همنغواي: أفضل الكتابة يأتي بالتأكيد حين تكون في علاقة حب

حوار مع صاحب «الشيخ والبحر» حول أعماله وأسلافه الذين أثروا فيه

أرنست همنغوَاي
أرنست همنغوَاي
TT

همنغواي: أفضل الكتابة يأتي بالتأكيد حين تكون في علاقة حب

أرنست همنغوَاي
أرنست همنغوَاي

س. هل تعيد الكتابة كثيراً؟
ج. يعتمد ذلك على عدة أمور. أعدت كتابة الصفحة الأخيرة من «وداعاً أيها السلاح» تسعاً وثلاثين مرة قبل أن أقتنع بها.
س. هل كانت هناك مشكلة تكنيكية؟ ما الذي حيرك؟
ج. وضع الكلمات في موضعها الصحيح.
س. هل التوازن العاطفي ضروري للكتابة الجيدة؟ أخبرتَني ذات مرة أنك لا تستطيع الكتابة بشكل جيد إلا حين تكون في علاقة حب. هل يمكنك أن تضيف شيئاً إلى ذلك؟
ج. يا للسؤال. لكن المحاولة تستحق العلامة الكاملة. يمكنك أن تكتب في أي وقت يدعك فيه الناس لوحدك دون أن يقاطعوك. أو بدلاً من ذلك يمكنك أن تكتب إن كنت غير مبالٍ بما يكفي تجاه ذلك. لكن أفضل الكتابة يأتي بالتأكيد حين تكون في علاقة حب. إن كان الأمر متساوياً لديك أفضل ألا أعلق على الأمر.
س. ماذا عن الأمان المالي؟ هل لذلك تأثير حاسم على الكتابة؟
ج. إن جاء في وقت مبكر، وأحببت الحياة، كما تحب عملك، فإن مقاومة الإغراء تحتاج الكثير من قوة الشخصية. بمجرد أن تصير الكتابة عيبك الأكبر ومتعتك الأعظم، لن يستطيع أن يوقفها سوى الموت. الأمان المالي يصير عندئذٍ معِيناً لأنه يبقيك بعيداً عن القلق. القلق يدمر القدرة على الكتابة. اعتلال الصحة سيئ بالقدر الذي يُنتج فيه قلقاً يهاجم لا وعيك ويدمر مخزوناتك.
س. هل تتذكر لحظة محددة قررت فيها أن تصير كاتباً؟
ج. لا، كنت دائماً أرغب في أن أكون كاتباً.
س. ما الذي تراه أفضل تدريب فكري لمن يريد أن يكون كاتباً؟
ج. لنقل إن عليه أن يخرج ويشنق نفسه لأنه يكتشف أن الكتابة بشكل جيد صعبة إلى حد الاستحالة. بعد ذلك عليه أن يقطع نفسه دون رحمة ويجبر نفسه على الكتابة بالجودة التي يستطيع بقية حياته. على الأقل ستكون لديه قصة الشنق ليبتدئ بها.
س. في باريس، إبان العشرينيات، هل كان لديك إحساس بأن ثمة «شعوراً جماعياً» مع كتاب وفنانين آخرين؟
ج. لا. لم يكن هناك شعور جماعي. كنا نحترم بعضنا. شعرت باحترام لعدد من الرسامين، بعضهم في سني، وآخرين أكبر مني، (خوان) غريس، بيكاسو، براك، مونيه (الذي كان ما يزال حياً) - وقليل من الكتاب: جويس، عزرا (باوند)، الجانب الجيد من (غيرترود) شتاين...
س. حين تكتب هل تجد نفسك تتأثر بما تقرأ في ذلك الوقت؟
ج. لم يحدث ذلك منذ كان جويس يكتب «يوليسيس». كان تأثيره مباشراً. ولكن في تلك الأيام حين كانت الكلمات التي نعرف ممنوعة عناً، وكان علينا أن نحارب من أجل كلمة واحدة، كان أثر عمله هو الذي غير كل شيء، وجعل من الممكن لنا أن ننعتق من القيود.
س. هل يمكنك تعلم أي شيء حول الكتابة من الكتاب؟ كنت بالأمس تقول لي إن جويس، مثلاً، لم يكن يطيق الحديث عن الكتابة؟
ج. في رفقة أناس من أهل صنعتك تتحدث عادة عن كتب الكتاب الآخرين. كلما كان الكتاب أفضل، كان حديثهم أقل عما كتبوا أنفسهم. كان جويس كاتباً عظيماً وكان يوضح ما كتبه للأغبياء. الكتاب الآخرون الذين احترَمَهم كان يَفترِض فيهم أن يكونوا قادرين على معرفة ما كان يفعل بقراءته.
س. من هم الذين يمكن أن تسميهم أسلافك - أولئك الذين تعلمت منهم أكثر من غيرهم؟
ج. مارك توين، فلوبير، ستندال، باخ، تورجنيف، تولستوي، دوستويفسكي، تشيخوف، أندرو مارفل، جون دَن، موباسان، الجانب الجيد من كبلنغ، ثورو، كابتن ماريات، شكسبير، موتزارت، كويفيدو، دانتي، فيرجل، تنتوريتو، هيرونيموس بوش، بروغل، باتينير، غويا، جيوتو، سيزان، فان غوخ، غوغان، سان هوان دي لا كروز، غونغورا - أحتاج يوماً كاملاً لتذكر الجميع. عندئذٍ سيبدو كما لو أنني كنت أدعي تحصيلاً لم أمتلكه بدلاً من محاولة تذكر كل الناس الذين كان لهم أثر على حياتي وعملي. ليس هذا سؤالاً قديماً ومملاً. إنه سؤال جيد جداً ولكنه جليل ويتطلب تفحصاً للضمير. لقد أشرت إلى رسامين، أو بدأت بالإشارة إليهم، لأنني تعلمت من الرسامين عن الكتابة قدر ما تعلمت من الكتاب. تسألني وكيف ذلك؟ سيستغرق الأمر يوماً آخر من الشرح. أعتقد أن ما يتعلمه المرء من الموسيقيين ومن دراسة الهارموني والطباق سيكون واضحاً.
س. هل توافق على أن هناك رمزية في أعمالك؟
ج. أفترض أن هناك رموزاً طالما أن النقاد ما زالوا يكتشفونها. إن لم يزعجك هذا، فإني أكره الحديث عنها، أو أن أُسأل عنها. إن كتابة الكتب والقصص صعبة بما يكفي بعيداً عن طلب شرحها أيضاً. كما أن ذلك يحرم الشارح من عمله. إن استطاع خمسة أو ستة شارحين جيدين أن يستمروا لماذا أتدخل في عملهم؟ اقرأ أي شيء أكتبه لمتعة القراءة. أي شيء آخر تجده سيكون مقياساً لما أتيت به معك إلى القراءة.
س. هذه الأسئلة التي تبحث في الحرفة مزعجة حقاً.
ج. السؤال المعقول ليس متعة ولا إزعاجاً. ما زلت أعتقد مع ذلك أن من السيئ للكاتب أن يتحدث عما يكتب. إنه يكتب لكي يُقرأ بالعين دون ضرورة للشروحات والأطروحات. يمكنك أن تثق بأن هناك أكثر بكثير مما يمكن قراءته في المرة الأولى، وبعد ذلك ليست مهمة الكاتب أن يشرحه أو يسير جولات سياحية عبر الطبيعة الأكثر وعورة من عمله.
س. هل يمكنك التحدث عن حجم التفكير الذي احتجته لتطوير أسلوبك؟
ج. هذا سؤال مرهق ويحتاج وقتاً طويلاً، ولو أمضيت يومين تجيب عنه ستكون على قدر من الوعي الذاتي يحول بينك وبين الكتابة. يمكنني أن أقول إن ما يسميه الهواة أسلوباً هو عادة ليس سوى الارتباك الناجم عن محاولة أولى لصنع شيء لم يصنع من قبل. على وجه التقريب ليست هناك روائع تشبه روائع سابقة. في البدء يرى الناس الارتباك فقط. بعدئذٍ يزول الشك عنهم. وعندما يظهرون بذلك القدر من الارتباك يظن الناس أن ارتباكاتهم هي الأسلوب فيستنسخه الكثيرون. ذلك مؤسف.
س. ما مدى اكتمال تصورك للقصة القصيرة في ذهنك؟ هل يتغير الموضوع أو الحبكة أو الشخصية أثناء الكتابة؟
ج. أحياناً تعرف القصة. أحياناً تصنعها أثناء العمل، وليست لديك فكرة كيف ستخرج. كل شيء يتغير أثناء الحركة. ذلك ما يصنع الحركة التي تصنع القصة. أحياناً الحركة تكون بطيئة إلى حد أنها تبدو بلا حركة. لكن هناك دائماً تغيير ودائماً حركة.
س. هل يحدث الشيء نفسه مع الرواية، أو أنك تضع الخطة الكاملة قبل البدء وتلتزم بها بصرامة؟
ج. كانت «لمن تقرع الأجراس» مشكلة حملتها معي كل يوم. كنت أعرف ما الذي سيحدث من حيث المبدأ. لكني اخترعت ما يحدث في كل يوم كتبت فيه.
س. هل ترى نفسك في حالة تنافس مع الكتاب الآخرين؟
ج. أبداً. اعتدت أن أحاول الكتابة أفضل من بعض الكتاب الذين ماتوا ممن كنت موقناً من قيمتهم. منذ وقت طويل وأنا أحاول ببساطة أن أكتب أفضل ما يمكنني كتابته. أحياناً يحالفني الحظ فأكتب أفضل مما أستطيع.
س. لم نتحدث عن الشخصية. هل الشخصيات في عملك مأخوذة بلا استثناء من الحياة الحقيقية؟
ج. بالطبع ليست كذلك. «بعضها» يأتي من الحياة الحقيقية. في الغالب تخترع الشخصيات من معرفة الناس وفهمهم وتجاربك معهم.
س. هلا قلت شيئاً عن عملية تحويل شخصية حقيقية إلى شخصية متخيلة؟
ج. لو شرحتُ كيف يحدث ذلك أحياناً فقد يكون ذلك دليلاً يهتدي به محامو التشهير.
س. هل تميز - كما يفعل إي إم فوستر - بين الشخصيات المسطحة والمستديرة؟
ج. إذا وصفت شخصية فهي مسطحة، مثلما هي الصورة، ومن جانبي أعد ذلك فشلاً. إذا صورته مما تعرفه، فستكون هناك الأبعاد كلها.
س. إذن حين لا تكون منشغلاً بالكتابة، فإنك تظل تراقب باستمرار، تبحث عن شيء يمكن استعماله.
ج. بالتأكيد. إذا توقف الكاتب عن المراقبة فقد انتهى. لكن ليس عليه أن يراقب بوعي أو يفكر بكيفية الاستعمال. ربما يكون ذلك صحيحاً في البداية. لكن فيما بعد كل ما يراه يذهب إلى المخزون الكبير للأشياء التي يعرفها أو رآها. إن كان من المفيد معرفتها، أحاول دائماً أن أكتب وفق مبدأ جبل الجليد. هناك سبعة أثمان منه تحت الماء مقابل كل جزء ظاهر. كل ما يمكنك إلغاؤه سيقوي الجبل. إنه الجزء المختفي. إذا ألغى الكاتب شيئاً لأنه لا يعرفه فثمة فجوة في القصة.
كان يمكن لـ«الشيخ والبحر» أن تكون في ألف صفحة ويكون فيها كل شخص في القرية وكل العمليات التي قاموا بها لكي يعيشوا، كيف ولدوا، وتعلموا، وأنجبوا أطفالاً، إلخ. ذلك ما أنجزه كتاب آخرون بتميز وإتقان. في الكتابة أنت مقيد بما أنجز بشكل مقنع. لذا حاولت أن أتعلم فعل شيء آخر. حاولت أولاً أن ألغي كل ما هو غير ضروري لنقل التجربة إلى القارئ، وذلك لكي يصير كل ما قرأه أو قرأته جزءاً من تجربته أو تجربتها، ويبدو فعلاً أنه قد حدث. ذلك صعب جداً واشتغلت عليه بصعوبة بالغة..
س. أخيراً، سؤال أساسي: بوصفك كاتباً خلاقاً ما هي برأيك المهمة التي يقوم بها فنك؟ لماذا تمثيل الحقيقة بدلاً من الحقيقة نفسها؟
ج. ولم الحيرة حول هذا؟ من الأشياء التي حدثت والأشياء الموجودة ومن جميع الأشياء التي تعرف وكل تلك التي لا تعرف، تخترع شيئاً لا يمثل وإنما هو شيء جديد حقيقي أكثر من أي شيء حقيقي وحي، وتجعله حياً، وإن صنعته بإتقان كافٍ فقد منحته الخلود. لذلك السبب تكتب وليس لسبب آخر تعرفه. لكن ماذا عن كل الأسباب التي لا يعرفها أحد؟
*روائي أميركي. أجري الحوار
في هافانا، كوبا
ونشر في مجلة «باريس ريفيو»،
عام 1958



بوه سي تنغ: الحديث عن حقوق الفلسطينيين في واشنطن محفوف بالحذر

تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
TT

بوه سي تنغ: الحديث عن حقوق الفلسطينيين في واشنطن محفوف بالحذر

تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الماليزية - الأميركية بوه سي تنغ إن الدافع وراء فيلمها «أميركان دكتور» (American Doctor) لم يكن مشروعاً سينمائياً تقليدياً بقدر ما كان استجابة شخصية لما كانت تراه يحدث في غزة. فبصفتها أميركية من أصول ماليزية تعيش في الولايات المتحدة، تابعت مرور عام كامل من الحرب من دون أن يتغير شيء تقريباً، وهو ما ترك لديها شعوراً بالعجز، ودفعها إلى البحث عن طريقة لفعل شيء ما، حتى قبل أن تتضح ملامح الفيلم أو شكله النهائي.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن التفكير في القصة قادها في النهاية إلى عالم الأطباء، باعتبار أن هناك مبادئ إنسانية يمكن أن يلتقي حولها الجميع بغض النظر عن المواقف السياسية، مثل فكرة أن المستشفيات لا يجب أن تُقصف وأن العاملين في القطاع الصحي لا ينبغي أن يتحولوا أهدافاً، ومن هنا جاءت فكرة متابعة أطباء أميركيين يعملون في المجال الطبي الإنساني داخل غزة بوصفها مدخلاً مختلفاً لفهم ما يحدث.

اختارت المخرجة تسليط الضوء على التحديات التي تواجه الأطباء (الشركة المنتجة)

ويرصد الفيلم الوثائقي «أميركان دكتور» الذي عُرض للمرة الأولى أوروبياً في مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية» الحرب على غزة من داخل المستشفيات، متتبعاً رحلات ثلاثة أطباء أميركيين إلى القطاع يختلفون في الخلفية والانتماء، لكنهم يلتقون في مواجهة المأساة الإنسانية داخل غرف الطوارئ والعمليات، ومن خلال هذه الرحلات ينكشف حجم الدمار الذي أصاب النظام الصحي في غزة، والصعوبات التي يواجهها الأطباء في إيصال ما يرونه إلى العالم.

وأكدت أنها اختارت بناء الحكاية على 3 شخصيات رئيسية، الطبيب الفلسطيني - الأميركي ثائر أحمد، والطبيب اليهودي الأميركي مارك بيرلماتر، والطبيب الأميركي من أصول زرداشتية فيروز سيدوا، لرؤيتها أن اختلاف خلفياتهم الدينية والثقافية يمنح القصة بعداً أوسع؛ إذ يلتقون جميعاً حول فكرة الدفاع عن حقوق الإنسان والعمل الطبي الإنساني رغم تباين تجاربهم وهوياتهم.

وتشير المخرجة الأميركية إلى أن العمل على الفيلم لم يكن سهلاً في بداياته؛ إذ جاء في مناخ أميركي يتسم بالحذر الشديد فيما يتعلق بالتعبير العلني عن دعم حقوق الفلسطينيين؛ وهو ما أثار لديها تساؤلات حول معنى الإيمان العالمي بحقوق الإنسان، ولماذا يبدو أن هذا المبدأ لا يُطبَّق دائماً عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين، لافتة إلى أنها لامست هذه المفارقة حتى في حياتها اليومية في نيويورك، حيث تعيش وتعمل وسط مجتمع متنوع الثقافات.

عُرض الفيلم للمرة الأولى أوروبياً ضمن فعاليات مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية» (الشركة المنتجة)

وأوضحت أن التحدي الأول كان نفسياً أيضاً؛ إذ لم تكن تجد اللغة المناسبة للحديث عن هذه القضية، لكن اللقاء بالأطباء الثلاثة فتح أمامها طرقاً مختلفة لفهمها والتعبير عنها؛ لأن لكل واحد منهم أسلوبه الخاص، بين الصراحة المباشرة، والمقاربة السياسية الهادئة، والاعتماد على البحث والحقائق لإقناع الجمهور.

وأشارت إلى تشكّيل دعم فريق العمل عاملاً أساسياً في استمرار المشروع، خصوصاً من المنتجة الفلسطينية ريم حداد والمنتجة كريستينا بارفورد، اللتين حافظتا على زخم العمل حتى في اللحظات التي بدا فيها المشروع صعباً أو غير واضح المسار.

وأوضحت المخرجة الأميركية ذات الأصول الماليزية أن اختيار أطباء من خلفيات دينية مختلفة لم يكن مجرد رسالة رمزية حول رفض قتل الأبرياء، بل محاولة لفهم كيفية تفاعل أفراد من هويات متنوعة مع القضية الفلسطينية داخل المجتمع الأميركي، من تجربة الفلسطينيين الأميركيين الذين يدافعون عن شعبهم في غزة، إلى الأميركيين من أصول يهودية الذين يعارضون الحرب ويجدون أنفسهم أحياناً في موقع حساس، وصولاً إلى أشخاص لا ينتمون إلى أي من هاتين الخلفيتين، لكنهم يتبنون موقفاً إنسانياً واضحاً.

وأشارت إلى أن حضور الفريق الفلسطيني في الفيلم حظي بأهمية خاصة بالنسبة إليها؛ إذ لم يكن ممكناً إنجاز المشروع من دون مشاركة فلسطينية حقيقية. فعلى الرغم من متابعتها للقضية الفلسطينية منذ طفولتها في ماليزيا، حيث يحضر الوعي بها بقوة، فإنها كانت تدرك أن صناعة فيلم عن فلسطين من دون مشاركة فلسطينية قد تقود إلى أخطاء كبيرة.

ولفتت إلى أن العمل اعتمد بدرجة كبيرة على طاقم داخل غزة، من بينهم مدير التصوير إبراهيم العطلة والمنتج المشارك محمد صواف، اللذان عملا في ظروف شديدة الخطورة لتوثيق ما يجري على الأرض. وقد جاء إنجاز الفيلم نتيجة مباشرة لجهود هؤلاء الذين خاطروا بحياتهم من أجل نقل القصة إلى العالم.

المخرجة الماليزية (الشركة المنتجة)

وتطرقت إلى الصعوبات التي واجهتها في العمل، مشيرة إلى أنها توقعت في البداية صعوبة كبيرة في الحصول على دعم لمشروع يتناول فلسطين بهذه الزاوية داخل الولايات المتحدة؛ الأمر الذي دفعها إلى الاستقالة من عملها مديرةً إبداعية في أحد الاستوديوهات السينمائية والاعتماد على مدخراتها الشخصية لبدء العمل. لكن بعد أشهر عدة بدأت المنح والتبرعات تصل من جهات مختلفة في الولايات المتحدة وماليزيا وغيرها، في مؤشر بالنسبة إليها على رغبة كثيرين حول العالم في رؤية نهاية لما يحدث.

وأضافت أنها استغرقت في مرحلة المونتاج نحو 11 شهراً، وكان الهدف الأساسي إدخال المشاهدين إلى عالم الأطباء الثلاثة، خصوصاً الجمهور الأميركي الذي ربما لم يفكر كثيراً في القضية الفلسطينية من قبل، بعدما بدت شهادات الأطباء مدخلاً مهماً؛ لأن الناس عادة لا يشككون في صدقية الأطباء أو في حق المستشفيات في أن تكون أماكن آمنة.

وعدَّت أن التحدي الأكبر خلال العمل كان إنسانياً أكثر منه فنياً؛ لأن جزءاً من فريق الفيلم كان يعيش داخل غزة خلال الحرب. وحتى لحظة عرض الفيلم في مهرجانات سينمائية التي شكّلت محطة مهمة في مسيرته، ظل التفكير حاضراً في الزملاء الذين بقوا في غزة ولم يتمكنوا من حضور العرض؛ إذ كان التواصل معهم يجري أحياناً عبر الهاتف فقط.


محمد سيد بشير: «الست موناليزا» مستوحى من قصة حقيقية

المؤلف محمد سيد بشير (الشرق الأوسط)
المؤلف محمد سيد بشير (الشرق الأوسط)
TT

محمد سيد بشير: «الست موناليزا» مستوحى من قصة حقيقية

المؤلف محمد سيد بشير (الشرق الأوسط)
المؤلف محمد سيد بشير (الشرق الأوسط)

تحدث المؤلف محمد سيد بشير عن كواليس كتابته مسلسل «الست موناليزا»، الذي عُرض في موسم الدراما الرمضاني الحالي، وحقق جدلاً وحضوراً لافتاً، مؤكداً أن «الفكرة بدأت من رغبته في تقديم قضية لها علاقة بالمرأة، وأن هذا الشعور نتج من الحكايات التي تدور من حوله أو اطلع عليها عامة»، كما تحدث بشير عن علاقته بالمخرج محمد سامي، وتفاصيل الأيام الأخيرة من تصوير «الست موناليزا»، خصوصاً بعد وفاة والد الفنانة مي عمر بطلة العمل.

وقال محمد سيد بشير، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «بدأت حكاية (الست موناليزا) عندما تم التوافق بيني وبين الفنانة مي عمر على طرح قضية تخص المرأة، وشعرنا أن أحداث (الست موناليزا) هي هدفنا المشترك لتنفيذ الفكرة».

يذكر أن مسلسل «الست موناليزا»، مستوحى من قصة حقيقية، حسبما أكد الكاتب محمد سيد بشير، من بطولة مي عمر، وأحمد مجدي، وشيماء سيف، وسوسن بدر، ومحمد محمود، ومصطفى عماد، وإنجي المقدم، ومحمود عزب، ووفاء عامر، وإخراج محمد علي.

ويصف بشير الفنانة مي عمر بأنها «فنانة محترفة ومهنية جداً، ومن أمهر مَن عملت معهم في الدراما، فهي دؤوبة بشكل لا يوصف، وقبل بداية التصوير جمعتنا جلسات عمل مطولة فيما يتعلق بكل تفاصيل السيناريو، وهذا أفاد الشخصية التي خرجت للناس طبيعية على الشاشة ونالت إعجابهم».

الملصق الترويجي لمسلسل «الست موناليزا» (الشركة المنتجة)

وعن تعمده جذب الناس واستفزازهم عبر إظهار البطلة ساذجة وغبية أحياناً، أوضح بشير أنه عرض الشخصية بكل تفاصيلها، مضيفاً: «لدينا فئات بالمجتمع لا تملك الوعي الكافي، و(موناليزا) كانت طيبة، وليس لديها إدراك بالشخصيات السامة بالمجتمع، ولم تكن ساذجة كما يقال، لذلك كانت ضحية لهم».

ويستكمل بشير حديثه قائلاً: «(موناليزا) كانت تملك مشكلة فقد أسرتها منذ الصغر، ولذلك كانت متعلقة بكل مَن تحبهم وقلقة من فكرة ابتعادهم، وعندما أحبت (حسن) كان لديها هذه الأزمة ولم تكن ترغب في فقدانه، وبالتالي كانت تصدقه وتجد له مبررات طوال الوقت، وهذا الأمر استفز الجمهور الذي يرى المشكلة من منظوره ومدى وعيه وتربيته، ولا يعرفون أن هناك شخصيات بهذا الشكل فعلاً، ويملكون هذا الشعور»، مؤكداً أن الطيبة هي السبب في إيصال بعض الفتيات لمثل هذا المصير والتدمير المعنوي.

وعن استعانته أو تأثره أثناء الكتابة ببعض أبطال حوادث حقيقية شهيرة انتشرت أخيراً على «السوشيال ميديا» من بينها حادث «عروس المنوفية»، خصوصاً شخصيتي «الحماة والزوج»، نفى محمد سيد بشير هذا الأمر، مؤكداً أن «نهاية القصة الحقيقية التي استوحى منها (الست موناليزا) كانت أسوأ مما شاهده الناس، وأن هذا النوع من القصص كثير جداً، فقد عرض علينا بعد المسلسل أسوأ من ذلك وأتمنى ألا يخوض أحد مثل هذه التجربة مطلقاً».

كواليس مسلسل «الست موناليزا» (فيسبوك)

وكشف المؤلف المصري أن نهاية العمل كانت مكتوبة منذ البداية وقبل التصوير، ولم يحصل تعديلات أثناء العرض مثلما يعتقد البعض، مضيفاً: «عندما حدثت أزمة وفاة والد مي عمر، كان قد بقي 3 أيام تصوير ومروا بصعوبة بالغة، ولكن في حقيقة الأمر مي عمر كانت بطلة وقوية، وعلى قدر المسؤولية لاستكمالها التصوير في هذه الظروف، وعلى الرغم من قسوة الموقف لكنها عبرت بالعمل وفريقه لبر الأمان».

وعن حديث البعض عن وجود تدخلات مستمرة بالعمل من ناحية المخرج محمد سامي زوج الفنانة مي عمر، قال بشير إن «المخرج محمد سامي بالنسبة لي (الأب الروحي) وأول عمل لي ضمن ورشة كان من إخراجه، ولم أرَ منه أي تدخلات في (الست موناليزا) بل كان يعطينا رأيه ونتناقش معه ويدعمنا طوال الوقت، كما أنني حريص على التواصل معه دوماً للحديث عن أعمالي»، لافتاً إلى أن «السوشيال ميديا»، بالغت في هذا الجانب، خصوصاً أنه العمل الأول لمي عمر بعيداً عن محمد سامي سواء في الإخراج أو الكتابة.

ونفى محمد سيد بشير أن يكون المؤلف في أي عمل هو العامل الأساسي في تغيير جلد الفنان وتقديمه على الشاشة بشكل مختلف، مؤكداً أنه من أنصار العمل الجماعي، وأن جميع صناع العمل الدرامي يفضلون التغيير عادة، كما أن فريق (الست موناليزا)، كان يرغب في تقديم دراما مختلفة تنال رضا واستحسان الناس».


تصوير مسلسلات رمضانية في مصر يستمر حتى الرمق الأخير

انتهى حمادة هلال من تصوير «المداح 6» في الأسبوع الأخير من رمضان (حسابه على «فيسبوك»)
انتهى حمادة هلال من تصوير «المداح 6» في الأسبوع الأخير من رمضان (حسابه على «فيسبوك»)
TT

تصوير مسلسلات رمضانية في مصر يستمر حتى الرمق الأخير

انتهى حمادة هلال من تصوير «المداح 6» في الأسبوع الأخير من رمضان (حسابه على «فيسبوك»)
انتهى حمادة هلال من تصوير «المداح 6» في الأسبوع الأخير من رمضان (حسابه على «فيسبوك»)

واصل صناع عدد من المسلسلات الرمضانية في مصر التصوير حتى الرمق الأخير قبل ساعات فقط من عرض حلقات الأعمال الدرامية في نهاية الشهر، وهو الأمر الذي شكّل ظاهرة ليس فقط في مسلسلات الـ30 حلقة، ولكن أيضاً في مسلسلات الـ15 حلقة التي عرضت هذا العام.

وكان لافتاً اضطرار صناع بعض الأعمال الدرامية لتأخير عرض الحلقات عن المواعيد المحددة لعدم الانتهاء من التصوير، وهو الأمر الذي سبقه توسع في الاستعانة بوحدات تصوير إضافية لإنجاز أكبر عدد من المشاهد مع ضيق الوقت المتبقي قبل نهاية الشهر.

وبخلاف مسلسل «الست موناليزا» الذي عرض في النصف الأول من رمضان وتأخر بث حلقاته الأخيرة بعدما اضطر فريق العمل لإيقاف التصوير لوقت قصير على خلفية وفاة والد بطلة العمل مي عمر، وهو ما تسبب في إجراء تعديلات عدة بحسب الفنان محمود عزب المشارك في بطولة العمل.

وأكد عزب في تصريحات تلفزيونية أن تدخل المخرج محمد سامي زوج بطلة العمل بوحدات إضافية وإجراء تعديلات في مسار الأحداث لضيق الوقت كان السبب الرئيسي في لحاق العمل بالعرض الرمضاني.

انتهى عمرو سعد من تصوير مسلسل «إفراج» قبل أيام من عرض الحلقة الأخيرة (حسابه على «فيسبوك»)

الموقف نفسه تكرر مع مسلسل «وننسى اللي كان» الذي لم يتم الانتهاء من تصويره حتى الآن، وتسبب تأخير التصوير في تأجيل تسليم الحلقة 27 من المسلسل التي أذيعت بعد موعدها المقرر بعدة ساعات، وتحدثت الفنانة منة فضالي المشاركة في العمل عن عدم وضوح دورها لكون التصوير يتم على الهواء دون وجود ورق مكتوب لتفاصيل دورها بالكامل، مما أدى لتعديلات على مسار دورها.

أما الفنان عمرو سعد فانتهى من تصوير مسلسله «إفراج» فجر يوم 28 رمضان، فيما انتهى الفنان أحمد أمين من تصوير مسلسله «النص التاني» فجر يوم 27 رمضان، بينما شهد الأسبوع الأخير من رمضان انتهاء تصوير عدة أعمال منها «علي كلاي» لأحمد العوضي و«الكينج» لمحمد إمام، بالإضافة إلى «المداح 6» لحمادة هلال وفتحي عبد الوهاب.

وحمّلت الناقدة الفنية مها متبولي مسؤولية استمرار التصوير حتى اللحظات الأخيرة للكتاب والمنتجين، قائلة لـ«الشرق الأوسط» إن «الأعمال التي تُنجز مبكراً تكون في الغالب مكتوبة بشكل أفضل، وهو ما ينعكس مباشرة على أداء الممثلين الذين يظهرون بصورة أكثر تماسكاً ونضجاً، الأمر الذي جعل صناع غالبية الأعمال التي حصدت إشادات نقدية على غرار (حكاية نرجس) انتهوا من التصوير بالتزامن مع عرض أولى الحلقات».

وأضافت أن «من أكثر ما يُرهق الممثل هو دخوله التصوير دون امتلاك الصورة الكاملة لتطورات الشخصية، حيث يكتفي بمعرفة الفكرة العامة فقط، بينما تظل تفاصيل التحولات غير واضحة، وهو ما يؤثر سلباً على جودة الأداء ويُربك البناء الدرامي للعمل وينعكس بالضرورة على الشاشة في التفاوت بالأداء بين المشاهد المختلفة».

وأوضحت أن «هذه الأزمة ليست جديدة، بل تتكرر كل عام دون الاستفادة من الأخطاء السابقة»، مشددة على ضرورة التوقف أمامها بجدية، خاصة أن موسم رمضان معروف موعده سلفاً ولا يحمل أي عنصر مفاجأة يبرر هذا الارتباك المتكرر في عملية الإنتاج.

لا يزال تصوير مسلسل «وننسى اللي كان» مستمراً (حساب ياسمين عبد العزيز على «فيسبوك»)

رأي دعمه الناقد محمد عبد الخالق الذي أكد لـ«الشرق الأوسط» عدم وجود أي مبررات حقيقية لما اعتبرها «ظاهرة استثنائية»، مرجعاً الأمر إلى «سوء التخطيط من جانب صناع الأعمال بشكل واضح وعدم التعامل بجدية كافية مع الالتزامات التي تفرضها طبيعة العمل الفني».

وأضاف أن «العمل الدرامي يفترض أن يبدأ بفكرة مكتملة في ذهن المؤلف، تُكتب وتُنقّح بعناية، ثم يحصل المخرج على الوقت الكافي لقراءتها ووضع تصور نهائي متكامل»، لافتاً إلى «أهمية إتاحة مساحة زمنية مناسبة لكل عناصر العمل، سواء للممثلين لفهم أدوارهم والدخول في تفاصيلها النفسية والشكلية، أو لفريق التنفيذ لضبط إيقاع العمل».

وعَدّ «تقديم مسلسل يُكتب ويُصوَّر بالتزامن مع عرضه يُفقد الممثل قدرته على التعايش الحقيقي مع الشخصية، إذ يتحول إلى مجرد مؤدٍ لما هو مكتوب دون بناء درامي متكامل، وهو ما ينعكس سلباً على جودة العمل ككل»، على حد تعبيره.

مشيراً إلى أن «صناع بعض الأعمال يلجأون إلى تعديل الخطوط الدرامية بعد عرض الحلقات الأولى، وفقاً لتفاعل الجمهور، فيتم تضخيم مسارات معينة على حساب أخرى، ما يحول العمل من قصة متماسكة إلى مشاهد متفرقة تفتقد الترابط، وتُقدَّم فقط بهدف تحقيق تفاعل لحظي، دون الحفاظ على وحدة العمل الدرامي»، وفق قوله.