«وكشفت وجهها»... قراءة جديدة لسيرة حياة هدى شعراوي

حفيدتها تروي أسراراً منها في كتاب جديد بالإنجليزية

«وكشفت وجهها»... قراءة جديدة لسيرة حياة هدى شعراوي
TT

«وكشفت وجهها»... قراءة جديدة لسيرة حياة هدى شعراوي

«وكشفت وجهها»... قراءة جديدة لسيرة حياة هدى شعراوي

قراءة جديدة في حياة هدى شعراوي، يقدمها كتاب «وكشفت وجهها» الصادر حديثاً عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة، ويلقي الضوء على وقائع مهمة في مسيرة أول ناشطة نسائية بارزة في مصر والعالم العربي، ثارت على نظام «الحريم» وتمردت على غطاء الوجه، وقادت مظاهرات النساء في أثناء ثورة 1919 ضد الاحتلال الإنجليزي، واحتفى بها مؤشر البحث العالمي «غوغل» في ذكرى ميلادها في يونيو (حزيران) 2020.
الكتاب من تأليف حفيدتها سنية شعراوي، كتبته بالإنجليزية وصدر حديثاً عن المركز القومي للترجمة في القاهرة. وكانت شعراوي في أواخر أيامها قد أمْلت مذكراتها على سكرتيرها الخاص عبد الحميد فهمي، وبعد وفاتها في 1947 ظلت المذكرات حبيسة الأدراج أكثر من ثلاثة عقود إلى أن نشرتها «دار الهلال» بتقديم الكاتبة الصحافية أمينة السعيد في سبتمبر (أيلول) 1981.
ترجمت الكاتبة مارجو بدران أجزاء من هذه المذكرات إلى الإنجليزية ونشرتها بعنوان «سنوات الحريم» عام 1986 في نيويورك، ثم نشرت الجامعة الأميركية في القاهرة طبعة أخرى لها عام 1998. بعدها قامت الحفيدة سنية شعراوي باستئناف سردية جدتها، وأعادت تقديم المذكرات باللغة الإنجليزية بعنوان «إسقاط النقاب: حياة هدى شعراوي، نسوية مصر الأولى»، وهو العنوان الذي قامت المترجمة نشوى الأزهري بتحويره قليلاً في هذا الكتاب ليصبح «وكشفت وجهها».
الدكتور طارق النعمان الذي قام بمراجعة الكتاب، يصف العنوان الأخير بأنه «أكثر جاذبية وشعرية من العنوان الأصلي»، موضحاً أن الكاتبة المصرية التي تكتب بالإنجليزية مارجو بدران كانت تحاول إعادة إنتاج الصور النمطية السائدة عند المرأة العربية والشرقية في المخيلة الغربية بدايةً من العنوان «سنوات الحريم» الذي أقل ما يقال عنه إنه يوافق تخييلات الصورة النمطية المقترنة بالمرأة الشرقية، فهو عنوان يمتلك قوته التسويقية الذاتية والخاصة به في السوق الغربية، كما كانت انتقائية إلى حد بعيد في اختياراتها للأجزاء التي قامت بترجمتها من مذكرات شعراوي، حيث حذفت على سبيل المثال ما يتعلق بنقد شعراوي للغرب كما حذفت ما يشير إلى علاقتها الجيدة بأبيها وجدها لتوحي بأنها كانت ضحية مجتمع ذكوري!

ثورة ضد نظام الحريم
وُلدت هدى شعراوي في 3 يونيو 1879 لأب مصري اسمه محمد سلطان الشعراوي من المنيا يبلغ من العمر 55 عاماً، يحمل لقب باشا، كان شديد الثراء وذا أملاك شاسعة، ويتمتع بنفوذ سياسي قوي، أطلق عليه المصريون «ملك الصعيد»، ترأس مجلس النواب المصري الأول في عهد الخديو توفيق، ومنحته بريطانيا بعد الاحتلال عدة نياشين مقابل خدماته. وسُميت عند مولدها «نور الهدى سلطان»، أما إقبال، والدتها، فشركسية الأصل لعائلة من قبيلة الشتيسغ بالقوقاز، فكانت على مشارف العشرين عند مولد هدى.
تلقت هدى شعراوي تعليمها في المنزل، وتزوجت مبكراً على مشارف الثالثة عشرة من ابن عمتها «علي الشعراوي» وكان مهندساً معمارياً مرموقاً شارك في بناء الأوبرا، ويكبرها بما يقارب الأربعين عاماً، وغيّرت لقبها بعد الزواج من نور الهدى سلطان إلى هدى «شعراوي»، تقليداً للغرب، وكان أحد شروط عقد زواجها أن يطلّق زوجته الأولى، لكنه خدعها ولم يفعل. كان زوجها وصياً عليها بعد وفاة والدها، واجتهد بدأب على حماية مصالحها وكان وطنياً شجاعاً. ورغم صفاته الحميدة فقد حال فارق السن بينهما دون نجاح الزواج.
شعرت هدى منذ صغرها بالغضب من الكيفية التي تُمحى بها البنات في قفص الحريم كما لو كنّ أشباحاً، لا وجود مرئي لهن ولا صوت مسموع. كنّ خاضعات لقواعد صارمة من التحفظ والطاعة، وسعت من البداية إلى أن تتخذ نمط المرأة القوية نموذجاً لها. وكان أخوالها قد ذكروا لها أن المرأة في المجتمع الشركسي لا تعامَل فقط بوقار وإنما أيضاً بإجلال بل إنه يمكنها حتى محاكاة الرجل.
في عام 1901 كانت هدى في الثانية والعشرين وقد مر على انفصالها عن زوجها أكثر من سبع سنوات، حيث غدت شابة جميلة مكتملة النضج، تزوجت وأنجبت بنتاً سمّتها «بثينة» وابناً سمته «محمد». وكانت على دراية واسعة بالثقافة الشرقية والقضايا الأكاديمية الغربية، كما درست علوم القرآن والعلوم الدينية وقرأت كثيراً في التاريخ والأدب الفرنسي والعربي. وعلى الصعيد الثقافي تطورت في تعلم الموسيقى وأصبحت عازفة بيانو بارعة.
تروي حفيدتها أن جدتها كانت عازمة على أن تكون لها حياتها الخاصة بها، وكانت على صلة متميزة بالأميرة «عين الحياة أحمد» رغم فارق السن الكبير بينهما، وكانت الأميرة دائمة التشجيع لها وتعدها «مُصلحة اجتماعية راسخة القناعات» وصديقة شابة يمكن الاعتماد عليها. واقترحت هدى في 1908 تأسيس جمعية خيرية لإقامة عيادة تمولها وتشرف على إدارتها سيدات مصريات تحت رعاية الأميرة. وحصلت سريعاً على الدعم، وجرى الاجتماع الأول لمناقشة المشروع في قصر الأميرة بشارع الدواوين وتم اختيار لجنة تأسيسية برئاسة الأميرة «نازلي حليم» والأميرة «عين الحياة» كأمينة صندوق، وقامت الفرنسية «مدام بوكيه» بوضع خبرتها الإدارية والعملية في خدمة المجموعة وقدمت كل من السيدات اللائي حضرن الاجتماع إسهاماً مالياً سنوياً قدره 50 جنيهاً مصرياً، في حين وعدت الأميرة «أمينة» أرملة الخديو توفيق وأم الخديو عباس حلمي بمنح 120 جنيهاً، كما حظي المشروع بدعم الخديو عباس حلمي وقرينته.
فطنت هدى شعراوي مبكراً للخطاب الاستعماري الذي يمثله اللورد كرومر، المندوب السامي البريطاني وممثل سلطة الاحتلال، حين حاول استخدام الدين كورقة لتحقيق مآربه، فقد كان يناهض مطالبة المرأة الإنجليزية بحق التصويت بل كان عضواً مؤسِّساً وأحياناً أخرى رئيساً لرابطة الرجال المناهضين لحق تصويت النساء، وفي الوقت ذاته يُدين موقف الإسلام من المرأة، وهو ما تصدت له هدى شعراوي في العديد من خطبها النسائية.
ورفضت كذلك الدعوة المثارة حول تعديل ميراث المرأة، حيث تقول صراحةً: «وإن كان لا بد من إبداء رأيي في هذا الموضوع فأقول بصفتي الشخصية إني لست من الموافقين على رأي البعض فيما يتعلق بتعديل نصيب المرأة في الميراث ولا أظن أن النهضة النسوية في هذه البلاد لتأثرها بالحركة النسوية بأوروبا يجب أن تتبعها في كل مظهر من مظاهرها وذلك لأن لكل بلد تشريعه وتقاليده وليس كل ما يصلح في بعضها يصلح للبعض الآخر».
ويشير الكتاب إلى عشرات المواقف التي تجلّت فيها وطنية هدى شعراوي، من أبرزها مواجهة موقف زوجها الجديد بكل حسم وثبات ورفضها الإذعان أو الاستجابة لإرادته حين حاول أن يَحول بينها وبين «نداء الوطن»، وأن تشارك في المظاهرة التي نظّمتها هي وزميلاتها من النساء والفتيات في لجنة حزب «الوفد» المركزية للنساء ضد الإنجليز إبان ثورة 1919.
جاء تأسيس الاتحاد النسائي المصري في 1923 مَعلماً بارزاً في مسيرة هدى شعراوي وفي التاريخ المصري. كانت البداية حين جاءتها دعوة جديدة من منظمة «التحالف النسائي الدولي لتساوي الحقوق في التصويت» في فبراير (شباط) 1923 لحضور المؤتمر التاسع للمنظمة المنعقد في روما وكان من المقرر إقامته فيما بين 12 و19 مايو (أيار)، وعلى رأس جدول أعماله بحث مسألة انضمام الحركة المصرية. كتبت هدى إلى رئيس الوزراء محمد توفيق نسيم باشا، تطلب رسمياً التصريح بسفر وفد نسائي للمشاركة كممثلات لمصر، وكان رده أنه سوف يبارك الطلب فور أن يتم تأسيس منظمة. وفي 16 مارس (آذار) دعت هدى زميلاتها في لجنة «الوفد» المركزية للسيدات، ومبرة محمد علي، وجمعية المرأة الجديدة، إلى الاجتماع لتأسيس اللجنة الدائمة للمرأة المصرية إطاراً لإنشاء منظمة نسائية سوف تُعرف باسم «الاتحاد النسائي المصري». تم انتخاب هدى رئيسة، وشريفة رياض نائبة لها، وأعطى رئيس الوزراء الجديد يحيى إبراهيم باشا الذي تولى المنصب في 15 مارس تصريحه وموافقته على أن تذهب لروما بصحبة سيزا نبراوي ونبوية موسى اللتين تتميزان بطلاقة تعبير من بين زميلاتها، وكلتاهما غير متزوجة وبالتالي لم تكونا بحاجة لتصريح شخصي بالسفر.
شاركت في المؤتمر قرابة ألفي سيدة، وحضر بنيتو موسوليني رئيس وزراء إيطاليا آنذاك، الجلسة الافتتاحية، مع ثلاثة من الوزراء، وأجلست كاري تشايمان، رئيسة المؤتمر، هدى على يمينها فوق المنصة وقدمتها إلى الوفود الأخرى في كلمتها كرئيسة وقالت: «إنها تسعدها أيما سعادة أن ترحب بوافدة جديدة هي رئيسة وفد مصر، ذلك البلد المعروف بحضارته وتاريخه المجيد»، ولقيت الموفدات المصريات الثلاث ترحيباً حاراً، ووُجِّهت لهن أسئلة عن العَلم ذي الهلال والصليب الذي صممنه وشرحن رمزية الشكل التي تعبّر عن وحدة الأقباط والمسلمين. وفي الأربعينات حتى اللحظة الأخيرة في حياتها، يخرج نضال هدى شعراوي من الإطار المصري إلى الفضاء العربي؛ حيث قادت حملات مكثفة لدعم الأنشطة النسائية في الصحة والتعليم والاقتصاد بلبنان وسوريا وفلسطين والأردن. وفي عام 1942 يقلدها الملك فاروق وسام الكمال، أعلى القلادات المصرية، ثم تحصل على القلادة الذهبية الفخرية من الدرجة الأولى من الرئيس اللبناني بشارة الخوري، ووشاح الجدارة من الرئيس السوري شكري القوتلي.



«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص
TT

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

في مايو (أيار) من عام 1950، وفي مدينة سان فرانسيسكو، كبرى مدن الغرب الأميركي، أعلنت الأميرة أو «البرنسيسة» فتحية ابنة الملك فؤاد وصغرى شقيقات الملك فاروق زواجها من رياض غالي الذي لا يحمل إلا لقباً متواضعاً يمتلكه عامة الناس ويمنحه الناس بعضهم البعض على سبيل المجاملة وهو لقب «الأفندي».

كما أن الزوج فضلاً عن ذلك قبطي ينتمي إلى الكنيسة الأرثوذكسية، وكان طبيعياً أن يثير إعلان زواج أميرة مسلمة من شاب قبطي حملة صحافية شهرّت بالسلوك الاجتماعي للأسرة المالكة في مصر، وأن يفجر أزمة سياسية بدأت بأمر ملكي يقضي بتجريد «صاحبة السمو الملكي» الأميرة فتحية ووالدتها «صاحبة الجلالة» الملكة نازلي من ألقابهما الملكية لتصبحا فتحية هانم فؤاد ونازلي هانم صبري، وانتهت بالقضاء على النظام الملكي بعد ذلك بأعوام قليلة. تلك هى اللحظة الدرامية المتفجرة بالأسئلة والمشحونة بحقائق تشبه الخيال، التي يعيد كتابتها من كل أوجهها السياسية والاجتماعية والثقافية المؤرخ المصري الراحل صلاح عيسى في كتابه الشهير «البرنسيسة والأفندي»، الذي صدرت منه طبعةٌ جديدةٌ في جزأين عن «دار الكرمة» بالقاهرة.

يتميز الكتاب بجمال الطرح الأدبي وعمق تفكيك الحدث وبراعة قراءة دلالاته، لا سيما أنه بعده بسنوات عديدة أطلق الأفندي رياض غالي خمس رصاصات على رأس زوجته البرنسيسة فتحية ثم أطلق الرصاصة السادسة والأخيرة على رأسه. وذلك عقب مغادرة البرنسيسة الصغيرة جناحها المزين باللونين الأبيض والأخضر، اللذين كانا يتألف منهما العلم المصري آنذاك، في فندق «فيرمونت» بالولايات المتحدة لتظهر بعد قليل في مدخل البهو حتى تدافع الصحافيون ليحتشدوا حولها يطلبون في أصوات متداخلة تعليقها على البيان الرسمي الذي أذاعه الديوان الملكي في القاهرة بإحالة قضيتها إلى مجلس البلاط، فردت بصوت لم يخل من توتر خفيف: «إن كثيرات من صديقاتي الأميركيات لا يرين فيما فعلت شيئاً يدعو للعجب فلماذا كل هذه الضجة التي تثور في مصر؟».

ويعود السبب الرئيسي لإطلاق رياض النار على حبيبته وزوجته هو رغبتها القاطعة في الانفصال عنه نهائياً والعودة إلى مصر، وذلك بعد أن ساءت حالتهما المادية وأعلنا الإفلاس نتيجة خسارتها كل أموالها وأموال والدتها الملكة نازلي في مضاربات البورصة والاستثمارات الفاشلة. وظل رياض غالي بجانب الجثة لعدة ساعات، ثم وجه المسدس إلى رأسه، وأطلق النار محاولاً الانتحار، غير أن الرصاصة لم تقتله، بل أصابته بتهتك في خلايا المخ أدى إلى إصابته بالشلل التام والعمى لاحقاً حيث قضى نحبه داخل السجن.

فيما رأى البعض الأمر وكأنه عقاب على ما فعلته البرنسيسة حفيدة الخديو إسماعيل، التي تزوجت من شاب من أواسط الناس وليس بين أصول شجرة عائلته من حمل يوماً لقباً من ألقاب التشريف.

كان هذا «الأفندي» موظفاً حكومياً في الدرجة الخامسة بالكادر الفني العالي في وزارة الخارجية إلا أنه كان قد استقال من عمله قبل إتمام زواجه من «البرنسيسة» بشهور حين أصدرت الوزارة قراراً بنقله من وظيفته كسكرتير ثالث بالقنصلية المصرية بمرسيليا في محاولة لإبعاده عن الأميرة الصغيرة، فأصبح بذلك لا يستحق على الأكثر إلا لقب «أفندي سابق».

ولأن البرنسيسة الصغيرة الجميلة والأفندي القبطي كانا يسيران طيلة السنوات الأربع السابقة على ذلك التاريخ فوق خريطة القارتين الأميركية والأوروبية بصحبة الملكة الوالدة نازلي إلى أن استقرا أخيراً في سان فرانسيسكو، فإن الضجة العلنية التي ثارت في القاهرة كانت خاتمة شهور من المباحثات السرية بين العاصمة المصرية وعدد من المدن الأميركية عبر اتصالات شخصية وتليفونية وبرقية سريعة ومكثفة غاضبة ومهددة وراجية ومستعطفة على كل مستوى وعلى أعلى مستوى تحاول منع هذا الزواج.

ولكن البرنسيسة الصغيرة الرقيقة تمسكت بغرامها العنيف للأفندي، وأعلنت لكل الوسطاء تصميمها على الزواج، حتى بدا لهؤلاء الوسطاء أنها تقمصت دور البطولة في فيلم سينمائي أميركي من النوع الذي ينتهي عادة بزواج الفتاة الجميلة ابنة المليونير من فارس الأحلام الوسيم متواضع الأصل والثروة.

وكان لافتاً مساندة الملكة نازلي للأميرة، فدفعتها بذلك إلى العناد، وحين أشهرت القاهرة في وجه الملكة الأم سيف التهديد بتجريدها من لقبها الملكي قالت بحزم: «لن أكسر قلب ابنتي الصغيرة من أجل لقب تافه هو صاحبة الجلالة».

ويرى صلاح عيسى أن قصة زواج البرنسيسة فتحية من رياض أفندي غالي عام 1950 تعيد طرح الأسئلة ذاتها التي طرحتها الدعوى التي رفعها عام 1904 عبد الخالق السادات أمام محكمة مصر الشرعية العليا يطلب فيها التفرقة بين ابنته صفية السادات وبين زوجها الشيخ علي يوسف، أشهر الصحافيين العرب المسلمين في عصره، لعدم التكافؤ بينهما في النسب وفي المهنة. وقالت الدعوى إن الزوجة تنتمي إلى أسرة من الأشراف بينما الزوج فلاح بسيط بلا أصل معروف، والد الزوجة - لا الزوجة نفسها - يعمل بمهنة شريفة هي مشيخة السادة، بينما يعمل الشيخ علي يوسف في أخس المهن وأدناها، وهي مهنة الصحافة، بحسب ما قيل آنذاك.

وخلال نصف القرن الذي فصل بين القضيتين، شُغل المجتمع المصري بعشرات من القضايا كان موضوعها هو الزواج بين «أولاد وبنات الذوات» من ناحية وبين «أولاد وبنات الشعب» من ناحية أخرى، من أشهرها زواج السيدة صفية السادات نفسها بعد وفاة الشيخ علي يوسف من المطرب زكي عكاشة، وزواج الوجيه محمد بك شعراوي من المطربة فاطمة سرس، وزواج أكثر من أمير وأميرة من العائلة المالكة من أجنبيات وأجانب.

ويتوقف صلاح عيسى عند مفارقة صارخة على مستوى الوعي الثقافي في هذا السياق، حيث كانت الثورات القومية العربية تتقدم خلال تلك العقود وهي ترفع أعلام الحرية والإخاء والمساواة في حقوق المواطنة، وتحظر التفرقة بين المواطنين بسبب اللون أو الجنس أو الدين أو المعتقد، وتجعل صيانة الحريات العامة أو الشخصية أحد أهم حقوق المواطنة التي يكفلها الدستور كعقد اجتماعي بين المحكومين والحاكمين للجميع دون تمييز.

كما كانت الجماهير العربية تخرج في مظاهرات عارمة غضباً لانتهاك تلك الدساتير، وتستبسل دفاعاً عنها إلى درجة الاستشهاد أحياناً، كما أن كثيرين من الكتاب والمفكرين والزعماء السياسيين من منظري وقادة العصر الليبرالي العربي كانوا يتحمسون نظرياً للدفاع عن هذه المبادئ، إلا أن هذا النمط من الزيجات المختلطة بين أولاد الأصول و«من لا أصل لهم» كان ينفجر كالقنابل تحت أقدام الجميع فيخل باتزانهم ويكشف عن التناقض بين ما يذيعونه من آراء وما يتخذونه من مواقف عملية، فإذا بحشود الجماهير التي تفتح صدرها للرصاص ببسالة دفاعاً عن الدستور تندفع بالدرجة نفسها من البسالة للتظاهر دفاعاً عن نقاء الدم واحتجاجاً على تهجين البذور!


«فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي
TT

«فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي

صدر عن «مؤسسة الانتشار العربي» كتابُ «فلسفتي» للكاتب السعودي الزميل خالد الغنامي. جاء الكتاب في 360 صفحة، وهو عبارة عن مقالات كثيرة متوسطة الحجم، قُسّمت إلى أربعة أبواب: «الفلسفة والقلق والمعرفة» و«التصوف» و«الفن بوصفه تجربة ومعرفة» و«الأخلاق والحياة».

جاء في تقديم الكتاب:

لم تتشكل هذه الصفحات وفق خطة مسبقة، ولا انطلقت من تصور كتابي واضح. ما حدث أقرب إلى تراكم بطيء لأفكار متفرقة، ثم إلى لحظة شعرتُ فيها بأن هذا التراكم لم يعد محتملاً في صمته، وأنه يطلب شكلاً ما، لا لأنه نضج أو اكتمل، بل لأنه صار يضغط عليّ بوصفه تجربة فكرية عشتها أكثر مما كتبتها.

كثير مما يرد هنا لم يصدر عن رغبة في بناء موقف، ولا عن ثقة بامتلاك رؤية مميزة، بل عن احتكاك مباشر بما تطرحه الحياة من أسئلة صغيرة ومزعجة، وعن شعور متكرر بأن الإجابات الجاهزة، مهما بدت مطمئنة، تُغفل توترات أساسية، أو تؤجل التفكير فيها بدل مواجهتها. من هنا جاءت الكتابة بوصفها محاولة للفهم قبل أي شيء، ومحاولة للإصغاء للتجربة وهي تتشكل، لا لتقنينها أو إغلاقها.


تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص
TT

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

في روايته «السماء الثامنة»، يطرح الكاتب والروائي المصري محمد سلماوي الحب بوصفه آصرة لا يمكن عزلها عن التاريخ والذاكرة الجمعية، فيتداخل معهما ليطرح سؤالاً مركزياً حول إمكانية «النجاة» في عالم يتعرض فيه كل شيء للهدم والاقتلاع القسري.

صدرت الرواية أخيراً عن «دار الكرمة» للنشر بالقاهرة، وتبدأ من لحظة ذروة؛ من خبر منشور عن استشهاد الطبيب المصري «عمر المهدي» في أثناء قيامه بجراحة لطفل بالمستشفى المعمداني في «غزة»، وهي اللحظة التي تُصيب البطلة «إيمان» بصدمة عنيفة، لتفتح السرد على مسارين متوازيين؛ الأول يعود بها إلى سنوات الجامعة وبدايات علاقتها العاطفية بـ«عمر»، بينما يتتبع المسار الثاني حياتها المعاصرة بعد أن أصبحت زوجة لمهندس زراعي طموح، اختارته امتثالاً لضغوط أسرتها للابتعاد عن حبيب سنواتها الجامعية، وزواجها ممن «تنطبق عليه شروط عائلتها الميسورة»، ليصبح اقتلاع الحب من منابته الأولى أحد الاختبارات المبكرة التي ستترك أصداءها العميقة في حياة البطلين لاحقاً.

منذ تلك اللحظة المبكرة، لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم، واكتشاف لهوية دفنتها البطلة طويلاً تحت حياة أكثر امتثالاً واستقراراً ظاهرياً، قبل أن يُعيد استشهاد «عمر» استدعاء نبوءة «السماء الثامنة» التي أخبرها بها ذات يوم، تحت ظلال أشجار عتيقة، حين تبادلا الحديث عن الحب وسماواته السبع وهما في سنوات الجامعة، وهي السماء التي ستدرك إيمان معناها بعد أن صار الوصول إليها مستحيلاً.

دين قديم

يطل السرد على سنوات الجامعة، وتشكّل حب «إيمان» و«عمر» داخل فضاء مُشبّع برومانسية البدايات وجسارة الأحلام، وتبدو نزهات الحبيبين وثيقة الصلة بالأماكن التي يعبرانها معاً، كاشفةً عن وعيهما بامتدادها التاريخي؛ لا سيما في حديقة الحيوان، بأشجارها العتيقة الممتدة منذ عصر الخديو إسماعيل.

وعبر جولات تتقاطع فيها الثقافة بالفن والتاريخ، تظهر المدينة كذاكرة حيّة مُهددة، خاصة مع الإشارات المتكررة في الرواية إلى هدم الفيلات ذات الطُرز المعمارية التاريخية، وتحويل البيوت القديمة إلى أبراج سكنية، وكأن الرواية تضع مصير العلاقات الإنسانية ومصير المدينة داخل المسار نفسه؛ فكما يُنتزع العاشقان من حلمهما القديم، تُنتزع الأمكنة بدورها من ذاكرتها، لتتحول القاهرة تدريجياً من فضاء حميمي للتجوال والحب، إلى مدينة تفقد ملامحها القديمة تدريجياً.

يعتني السرد برسم شخصية «عمر» بوصفه نموذجاً متسقاً مع الحب والقضية معاً؛ فهو طالب كلية الطب الحالِم الذي يقود مظاهرات منذ كان طالباً ضد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين حتى يستشهد بعد سنوات وهو يمارس مهنته متطوعاً في غزة، يتحدث عن «السماوات السبع للعشق»، حيث تمثل المرتبة السابعة «الهُيام»، قبل أن يلمّح إلى معنى آخر للحب يتجاوز المشاعر الفردية: «لا تقتصر السماء الثامنة على المشاعر التي تجمع العاشقين، إنما تسمو بهما معاً إلى مرحلة التضحية في سبيل القضايا الكبرى».

إلا أن حلم «عمر» بالوصول مع حبيبته إلى «السماء الثامنة» لا يكاد يتجاوز عتبة الحلم، بعد أن تخضع «إيمان» لضغوط أسرتها وتبتعد عنه، لتتحوّل تلك السماء تدريجياً إلى ما يشبه النبوءة الروحية التي تظل الرواية تستدعيها باستمرار.

ولا تدرك «إيمان» المعنى الحقيقي لهذه النبوءة إلا متأخرة، عبر الفقد والذنب، حين يتحوّل خبر استشهاد «عمر» من مجرد صدمة عاطفية إلى لحظة تعيد فيها تقييم حياتها التي تكتشف زيفها، فتغدو رحلتها إلى «رفح» محاولة متأخرة لإنقاذ ما تبقّى من ذاتها القديمة، وسداد دين قديم تجاه رجل عجزت يوماً عن التمسك باختياره له: «اعذرني يا عمر، تأخرت في اتخاذ قراري ولكني اتخذته أخيراً، وهأنذا قد جئتك بكامل إرادتي».

رغم غلبة القضية الفلسطينية على عالم الرواية، فإن حضورها لا يأتي بوصفه مساراً منفصلاً عن الحياة الشخصية للأبطال، بل يتسلل تدريجياً داخل نسيجهم العاطفي والإنساني، بحيث تبدو التحوّلات السياسية جزءاً من تكوين الوعي نفسه، لا مجرد خلفية للأحداث، فمنذ الإحالة إلى الحرب الأخيرة على غزة، تفتح الرواية طبقات متعددة من الذاكرة السياسية المصرية، عبر استدعاء مظاهرات الطلبة ضد الاحتلال الإسرائيلي في زمن الرئيس السادات، وما ارتبط بها من لحظات استقطاب سياسي، في إشارة إلى التشققات التي أصابت المجال العام مبكراً، وإلى هشاشة فكرة التضامن نفسها تحت ضغط الانقسامات السياسية.

في هذا السياق، لا تظهر جماعات «الإسلام السياسي» في الرواية كعنصر منفصل عن المشهد، بل كقوة تتغلغل تدريجياً داخل النسيج الوطني، مستفيدة من مساحات سمحت بها الدولة ذاتها في لحظات معينة، قبل أن تتحوّل إلى بنية تعمل في الخفاء وتعيد تشكيل المجال الاجتماعي والسياسي من الداخل، غير أن الرواية لا تتوقف طويلاً عند التحليل المباشر، بقدر ما تترك هذه التحوّلات تنعكس على مصائر الشخصيات.

لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم

إحالات فنية

ومع انتقال السرد إلى غزة، يقترب النص من الجانب الأكثر قسوة في الحرب، خاصة عبر تفاصيل العمل داخل مستشفياتها، حيث يصبح الجسد الفلسطيني نفسه مساحة يومية للعنف والحصار، ليقترب السرد مع نهاية الرواية من المشهد الذي يضطر فيه «عمر» إلى إجراء عملية بتر لمصاب من دون استخدام «مُخدر»، بعدما منع الاحتلال الإسرائيلي دخول الإمدادات الطبية، هنا لا تكتفي الرواية بإدانة الحرب من بعيد، بل تقترب من أثرها المادي المباشر على الجسد الإنساني، كاشفة كيف يتحوّل الطب نفسه من فعل إنقاذ إلى مواجهة شبه مستحيلة مع الألم.

تمتلئ الرواية بإحالات فنية وأدبية بوصفها امتداداً شعورياً للشخصيات نفسها، فعندما تُزيّن «إيمان» شعر «عمر» بزهور البنفسج، يحيلنا السرد إلى صورة الإله «باخوس» في لوحة «كارافاجيو» الشهيرة، وحين تعثر البطلة لاحقاً بين أشيائها القديمة على الرواية الفرنسية «الأميرة دي كليف» تجد نفسها متقاطعة مصيرياً مع بطلتها؛ امرأة ممزقة بين حب حقيقي وحياة اختارتها تحت ضغط، قبل أن يفيض بها الذنب هي الأخرى، وتستدعي الرواية تحديداً قرار «الأميرة دي كليف» في نهايتها «باللجوء إلى الخدمة العامة للتكفير عن ذنبها»، وهو ما ينعكس بدوره على رحلة «إيمان» إلى رفح، بوصفها محاولة متأخرة للخلاص، أو لسداد دين عاطفي وأخلاقي قديم، ليصبح توظيف الفنون في الرواية أقرب إلى انعكاسات مرآوية شجية.

ولا تبدو هذه الإحالات الفنية والأدبية منفصلة عن التكوين النفسي للأبطال، بقدر ما تكشف عن الطريقة التي يرى بها «عمر» و«إيمان» العالم؛ فالحب عندهما لا يتشكل في فراغ، بل عبر الفن، والموسيقى، والكتب، والمدينة القديمة بكل طبقاتها الثقافية والرمزية لذلك تأتي استعادة اللوحات والروايات والأماكن التاريخية بوصفها محاولة لمقاومة القبح والعنف المحيطين بهما، وكأن الشخصيتين تحاولان الاحتماء بالجمال من عالم يتآكل تدريجياً تحت وطأة الحرب والهدم والخسارات المتتالية.

من ثم، في موازاة رثاء الحب، تبدو «السماء الثامنة» في أحد مستوياتها رثاءً لأبرياء الحرب، ومحاولة للتمسك بما تبقى من الحب والحقوق والذاكرة، في عالم يتآكل فيه البشر والمدن معاً.