«وكشفت وجهها»... قراءة جديدة لسيرة حياة هدى شعراوي

حفيدتها تروي أسراراً منها في كتاب جديد بالإنجليزية

«وكشفت وجهها»... قراءة جديدة لسيرة حياة هدى شعراوي
TT

«وكشفت وجهها»... قراءة جديدة لسيرة حياة هدى شعراوي

«وكشفت وجهها»... قراءة جديدة لسيرة حياة هدى شعراوي

قراءة جديدة في حياة هدى شعراوي، يقدمها كتاب «وكشفت وجهها» الصادر حديثاً عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة، ويلقي الضوء على وقائع مهمة في مسيرة أول ناشطة نسائية بارزة في مصر والعالم العربي، ثارت على نظام «الحريم» وتمردت على غطاء الوجه، وقادت مظاهرات النساء في أثناء ثورة 1919 ضد الاحتلال الإنجليزي، واحتفى بها مؤشر البحث العالمي «غوغل» في ذكرى ميلادها في يونيو (حزيران) 2020.
الكتاب من تأليف حفيدتها سنية شعراوي، كتبته بالإنجليزية وصدر حديثاً عن المركز القومي للترجمة في القاهرة. وكانت شعراوي في أواخر أيامها قد أمْلت مذكراتها على سكرتيرها الخاص عبد الحميد فهمي، وبعد وفاتها في 1947 ظلت المذكرات حبيسة الأدراج أكثر من ثلاثة عقود إلى أن نشرتها «دار الهلال» بتقديم الكاتبة الصحافية أمينة السعيد في سبتمبر (أيلول) 1981.
ترجمت الكاتبة مارجو بدران أجزاء من هذه المذكرات إلى الإنجليزية ونشرتها بعنوان «سنوات الحريم» عام 1986 في نيويورك، ثم نشرت الجامعة الأميركية في القاهرة طبعة أخرى لها عام 1998. بعدها قامت الحفيدة سنية شعراوي باستئناف سردية جدتها، وأعادت تقديم المذكرات باللغة الإنجليزية بعنوان «إسقاط النقاب: حياة هدى شعراوي، نسوية مصر الأولى»، وهو العنوان الذي قامت المترجمة نشوى الأزهري بتحويره قليلاً في هذا الكتاب ليصبح «وكشفت وجهها».
الدكتور طارق النعمان الذي قام بمراجعة الكتاب، يصف العنوان الأخير بأنه «أكثر جاذبية وشعرية من العنوان الأصلي»، موضحاً أن الكاتبة المصرية التي تكتب بالإنجليزية مارجو بدران كانت تحاول إعادة إنتاج الصور النمطية السائدة عند المرأة العربية والشرقية في المخيلة الغربية بدايةً من العنوان «سنوات الحريم» الذي أقل ما يقال عنه إنه يوافق تخييلات الصورة النمطية المقترنة بالمرأة الشرقية، فهو عنوان يمتلك قوته التسويقية الذاتية والخاصة به في السوق الغربية، كما كانت انتقائية إلى حد بعيد في اختياراتها للأجزاء التي قامت بترجمتها من مذكرات شعراوي، حيث حذفت على سبيل المثال ما يتعلق بنقد شعراوي للغرب كما حذفت ما يشير إلى علاقتها الجيدة بأبيها وجدها لتوحي بأنها كانت ضحية مجتمع ذكوري!

ثورة ضد نظام الحريم
وُلدت هدى شعراوي في 3 يونيو 1879 لأب مصري اسمه محمد سلطان الشعراوي من المنيا يبلغ من العمر 55 عاماً، يحمل لقب باشا، كان شديد الثراء وذا أملاك شاسعة، ويتمتع بنفوذ سياسي قوي، أطلق عليه المصريون «ملك الصعيد»، ترأس مجلس النواب المصري الأول في عهد الخديو توفيق، ومنحته بريطانيا بعد الاحتلال عدة نياشين مقابل خدماته. وسُميت عند مولدها «نور الهدى سلطان»، أما إقبال، والدتها، فشركسية الأصل لعائلة من قبيلة الشتيسغ بالقوقاز، فكانت على مشارف العشرين عند مولد هدى.
تلقت هدى شعراوي تعليمها في المنزل، وتزوجت مبكراً على مشارف الثالثة عشرة من ابن عمتها «علي الشعراوي» وكان مهندساً معمارياً مرموقاً شارك في بناء الأوبرا، ويكبرها بما يقارب الأربعين عاماً، وغيّرت لقبها بعد الزواج من نور الهدى سلطان إلى هدى «شعراوي»، تقليداً للغرب، وكان أحد شروط عقد زواجها أن يطلّق زوجته الأولى، لكنه خدعها ولم يفعل. كان زوجها وصياً عليها بعد وفاة والدها، واجتهد بدأب على حماية مصالحها وكان وطنياً شجاعاً. ورغم صفاته الحميدة فقد حال فارق السن بينهما دون نجاح الزواج.
شعرت هدى منذ صغرها بالغضب من الكيفية التي تُمحى بها البنات في قفص الحريم كما لو كنّ أشباحاً، لا وجود مرئي لهن ولا صوت مسموع. كنّ خاضعات لقواعد صارمة من التحفظ والطاعة، وسعت من البداية إلى أن تتخذ نمط المرأة القوية نموذجاً لها. وكان أخوالها قد ذكروا لها أن المرأة في المجتمع الشركسي لا تعامَل فقط بوقار وإنما أيضاً بإجلال بل إنه يمكنها حتى محاكاة الرجل.
في عام 1901 كانت هدى في الثانية والعشرين وقد مر على انفصالها عن زوجها أكثر من سبع سنوات، حيث غدت شابة جميلة مكتملة النضج، تزوجت وأنجبت بنتاً سمّتها «بثينة» وابناً سمته «محمد». وكانت على دراية واسعة بالثقافة الشرقية والقضايا الأكاديمية الغربية، كما درست علوم القرآن والعلوم الدينية وقرأت كثيراً في التاريخ والأدب الفرنسي والعربي. وعلى الصعيد الثقافي تطورت في تعلم الموسيقى وأصبحت عازفة بيانو بارعة.
تروي حفيدتها أن جدتها كانت عازمة على أن تكون لها حياتها الخاصة بها، وكانت على صلة متميزة بالأميرة «عين الحياة أحمد» رغم فارق السن الكبير بينهما، وكانت الأميرة دائمة التشجيع لها وتعدها «مُصلحة اجتماعية راسخة القناعات» وصديقة شابة يمكن الاعتماد عليها. واقترحت هدى في 1908 تأسيس جمعية خيرية لإقامة عيادة تمولها وتشرف على إدارتها سيدات مصريات تحت رعاية الأميرة. وحصلت سريعاً على الدعم، وجرى الاجتماع الأول لمناقشة المشروع في قصر الأميرة بشارع الدواوين وتم اختيار لجنة تأسيسية برئاسة الأميرة «نازلي حليم» والأميرة «عين الحياة» كأمينة صندوق، وقامت الفرنسية «مدام بوكيه» بوضع خبرتها الإدارية والعملية في خدمة المجموعة وقدمت كل من السيدات اللائي حضرن الاجتماع إسهاماً مالياً سنوياً قدره 50 جنيهاً مصرياً، في حين وعدت الأميرة «أمينة» أرملة الخديو توفيق وأم الخديو عباس حلمي بمنح 120 جنيهاً، كما حظي المشروع بدعم الخديو عباس حلمي وقرينته.
فطنت هدى شعراوي مبكراً للخطاب الاستعماري الذي يمثله اللورد كرومر، المندوب السامي البريطاني وممثل سلطة الاحتلال، حين حاول استخدام الدين كورقة لتحقيق مآربه، فقد كان يناهض مطالبة المرأة الإنجليزية بحق التصويت بل كان عضواً مؤسِّساً وأحياناً أخرى رئيساً لرابطة الرجال المناهضين لحق تصويت النساء، وفي الوقت ذاته يُدين موقف الإسلام من المرأة، وهو ما تصدت له هدى شعراوي في العديد من خطبها النسائية.
ورفضت كذلك الدعوة المثارة حول تعديل ميراث المرأة، حيث تقول صراحةً: «وإن كان لا بد من إبداء رأيي في هذا الموضوع فأقول بصفتي الشخصية إني لست من الموافقين على رأي البعض فيما يتعلق بتعديل نصيب المرأة في الميراث ولا أظن أن النهضة النسوية في هذه البلاد لتأثرها بالحركة النسوية بأوروبا يجب أن تتبعها في كل مظهر من مظاهرها وذلك لأن لكل بلد تشريعه وتقاليده وليس كل ما يصلح في بعضها يصلح للبعض الآخر».
ويشير الكتاب إلى عشرات المواقف التي تجلّت فيها وطنية هدى شعراوي، من أبرزها مواجهة موقف زوجها الجديد بكل حسم وثبات ورفضها الإذعان أو الاستجابة لإرادته حين حاول أن يَحول بينها وبين «نداء الوطن»، وأن تشارك في المظاهرة التي نظّمتها هي وزميلاتها من النساء والفتيات في لجنة حزب «الوفد» المركزية للنساء ضد الإنجليز إبان ثورة 1919.
جاء تأسيس الاتحاد النسائي المصري في 1923 مَعلماً بارزاً في مسيرة هدى شعراوي وفي التاريخ المصري. كانت البداية حين جاءتها دعوة جديدة من منظمة «التحالف النسائي الدولي لتساوي الحقوق في التصويت» في فبراير (شباط) 1923 لحضور المؤتمر التاسع للمنظمة المنعقد في روما وكان من المقرر إقامته فيما بين 12 و19 مايو (أيار)، وعلى رأس جدول أعماله بحث مسألة انضمام الحركة المصرية. كتبت هدى إلى رئيس الوزراء محمد توفيق نسيم باشا، تطلب رسمياً التصريح بسفر وفد نسائي للمشاركة كممثلات لمصر، وكان رده أنه سوف يبارك الطلب فور أن يتم تأسيس منظمة. وفي 16 مارس (آذار) دعت هدى زميلاتها في لجنة «الوفد» المركزية للسيدات، ومبرة محمد علي، وجمعية المرأة الجديدة، إلى الاجتماع لتأسيس اللجنة الدائمة للمرأة المصرية إطاراً لإنشاء منظمة نسائية سوف تُعرف باسم «الاتحاد النسائي المصري». تم انتخاب هدى رئيسة، وشريفة رياض نائبة لها، وأعطى رئيس الوزراء الجديد يحيى إبراهيم باشا الذي تولى المنصب في 15 مارس تصريحه وموافقته على أن تذهب لروما بصحبة سيزا نبراوي ونبوية موسى اللتين تتميزان بطلاقة تعبير من بين زميلاتها، وكلتاهما غير متزوجة وبالتالي لم تكونا بحاجة لتصريح شخصي بالسفر.
شاركت في المؤتمر قرابة ألفي سيدة، وحضر بنيتو موسوليني رئيس وزراء إيطاليا آنذاك، الجلسة الافتتاحية، مع ثلاثة من الوزراء، وأجلست كاري تشايمان، رئيسة المؤتمر، هدى على يمينها فوق المنصة وقدمتها إلى الوفود الأخرى في كلمتها كرئيسة وقالت: «إنها تسعدها أيما سعادة أن ترحب بوافدة جديدة هي رئيسة وفد مصر، ذلك البلد المعروف بحضارته وتاريخه المجيد»، ولقيت الموفدات المصريات الثلاث ترحيباً حاراً، ووُجِّهت لهن أسئلة عن العَلم ذي الهلال والصليب الذي صممنه وشرحن رمزية الشكل التي تعبّر عن وحدة الأقباط والمسلمين. وفي الأربعينات حتى اللحظة الأخيرة في حياتها، يخرج نضال هدى شعراوي من الإطار المصري إلى الفضاء العربي؛ حيث قادت حملات مكثفة لدعم الأنشطة النسائية في الصحة والتعليم والاقتصاد بلبنان وسوريا وفلسطين والأردن. وفي عام 1942 يقلدها الملك فاروق وسام الكمال، أعلى القلادات المصرية، ثم تحصل على القلادة الذهبية الفخرية من الدرجة الأولى من الرئيس اللبناني بشارة الخوري، ووشاح الجدارة من الرئيس السوري شكري القوتلي.



محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً