«ثورة الفلاحين»... أكبر أزمة سياسية يواجهها رئيس وزراء الهند

غضب 119 مليون مزارع و144 مليون عامل في القطاع الزراعي

مزارعات يجلسن على حدود العاصمة دلهي التي أصبحت محاطة بالكامل من قبل المزارعين (إ.ب.أ)
مزارعات يجلسن على حدود العاصمة دلهي التي أصبحت محاطة بالكامل من قبل المزارعين (إ.ب.أ)
TT

«ثورة الفلاحين»... أكبر أزمة سياسية يواجهها رئيس وزراء الهند

مزارعات يجلسن على حدود العاصمة دلهي التي أصبحت محاطة بالكامل من قبل المزارعين (إ.ب.أ)
مزارعات يجلسن على حدود العاصمة دلهي التي أصبحت محاطة بالكامل من قبل المزارعين (إ.ب.أ)

تهدد مظاهرات المزارعين في الهند، للاحتجاج على قوانين زراعية جديدة، بأن تصبح أكبر أزمة سياسية يواجهها رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، خلال فترة توليه منصبه. وسوف يكون الانصياع لطلبات المزارعين وإلغاء القوانين اعترافاً غير معهود بالهزيمة من جانب رئيس الوزراء الهندي، الذي تعهد بأن تصلح القوانين قطاع الزراعة. وقال مودي أمس، في تغريدة، «نحن نتخذ كل هذه المبادرات لزيادة دخل المزارعين وجعلهم أكثر رخاء. الإصلاحات سوف تساعد في جذب الاستثمارات في الزراعة، وتعود بالفائدة على المزارعين».
وفرض عشرات الآلاف من المزارعين حصاراً عند مدخل العاصمة الهندية دلهي. وقد جاءوا مستعدين للاستمرار في التظاهر لما يصل إلى «ستة شهور»، ضد الإصلاحات الزراعية التي أقرتها الحكومة في تشريع جديد، وتقول إنه من شأنها تعزيز النمو الاقتصادي بالبلاد. لكنها أيضاً أثارت غضباً عالمياً للطريقة التي تعاملت بها السلطات الهندية مع المحتجين السلميين، وأخذت طابعاً سياسياً واقتصادياً ودولياً. في المقابل، ردت الهند بحدة على الدعم الدولي لمظاهرات المزارعين لديها باعتباره يعتمد على «معلومات مغلوطة» و«لا أساس له»، مشددة على أن الأمر برمته يخض شأناً داخلياً لدولة ديمقراطية.
وبمرور الوقت، تحول غضب المزارعين إلى حركة متكاملة الأركان ضد حكومة مودي، مع إظهار شخصيات من مختلف فئات المجتمع تضامنهم معهم. ويقول نقاد التشريع الجديد، إن هذه الإصلاحات يمكن أن تؤدي إلى استغلال المزارعين من جانب الشركات الكبرى. وأكد وزير الدولة لشؤون الزراعة كايلاش شودري، أن أقصى ما لدى الحكومة استعداد لتقديمه هو «تعديلات». ومثلما فعلت الحكومة طوال الوقت، سعى شودري إلى إلقاء اللوم عن مشاعر الغضب بين المزارعين على أحزاب المعارضة و«المحرضين». وفي الأمس نظم المزارعون إضراباً عن الطعام في مواقع على طول حدود العاصمة الهندية، التي يتواجدون بها بأعداد كبيرة منذ 19 يوماً. وقال جورباكس سينغ، أحد زعماء الاحتجاجات في ولاية البنجاب بشمال الهند، حيث بدأ هو وزعماء آخرون إضراباً عن الطعام في موقع احتجاج رئيسي، «نريد إلغاء القوانين».
ولكن استمرار الاضطرابات قد يسبب فوضى في أسواق الطعام، ويؤثر بصورة سلبية على المستهلكين، كما من المرجح أن يعوق الانتعاش ما بعد أزمة فيروس كورونا. وقال الكاتب أندي موخرجي، في تقرير نشرته وكالة «بلومبرغ»، إن الخلاف يتركز على الاستراتيجية التي يجب اتباعها. الأسواق أم المنظمات؟
هذه معضلة قديمة، تبناها الاقتصادي رونالد كوس عام 1937. مودي يحبذ الأسواق، وقد تعهد بتحويل الاقتصاد بأكمله إلى منطقة تجارة حرة تعود بالفائدة على 119 مليون مزارع و144 مليوناً من العاملين في المزارع، بالإضافة لأسرهم.
بغض النظر عن كيفية حل المشكلة في نهاية المطاف، تطرح الاحتجاجات أسئلة مفتوحة حول مسار الاقتصاد السياسي الهندي والنموذج التنموي بها، ودور الدولة والأسواق في قطاع يوظف أكبر عدد من الأشخاص في البلاد، ومستقبل السياسة في المناطق الريفية في الهند بشكل عام.
وعبر رئيس الوزراء الكندي، جاستن ترودو، عن دعمه لها. وأعلن ترودو أنه: «ستدافع كندا دائماً عن حق الاحتجاج السلمي وحقوق الإنسان. الوضع مقلق ونحن جميعاً قلقون جداً، ولذلك فقد تواصلنا عبر وسائل متعددة مباشرة مع السلطات الهندية لتسليط الضوء على مخاوفنا». واعتبرت نيودلهي أن تصريحات ترودو حول قضية محلية في الهند غير مبررة، وأن التعليقات تشكل «تدخلاً غير مقبول» في الشأن الداخلي، وتهدد بإلحاق الضرر بالعلاقات بين البلدين. وبالفعل، استدعت الحكومة الهندية دبلوماسيين كنديين، وأبلغتهم احتجاجها على تصريحات رئيس الوزراء ترودو.
أصبحت ولاية البنجاب الشمالية، التي يطلق عليها «سلة خبز الهند»، مركز مشاعر الغضب في أوساط المزارعين، ما أدى إلى توقف جميع الخدمات العامة، وذلك مع إقدام المتظاهرين على إغلاق الطرق والطرق السريعة وخطوط السكك الحديدية. وامتدت الاحتجاجات إلى عدد من الولايات. وتأتي البنجاب في طليعة موجة الغضب، لكون أبنائها من بين المستفيدين الرئيسيين من الثورة الخضراء في سبعينيات القرن الماضي، التي غيرت وجه الزراعة في الهند، ومعها حياة المزارعين داخل الولاية. وحتى اليوم، عقدت أربع جولات من المحادثات، شارك في اثنين منها هيئة مؤلفة من ثلاثة وزراء وبضعة عشرات من الممثلين عن نقابات المزارعين.
ما سر غضب المزارعين؟
مشاعر السخط في صفوف المزارعين تستعر منذ سنوات عديدة، وقد نظموا من حين لآخر مسيرات احتجاجية ضخمة في جميع أنحاء البلاد، اعتراضاً على ما وصفوه بـ«إهمال» الحكومة لقطاع الزراعة وسط تزايد الخصخصة.
ويدعي مزارعون وتجار أن الحكومة تريد وقف نظام دعم الحد الأدنى السعري باسم الإصلاحات، ويخشون من أن تتركهم القوانين الجديدة تحت رحمة الشركات. في المقابل، أكدت الحكومة أن القوانين الزراعية الجديدة ستجلب للمزارعين فرصاً أفضل وستدخل تقنيات جديدة في مجال الزراعة.
ويقول خبراء زراعيون إن الملايين من صغار المزارعين في الهند فقدوا دخولهم بسبب انخفاض أسعار محاصيلهم وارتفاع تكاليف النقل والتخزين. ويخشى المزارعون من أن تفتح القوانين الجديدة الباب أمام إخضاع القطاع الزراعي لسيطرة الشركات التجارية، الأمر الذي تنفيه الحكومة. كما يساور المزارعين قلق كبير من أن تؤدي القوانين الزراعية الجديدة التي مررها البرلمان في سبتمبر (أيلول) إلى إلغاء نظام دعم الحد الأدنى السعري، الذي ألفه المزارعون ويبيعون بفضله محاصيلهم بسعر مضمون. ويعتبر هذا النظام في الأساس ضماناً للمزارعين إذا لم يحصلوا على سعر أفضل في أسواق المحاصيل التي يغطيها النظام. حينها، تتدخل الحكومة لشراء المحاصيل بسعر ثابت، ولذلك أصبح يجري النظر إلى هذا النظام على نطاق واسع باعتباره حماية للمزارعين من الخسارة.
من جهتها، تؤكد الحكومة أن القوانين الجديدة ستحرر التجارة الزراعية، وتمنح المزارعين الحرية لبيع منتجاتهم خارج الأسواق المنظمة والدخول في عقود مع المشترين بسعر متفق عليه مسبقاً. ويسعى المزارعون، من ناحيتهم، للحصول على ضمانات بأن الحكومة لن تنهي هذا الوضع. وفي الوقت الذي يرغب المزارعون في إلغاء القوانين الزراعية الثلاثة، وسن قانون جديد يضم بنداً يكفل عدم المساس بنظام دعم الحد الأدنى السعري، تصر الحكومة على أنه لن يجري إلغاء النظام. وتشير أرقام إلى أن أكثر عن نصف المزارعين في الهند مدينون بسبب رداءة المحاصيل. وفي عام 2019، أقدم 28 شخصاً يعتمدون على الزراعة على الانتحار كل يوم، مع انتحار 20638 شخصاً خلال عامي 2018 و2019، وفقاً للمكتب الوطني الهندي لسجلات الجرائم.
بعد وصوله إلى السلطة عام 2014، وعد مودي بمضاعفة دخول المزارعين بحلول عام 2022. ومع ذلك، لم يتحسن الوضع. وتتعرض الحكومة حالياً لضغوط لجلب استثمارات خاصة إلى قطاع الزراعة الذي أصيب بالجمود على مدى العقود الماضية.
التداعيات السياسية
يشكل المزارعون جمهوراً انتخابياً سياسياً قوياً داعماً لحزب «بهاراتيا جاناتا» الذي يترأسه مودي. ووجهت أحزاب المعارضة اتهامات لـ«بهاراتيا جاناتا» الحاكم بانحيازه للأثرياء ومعاداته للمزارعين. وينفي الحزب الحاكم هذه الاتهامات، متهماً أحزاب المعارضة بتحريض المزارعين للتظاهر ضد قوانين الإصلاح الزراعي الجديدة «التقدمية». ويقول معارضون سياسيون إن حكومة مودي مررت القوانين على عجلة، دون مناقشة حقيقية.
ومع ذلك، يرى محللون أن «دعم» المعارضة للمزارعين يأتي انطلاقاً من رغبتها في استغلالهم في الوقوف في وجه «بهاراتيا جاناتا»، الذي أقصاهم على نحو ممنهج عن مواقع السلطة والنفوذ السياسيين.
في هذا الصدد، قال المحلل نيتين باي إن «حكومة مودي المتغطرسة لم تتعاون مع المزارعين، وكان بإمكانها أن تتجنب مظاهرات المزارعين واحتجاجاتهم لو أنها تبنت عملية تشاور اجتماعية واسعة النطاق في صياغة القوانين الزراعية الجديدة من خلال المسار البرلماني. إلا أن تخطي الرحلة والقفز إلى الوجهة المقصودة مباشرة ترتب عليه أن جميع أصحاب المصلحة المعنيين بالقطاع الزراعي تلقوا صدمة بدلاً عن الحصول على تفسير، وقرار جاهز بدلاً عن جلسة استماع، وفي كثير من الحالات، مخاوف وجودية بدلاً عن التوقعات الإيجابية».
تنديد عالمي
في هذا الصدد، ذكر الكاتب الصحافي جاسبريت أوبيروي، في مقال له، أن «الضغط السياسي للسيخ هو قوة قوية في المشهد السياسي الكندي. إلى جانب تحقيق التوازن السياسي بالداخل، كان لدى ترودو أيضاً ثأر أو اثنان ينبغي له تسويتهما مع نظيره الهندي مودي. وخلال السنوات الست الماضية، انتهى بالزعيمين الأمر عند مفترق طرق في مناسبات متعددة، لا سيما فيما يتعلق بمسألة عدم استجابة كندا لمطالب الهند بقمع أصوات الخالستاني (أرض السيخ المنفصلة) السائدة في كندا. ويستمر التعبير المستمر عن مخاوف عالمية، في الوقت الذي أبدت الأمم المتحدة تأييدها الغضب السائد أوساط المزارعين الهنود، مؤكدة أن من حقهم الاحتجاج السلمي، ويجب على السلطات السماح لهم بالقيام بذلك. وقال ستيفان دوغاريك، المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، «فيما يتعلق بمسألة الهند، ما أود قوله هنالك هو ذاته ما قلته لآخرين عند إثارة مثل هذه القضايا، وهو أن للناس الحق في التظاهر سلمياً، وعلى السلطات السماح لهم بذلك». وفي لندن، كتبت مجموعة من 36 برلمانياً من أحزاب مختلفة خطاباً إلى وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب، يطلبون منه تقديم احتجاج لدى نظيره الهندي، إس. جايشانكار، فيما يخص التداعيات على البريطانيين من أبناء البنجاب جراء مظاهرات المزارعين ضد الإصلاحات الزراعية الجديدة في الهند. كما أعرب الحزب الشيوعي الأسترالي عن تضامنه مع المزارعين الهنود الغاضبين.



صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.