطفل، رغم نضجه الفني وتجربته العالمية إذ يرسم الأشياء كما تُدرك في الوجدان لا كما تُرى في الواقع العيني، محولاً المفردات اليومية إلى رموز وجدانية عابرة للزمن».

رقصة المولوية التقليدية ضمن الأعمال المعروضة (غاليري خان المغربي)

وتضيف: «في أعماله التي تُصوّر الفرسان، نجد فكرة القوة والتحام الكيان الإنساني بالحيواني في وحدة وجودية مطلقة، أما الإيقاع الوجودي في فن الشرق فيظهر بوضوح من خلال فلسفة ملء الفراغ حيث تغطي النقاط والزخارف المتكررة مساحات اللوحة، معبرةً عن استمرارية الزمن وتداخل الكائنات، فسر استمرار تجربة حسن الشرق وتأثيرها حتى اليوم يكمن في أصالتها التي تقاوم المحو، ففي عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي يظل فنه يمثل نوعاً من الصدق البشري الخالص، إذ استطاع مخاطبة العالم بلغة بصرية مصرية صميمة صهرت داخلها مواريث الفن المصري القديم والقبطي والإسلامي».

الهدهد يجاور أعمال حسن الشرق (غاليري خان المغربي)

ويتداخل مع لوحات المعرض عدد من المنحوتات للفنان محمود سالم، الذي ترى سهير المغربي أن تجربته تتناغم مع روح المعرض، وتوضح أن سالم «يعمل بروح فطرية في النحت، ويشتغل على ثيمات مصرية خالصة، مستخدماً تقنيات النحت التقليدي بالإزميل، حيث تظهر في أعماله طيور مثل أبو قردان والهدهد، وغيرها من الكائنات المرتبطة بالطبيعة المصرية والتراث الشعبي».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended