«الشاطئ الآخر»... كتابات طه حسين الفرنسية

تضم «بورتريهات» لمحمد عبده وأندريه جيد والمتنبي وغوته

«الشاطئ الآخر»... كتابات طه حسين الفرنسية
TT

«الشاطئ الآخر»... كتابات طه حسين الفرنسية

«الشاطئ الآخر»... كتابات طه حسين الفرنسية

يرسم طه حسين في هذا الكتاب مجموعة من «البورتريهات» الأدبية شديدة الحساسية والثراء لأشهر الكتاب والشعراء العرب والفرنسيين، متوغلاً ببصيرة معرفية في تداعيات زمانهم وواقعهم، كما يقف على جوهر إبداعهم، وينتقد ما اعتراه من نقاط ضعف، تصل إلى حد التناقض أحياناَ.
الكتاب بعنوان «الشاطئ الآخر - كتابات طه حسين الفرنسية»، الذي صدرت أخيراً نسخة جديدة منقحة منه في القاهرة عن المركز القومي للترجمة، وهو جهد خاص بالباحث والمترجم والكاتب المصري عبد الرشيد الصادق محمودي، الذي جمعها ووثقها بعد أن أصبحت عرضة للضياع رغم أهميتها الفائقة.

مع محمد عبده
يتناول طه حسين أولاَ تجربة الإمام محمد عبده «1849 - 1905» في الإصلاح، ويصفه بأنه «كان مسلماً شديد الإيمان بالإسلام، وعكف بحماس بالغ منذ صباه على تحقيق المهمة التي شغلت بعد ذلك حياته بأكملها. وهو يرى أن محمد عبده كان يمقت الثورات والانقلابات الضخمة وأي عمل يتصف بالعنف، ولكنه لم يكن أقل كرهاً لجمود الفكر والتوقف الذي هو أشبه بالتقهقر، ولذلك سخر نفسه لمهمته بإصرار لا يشوبه تطرف في العمل أو في القول». وبدأ، كما يضيف، بأن أدخل إلى التعليم الأزهري عدداً من المواد «التي من شأنها أن توقظ الفكر وتوسع من آفاقه»، لافتاً إلى أن ذلك تم وفق إطار محدد، بحيث لا تفتح إضافة هذه المواد أبواباً للشك، وهي التاريخ والجغرافيا والأدب، وبعض مبادئ الحساب والرياضيات، وبذلك «حرم على نفسه كما حرم على غيره ذكر الفيزياء والكيمياء والعلوم الطبيعية، فقد كانت تلك أسماء يقف لها شعر ذلك الجيل من الأزهريين الذين كانوا يعتقدون أن كل المواد التي تدرس في المدارس المدنية ضارة كريهة، ولا بد أن تودي إلى التهلكة».
ويعتقد طه حسين أن محمد عبده لم يعد مواكباً للعصر، وصارت «كل أفكاره بالية فهي ليست بالأفكار التي مضى عليها زمن طويل، ولكنها لم تعد تتواءم مع انطلاق الشرقيين نحو الحرية الكبرى، وقليل هم المسلمون الذين يهتمون بالتوفيق بين إيمانهم والمعارف التي حصلوها، وهم يندفعون بابتهاج نحو الحضارة الغربية ويتخذونها مثلاً أعلى»، لكن هذا لا يمنع طه حسين من الاعتراف بقيمة تجربة محمد عبده في مجملها، مؤكداً على علو نفسه وإخلاصه، ومن أنه كان يكن له كل ما يستحق من احترام عميق.

مع أندريه جيد
يتحدث طه حسين عن علاقته بالأديب الفرنسي الأشهر أندريه جيد (1869 - 1951)، مشيراً إلى أنه عرفه ككاتب، قبل أن يتعرف عليه شخصياً، عندما كان طالباً في فرنسا، وكان انطباعه أنه كاتب عظيم، وأنه مثار للجدل لغرابة بعض أطواره. ويذكر أنه لم يتح له أن اطلع على أعماله إلا في سنة 1932. وفي سنة 1939 فاته أن يتعرف عليه شخصياً، فقد كان في أول رحلة له إلى مصر، وحاول صديق مشترك أن يصطحبه إلى منزل طه حسين، لكن جيد كان قد فقد زوجته لتوه ولم يشأ في غمرة حزنه أن يراه أحد، مفضلاً، كما أخبره عميد الأدب العربي في خطاب بديع، أن يحيا مع ذكرياته، وبذلك تعذر اللقاء، ولكن هذا الخطاب كان مقدمة لعلاقات لم تنقطع.
تأخر لقاؤهما بسبب الحرب العالمية الثانية، ولم يكن متاحاً أن يتراسلا فيما كان طه حسين يقرأ يومياته بشغف، وكانت «تهز مشاعره هزاً عميقاً»، فعرف بها القراء في الشرق، وما إن انتهت الحرب حتى عمل على ترجمة بعض من أعماله مثل «الباب الضيق» و«مدرسة النساء»، فلما عاد جيد إلى مصر للمرة الثانية 1946 كان له في هذا البلد جمهور يقرأه ويحبه من خلال ترجمات طه حسين.
ويشير طه حسين إلى أن ترجمة «الباب الضيق» كانت مناسبة للقاء فكري آخر، وهو نوع من اللقاء الذي كان يحبه فوق كل شيء، وكان بينهما في تلك المرة خلاف فقد بدا لصاحب «الأيام» أن جيد لم يكن مصيباً في تفكيره، وصارحه بأن كتابه لن يفهم، وبالأحرى لن يحب في بلد مسلم، لأن الإسلام فيما رأى جيد دين يقدم الأجوبة، ويدفع العقل إلى الطمأنينة المطلقة، فلا يدع مجالاً للقلق. وتوضيحاً للصورة، قدم طه حسين الترجمة بخطاب مفتوح إلى المؤلف حاول فيه أن يوضح أن الإسلام الذي شُرح له، أو الذي اعتقد أنه يعرفه، لا علاقة له بالإسلام الحقيقي، وأنه من المؤكد أن الإسلام لا يخلو من القلق، وأن الشرق المسلم جدير بأن ينال اهتمامه كما هو الحال مع الغرب المسيحي. أثار نشر الخطاب ورد جيد عليه شيئاً من الضجة بين مصر وفرنسا، لكن لما التقيا في ذلك الشتاء من عام 1946 أصبحا مثل صديقين قديمين.
ويروى طه حسين وقائع هذا اللقاء، حسب الكتاب، قائلاً: «كان ذلك ذات صباح، ولم يكن بيننا موعد ضربناه، ولكنه اتصل بي هاتفياً قبل أن يصل بثلاث دقائق، وليس بوسعي أن أنسى الساعة الأولى التي قضيناها معاً، دون كلفة، فهو لم يتحدث كثيراً، وإنما اكتفى بإلقاء الأسئلة، بينما اكتفيت بالإجابة، وكان ذلك بالنسبة إليّ أنا الخجول أمراً غريباً، فقد كنت أحييه بألفة شديدة، فلكم كان قادراً على أن يجعل الناس يأنسون إليه إذا أراد».
ويتوغل طه حسين بمخيلته الكاشفة خلف صورة المشهد على هذا النحو: «أندريه جيد في القاهرة. يا له من حدث عظيم بالنسبة إلى القاهريين! وما أشد الإرهاق الذي أصابه، وهو الذي أراد أن يتحاشاه بأن يختفي فقد حظر على نفسه الإقامة في الفندق، كما حظر على نفسه، أو كاد، حضور حفلات الاستقبال، إلا أنه لم يستطع أن يتهرب من إلقاء محاضرة، وكان عليه أن يفي بوعده ذات مساء في مدرسة (الليسيه) الفرنسية، ولكن ما أشد اضطرابه عندئذ، وتردده، وكم كان خجله يشبه خجل المبتدئ وهو يصعد المنصة ويبدأ الحديث، وإني لأعتقد أن هذا الخجل كان يقطع عليه حبل أفكاره، فكان يحاول أن يستأنف ما انقطع بأن يطلب بلباقته الرائعة أن يؤذن له بإشعال سيجارة، ولكن الإذاعة قد سجلت حديثه، وفي المساء أراد البعض أن يُسمعه إياه، فاستمع للجمل الأولى، وكاد أن يحطم المذياع لعدم رضاه عن نفسه، وغادر المكان، ولاذ بغرفته، إلا أن ذلك الحديث البسيط الذي لم يكن سقيماً بأي حال من الأحوال، رغم افتقاره إلى الترتيب، وما زال بالنسبة إلى كثيرين منا في عداد الذكريات الطيبة!».

مع المتنبي
من ضمن المقالات التي يضمها الكتاب مقال يلتقط فيه العميد صورة المتنبي من زاوية غير مألوفة، فيصفه بأنه ظل نموذجاً للشاعر التقليدي، وانصرف بكل اهتمامه إلى نفسه وإلى الناس وإلى الأوضاع السياسية والاجتماعية، وكانت الطبيعة بالقياس إليه خرساء لم تنطق بعد، فإذا ذكر جبال لبنان فما ذلك إلا ليقول إنها لا تُجتاز في الشتاء، وقوله في وصف بحيرة طبرية بالكاد يبلغ بعض أبيات، أما في فارس فيبدو أن الطبيعة تكشفت له لأول مرة واجتذبته بقوة لا تقاوم فأخذ، وقد خلبت لبه بجمالها، يصف الغابات والمروج. وأتيح له عندما أخذ يشترك في رحلات الصيد الملكية أن يجدد تقاليد فن المطاردة. وفي فارس تألق شعر المتنبي لآخر مرة على نحو باهر.
ويدلف طه حسين بتكثيف شديد على مشهد النهاية للمتنبي، متابعاً: «لقي الشاعر هناك من الترحيب والحفاوة الغامرة ما جعله يقرر الذهاب إلى العراق، ليأتي بأهله وماله للإقامة في بلاط شيراز بصفة دائمة، فاستأذن الملك في قصيدة جميلة كانت آخر قصيدة كتبها، وكان ذلك في سنة 354 للهجرة، فقد هاجمه غير بعيد من بغداد جماعة من البدو كان قد هجاهم قبل ذلك بفترة في الكوفة وبعد مقاومة غير مجدية، قتل ابنه وعبيده، ونهب متاعه، فهل كان البدو يطلبون ممتلكاته؟ كلا على وجه التأكيد، وإنما قتلوه بغية الانتقام، وكان ذلك انتقاماً شخصياً، لأن المتنبي قد سب هؤلاء النفر من القرامطة الذين غاروا على الكوفة، كما كان انتقاماً حزبياً بصفة أخص، وذلك أن الشاعر خان قضية القرامطة، وقضية العرب، وصار مدافعاً عن طغيان الأغنياء والأجانب!».

مع غوته والشرق
عن أديب ألمانيا الأشهر غوته، وعلاقته بالشرق، يشير طه حسين إلى أنه في سن الثالثة والعشرين بدأ اطلاعه على القرآن في ترجمة ألمانية وفي ترجمة لاتينية، ليكتشف بذلك الشرق الإسلامي بعد أن اكتشف الشرق المسيحي. وما زالت قراءته للقرآن تؤثر فيه تأثيراً بالغاً، فهو يحاول بعد ذلك بقليل أن يؤلف تراجيديا بطلها النبي محمد عليه السلام لكن لم يبق لنا منها إلا القليل، إلا أنه كان عندئذ قد بدأ يكن للإسلام وداً عميقاً حتى قال: «إذا كان معنى الإسلام هو التسليم لله فإننا نحيا ونموت جميعاً على دين الإسلام».
يضيف طه حسين لرتوش البورتريه زاوية مهمة يشير من خلالها إلى أن جوته كان يقتني الترجمات، بل يحاول أن يترجم عن العربية دون أن يتقنها جيداً، وما إن قرأ الترجمة الإنجليزية التي وضعها أحدهم لسبع قصائد توصف بأنها جاهلية، وتسمى المعلقات، حتى ولع بها، وحاول أن يترجمها إلى الألمانية.
ويتحفظ طه حسين مع ذلك على تجربة غوته مؤكداً أن معلوماته ولا شك تفتقر أحياناً إلى الدقة، بل تحتوي على بعض المغالطات مثلما نجد في محاولته لاستلهام قصة النبي يوسف عليه السلام، فيأتي بأسماء عربية حديثة لينسبها إلى شخصيات عاشت من آلاف السنين، كما يطمس الحقائق التاريخية والدينية «على نحو من شأنه أن يثير استنكار الشرقيين»، وهو ما يتكرر كثيراً في ديوانه «الشرق والغرب».



عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)
تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)
TT

عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)
تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)

حصد فيلم «وقائع زمن الحصار» للمخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب جائزة «أفضل عمل أول» في مهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الـ76 التي اختتمت مؤخراً، وهو الفيلم الذي أنتج بتمويل جزائري - فلسطيني - فرنسي، وتحدث مخرجه في حفل الختام رافعاً العلم الفلسطيني عن معاناة أبناء وطنه تحت وطأة الحصار والاحتلال.

يقول الخطيب لـ«الشرق الأوسط»، إنه بصفته مخرجاً فلسطينياً - سورياً، كان يدرك أن الطريق لن يكون سهلاً، لكن إيمانه بالمشروع دفعه للاستمرار، موضحاً أن المشاركة في «برلين» كانت بالنسبة إليه خطوة طبيعية لأي صانع أفلام يؤمن بعمله، لأن المهرجانات الكبرى ليست ترفاً، بل جزء من منظومة صناعة السينما، خصوصاً في العالم العربي، حيث يشكل حضور الفيلم في مهرجان دولي بوابة أساسية لانتشاره.

وعن توقعاته قبل إعلان النتائج، قال إنه كان يتوقع أن يذهب الفيلم بعيداً في المنافسة، لأن المخرج، إذا لم يؤمن بعمله، فلن يُقنع به لجنة التحكيم ولا الجمهور، مؤكداً أنه تمنى الفوز بالجائزة الكبرى، ليس فقط لقيمتها المعنوية، بل أيضاً لما تمثله من دعم مادي مهم في ظل الظروف الإنتاجية الصعبة التي أحاطت بالفيلم.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

وفي حديثه عن العمل نفسه، أوضح الخطيب أن «وقائع زمن الحصار» يتناول فكرة الحصار بوصفها حالة إنسانية متكررة في التاريخ الفلسطيني، وليس حدثاً مرتبطاً بمكان واحد أو زمن محدد، مشيراً إلى أن التصوير تم في الجزائر والأردن وفرنسا، بسبب تعذر العمل في مناطق النزاع المباشر، سواء في سوريا أو غزة.

وأضاف أنه اختار مواقع قريبة بصرياً من بيئة المخيمات المحاصرة، حتى لو لم تكن القصة تدور صراحة في مخيم اليرموك، لأن جوهر الحكاية مستمد من تجربة شخصية عاشها هناك، لافتاً إلى أن جزءاً كبيراً من الفيلم صُوّر في أماكن داخلية، ما سهّل العملية نسبياً، فيما أُنجزت المشاهد الخارجية في الجزائر والأردن.

وعن اختيار الممثلين، قال الخطيب إن «الفيلم يقوم على خمس حكايات تتقاطع، ويضم عشرة ممثلين رئيسيين، والاعتبارات الإنتاجية لعبت دوراً حاسماً في الاختيار، لأن الفيلم أُنجز بميزانية محدودة جداً، مع اعتماد كبير على استثمار شخصي من المنتج، إضافة إلى دعم أصدقاء وفريق عمل آمنوا بالمشروع واشتغل بعضهم بشكل تطوعي أو بأجور رمزية».

وأضاف أن «فريق التمثيل ضم فنانين فلسطينيين وأردنيين وسوريين وجزائريين، وحاول، خصوصاً في الجزائر، العمل على اللغة واللهجة بحيث تبدو قريبة من (الفلسطينية)، لتخدم وحدة العالم الدرامي»، مؤكداً أن الاختيارات، رغم ظروفها، جاءت موفقة فنياً، لأن الممثلين لم يكونوا مجرد مؤدين، بل شركاء حقيقيون في بناء الشخصيات.

وتحدث الخطيب بصراحة عن صعوبة إنجاز فيلم روائي طويل بلا تمويل مسبق، مشيراً إلى أن كل مرحلة من مراحل التصوير شهدت فريقاً مختلفاً تقريباً، باستثناء مدير التصوير الذي بقي ثابتاً، لافتاً إلى أن اختلاف الطواقم بين بلد وآخر فرض تحديات تقنية في ما بعد الإنتاج، سواء على مستوى توحيد اللون أو الصوت أو الإيقاع العام، لكنه رأى في الوقت نفسه أن هذا التنوع لم ينعكس سلباً على روح العمل، لأن الجميع اشتغل بحب وإيمان.

وأضاف أن الفيلم مثال عملي على ما يسمى بـ«السينما المستقلة»، لكنه انتقد في الوقت ذاته المفهوم الشائع للاستقلالية، موضحاً أن «كثيراً من المخرجين يكتبون نصوصهم وهم يفكرون مسبقاً في شروط صناديق الدعم، ما يحدّ من حريتهم الإبداعية. أما في حالته، فقد بدأ التصوير من دون أي تمويل، ولم يتقدم إلى الصناديق إلا بعد انتهاء التصوير، حين كان قد سيطر بالكامل على السرد والشكل النهائي للفيلم».

وعن عملية الكتابة، قال إنه لا يميل إلى النصوص المغلقة، بل يترك مساحة واسعة للتطور أثناء التصوير، موضحاً أن الحوارات وبعض التفاصيل بُنيت في موقع التصوير، لأن اعتماده على تجربة شخصية مع الحصار منحه مرونة لتعديل الأحداث وفق المعطيات المتاحة في كل بلد، من دون المساس بروح القصة.

وأكد الخطيب أن الممثلين أضافوا إلى الشخصيات أكثر مما كان يتوقع، وأن الفيلم نتاج عمل جماعي حقيقي، شارك فيه الجميع، من مدير التصوير إلى المنتج الذي لم يكتف بدوره الإداري، بل كان حاضراً في الموقع، يساهم في تجهيز الديكورات والملابس وحتى التفاصيل التقنية، بسبب محدودية الميزانية.

وفيما يتعلق بعلاقته بالمهرجانات، قال إن الحديث عن عدم الاكتراث بها ليس دقيقاً، لأن المهرجانات الكبرى تشكل منصة أساسية للعرض والتوزيع، مشيراً إلى أن كثيراً من المهرجانات العربية تختار أفلامها بناء على مشاركاتها الدولية، ما يجعل الوجود في مهرجانات مثل «برلين» خطوة استراتيجية لأي فيلم عربي مستقل.

Your Premium trial has ended


الإعلان عن موعد الدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية

صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)
صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)
TT

الإعلان عن موعد الدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية

صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)
صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)

يعود بينالي الفنون الإسلامية في دورته الثالثة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2027 لصالة الحجاج الغربية في مدينة جدة، ليبني على النجاحات التي حقّقها في دورتيه الأولى والثانية.

وكانت الدورات السابقة من البينالي قد نجحت في خلق ظاهرة فنية عالمية مدعومةً بعدد من الشراكات الاستراتيجية مع مؤسسات ثقافية سعودية، من بينها الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، ومجمع الملك عبد العزيز للمكتبات الوقفية، ومركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء). وقد أسهمت هذه الشراكات في تقديم قطع أثرية وأعمال فنية للجمهور للمرة الأولى، أبرزها عرض كسوة الكعبة المشرفة كاملةً في الدورة الثانية عام 2025، فيما يؤكد التزام المؤسسة بإتاحة الأعمال النادرة ذات الأهمية الثقافية الاستثنائية للجميع.

جائزة المصلى تعود مع الدورة الجديدة لبينالي الفنون الإسلامية بجدة (الشرق الأوسط)

جائزة المصلى

كما شكّل البينالي منصةً لإطلاق مبادرات طموحة، من أبرزها جائزة المصلى، المسابقة المعمارية الدولية التي أطلقتها المؤسسة عام 2024، بهدف تطوير مقاربات مبتكرة في مجال تصميم أماكن العبادة، تعيد تصوّر مستقبل هذه الأماكن كمساحات مؤقتة ومتنقلة، قابلة للتفكيك وإعادة التركيب بسهولة، وقادرة على تجاوز حدود التصميم والتقنيات المستدامة.

المدار... منصة عالمية

ويحتل «المدار» أهمية محورية في هذا التوسّع، وهو مبادرة رائدة ابتكرتها مؤسسة بينالي الدرعية لتحويل البينالي من معرض دوري إلى منصة عالمية مستدامة للفنون الإسلامية، وتجسّد التزام المملكة بالتعاون الثقافي على المستوى الدولي وعبر مختلف التخصصات. أُطلق «المدار» مع الدورة الأولى للبينالي، ويعكس فهماً للتراث الإسلامي باعتباره مجالاً حياً ومتجدداً، حيث يعيد تصوّر آليات جمع كنوز الحضارة الإسلامية من مختلف العصور والجغرافيات ودراستها وتقديمها للجمهور للتفاعل معها.

وتشمل الخطط الجديدة تحويل «المدار» إلى مبادرة فاعلة على مدار العام، ترتكز على 4 محاور رئيسية، هي: «معرض المدار»، الذي يُقام في كل دورة من بينالي الفنون الإسلامية، وتصاحبه برامج ثقافية عامة، و«منصة المدار الرقمية»، التي توظف أحدث التقنيات في أعمال البحث والتبادل الثقافي وصياغة السرديات المتعلّقة بالفنون والثقافة الإسلامية، و«مبادرات المدار»، التي تُعنى بتنظيم الندوات وجلسات الحوار وورش عمل تدعم البحث وتطوير الممارسة الإبداعية، و«مجتمع المدار»، وهو شبكة متخصصة تجمع أهم المؤسسات الدولية بهدف تعزيز تبادل المعرفة وبحث فرص التعاون المشترك.

جانب من قسم «المدار» في بينالي الفنون الإسلامية بجدة (الشرق الأوسط)

الفريق الفني

وقد تم اختيار فريق تقييم فني دولي ليقود بينالي الفنون الإسلامية 2027 بعد عملية اختيار دقيقة، بدأتها المؤسسة بطرح دعوة مفتوحة لتقديم المقترحات، تلتها مراحل تقييم واختيار نهائي من قبل لجنة مختصة. وسيضم فريق القيمين الفنيين كلاً من البروفيسورة أزرا أكشاميا، وندى رضا، وويليام روبنسون بصفته القيّم الفني الرئيسي، ويجمع هذا الفريق خبرات تجمع بين الممارسات الفنية المعاصرة، والأبحاث التاريخية، والقيادة المؤسسية، ما يعزّز دور المؤسسة الريادي في حفظ ودراسة وعرض التراث الثقافي الإسلامي على المستوى الدولي.

جانب من جناح المدينة المنورة في الدورة الثانية لبينالي الفنون الإسلامية بجدة (الشرق الأوسط)

ومن المقرّر أن تقام الدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية، والدورات المقبلة من بينالي الدرعية للفن المعاصر في نهاية كل عام، ما يتيح للمؤسسة التركيز على تعميق الشراكات المؤسسية ومواءمة البيناليات مع التقويم الثقافي الأوسع للمملكة. وسيبني بينالي الفنون الإسلامية في نسخته المقبلة على ما حقّقته الدورتان الأولى والثانية من نجاح، نتج عنه عرض ما يزيد عن 500 قطعة أثرية من أكثر من 40 مؤسسة، تمثل أكثر من 20 دولة، حيث ضاعفت الدورة الثانية عدد المؤسسات المشاركة 3 مرات مقارنةً بالدورة الأولى.


«حي الجرادية»... دراما الانتقام من قلب المكان الشعبي

الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)
الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)
TT

«حي الجرادية»... دراما الانتقام من قلب المكان الشعبي

الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)
الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)

تمتلك الأحياء الشعبية قدرة خاصة على احتضان الحكايات، وإعادة إنتاجها عبر الزمن، ومن هذا الفضاء ينطلق المسلسل السعودي «حي الجرادية»، الذي يتخذ اسمه من أحد أحياء العاصمة الرياض، حيث يتقدّم الماضي بوصفه عنصراً فاعلاً في تشكيل الحاضر، وتتقاطع مصائر الشخصيات على إيقاع ذاكرة جماعية مثقلة بالتجارب.

تتناول قصة العمل عودة رجل كبير بالسن (إبراهيم الحساوي) إلى الحي بعد سنوات طويلة، محملاً بشعور متراكم من الظلم وذاكرة تحتفظ بتفاصيل قاسية، وتتحوّل هذه العودة إلى مشروع انتقام من أهل الحي الذين يرى أنهم كانوا سبباً فيما آل إليه مصيره، وذلك بتنفيذ مباشر من ابنه (محمد القس)، وتعاونه في خططه أخته (نيرمين محسن).

إبراهيم الحساوي ومحمد القس في مشهد يجمع الأب وابنه لتنفيذ خطط الانتقام (شاهد)

خيار التحوّل الفني

وفي قلب المكان المليء بالمكائد، والخطط الإجرامية، تبرز شخصية «منيرة» التي تؤديها الممثلة نيرمين محسن بوصفها الابنة الصغرى للأب المظلوم، في دور يمثّل محطة مهمة في مسار نيرمين التي قدّمت خلال السنوات الماضية أدواراً تميل إلى الكوميديا، والأعمال الخفيفة، قبل أن تختار مؤخراً الانتقال إلى مساحة درامية أكثر كثافة، وتعقيداً.

وفي حديثها لـ«الشرق الأوسط»، تعبّر نيرمين عن سعادتها بهذه التجربة، وترى أن «حي الجرادية» منحها فرصة حقيقية لإظهار جانب آخر من أدواتها التمثيلية. وتوضح أن بداياتها في الكوميديا، وأعمال التقليد جعلت معظم العروض التي تصلها تدور في الإطار نفسه، وهو ما جعلها تنتظر النص الدرامي الذي يفتح أمامها خطاً مختلفاً في مسارها الفني.

من المسرح الجاد إلى الشاشة

تشير نيرمين إلى أنها اشتغلت على هذا النوع من الأداء سابقاً في المسرح الروائي الجاد، وحقّقت فيه حضوراً لافتاً، وكانت تتطلع إلى نقل هذه التجربة إلى الدراما التلفزيونية عبر نص يمنحها مساحة أوسع للتعبير. وتضيف أنها في موسم دراما رمضان قدّمت شخصيتين مختلفتين درامياً، «منيرة» في «حي الجرادية» و«عهود» في مسلسل «أنا ولا أنا»، وهو ما تعتبره خطوة مهمّة في مسيرتها، لأنه يوسّع خياراتها، ويضعها أمام تحديات تمثيلية جديدة.

وبالسؤال عن انجذابها إلى شخصية منيرة، توضّح أن ما لفتها هو طبيعة هذا التكوين النفسي المركّب، مبينة أن الشخصية تقوم على فكرة «شرّ مخفي» يظهر عبر التفاصيل الدقيقة أكثر مما يظهر عبر الملامح، أو السلوك المباشر، وينبع هذا الشر من صدمة طفولة، ومن رغبة دفينة في الانتقام، بينما تحافظ الشخصية في الظاهر على صورة هادئة، ومترددة. وتشرح أنها قرأت الشخصية أكثر من مرة، وحاولت أن تتعرّف عليها بعمق، وأن تفهم ردود فعلها، وأن تقترب منها بوصفها إنسانة تحمل صراعاً داخلياً بين جانب طيب حاضر في تكوينها، ودافع داخلي يدفعها إلى خيارات قاسية.

نيرمين محسن من قلب تصوير المسلسل (انستغرام الممثلة)

بناء المسار النفسي

كما تؤكد نيرمين أن التحضير للشخصية جاء ضمن عمل جماعي عبر بروفات الطاولة التي جمعت فريق العمل تحت إشراف المخرج منير الزعبي. وفي هذه الجلسات، جرى النقاش حول أبعاد الشخصية، وتفاصيلها النفسية، ومسارها داخل الحكاية، وهو ما ساعد على تثبيت ملامحها الداخلية، وضبط إيقاعها النفسي.

وعن أكثر الجوانب التي شكّلت تحدياً لها في تجسيد منيرة، توضّح نيرمين أن طبيعة الدوافع والانفعالات تمثّل المحور الأساسي لهذا التحدي، فالشخصية تعتمد في حركتها الدرامية على ما يجري في الداخل أكثر مما يظهر في الخارج، وذلك من خلال لغة جسد هادئة، ونبرة محسوبة، بينما الداخل مزدحم بالصراعات، والذكريات التي تواصل تأثيرها في قراراتها.

وينسجم حديث نيرمين محسن مع طبيعة «حي الجرادية»، إذ يقوم العمل على بناء توتّر تدريجي يتكشّف عبر الزمن، وتظهر الشخصيات طبقة بعد أخرى، لتتحوّل العلاقات اليومية إلى مساحات مشحونة بالقلق، والخوف، ما بين عالم تجّار المخدرات، وجرائم القتل، والابتزاز، دون أن يكون هناك حد رادع لهوس الانتقام، والرغبة في تدمير سكان الحي.

وبالسؤال عن التفاعل الجماهيري، تقول نيرمين إن الأصداء التي وصلتها تحمل طابعاً مشجّعاً، وتعبّر عن سعادتها برؤية هذا التفاعل مع العمل، ومع الشخصيات. وترى أن الجمهور السعودي اليوم يتمتّع بوعي فني، ونضج في تلقّي الأعمال الدرامية، ويقدّر الجهد حين يُقدَّم بصورة احترافية، وفي ختام حديثها، وجّهت حديثها للمشاهدين بالقول: «إن الأحداث المقبلة تحمل تصاعداً أكبر بكثير».