بايدن ينتقد «تهديد ترمب للديمقراطية الأميركية»

يحشد لفوز ديمقراطي ثانٍ في جورجيا

بايدن في خطاب مساء الاثنين بعد تأكيد فوزه من قبل الهيئة الناخبة (رويترز)
بايدن في خطاب مساء الاثنين بعد تأكيد فوزه من قبل الهيئة الناخبة (رويترز)
TT

بايدن ينتقد «تهديد ترمب للديمقراطية الأميركية»

بايدن في خطاب مساء الاثنين بعد تأكيد فوزه من قبل الهيئة الناخبة (رويترز)
بايدن في خطاب مساء الاثنين بعد تأكيد فوزه من قبل الهيئة الناخبة (رويترز)

غداة إعلان انتصاره رسمياً عبر 306 من أصوات المجمع الانتخابي، توجه الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن إلى جورجيا التي سجل فيها فوزاً مهماً للغاية ضد الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترمب، آملاً في تكرار هذه التجربة بعد أقل من ثلاثة أسابيع لمصلحة المرشحين الديمقراطيين على مقعدين «ثمينين» للولاية في مجلس الشيوخ، بعدما حمل بشدة على سلفه الجمهوري، معتبراً أنه هدد المبادئ الأساسية للديمقراطية في الولايات المتحدة.
وبحصوله على أكثر من الأصوات الـ270 الضرورية من الأصوات الـ538 في المجمع الانتخابي، مقابل 232 فقط لترمب، حصل بايدن على ختم رسمي لنتائج الانتخابات التي تحداها ترمب بكل الوسائل الممكنة، بما في ذلك عبر نحو 60 دعوى قضائية خسرها أمام محاكم البداية والاستئناف في المستويين المحلي والفيدرالي، وحتى أمام المحكمة العليا، من دون أن يحول ذلك دون وعيده برفع المزيد من الدعاوى في محاولة لقلب النتائج لمصلحته. وبذلك اقترب بايدن خطوة إضافية رئيسية من البيت الأبيض، على أن تكون الخطوة التالية المصادقة على النتائج في الكونغرس بمجلسيه النواب والشيوخ في 6 يناير (كانون الثاني) المقبل.
سرقة الانتخابات
وكان بايدن يتحدث من منزله في مدينة ويلمينغتون بولاية ديلاوير، بعدما أدلى الناخبون الكبار بأصواتهم في المجمع الانتخابي لتأكيد فوزه، إذ جاهر في انتقاد الضرر الذي أحدثته ادعاءات ترمب عن «سرقة الانتخابات». وقال بايدن إن الديمقراطية «تعرضت للضغط والاختبار والتهديد»، لكنها أثبتت أنها «مرنة وحقيقية وقوية»، مضيفاً أن «شعلة الديمقراطية أضيئت في هذه الأمة منذ زمن طويل». وزاد: «نحن نعلم الآن أن لا شيء، لا حتى جائحة أو إساءة استخدام للسلطة، يمكن أن يطفئ هذه الشعلة».
ويأمل الرئيس المنتخب وفريقه أن يساعد فوزه الرسمي في المجمع الانتخابي، بالإضافة إلى تسجيل رقم قياسي بلغ 81 مليون صوت في الانتخابات، على توحيد البلاد وقبول رئاسته. لكن التحدي الذي يواجه بايدن بقي على حاله إذ رفض العديد من الجمهوريين، وبينهم بعض كبار قادة الحزب، قبول هذا الفوز رسمياً. ولم يظهر ترمب أي علامة على إقراره بالهزيمة.
وأقر الرئيس المنتخب بالمفارقة في هذه الظروف، مشيراً إلى أنه فاز بالعدد ذاته من الأصوات الانتخابية (306 أصوات) على غرار النتيجة التي حصل عليها ترمب قبل أربع سنوات في منافسته مع هيلاري كلينتون. عامذاك، وصف ترمب هذا الفوز بأنه «ساحق». وقال بايدن: «بمعاييره الخاصة، تمثل هذه الأرقام انتصاراً واضحاً في ذلك الوقت، وأقترح عليهم بكل احترام أن يفعلوا ذلك الآن».
مرحلة استثنائية
بيد أن حقيقة أن بايدن اضطر لإلقاء مثل هذا الخطاب بعد فترة وجيزة من تصويت الناخبين الكبار في المجمع الانتخابي لتأكيد أنه المنتصر - وهي خطوة روتينية في العادة - تُظهر مدى استثنائية مرحلة ما بعد الانتخابات، إذ حاول ترمب الإطاحة بفوز بايدن عند كل منعطف.
على رغم ذلك، كرر بايدن ما تعهده طويلاً في حملته الانتخابية، وهو أن يكون «رئيساً لكل الأميركيين» الذي «سيعمل بالقدر نفسه من الجدية مع أولئك الذين لم يصوتوا لي كما سأفعل لأولئك الذين فعلوا ذلك». وقال: «حان الوقت الآن لطي الصفحة كما فعلنا طوال تاريخنا»، من أجل أن «نتحد ونشفى»، معتبراً أن هذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكن أن تتغلب فيها البلاد على أسوأ أزمة صحية تواجهها منذ أكثر من قرن، قائلاً إنه في مواجهة الجائحة «نحتاج إلى العمل سوية، وإعطاء بعضنا البعض فرصة وخفض درجة الحرارة».
وذكر بايدن أن إحدى وظائفه كنائب للرئيس قبل أربع سنوات كانت الاعتراف رسمياً في مجلس الشيوخ بفوز ترمب، متوقعاً أن يحصل الأمر ذاته هذه المرة. وأشاد بالعدد القليل من السيناتورات الجمهوريين الذين اعترفوا بفوزه، علماً بأن العديد من الجمهوريين البارزين الآخرين واصلوا دعم ترمب. وعلى رغم أنهم خسروا عشرات الطعون القانونية على مستوى الولايات وعلى المستوى الفيدرالي، أفاد المحامي الشخصي لترمب رودي جولياني بأنه يتوقع دعاوى قضائية أخرى في خمس ولايات.
حتى بعد توليه البيت الأبيض، يواجه بايدن مجلس شيوخ منقسم بشكل ضيق. وستحدد انتخابات الإعادة الشهر المقبل في جورجيا الحزب الذي يسيطر على المجلس. هناك أيضاً غالبية ديمقراطية ضعيفة في مجلس النواب حيث حصل الحزب الجمهوري على مقاعد إضافية على رغم خسارة ترمب.
أصوات جورجيا
ولذلك توجه الرئيس المنتخب إلى جورجيا، حيث زار ضاحية كيركوود في أتلانتا للمشاركة هناك في حملة انتخابية لمصلحة المرشحين الديمقراطيين الصحافي السابق جون أوسوف والقس رافائيل وارنوك اللذين يحاولان إزاحة السيناتورين الجمهوريين ديفيد بيرديو وكيلي لوفلر في دورة الإعادة للانتخابات التي تجرى في 5 يناير المقبل.
وتحدد نتيجة الانتخابات في جورجيا، ما إذا كان الحزب الجمهوري سيحافظ على غالبيته (حالياً 52 من المقاعد الـ100 في مجلس الشيوخ، بينها مقعدان يحتلهما حالياً بيردو ولوفلر)، أم أن هذه الغالبية ستنتقل إلى الديمقراطيين الذين يحتاجون إلى الفوز بالمقعدين لكي يصير عددهم 50 سيناتوراً (48 حالياً). وإذا وصلت النتيجة 50 مقابل 50، يمكن أن تكون نائبة الرئيس المنتخبة كامالا هاريس هي الصوت المرجح في مجلس الشيوخ.
وتزامنت هذه الزيارة مع بدء فترة التصويت المبكر التي تستمر ثلاثة أسابيع في جولة الإعادة. ويحاول أوسوف ووارنوك حشد التحالف ذاته الذي مكّن بايدن من أن يكون أول مرشح ديمقراطي للرئاسة يفوز في جورجيا منذ عام 1992. ويعزى سبب هذا الانتصار إلى حصوله على الأكثرية الساحقة من الناخبين السود، فضلاً عن زيادة الإقبال على التصويت من ذوي الأصول الآسيوية واللاتينية والقوة الديمقراطية المكتشفة حديثاً في ضواحي مدينة أتلانتا.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended