همنغواي: أفضل الكتابة يأتي بالتأكيد حين تكون في علاقة حب

حوار مع صاحب «الشيخ والبحر» حول أعماله وأسلافه الذين أثروا فيه

أرنست همنغوَاي
أرنست همنغوَاي
TT

همنغواي: أفضل الكتابة يأتي بالتأكيد حين تكون في علاقة حب

أرنست همنغوَاي
أرنست همنغوَاي

س. هل تعيد الكتابة كثيراً؟
ج. يعتمد ذلك على عدة أمور. أعدت كتابة الصفحة الأخيرة من «وداعاً أيها السلاح» تسعاً وثلاثين مرة قبل أن أقتنع بها.
س. هل كانت هناك مشكلة تكنيكية؟ ما الذي حيرك؟
ج. وضع الكلمات في موضعها الصحيح.
س. هل التوازن العاطفي ضروري للكتابة الجيدة؟ أخبرتَني ذات مرة أنك لا تستطيع الكتابة بشكل جيد إلا حين تكون في علاقة حب. هل يمكنك أن تضيف شيئاً إلى ذلك؟
ج. يا للسؤال. لكن المحاولة تستحق العلامة الكاملة. يمكنك أن تكتب في أي وقت يدعك فيه الناس لوحدك دون أن يقاطعوك. أو بدلاً من ذلك يمكنك أن تكتب إن كنت غير مبالٍ بما يكفي تجاه ذلك. لكن أفضل الكتابة يأتي بالتأكيد حين تكون في علاقة حب. إن كان الأمر متساوياً لديك أفضل ألا أعلق على الأمر.
س. ماذا عن الأمان المالي؟ هل لذلك تأثير حاسم على الكتابة؟
ج. إن جاء في وقت مبكر، وأحببت الحياة، كما تحب عملك، فإن مقاومة الإغراء تحتاج الكثير من قوة الشخصية. بمجرد أن تصير الكتابة عيبك الأكبر ومتعتك الأعظم، لن يستطيع أن يوقفها سوى الموت. الأمان المالي يصير عندئذٍ معِيناً لأنه يبقيك بعيداً عن القلق. القلق يدمر القدرة على الكتابة. اعتلال الصحة سيئ بالقدر الذي يُنتج فيه قلقاً يهاجم لا وعيك ويدمر مخزوناتك.
س. هل تتذكر لحظة محددة قررت فيها أن تصير كاتباً؟
ج. لا، كنت دائماً أرغب في أن أكون كاتباً.
س. ما الذي تراه أفضل تدريب فكري لمن يريد أن يكون كاتباً؟
ج. لنقل إن عليه أن يخرج ويشنق نفسه لأنه يكتشف أن الكتابة بشكل جيد صعبة إلى حد الاستحالة. بعد ذلك عليه أن يقطع نفسه دون رحمة ويجبر نفسه على الكتابة بالجودة التي يستطيع بقية حياته. على الأقل ستكون لديه قصة الشنق ليبتدئ بها.
س. في باريس، إبان العشرينيات، هل كان لديك إحساس بأن ثمة «شعوراً جماعياً» مع كتاب وفنانين آخرين؟
ج. لا. لم يكن هناك شعور جماعي. كنا نحترم بعضنا. شعرت باحترام لعدد من الرسامين، بعضهم في سني، وآخرين أكبر مني، (خوان) غريس، بيكاسو، براك، مونيه (الذي كان ما يزال حياً) - وقليل من الكتاب: جويس، عزرا (باوند)، الجانب الجيد من (غيرترود) شتاين...
س. حين تكتب هل تجد نفسك تتأثر بما تقرأ في ذلك الوقت؟
ج. لم يحدث ذلك منذ كان جويس يكتب «يوليسيس». كان تأثيره مباشراً. ولكن في تلك الأيام حين كانت الكلمات التي نعرف ممنوعة عناً، وكان علينا أن نحارب من أجل كلمة واحدة، كان أثر عمله هو الذي غير كل شيء، وجعل من الممكن لنا أن ننعتق من القيود.
س. هل يمكنك تعلم أي شيء حول الكتابة من الكتاب؟ كنت بالأمس تقول لي إن جويس، مثلاً، لم يكن يطيق الحديث عن الكتابة؟
ج. في رفقة أناس من أهل صنعتك تتحدث عادة عن كتب الكتاب الآخرين. كلما كان الكتاب أفضل، كان حديثهم أقل عما كتبوا أنفسهم. كان جويس كاتباً عظيماً وكان يوضح ما كتبه للأغبياء. الكتاب الآخرون الذين احترَمَهم كان يَفترِض فيهم أن يكونوا قادرين على معرفة ما كان يفعل بقراءته.
س. من هم الذين يمكن أن تسميهم أسلافك - أولئك الذين تعلمت منهم أكثر من غيرهم؟
ج. مارك توين، فلوبير، ستندال، باخ، تورجنيف، تولستوي، دوستويفسكي، تشيخوف، أندرو مارفل، جون دَن، موباسان، الجانب الجيد من كبلنغ، ثورو، كابتن ماريات، شكسبير، موتزارت، كويفيدو، دانتي، فيرجل، تنتوريتو، هيرونيموس بوش، بروغل، باتينير، غويا، جيوتو، سيزان، فان غوخ، غوغان، سان هوان دي لا كروز، غونغورا - أحتاج يوماً كاملاً لتذكر الجميع. عندئذٍ سيبدو كما لو أنني كنت أدعي تحصيلاً لم أمتلكه بدلاً من محاولة تذكر كل الناس الذين كان لهم أثر على حياتي وعملي. ليس هذا سؤالاً قديماً ومملاً. إنه سؤال جيد جداً ولكنه جليل ويتطلب تفحصاً للضمير. لقد أشرت إلى رسامين، أو بدأت بالإشارة إليهم، لأنني تعلمت من الرسامين عن الكتابة قدر ما تعلمت من الكتاب. تسألني وكيف ذلك؟ سيستغرق الأمر يوماً آخر من الشرح. أعتقد أن ما يتعلمه المرء من الموسيقيين ومن دراسة الهارموني والطباق سيكون واضحاً.
س. هل توافق على أن هناك رمزية في أعمالك؟
ج. أفترض أن هناك رموزاً طالما أن النقاد ما زالوا يكتشفونها. إن لم يزعجك هذا، فإني أكره الحديث عنها، أو أن أُسأل عنها. إن كتابة الكتب والقصص صعبة بما يكفي بعيداً عن طلب شرحها أيضاً. كما أن ذلك يحرم الشارح من عمله. إن استطاع خمسة أو ستة شارحين جيدين أن يستمروا لماذا أتدخل في عملهم؟ اقرأ أي شيء أكتبه لمتعة القراءة. أي شيء آخر تجده سيكون مقياساً لما أتيت به معك إلى القراءة.
س. هذه الأسئلة التي تبحث في الحرفة مزعجة حقاً.
ج. السؤال المعقول ليس متعة ولا إزعاجاً. ما زلت أعتقد مع ذلك أن من السيئ للكاتب أن يتحدث عما يكتب. إنه يكتب لكي يُقرأ بالعين دون ضرورة للشروحات والأطروحات. يمكنك أن تثق بأن هناك أكثر بكثير مما يمكن قراءته في المرة الأولى، وبعد ذلك ليست مهمة الكاتب أن يشرحه أو يسير جولات سياحية عبر الطبيعة الأكثر وعورة من عمله.
س. هل يمكنك التحدث عن حجم التفكير الذي احتجته لتطوير أسلوبك؟
ج. هذا سؤال مرهق ويحتاج وقتاً طويلاً، ولو أمضيت يومين تجيب عنه ستكون على قدر من الوعي الذاتي يحول بينك وبين الكتابة. يمكنني أن أقول إن ما يسميه الهواة أسلوباً هو عادة ليس سوى الارتباك الناجم عن محاولة أولى لصنع شيء لم يصنع من قبل. على وجه التقريب ليست هناك روائع تشبه روائع سابقة. في البدء يرى الناس الارتباك فقط. بعدئذٍ يزول الشك عنهم. وعندما يظهرون بذلك القدر من الارتباك يظن الناس أن ارتباكاتهم هي الأسلوب فيستنسخه الكثيرون. ذلك مؤسف.
س. ما مدى اكتمال تصورك للقصة القصيرة في ذهنك؟ هل يتغير الموضوع أو الحبكة أو الشخصية أثناء الكتابة؟
ج. أحياناً تعرف القصة. أحياناً تصنعها أثناء العمل، وليست لديك فكرة كيف ستخرج. كل شيء يتغير أثناء الحركة. ذلك ما يصنع الحركة التي تصنع القصة. أحياناً الحركة تكون بطيئة إلى حد أنها تبدو بلا حركة. لكن هناك دائماً تغيير ودائماً حركة.
س. هل يحدث الشيء نفسه مع الرواية، أو أنك تضع الخطة الكاملة قبل البدء وتلتزم بها بصرامة؟
ج. كانت «لمن تقرع الأجراس» مشكلة حملتها معي كل يوم. كنت أعرف ما الذي سيحدث من حيث المبدأ. لكني اخترعت ما يحدث في كل يوم كتبت فيه.
س. هل ترى نفسك في حالة تنافس مع الكتاب الآخرين؟
ج. أبداً. اعتدت أن أحاول الكتابة أفضل من بعض الكتاب الذين ماتوا ممن كنت موقناً من قيمتهم. منذ وقت طويل وأنا أحاول ببساطة أن أكتب أفضل ما يمكنني كتابته. أحياناً يحالفني الحظ فأكتب أفضل مما أستطيع.
س. لم نتحدث عن الشخصية. هل الشخصيات في عملك مأخوذة بلا استثناء من الحياة الحقيقية؟
ج. بالطبع ليست كذلك. «بعضها» يأتي من الحياة الحقيقية. في الغالب تخترع الشخصيات من معرفة الناس وفهمهم وتجاربك معهم.
س. هلا قلت شيئاً عن عملية تحويل شخصية حقيقية إلى شخصية متخيلة؟
ج. لو شرحتُ كيف يحدث ذلك أحياناً فقد يكون ذلك دليلاً يهتدي به محامو التشهير.
س. هل تميز - كما يفعل إي إم فوستر - بين الشخصيات المسطحة والمستديرة؟
ج. إذا وصفت شخصية فهي مسطحة، مثلما هي الصورة، ومن جانبي أعد ذلك فشلاً. إذا صورته مما تعرفه، فستكون هناك الأبعاد كلها.
س. إذن حين لا تكون منشغلاً بالكتابة، فإنك تظل تراقب باستمرار، تبحث عن شيء يمكن استعماله.
ج. بالتأكيد. إذا توقف الكاتب عن المراقبة فقد انتهى. لكن ليس عليه أن يراقب بوعي أو يفكر بكيفية الاستعمال. ربما يكون ذلك صحيحاً في البداية. لكن فيما بعد كل ما يراه يذهب إلى المخزون الكبير للأشياء التي يعرفها أو رآها. إن كان من المفيد معرفتها، أحاول دائماً أن أكتب وفق مبدأ جبل الجليد. هناك سبعة أثمان منه تحت الماء مقابل كل جزء ظاهر. كل ما يمكنك إلغاؤه سيقوي الجبل. إنه الجزء المختفي. إذا ألغى الكاتب شيئاً لأنه لا يعرفه فثمة فجوة في القصة.
كان يمكن لـ«الشيخ والبحر» أن تكون في ألف صفحة ويكون فيها كل شخص في القرية وكل العمليات التي قاموا بها لكي يعيشوا، كيف ولدوا، وتعلموا، وأنجبوا أطفالاً، إلخ. ذلك ما أنجزه كتاب آخرون بتميز وإتقان. في الكتابة أنت مقيد بما أنجز بشكل مقنع. لذا حاولت أن أتعلم فعل شيء آخر. حاولت أولاً أن ألغي كل ما هو غير ضروري لنقل التجربة إلى القارئ، وذلك لكي يصير كل ما قرأه أو قرأته جزءاً من تجربته أو تجربتها، ويبدو فعلاً أنه قد حدث. ذلك صعب جداً واشتغلت عليه بصعوبة بالغة..
س. أخيراً، سؤال أساسي: بوصفك كاتباً خلاقاً ما هي برأيك المهمة التي يقوم بها فنك؟ لماذا تمثيل الحقيقة بدلاً من الحقيقة نفسها؟
ج. ولم الحيرة حول هذا؟ من الأشياء التي حدثت والأشياء الموجودة ومن جميع الأشياء التي تعرف وكل تلك التي لا تعرف، تخترع شيئاً لا يمثل وإنما هو شيء جديد حقيقي أكثر من أي شيء حقيقي وحي، وتجعله حياً، وإن صنعته بإتقان كافٍ فقد منحته الخلود. لذلك السبب تكتب وليس لسبب آخر تعرفه. لكن ماذا عن كل الأسباب التي لا يعرفها أحد؟
*روائي أميركي. أجري الحوار
في هافانا، كوبا
ونشر في مجلة «باريس ريفيو»،
عام 1958



المتحف المصري الكبير ضمن قائمة عالمية لأفضل المعالم السياحية في 2026

المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
TT

المتحف المصري الكبير ضمن قائمة عالمية لأفضل المعالم السياحية في 2026

المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)

جاء المتحف المصري الكبير ضمن الأماكن التي اختارها تقرير عالمي للزيارة خلال 2026، وفقاً لما نشرته مجلة «Time»، مسلطة الضوء على أفضل المعالم السياحية والأثرية على مستوى العالم التي يُنصح بزيارتها خلال عام 2026، وكان المتحف ضمن هذه القائمة.

ووفق بيان لوزارة السياحة والآثار، السبت، أشاد التقرير بالمجموعات الأثرية التي تُعرض بالمتحف، ووصفها بـ«الاستثنائية التي تجسّد عراقة الحضارة المصرية عبر آلاف السنين»، مشيراً إلى أن هذا الصرح الثقافي يمثّل إضافة نوعية وداعماً رئيسياً لقطاع السياحة في مصر.

وأضاف التقرير الذي نشرته «تايم»، أن المتحف يُجسّد نقلة نوعية في أساليب حفظ الآثار وصونها، حيث تم تزويد قاعاته بأحدث تقنيات التحكم البيئي بما يضمن الحفاظ الأمثل على القطع الأثرية، لافتاً إلى كنوز الملك توت عنخ آمون التي تُعدّ من أبرز ما يميّز المتحف.

وأشار التقرير إلى أن جاذبية المتحف بالنسبة للعديد من الزائرين تكمن في تقديم تجربة فريدة تجمع بين البساطة والعمق، حيث يتيح لهم فرصة مشاهدة أشهر كنوز الحضارة المصرية في موطنها الأصلي.

افتتاح المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)

ويُعدّ المتحف المصري الكبير أكبر متحف في العالم مخصص لحضارة واحدة «حضارة مصر القديمة»، ويمتد على مساحة 490 ألف متر مربع، ويضم أكثر من 57 ألف قطعة أثرية تروي تاريخ مصر عبر العصور، وتعود أقدم قطعة أثرية فيه إلى 700 ألف عام قبل الميلاد، في حين يرجع تاريخ أحدث قطعة إلى عام 394 ميلادياً. ويضم بهواً رئيسياً به تمثال للملك رمسيس الثاني، بالإضافة إلى الدرج العظيم الذي يمتد على مساحة نحو 6 آلاف متر مربع، بارتفاع يعادل 6 طوابق، وفق بيان سابق لرئاسة مجلس الوزراء المصري.

كما يضم المتحف 12 قاعة عرض رئيسية بمساحة نحو 18 ألف متر مربع، وقاعات عرض مؤقتة بمساحة نحو 1700 متر مربع، وكذلك قاعات لعرض مقتنيات الملك توت عنخ آمون على مساحة تقارب 7.5 ألف متر مربع، وتشمل أكثر من 5 آلاف قطعة من كنوز الملك تُعرض مجتمعة لأول مرة، بالإضافة إلى متحف الطفل بمساحة نحو 5 آلاف متر مربع، ومن المتوقع أن يجذب المتحف نحو 5 ملايين زائر سنوياً.

وعدّ الخبير الأثري والمتخصص في علم المصريات، أحمد عامر، المتحف المصري الكبير «صرحاً متكاملاً يجمع بين الآثار والحضارة والتاريخ والعراقة والتصميم الحديث»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن المتحف «يمثّل نقلة حضارية لعرض الآثار به، ويتفرد ويتميز بأسلوب العرض المتحفي. كما يضم المجموعة الكاملة للملك توت عنخ آمون، بالإضافة إلى ما يقرب من 20 ألف قطعة أثرية تُعرض لأول مرة».

وأشار عامر إلى أن المتحف قد حصد العديد من الجوائز منها جائزة «فيرساي» العالمية في عام 2024، إذ تم تصنيفه ضمن أجمل 7 متاحف في العالم خلال احتفالية نظمتها «اليونيسكو» في باريس، تقديراً لتميزه المعماري الذي يدمج التراث المصري بالمعايير البيئية العصرية، بالإضافة إلى جائزة الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين (فيديك) عام 2024، وأحدث انتعاشة كبيرة للسياحة الثقافية في مصر منذ افتتاحه.

وافتتح المتحف المصري الكبير في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 في حفل أسطوري حضره 119 وفداً دولياً تضمّن رؤساء وملوك وأمراء عدد من الدول، وشهدت الأيام الأولى لافتتاح المتحف أمام الجمهور زخماً كبيراً في الحضور، بمعدل نحو 19 ألف زائر يومياً، وفق ما أعلنه في ذلك الوقت الرئيس التنفيذي لهيئة المتحف. في حين توقعت وزارة السياحة والآثار أن يزور المتحف يومياً نحو 15 ألف زائر.


رحيل سمير غريب مؤرخ السريالية المصرية

سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
TT

رحيل سمير غريب مؤرخ السريالية المصرية

سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)

عن عمر يناهز 72 عاماً، غيّب الموت في القاهرة مؤرخ السريالية المصرية، وأحد أبرز قيادات وزارة الثقافة المصرية سابقاً الكاتب سمير غريب، صاحب البصمات الواضحة ومؤسس العديد من المؤسسات الثقافية المصرية مثل صندوق التنمية الثقافية الذي شهدت فترة إدارته ازدهاراً، كما أسس جهاز التنسيق الحضاري ووضع إطار عمله، ولم يتمكن من تفعيل دوره بسبب قلة الإمكانات، وفق قول الفنان التشكيلي محمد عبلة، الذي أضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «سمير غريب أول من كتب عن السريالية في مصر، ووضعها في بؤرة الاهتمام. فحين كان في باريس تعرف على أعمال عدد من فنانيها، وكتب مجموعة من المقالات أصدرها في كتاب فيما بعد، كان وقتها ما زال عدد من فناني السريالية المصريين على قيد الحياة مثل أنور كامل، وكامل التلمساني، وهو ما ساعده في سبر أغوار كثير من الأمور لإصدار كتاب (السريالية في مصر) الذي يعد أهم وثيقة عن السريالية المصرية».

وقام سمير غريب بتنظيم معرض خلال شهري نوفمبر (تشرين الثاني) وديسمبر (كانون الأول) من عام 1987 بعنوان كتابه «السريالية في مصر» في المركز المصري للتعاون الثقافي الدولي بوزارة الثقافة بالقاهرة. وكان هذا المعرض هو الوحيد الذي جمع أعمالاً فنية ووثائق ومتعلقات شخصية لرواد السريالية في مصر، حصل عليها غريب من أُسر الفنانين رمسيس يونان، وفؤاد كامل، وكامل التلمساني، وسمير رافع، وإنجي أفلاطون، وبن بهمان، وإيمي نمر.

ونعت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، الكاتب سمير غريب، الرئيس الأسبق لجهاز التنسيق الحضاري، وقالت في بيان أصدرته الوزارة، السبت، إن مسيرة الكاتب الراحل حافلة بالعطاء الثقافي والفكري. وكان أحد القامات الثقافية البارزة، وصاحب إسهامات مهمة في دعم الحركة الثقافية في مصر، وأسس وأدار صندوق التنمية الثقافية، وتولى رئاسة دار الكتب والوثائق القومية، قبل أن يُكلَّف برئاسة الأكاديمية المصرية في روما، وصولاً إلى تأسيسه ورئاسته لجهاز التنسيق الحضاري.

وأشارت وزيرة الثقافة إلى أن «سمير غريب كان مثقفاً متفرداً جمع بين الفكر والنقد والعمل المؤسسي، وأثرى الثقافة بعدد كبير من المؤلفات، وكرّس جهده لخدمة الثقافة المصرية، والدفاع عن الهوية الحضارية، ما يجعله واحداً من الرموز التي ستظل حاضرة في الوجدان الثقافي».

سمير غريب خلال مناقشة كتابه «السريالية في مصر» (صفحته على «فيسبوك»)

ولد سمير غريب عام 1954 بمدينة منفلوط بمحافظة أسيوط، وتلقى تعليمه في مدارسها، قبل أن يلتحق بكلية الإعلام بجامعة القاهرة، حيث حصل على بكالوريوس الصحافة في مايو (أيار) 1975، وبدأ حياته العملية صحافياً في جريدة الأخبار، وفي منتصف الثمانينات كتب مقالات نقدية في الفن التشكيلي عن السريالية في مصر بمجلة الكواكب، ثم أصدرها في كتاب، قبل أن ينتقل للعمل بوزارة الثقافة التي تقلد فيها مناصب عديدة منها وكيل وزارة الثقافة ورئيس قطاع مكتب الوزير، ثم أسس صندوق التنمية الثقافية وتولى رئاسته في أهم فترات ازدهاره، وتولى خلال مسيرته منصب رئيس دار الكتب والوثائق القومية، ورئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، ومدير الأكاديمية المصرية للفنون في روما، وعضو مجلس إدارة اتحاد كتاب مصر في مجلس الكاتب الكبير سعد الدين وهبة 1997.

وقال مدير مهرجان الإسكندرية السينمائي، الأمير أباظة، إنه عرف الراحل سمير غريب في منتصف الثمانينات عندما كان يكتب مقالاته عن «السريالية في مصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «التقينا خلال هذه المرحلة وتوثقت علاقتنا إلى أن جاء الفنان فاروق حسنى وزير الثقافة الأسبق وعينه وكيلاً للوزارة، ثم رئيساً لصندوق التنمية الثقافية، وقتها بدأ اهتمامه الحقيقي بدعم السينما حيث أسس أرشيفاً للصور السينمائية، وقام بشراء نيجاتيف هذه الصور، ودعم مهرجان القاهرة السينمائي الدولي ومهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط».

و«أعاد سمير غريب مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام الوثائقية والروائية القصيرة بعد توقف سنوات، وعين الناقد السينمائي سمير فريد رئيساً له، كما أشرف على طباعة بانوراما السينما المصرية الروائية التي كانت حجر الأساس في حفظ تاريخ السينما المصرية والتي قام بها الناقد والمؤرخ السينمائي أحمد الحضري والناقد محمد عبد الفتاح، كما أنه قام بإعادة المهرجان القومي للسينما ودمجه مع المهرجان القومي للأفلام القصيرة»، وفق قول أباظة.

وأصدر الكاتب الراحل العديد من المؤلفات النقدية خلال مشواره انصب معظمها على الفن التشكيلي منها «السريالية في مصر» 1986، و«راية الخيال» 1993، و«نقوش على زمن: صفحات من تاريخ الفن التشكيلي» 1997، و«في تأريخ الفنون الجميلة» 1998، و«كتاب الفن» 2003.


هشام سلام: «مصريبثيكس» يُعيد رسم خريطة تطوّر القردة... ومدرسة مصرية تُنافس عالمياً

هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)
هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)
TT

هشام سلام: «مصريبثيكس» يُعيد رسم خريطة تطوّر القردة... ومدرسة مصرية تُنافس عالمياً

هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)
هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)

بينما يرى البعض في الصحراء مجرّد رمال شاسعة، يُنقّب أستاذ علم الحفريات الفقارية ومؤسِّس مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية، الدكتور هشام سلام، وفريقه في «سلام لاب»، عن صفحات مطوية من تاريخ الأرض، يعود بعضها إلى أكثر من 300 مليون سنة.

ولم يكن سلام، العائد من جامعة أكسفورد عام 2010، يحمل معه مجرّد شهادة دكتوراه، بل كان يحمل رؤية واضحة لتوطين علم الحفريات في مصر، وتحويل البلاد من «ميدان للبعثات الأجنبية» إلى موطن للباحثين المصريين؛ لذلك أسَّس مركز دراسة الحفريات الفقارية، الأول من نوعه في الشرق الأوسط، المعني بدراسة التراث الطبيعي والكائنات التي عاشت قبل ظهور الإنسان.

هشام سلام وأعضاء من فريقه في معمل مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)

وأثبت سلام أنّ النجاح الحقيقي لا يُقاس بما تُحققه وحدك، وإنما بما تتركه في عقول الآخرين، ومن قلب جامعة المنصورة، انطلقت تجربة «سلام لاب» لتكسر القواعد التقليدية للبحث العلمي، مُغلَّفة بروح الإصرار بأن العودة من الخارج ليست نهاية المطاف، بل بداية لبناء مدرسة علمية مصرية خالصة في علم الحفريات الفقارية، قادرة على منافسة المؤسّسات الكبرى عالمياً.

وعلى مدار السنوات الماضية، أنجز فريق «سلام لاب» سلسلة من الاكتشافات البارزة في الحفريات الفقارية بمصر، أبرزها اكتشاف نوع جديد من الحيتان البرمائية التي عاشت قبل نحو 43 مليون سنة، وبقايا ثدييات عمرها 30 مليون سنة، وديناصور «منصوراسورس»، أول ديناصور من العصر الطباشيري في أفريقيا عاش قبل 75 مليون سنة، بالإضافة إلى حفريات أسماك قديمة تعود إلى 56 مليون سنة. كما توَّج الفريق جهوده باكتشاف «مصريبثيكس»، الذي يعيد رسم خريطة تطور القردة العليا، ويضع مصر على خريطة تطوّر الرئيسيات عالمياً.

هشام سلام واثنان من أعضاء فريقه خلال معسكر ميداني في صحراء مصر (سلام لاب)

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، يقول سلام إنّ اكتشاف «مصريبثيكس» يُعد محورياً، لأنه يمثل أقرب الأسلاف المشتركة للقردة العليا الحالية، مثل الشمبانزي وإنسان الغاب، ويقترح أنّ أصول هذه القردة قد تعود إلى شمال أفريقيا والمنطقة العربية، ممّا يعيد تشكيل فهم تطوّر الرئيسيات عالمياً.

ويضيف أنّ أهمية الاكتشاف لم تقتصر على القيمة العلمية فقط، بل تضاعفت بنشره في مجلة «ساينس»، إحدى أكثر المجلات العلمية تنافسية، إذ لا تتجاوز نسبة قبول البحوث فيها 6 في المائة. كما يحمل الاسم «مصريبثيكس» دلالة وطنية واضحة، إذ استُلهم من اسم مصر ليعكس الارتباط العميق لهذا الاكتشاف بهويتنا الوطنية.

بالنسبة إليه، يمثّل هذا الإنجاز فخراً على المستويين الشخصي والوطني، فهو تتويج لحلم بدأ منذ سنوات ببناء مدرسة علمية مصرية في مجال الحفريات الفقارية، قادرة على المنافسة عالمياً.

ويؤكد أنّ أي نجاح فردي يظلّ محدوداً، بينما المدرسة العلمية الحقيقية تستمر وتكبر عبر الأجيال، ومنذ وقت مبكر، وضع هدفاً واضحاً يتمثّل في بناء جيل جديد من الباحثين يحمل الشغف والمسؤولية نفسيهما، وينقل الخبرة، ويخلق بيئة تدعم تطورهم العلمي، لأنّ الاستدامة الحقيقية لأي إنجاز علمي تعتمد على استمرارية الأجيال وتكاملها.

رسم تخيّلي لـ«مصريبثيكس» (سلام لاب)

ويرى سلام أنّ فكرة «سلام لاب» نشأت من إيمانه العميق بأنّ العمل الجماعي هو أساس أي إنجاز حقيقي، وما يميّز الفريق هو وضوح هدفه: العمل من أجل العلم، ومن أجل بعضهم البعض، ولرفع اسم مصر في المحافل العلمية الدولية، وهذه الروح المشتركة تجعل كلّ عضو يشعر بأنه جزء من رسالة أكبر، وليست وظيفة أو مشروعاً بحثياً.

ويشير سلام إلى أنه استطاع من خلال عمل الفريق إعادة تشكيل حضور مصر في علم الحفريات، بعدما كان هذا المجال يعتمد لمدّة طويلة على بعثات أجنبية، واليوم أصبح للباحثين المصريين دور قيادي، ويبرز اسم مصر بقوة في البحوث والمنشورات العلمية العالمية، ويُعترف بهذا الدور في المؤتمرات والمحافل الدولية.

من احتفالية جامعة المنصورة بإنجاز فريق هشام سلام بعد نشر بحثه الأخير في «ساينس» (سلام لاب)

ويصف سلام «سلام لاب» بأنه عائلة قبل أن يكون مختبراً؛ فالفريق ليس مجرّد مكان للعمل، بل مساحة تجمع أشخاصاً يحملون الحلم والشغف نفسه بالعلم. ومع الوقت والعمل الحقلي، والتحدّيات، والنقاشات العلمية، تتكوَّن روابط أقوى بكثير من الزمالة، ويصبح كلّ فرد سنداً للآخر، ويشعر الجميع بأنهم جزء من حلم أكبر.

وعن قدرته في إدارة فريق علمي متعدّد الأجيال، يشير إلى أن السرّ يكمن في إرساء فكرة واضحة لكلّ عضو. فلكلّ شخص دور مهم، وكل إسهام، مهما بدا بسيطاً، يمكن أن تصنع فرقاً. فكلّ جيل يتحمّل مسؤولية تمهيد الطريق للجيل التالي وتخفيف الصعوبات عنه، وعندما يدرك الفريق أنهم شركاء في النجاح، يصبح نجاح أيّ فرد نجاحاً للجميع، ويظل الفريق قوياً ومستداماً.

جزء من الفك السفلي لـ«مصريبثيكس» مع الضرس الثالث الأيمن لحظة الاكتشاف (سلام لاب)

ويرى سلام أنّ الباحث المصري يمتلك الذكاء والاجتهاد والطموح للوصول إلى العالمية، وما يحتاج إليه غالباً هو البيئة الداعمة من إمكانات أفضل، ومعامل متخصّصة، ودعم مؤسّسي مستمر. ويشير إلى أنّ جامعة المنصورة أحرزت خطوات مُشجِّعة في هذا الاتجاه، من خلال دعم المشروعات البحثية وتوسيع هذا الدعم بما يبعث على التفاؤل.

الدكتور هشام سلام وأحد أعضاء فريقه خلال معسكر ميداني في صحراء مصر (سلام لاب)

ويؤكد للشباب الباحثين أنّ الإحباط لا ينبغي أن يطفئ الشغف؛ فطريق الإنجاز ليس سهلاً، وكلّ تجربة ناجحة تمرّ بلحظات من التعب أو التعثُّر أو فقدان الأمل، لكنها ليست فشلاً، بل جزء من الطريق الصحيح نحو تحقيق الحلم، وتجربة «سلام لاب» تثبت أنّ الإصرار والصبر والإيمان قادرة على تحويل المستحيل إلى واقع، بشرط الاستمرار في التعلُّم وعدم الخوف من المحاولة من جديد.

ويختتم سلام حديثه بالتأكيد على أنّ حلمه العلمي مستمر ويتّسع مع كلّ إنجاز جديد، وكلّ خطوة نحو الأمام، مؤمناً بأنّ طموحات «سلام لاب» لا سقف لها.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended