هل يمكن تصوّر كرة القدم من دون ضربات الرأس؟

هل يمكن تصوّر كرة القدم من دون ضربات الرأس؟

مثل لعبة الرغبي بات تعرض اللاعبين لخطر الإصابة بالخرف يتزايد لكن لا يمكن منع هذه المهارة المهمة
السبت - 4 جمادى الأولى 1442 هـ - 19 ديسمبر 2020 مـ رقم العدد [ 15362]

من المعروف منذ فترة طويلة أن لعبة الرغبي تُعرض اللاعبين للإصابة بالخرف، وتم إدراك الأمر ذاته مؤخراً فيما يتعلق بكرة القدم، وإن كان متأخراً بعض الشيء. وبصفتي مشجعاً لنادي وست بروميتش ألبيون، فقد كنتُ على دراية بهذه المشكلة قبل معظم الناس بفترة طويلة. وكان أحد أعظم لاعبي هذا النادي، وهو جيف أستل، الذي كان معروفاً بقدرته الفائقة على تسديد ضربات الرأس، قد أنشأ شركة لتنظيف النوافذ بعد اعتزاله كرة القدم تحت شعار «جيف لا يترك الركلات الركنية أبداً». وقد تُوفّي جيف قبل 19 عاماً، عن عمر يناهز 59 عاماً، بعد معاناته من مرض تنكسي في الدماغ. وقال الطبيب الشرعي إن الوفاة كانت ناجمة عن «إصابة صناعية».

ومنذ ذلك الحين، أطلقت عائلة جيف، بقيادة ابنته دون، حملة للتعريف بالمخاطر الطبية المترتبة على تسديد كرة القدم بالرأس. لقد كان الأمر صعباً على هذه العائلة، ولا يمكنني القول إنني قدمت كثيراً من المساعدة لها. إنني أشعر بالخجل من أن أقول إن أحد أسباب ذلك قد يكون أنني، بصفتي مقدماً لمباريات كرة القدم على قناتي «آي تي في» و«بي بي سي»، كنت أعتمد على هذه اللعبة في كسب رزقي. ورغم أنه لم يطلب مني أي شخص على الإطلاق التحدث عن هذا الموضوع، فإنني أعتقد أنني بقيتُ صامتاً خوفاً من عض الأيدي التي تطعمني!

وحتى مع تراكم الأدلة على أن تسديد الكرة بالرأس يسبب الخرف، بقيتُ صامتاً ولا أعلق على هذا الأمر. لكنني أدرك الآن أنه إذا كنت في فترة من الفترات أفضل عدم الحديث عن هذا الأمر من أجل مصلحتي الشخصية، فإن هذا الأمر ينطبق على عدد لا يُحصى من الآخرين أيضاً.

وكان هناك سبب أكبر لتشككي في جدوى الحديث عن هذا الأمر، رغم أنه لم يكن له علاقة بالأدلة الطبية التي ظهرت آنذاك؛ نظراً لأنه لا يمكن التخلي أبداً عن تسديد الكرة بالرأس في لعبة كرة القدم، فما الهدف إذن من الحديث عن العلاقة بين تسديد كرة القدم بالرأس والخرف؟ من المؤكد أنه من الممكن تقليل ضربات الرأس في كرة القدم في الفئات العمرية الأصغر، لكن ما دامت هذه المهارة مطلوبة بالنسبة للاعبين على مستوى الكبار، فيجب ممارستها حتى يتقنها اللاعبون. كانت هذه هي وجهة نظري حتى الأسبوع الماضي عندما سألت شخصاً ما (ولم تكن هذه هي المرة الأولى) عن الأدلة العلمية التي تثبت أن تسديد الكرة بالرأس يسبب الخرف.

وكنت أعتقد أن المسؤولين عن كرة القدم قد جربوا من قبل في مكان ما على كوكب كرة القدم أن تُلعب هذه اللعبة دون تسديد الكرة بالرأس، لكي نعرف كيف سيكون شكل هذه اللعبة في هذه الحالة. لكنني اكتشفت أن هذا الأمر لم يحدث من قبل. وبالتالي، يبدو أن هناك تباطؤاً من جانب المسؤولين، الذين ضغطوا على دون (ابنة جيف)، وعلى المسعفين من أجل عدم الكشف عن مزيد من الأدلة التي تثبت العلاقة بين تسديد الكرة بالرأس والخرف. وبالتالي، يبدو من غير العدل أن المسؤولين عن كرة القدم لم يقدموا لنا أي دليل ملموس على أنه لا يمكن لعب كرة القدم دون تسديد الكرة بالرأس.

ومن المؤكد أن الوقت قد حان لكي نطلب مثل هذا الدليل. وربما يؤدي منع تسديد الكرة بالرأس (حسب ما نعرفه) إلى تطوير وتحسين كرة القدم للأفضل. ومن البديهي أن إبقاء الكرة على أرض الملعب، وليس لعبها لأعلى في الهواء، هو الذي يزيد اللعبة متعة وجمالاً. وكما قال المدير الفني الأسطوري بريان كلوف: «لو أراد الله أن نلعب كرة القدم في السحاب، لوضع العشب هناك».

قد لا يبدو الأمر كذلك، لكنني أتعامل مع هذا الموضوع بشكل متفتح للغاية، ويمكنني أن أرى التحديات الكثيرة التي تواجه الحكام. إن الجدل الذي يُثار حول لمسات اليد المقصودة وغير المقصودة قد يكون مملاً بدرجة كافية؛ وبالتالي قد يكون من الصعب فتح مجال آخر مثير للجدل فيما يتعلق بمنع ضربات الرأس. وأيضاً، ما الذي يمكن أن يفعله المدافع إذا وصلت إليه الكرة على مستوى رأسه في ضربة حرة مباشرة؟ هل يتركها تمر منه لتدخل شباك فريقه؟ إذا لم يكن من المنطقي القيام بذلك، فيتعين علينا أن نجرب الأمر على الطبيعة حتى ندرك جميعاً صعوبة هذا الأمر. لكن لا يمكننا التأكيد على أنه لا يمكن ممارسة كرة القدم دون ضربات الرأس قبل أن نجرب ذلك!

وبالنسبة للعبة الرغبي، والأخبار التي تفيد بأن ستيف طومسون، أحد أعضاء الفريق الإنجليزي الفائز بكأس العالم عام 2003 قد أصيب بالخرف المبكر، وانضم إلى قائمة اللاعبين السابقين الذين قد يتخذون إجراء قانونياً ضد هذه الرياضة، فلا يمكنني إلا أن أقول إنه خلال الأسبوع الماضي، وقبل الكشف عن هذه المعلومات، التقيت سونيا ماكلوغلان، زميلة «بي بي سي سبورت»، عن طريق الصدفة، وكانت تشعر بصدمة كبيرة. لقد قالت ماكلوغلان في نشرتها الأسبوعية إن زميل طومسون في الفريق الفائز بكأس العالم للرغبي، مات داوسون، قد أخبرها للتو بأنه لا يريد أن يلعب أبناؤه لعبة الرغبي على مستوى المحترفين.

وقال داوسون: «أعتقد أن هناك العديد من الرياضات الرائعة الأخرى التي يجب ممارستها والتي لا تعرض الجسم والعقل للخطر». إنه لأمر مخزٍ أن يحدث ذلك في لعبة الرغبي، ومن الممكن أن تسير الأمور بالطريقة ذاتها في كرة القدم أيضاً.

وعملاً على إيجاد حل مؤقت، صوتت أندية الدوري الإنجليزي الممتاز على إدخال تبديلين إضافيين لكل مباراة ولكل فريق في حالة إصابة لاعب بارتجاج في الدماغ اعتباراً من يناير (كانون الثاني) المقبل.

وفي حال أجرى أحد الفريقين تبديلاً بسبب الارتجاج، فسيكون لخصمه أيضاً الحق في إجراء تبديل إضافي في الوقت نفسه، بصرف النظر عن عدد اللاعبين الذين سبق أن تم تبديلهم.

وفي الحالة القصوى، يمكن الوصول إلى ما مجموعه سبعة تبديلات في كل مباراة لكل فريق.

وقال مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم (إيفاب) الضامن لقوانين اللعبة، إنه يريد اختبار تبديلات إضافية في المباريات اعتباراً من يناير 2021، في حال الاشتباه بإصابة بارتجاج في الدماغ. وتم تفضيل نظام التبديل الدائم على التبديل المؤقت، وذلك لحماية اللاعب من صدمة ثانية وتجنب الضغط للعودة إلى المباراة وإعطائه مزيداً من الوقت لتقييم حالته الصحية.

وسيطلب الدوري الإنجليزي الإذن من «إيفاب» للمشاركة في هذه التجربة التي يمكن أن تبدأ في يناير 2021.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة