مذيعات لبنان يغازلن هواء الفضائيات الخاصة في مصر

وجوه بارزة انتقلت إلى القاهرة ونالت إعجاب المشاهدين

المذيعة بالتليفزيون المصري فاتن عبد المعبود  -  ليليان داود المذيعة في قناة «أون تي في»
المذيعة بالتليفزيون المصري فاتن عبد المعبود - ليليان داود المذيعة في قناة «أون تي في»
TT

مذيعات لبنان يغازلن هواء الفضائيات الخاصة في مصر

المذيعة بالتليفزيون المصري فاتن عبد المعبود  -  ليليان داود المذيعة في قناة «أون تي في»
المذيعة بالتليفزيون المصري فاتن عبد المعبود - ليليان داود المذيعة في قناة «أون تي في»

فيما اعتبره خبراء إعلام مغازلة لهواء الفضائيات الخاصة في مصر، غزت مذيعات لبنانيات بشكل لافت للنظر بعض القنوات الخاصة، واستطعن ببرامجهن أن يخطفن عين المشاهد المصري، ويحققن نجاحات جماهيرية واسعة في وقت قصير. وقال الخبير الإعلامي الدكتور فاروق أبو زيد، إن «وجود اللبنانيات يقوي الإعلام في مصر»، وأكد مصدر مسؤول بإحدى الفضائيات الخاصة: «نبحث دائما عن الجديد.. واللبنانية أكثر مهارة من المصرية في تسويق نفسها».
لكن مع تزايد إقبال بعض الفضائيات المصرية على التعاقد مع لبنانيات على حساب المذيعات المصريات، سادت حالة من القلق والخوف بين المصريات، من إنهاء عقودهن وإلغاء برامجهن. وأكدت مذيعات مصريات تحدثن لـ«الشرق الأوسط» أن «تقليد اللبنانية.. قد يكون المخرج لاستمرار برامجنا في القنوات.. أو إنهاء عقودنا، وأن تعاقد القنوات مع اللبنانيات، من باب تغيير شكل القناة المتعارف عليه فقط».
وتسابقت قنوات خاصة في مصر، لفتح شاشاتها لمذيعات لبنانيات ببرامج تتحدث عن المجتمع المصري وعن أزماته، في ظل إنهاء عقود العديد من المصريات العاملات بهذه القنوات، بعد توقف برامجهن.
ويقول مصدر مسؤول في إحدى القنوات الفضائية المصرية، إن «القناة الفضائية مشروع تجاري من الأساس، والاستعانة باللبنانيات نظرا لأن ما يحصلن عليه من المقابل المادي بسيط مقارنة بغيرهن، كما أن شروطهن قليلة جدا بالإضافة إلى تميزهن بالقبول الجماهيري»، مضيفا لـ«الشرق الأوسط»، أن «اللبنانيات يتميزن بالثقافة المتنوعة، هذا فضلا عن كونهن متوافرات في أي وقت وأي مكان، أما المصريات فالوقت يعد مشكلة كبيرة بالنسبة لهن، لأنهن يلتزمن بمواعيد حضور وانصراف».
من جانبها، قالت فاتن عبد المعبود، وهي مذيعة بالتلفزيون المصري (ماسبيرو)، إن «وجود اللبنانيات على شاشات القنوات الفضائية ليس فيه مشكلة؛ لكن المشكلة في تقليد المصريات لهن في اللبس والأداء»، لافتة إلى أن «طريقة لبس المذيعات اللبنانيات لا تتناسب مع الشكل المتعارف الذي تعود عليه المشاهد المصري»، مضيفة: «وجودهن ليس خطرا؛ إلا إذا كان هذا الوجود سوف يدعو أصحاب القنوات لتحويل الأمر إلى تجارة».
لكن عبد المعبود تخوفت من أن «يكون شكل لبس المذيعات اللبنانيات.. هو معيار العمل في القنوات الفضائية مستقبلا، وأن تتحول المصريات إلى الشكل اللبناني من أجل الاستمرار».
ومنذ أن دخل التلفزيون مصر في مطلع ستينات القرن الماضي، ظلت المذيعة المصرية متمسكة بالصورة التقليدية الصارمة من حيث الملابس والابتسامة والمظهر العام.. وأي خروج عن ذلك، يعني الاستبعاد من الشاشة الصغيرة.
وأكدت فاتن عبد المعبود أن «معظم البيوت المصرية قد لا تقبل هذا الشكل اللبناني، الذي لم تتعود عليه من مذيعات مصر.. فتقليد المذيعات اللبنانيات من قبل المصريات قد يصلح في برامج المنوعات والبرامج الخفيفة؛ لكن لا يمكن أن يحدث في نشرة الأخبار مثلا.. وهو الخطأ الذي وقعت فيه مذيعات مصر».
وعن كون المذيعات اللبنانيات يتعاقدن بمبالغ مالية أقل من المصريات، قالت عبد المعبود لـ«الشرق الأوسط»: «التعاقد المالي ليس هو المشكلة؛ لكن بعض أصحاب القنوات يريدون التجريب ومذيعات لبنان وجوه جديدة، يمكن أن يغيرن شكل القناة المتعارف عليه»، مضيفة أن «مذيعات لبنان لسن موجودات في القاهرة، ومعظمهن يسجلن لقنوات أخرى، وبالتالي قد لا يكون هناك انتماء للقناة المصرية عكس المذيعات المصريات».
ويرى خبراء إعلام مصريون أنه «في السنوات الأربع الأخيرة، بدأت بعض القنوات الخاصة، تطمح إلى إدخال عنصر لبناني إلى قنواتها، وتعد مجموعة قنوات (الحياة)، أكثر القنوات الجاذبة للبنانيات».
فقناة «الحياة» استعانت بالمذيعة رزان مغربي لتقدم من قبل برنامج «لعبة الحياة»، ويذاع لها الآن برنامج «هو وهي» مع الفنان أحمد فهمي، كما استعانت «الحياة»، برولا سعد من قبل لتقدم برنامج «الحياة حلوة» ثم برنامج «رولا شو»، كما استعانت قناة «النهار» من قبل بمايا دياب، لتقديم برامج مسابقات.
وتستحوذ اللبنانية رغدة شلهوب على نسبة مشاهدة كبيرة لبرنامجها «كلام في سرك» الذي يعرض على قناة «الحياة»، كما تتفوق المذيعة ليليان داود في برنامج «الصورة الكاملة» على فضائية «أون تي في»، بحسب أسر مصرية.
وتقول ريم أحمد، وهي مذيعة في قناة طيبة (جنوب مصر)، إنه «لا تزال تجارب اللبنانيات في مصر في التقديم باهتة؛ رغم تصريحاتهن عن النجاح وكثرة الطلب عليهن في الفضائيات». مضيفة لـ«الشرق الأوسط»، أن «وجود اللبنانيات في الفضائيات المصرية ليس بجديد؛ لكن مع ظهور وجوه مصرية شابة متميزة من مقدمات البرامج.. يجعل هناك تساؤلا: لماذا تتم الاستعانة باللبنانيات الآن؟».
وأكدت أن «هناك قلقا بين المذيعات المصريات، بعد أن استغنت العديد من القنوات الخاصة عنهن، وألغت برامجهن من أجل التعاقد مع وجوه لبنانية جديدة».
بدوره علق الدكتور فاروق أبو زيد العميد الأسبق لكلية الإعلام جامعة القاهرة، قائلا: «أنا أنطلق من فكرة طالما أن الفضائيات تبث لجمهور خارج حدود الوطن، فيحق لأي مذيع أيا كانت جنسيته أن يعمل في أي قناة من القنوات»، مضيفا: «لا يؤثر معي أي مذيعة.. المهم تكون ناجحة وقادرة على توصيل الأفكار»، رافضا منع أي مذيعة من العمل في قنوات ليست تابعة لبلدها بسبب جنسيتها، موضحا أن «مصر لم تفكر يوما بطريقة عنصرية، وتعتبر جزءا من ريادتها أنها تفتح أبوابها لكل المبدعين العرب.. ونحن لا نفكر هذا مصري أم سعودي.. فالقاهرة مفتوحة أمام الجميع».
وأضاف أبو زيد، وهو عميد كلية الإعلام بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، لـ«الشرق الأوسط»، أنه «إذا كان هناك بعض العاملات في الإعلام يرددن أن المذيعات اللبنانيات سوف يسحبن البساط من تحت أقدامهن نتيجة المنافسة، فهذا كلام لا يدل إلا على لغة المصالح.. فليست هناك أي مشكلة، فعدد اللبنانيات العاملات في مصر من 20 إلى 30 مذيعة.. والجمهور أصلا بطبيعته عربي وقومي والتجربة المصرية مفتوحة».
وقال الخبير الإعلامي أبو زيد إن «وجود اللبنانيات في الفضائيات المصرية له أثر إيجابي ونحن أحوج أن نتضامن كشعوب عربية، فلبنان تمر بأزمة أمنية والعراق وسوريا وليبيا.. ومصر أصبحت أكثر استقرارا.. إن لم يجئن لمصر فأين يذهبن».
وعن تأثر المصريات بشكل اللبنانيات، أكد أبو زيد أنها «فرصة ليتأثرا بعضهما ببعض، فالتأثير المتبادل يعطي منافسة أقوى، والمنافسة مطلوبة بين الجميع في إطار الثقافة والإعلام»، لافتا إلى أن عمل المذيعات أو المذيعين اللبنانيين في القاهرة يقوي الإعلام في مصر، ضاربا مثلا بالمذيع توني خليفة، قائلا أحيا «القاهرة والناس»، وليليان «تقدم عملا متميزا على (أون تي في)».
في ذات السياق، أكد المصدر المسؤول في إحدى القنوات الفضائية الخاصة، أن «اللبنانيات يتميزن بمميزات الشكل والأسلوب وطريقة العرض.. وعلى المشاهد أن يقارن بين ما تقوم به المذيعات اللبنانيات بالمصريات».
وقال المصدر، الذي فضل عدم تعريفه لحساسية موقعه في إحدى القنوات، لـ«الشرق الأوسط»، إن «خبرة اللبنانيات أكسبتهن القدرة على إقناع المشاهد، مستغلين في ذلك قدرتهن على الإبهار وتمتعهن بالمظهر الحسن»، لافتا إلى أن «أصحاب القنوات الخاصة يبحثون دائما عن كل جديد وجميل.. والجمال لم يعد جمال الشكل فقط؛ بل الصوت»، مؤكدا أنه «صحيح أن المذيعة المصرية تتميز بخفة الدم؛ لكنها تعجز عن التسويق لنفسها.. أما اللبنانيات فبطبيعتهن ماهرات في التسويق لأنفسهن بأشكال مختلفة».



استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
TT

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية، دون تسجيل إصابات.

وأوضح مراسل القناة، أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي بعد سقوط القذيفة المدفعية بجانبه وما ألحقته من تناثر الشظايا في المكان، إضافة لنجاة بقية الإعلاميين الذين كانوا موجودين في المنطقة المستهدفة.

وأضاف المراسل أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف هاون بين قرية الصمدانية الغربية وسدّ المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، دون ورود معلومات عن إصابات إضافية.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عند أطراف مدخل قرية الصمدانية الشرقية، ضمن سلسلة انتهاكات مستمرة جنوب البلاد. وأقامت القوات وفق ما أفاد مراسل «الإخبارية» حاجزاً عند مفرق الصمدانية - العجرف مؤلفاً من ثلاث آليات عسكرية.

وتستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، وتنفذ اعتداءات بحق المدنيين واعتقالات وتخريب.

الباحث السوري نوار شعبان، وصف ما جرى في القنيطرة بأنه لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل يمثل تطوراً خطيراً، لأنه لا يتعلق فقط باعتداء عسكري، بل باستهداف مباشر لعمل إعلامي وصحافي.

وأضاف في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإعلاميين كانوا يقومون بعملهم الطبيعي في نقل ما يجري على الأرض، وهو عمل يفترض أن يكون محمياً وفق القوانين الدولية التي تحمي الصحافيين أثناء النزاعات. مشدداً على أن استهدافهم بهذا الشكل يفتح سؤالاً كبيراً حول سلامة العمل الإعلامي في الجنوب السوري، خاصة في ظل تكرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة خلال الفترة الأخيرة.

صورة للقصف الإسرائيلي على موقع تجمع الصحافيين السوريين في القنيطرة (متداولة)

وطالب شعيب وزارة الخارجية السورية بإصدار بيان رسمي واضح يدين هذا الاعتداء ويستنكره، ويضعه في إطاره الصحيح كونه استهدافاً لحرية العمل الإعلامي وسيادة الأراضي السورية، معتبراً أن ترك مثل هذه الحوادث دون موقف رسمي يعني تحويلها إلى أمر اعتيادي.

عناصر من قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا الصاروخ في قرية الحيران بريف القنيطرة (سانا)

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، على الطريق الواصل بين قرية نبع الفوار في ريف القنيطرة الشمالي، وقرية حرفا في ريف دمشق الغربي.

وذكر مراسل «سانا» في القنيطرة، أن قوة للاحتلال مؤلفة من عدة آليات عسكرية توغلت على الطريق الواصل بين القريتين، ونصبت حاجزاً مؤقتاً في المنطقة، وعمدت إلى تفتيش المارة، دون ورود أنباء عن أي حالات اعتقال.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخرقه اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر التوغلات المتكررة في جنوب سوريا، والاعتداء على المواطنين بالمداهمات والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية.


خطة أوروبية شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية

فون در لاين (تاس)
فون در لاين (تاس)
TT

خطة أوروبية شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية

فون در لاين (تاس)
فون در لاين (تاس)

تنعم وسائل الإعلام في بلدان الاتحاد الأوروبي منذ سنوات بدرجة عالية من الحرية والاستقلالية. وتنشط في أجواء تكاد تكون مثالية لممارسة مهنة الصحافة، التي تحميها «ترسانة» من التشريعات والقوانين المخصّصة للدفاع عن حرية الرأي والتعبير، والحفاظ على حقوق الصحافيين، وسرّية المصادر التي يستقون منها معلوماتهم.

ولكن خلال السنوات الأخيرة، أصبح الإعلام الأوروبي أحد الأهداف المركزية لما يسمّى «الحرب الهجينة» التي تشنّها الأطراف الخارجية التي تسعى لتقويض «المشروع الأوروبي»، أو إبعاده عن مساره التأسيسي، أو التأثير في مجرى أحداثه السياسية والاجتماعية، خدمة لتوجّه جيوسياسي معيّن. وفي هذا السبيل، باتت تستعين - بشكل أساسي لتحقيق أهدافها - بالفرص اللامحدودة التي تتيحها التكنولوجيا الرقمية، وما طرأ عليها من تطوّرات هائلة توّجها أخيراً الذكاء الاصطناعي، الذي بدأ يُحدِث ثورة عميقة في النشاط الصحافي، وطرائق عمل وسائل التواصل الاجتماعي والمنصّات الرقمية.

تدخلات واختراقات... روسية وأميركية

وحقاً، تفيد دراسات عدة، وضعتها أجهزة «الاتحاد الأوروبي» ومؤسّسات خاصة في الدول الأعضاء، بأن معظم البلدان الأوروبية تتعرّض منذ سنوات لاختراقات ممنهجة وموجهة عن طريق وسائل التواصل والمنصات الرقمية والمواقع الشبكية الوهمية. وتهدف هذه الاختراقات إلى نشر معلومات كاذبة وأخبار مزيّفة للتلاعب بنتائج الانتخابات، أو التحريض على اضطرابات، وأحياناً لزعزعة الأمن والاستقرار في الاتحاد الأوروبي.

أيضاً، تشير هذه الدراسات إلى أن روسيا، بمؤسساتها الرسمية وأجهزتها الاستخباراتية، تقف وراء قسم كبير من هذه التدخلات والاختراقات. وأيضاً تنشط منظمات وهيئات أميركية خاصة، تدور في فلك «المحافظين الجدد»، عن طريق التمويل المموّه لمؤسسات إعلامية ومنصّات رقمية، تملكها كلياً أو جزئياً.

ويستفاد من دراسةٍ وضعها «المركز الأوروبي لخدمات وسائل الإعلام» التابع لمفوضية «الاتحاد» أن التطورات الاجتماعية والسياسية المتسارعة التي تشهدها البلدان الأعضاء، وخاصة بعد الحرب الدائرة في أوكرانيا منذ 4 سنوات، والحرب في غزة، أحدثت تغييراً ملحوظاً في نمط استهلاك المعلومات عبر وسائل الإعلام التقليدية والرقمية على السواء. وكذلك، فإن «ظاهرة ترمب» باتت تلعب دوراً كبيراً في هذا التغيير، نظراً للحضور الإعلامي الطاغي للرئيس الأميركي دونالد ترمب على المنصات الرقمية، وتصريحاته اليومية المثيرة للجدل حول مسائل أمنية وسياسية واقتصادية على جانب كبير من الأهمية.

فيرهيين (آ ف ب)

صعود التطرف

ومع تفاقم المخاطر الناجمة عن التدخلات التي يتعرّض لها المشهد الإعلامي الأوروبي، مثل صعود الأحزاب والقوى اليمينية المتطرفة، ووقوف التيّار الذي يقوده الرئيس ترمب خصماً لـ«الاتحاد الأوروبي»، شرع «الاتحاد» في وضع خطة شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية في وجه التدخلات، وتعزيز شفافية مصادر تمويلها، وضمان صدقية المعلومات والأخبار التي تنشرها.

وبعد سلسلة من المشاورات المكثفة مع الدول الأعضاء، ومناقشات مديدة في البرلمان الأوروبي، دخلت الخطة حيّز التنفيذ مطلع العام الحالي، تحت إشراف النائب الأول لرئيسة البرلمان الأوروبي الألمانية سابين فيرهيين، المكلفة مراقبة تطبيق «القانون الأوروبي لضمان حرية وسائل الإعلام».

في أول تعليقات لها حول النقاش الذي دار في البرلمان الأوروبي حول القانون، قالت فيرهيين إنها شعرت بخيبة كبيرة لدى سماعها الحجج التي ساقتها بعض القوى السياسية، متجاهلة المخاطر المُحدقة التي تتعرّض لها المنظومة الإعلامية الأوروبية منذ سنوات، والوسائل التي يستخدمها خصوم المشروع الأوروبي من أجل الانقضاض عليه وتقويضه عبر المنصات الرقمية التي أصبحت المنافس الرئيسي لوسائل الإعلام على المداخيل الإعلانية. وانتقدت تعتيم هذه المنصات على بعض الأخبار التي لا تصبّ في مصلحة القوى والتيارات السياسية التي تقف وراءها.

من ناحية أخرى، قالت رئيسة المفوضية أورسولا فون در لاين، خلال تقديمها مشروع القانون أمام البرلمان الأوروبي: «الهدف من هذا القانون، الذي يُعدّ التشريع الأول من نوعه في الاتحاد الأوروبي، هو الدفاع عن مهنة الصحافة وتعددية الوسائل الإعلامية، وتمكين المواطنين الأوروبيين من اتخاذ قراراتهم على بيّنة موضوعية من الوقائع والأحداث وأوضاع النظم الديمقراطية التي يعيشون في كنفها».

ما يذكر أن من المستجدات التشريعية التي يتضمنها هذا القانون الذي يسري على جميع الدول الأعضاء في الاتحاد:

- تعزيز التدابير الرامية إلى حماية وسائل الإعلام من التدخل الخارجي.

- إلزامها الشفافية الكاملة حول ملكيتها الفعلية ومداخيلها الناجمة عن الإعلانات الرسمية.

- فرض رقابة صارمة على المنصّات الرقمية الكبرى في تعاطيها مع المواد التي تنتجها المؤسسات الإعلامية.

- حماية مهنة الصحافة من التهديدات الخارجية التي تؤثر على استقلاليتها.

- متابعة أداء الوسائل الرسمية في تغطيتها لأنشطة السلطة السياسية.

- حظر التجسس على الصحافيين أو أفراد عائلاتهم، وحماية مصادرهم.

بعض الدول الأعضاء في «الاتحاد الأوروبي»، في طليعتها المجر وتشيكيا، مدعومة من الأحزاب اليمينية المتطرفة في إيطاليا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا، أبدت اعتراضاً شديداً على عدد كبير من أحكام هذا القانون، وحاولت عرقلة إقراره في البرلمان. ومعروف عن هذه القوى أنها تقود حملة ممنهجة على ما تسميه «الصحافة التقليدية»، المكتوبة والمرئية، وتتّهمها بالكذب والتحيّز، وتدافع عن المنصات الرقمية التي تعتبرها مصدر الأخبار الموثوقة والموضوعية.

ومن جهة أخرى، يقول كارلوس آغيلار، رئيس اللجنة الأوروبية للخدمات الإعلامية، إن «المفترض بهذا القانون أن يكون خشبة الخلاص لوسائل الإعلام، التي ما زالت تجهد لتقديم مواد إخبارية وتحقيقات موثوقة، والتي تواجه صعوبات مالية تهدد استمراريتها بعد التراجع المطّرد في مداخيلها الإعلانية لحساب منصات التواصل الرقمية». ويلاحظ أن المناظرات السياسية والمناقشات الفكرية، التي كانت سمة رئيسية في مضامين وسائل الإعلام الأوروبية، تتراجع باستمرار أمام الإقبال الكبير على المنصّات الرقمية التي تروّج للآراء والمعلومات المجهّزة بعناية، من غير إتاحة المجال للنقاش أو الجدال.

خطر إدمان المحتويات

وينبّه آغيلار إلى أن الخطورة الأساسية للمنصات الرقمية تكمن في الإدمان على محتوياتها، التي تولدها خوارزميات متطورة جداً، وأنه من المستحيل في الوقت الراهن التصدي لها بسبب جهل هذه الخوارزميات أو تعذّر الحصول عليها، وهذا أمر يشكّل أحد محاور الجدل الكبرى بين بلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التي تضغط على الأوروبيين، بفرض مزيد من الرسوم الجمركية والتهديد بعواقب أخرى، لمنعهم من إخضاع المنصات الرقمية الكبرى لضوابط الاتحاد وقواعده التجارية والأخلاقية.

في المقابل، أشدّ المدافعين عن هذا القانون الأوروبي الجديد كانت مجموعة دول الشمال، أي السويد وفنلندا والدنمارك، التي حذّرت من التأثير المتعاظم للمنصّات الرقمية في تشكيل الرأي العام الاجتماعي والسياسي، وفي نتائج الانتخابات التي تتراجع نسبة المشاركين فيها على امتداد بلدان «الاتحاد».

ويلاحظ بيتر يورغنسن، عضو البرلمان الأوروبي عن الحزب الديمقراطي السويدي، أن دونالد ترمب فاز بولايته الرئاسية الثانية بعد حملة انتخابية لم يحصل خلالها سوى على تغطية إيجابية من وسائل الإعلام التقليدية، لم تتجاوز 5 في المائة، فيما لم يكن يكفّ عن مهاجمة تلك الوسائل والصحافيين الذين يعملون فيها، ويصفهم بالكذبة والخونة وأعداء الوطن.

أيضاً، من أهم المستجدات في هذا القانون «سجلّ الشفافية» الذي يُلزم جميع وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية، والمنصّات والمواقع الرقمية، بالكشف عن هوية مالكيها ومداخيلها من الإعلانات الرسمية والخاصة. ويلحظ عقوبات مالية وتشغيلية في حق تلك التي تتخلّف عن ذلك، أو تتلاعب بالمعلومات التي تقدمها.

ومن الأدوات التي يستحدثها القانون «تشات يوروب» (Chat Europe)، وهي منصة رقمية جديدة مخصّصة لعرض الأحداث الأوروبية وشرحها بواسطة مواد صحافية تقليدية، و«تشات بوت» (chatbot) مولّد بالذكاء الاصطناعي، وقادر على الإجابة عن الأسئلة والاستفسارات التي يطرحها عليه المستخدمون. وتغذّي هذه المنصة تحقيقات وتحليلات وأشرطة فيديو تنتجها وسائل الإعلام المنضوية في هذا المشروع الذي تتولى تنسيقه وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب)، ويهدف إلى مساعدة المواطنين في بلدان الاتحاد على متابعة أنشطة المؤسسات والأجهزة الأوروبية ومعرفة طرائق عملها، وكيف تؤثر قراراتها على حياتهم اليومية.


«يوتيوب» تعيد تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين

شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
TT

«يوتيوب» تعيد تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين

شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
شعار "يوتيوب" (د ب آيه)

أطلقت منصة «يوتيوب» أدوات جديدة تستهدف تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين، عن طريق تسهيل إبرام صفقات العلامات التجارية ودمج الطرفين في منصة واحدة، ما يسهل عملية اكتشاف فرص التعاون وبناء الروابط بين الطرفين.

وذكرت «يوتيوب» أن هذا المسار سيضمن حقوق الطرفين، ويعزز الوصول إلى المحتوى المناسب، وكذلك حماية المعلنين من التورط مع «محتوى مزيف أو عنيف» يضرّ بعلامتهم.

يذكر أن «يوتيوب» كانت قد أعلنت عبر بيان صحافي صادر عن الشركة المالكة - أي «غوغل» - بنهاية مارس (آذار) الحالي، عن تحديث شامل لبرنامج «شراكات منشئي المحتوى»، من خلال عرض فرص التعاون المحتملة على العلامات التجارية بناءً على مقاطع الفيديو ذات الصلة والمؤهلة التي ينشرها المنشئون، مؤسسات أو أفراد. وفي المقابل، يعمل «مركز شراكات المنشئين» على تجميع فرص المحتوى المدعوم كافة والمشاريع الجاري تنفيذها في منصة واحدة للمنشئ.

خبراء حاورتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن المنصة تتيح فرصاً جديدة أمام الناشرين، من خلال تسهيل التواصل مع المعلنين الباحثين عن محتوى موثوق وقيم، كما أنها توفر فرصة للناشرين كمصدر مستدام وواضح للربح.

وأفاد حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، قال إن «يوتيوب» بشكل عام، ومن قبل هذه الخطوة، تدعم المحتوى الطويل على حساب المحتوى السريع، وهي فرصة لصُناع المحتوى. وأضاف: «تعتمد سياسة يوتيوب الربحية على وقت المشاهدة، لكن فكرة (المحتوى الجاد) فهي موضوع نسبي، إذ لا يوجد لدى المنصة تعريف واضح. أما إذا تكلمنا عن المحتوى الإخباري، مثلاً، فـ(يوتيوب) تدعم بقوة المحتوى الذي يناقش الأخبار، أكثر من الأخبار ذاتها كونها آنية وتتغير مع الوقت، أي تميل إلى التحليلات والنقاشات المطولة نسبياً».

في سياق متصل، وفقاً لبيان «يوتيوب» فإن المنصة ستعتمد على أدوات الذكاء الاصطناعي في طرح توصيات البرنامج، «وهذه التوصيات ستقدم للعلامات التجارية مقترحات عن المحتوى المناسب لها، وفي الوقت نفسه تضمن مدى ملاءمة المحتوى للعلامة، بحيث لا تقع في فخ التزييف أو المحتوى العنيف الذي قد يضر باسم الجهة المعلنة».وهنا تعليقاً على مدى نجاح الذكاء الاصطناعي بالتمييز بين المحتوى الأصلي والمزيف، قال الشولي إن «الذكاء الاصطناعي يُمكن أن يلعب دوراً في تنقيح المحتوى الملائم للعلامات التجارية، لكن لا يمكن الاعتماد عليه بشكل كامل». وأوضح: «مثلاً يستطيع كشف المشاهد العنيفة وخطاب الكراهية والتزييف العميق إلى حد ما، لأنه الآن بات متاحاً من خلال أدوات الذكاء الاصطناعي ذاتها التي تنتج المحتوى مثل (جيميني) من (غوغل)... فهو يصمم المحتوى بالذكاء الاصطناعي وأيضا يكشف كل ما هو بالذكاء الاصطناعي».

غير أن الشولي حذَّر من أن «هناك محتوى من الصعب تصنيفه، حتى مع المراجعة اليدوية الذاتية. وهذه معضلة تواجهها (يوتيوب) منذ سنوات، لا سيما وأن بعض الفيديوهات قد تتماشى مع طرف، بينما تختلف مع طرف آخر... وعليه من الصعب إيجاد قاعدة واضحة لتصنيف مقاطع الفيديو تحت تسميات مثل (الإرهاب) أو (خدش الحياء)، وهو ما تحاول (يوتيوب) دوماً عدم البت فيه، لترك مجال لصُناع المحتوى من جهة، وخيار التحكم بالمحتوى من جهة أخرى».

من جهة أخرى، عدّ الشولي أن «يوتيوب» تعد من أفضل الفرص لصُناع المحتوى القيم مثل المؤسسات الصحافية، وتابع: «على مدار السنوات وتغير المنصات، أثبتت (يوتيوب) أنها المنافس الأول في عالم الفيديوهات، فهي لا تدخل فقّاعات الترند إلا بحذر، فمع تصاعد نجم (سناب شات) ومن ثم (إنستغرام) وأخيراً (تيك توك)، بقيت (يوتيوب) في الصدارة ومع الوقت والسنوات الأخيرة عاد الجمهور إلى (يوتيوب) بكثافة أكبر، وهذا دليل على أهمية المحتوى الأصيل. ثم أن طول الفيديو، بحسب محتواه، أثبت أنه من عوامل نجاح القصص، ولهذا اعتقد أن استهلاك المحتوى سيبقى متصاعداً في (يوتيوب) ومُلهماً لصُناع المحتوى الأصيل والطويل معاً حتى يتغير شكل صناعة المحتوى الرقمي كلياً وننتقل مستقبلاً إلى الفيديوهات تحت الطلب VOD».

«يوتيوب» أوضحت من جانبها أن «المنصة الجديدة ستتضمن تحسين مطابقة الصفقات والتواصل، حيث سيتمكن المنشؤون المشاركون في برنامج (شركاء يوتيوب) من تلقي اتصالات مباشرة من العلامات التجارية بشأن فرص الصفقات المحتملة. كذلك سيتمكن المنشؤون من مشاركة بيانات القناة والجمهور مع المعلنين والعلامات التجارية ومنصات الطرف الثالث».

وفي هذا الجانب، قال فادي رمزي، مستشار الإعلام الرقمي والمحاضر في الجامعة الأميركية بالقاهرة، إن «منصات التواصل الاجتماعي باتت تتبنى استراتيجيات جديدة تتجاوز مجرد ملاحقة الترند... وأن الاعتماد الكلي على المحتوى الرائج لم يعد نموذجاً ربحياً مستداماً في الوقت الراهن».

واستشهد رمزي بتقرير معهد «رويترز» للصحافة والإعلام الرقمي لعام 2026، الذي كشف عن تحولات جذرية في توجهات غرف الأخبار العالمية، إذ «أظهرت دراسة أن 82 في المائة من غرف الأخبار تعتزم زيادة استثماراتها وتركيزها على (الصحافة التوضيحية) التي تقدّم تحليلاً لما وراء الأحداث، بينما يخطط 72 في المائة منها لتعزيز الاهتمام بـ(القصص الإنسانية)».

ووفق رمزي فإن «تحديثات (يوتيوب) الأخيرة تأتي لتعزز مفهوم صناعة (المحتوى العميق) وربطه مباشرة بالمعلنين، مما سيخلق بيئة تدعم المحتوى المتخصص والأصيل، الذي لا يندثر بانتهاء الموجات الرائجة». وأشار إلى أن «المنظومة الإعلامية هذا العام تشهد تكاملاً بين صُناع المحتوى، والمنصات التقنية نحو إنتاج محتوى رصين يحقق القيمة المهنية والاستدامة الاقتصادية في آن واحد».