آلاف المتشددين يعبرون الأراضي التركية إلى سوريا

دعم لوجيستي للمتشددين في تركيا.. ومافيات تهريب محترفة.. والحدود شبه خالية من قوى الأمن

تجمع حوالي 100 شخص أول من أمس  الجمعة في إسطنبول أمام مسجد الفاتح للتضامن مع شريف وسعيد كواشي اللذين نفذا الاعتداء على مجلة «شارلي إيبدو» الأسبوعية الساخرة في باريس (أ.ب)
تجمع حوالي 100 شخص أول من أمس الجمعة في إسطنبول أمام مسجد الفاتح للتضامن مع شريف وسعيد كواشي اللذين نفذا الاعتداء على مجلة «شارلي إيبدو» الأسبوعية الساخرة في باريس (أ.ب)
TT

آلاف المتشددين يعبرون الأراضي التركية إلى سوريا

تجمع حوالي 100 شخص أول من أمس  الجمعة في إسطنبول أمام مسجد الفاتح للتضامن مع شريف وسعيد كواشي اللذين نفذا الاعتداء على مجلة «شارلي إيبدو» الأسبوعية الساخرة في باريس (أ.ب)
تجمع حوالي 100 شخص أول من أمس الجمعة في إسطنبول أمام مسجد الفاتح للتضامن مع شريف وسعيد كواشي اللذين نفذا الاعتداء على مجلة «شارلي إيبدو» الأسبوعية الساخرة في باريس (أ.ب)

تنغمس تركيا إلى ما فوق أذنيها بالأزمة المندلعة منذ نحو 4 سنوات في جارتها الجنوبية، فهي فتحت حدودها بكل كرم لآلاف المقاتلين الأجانب للعبور إلى سوريا كرد مباشر على إسقاط النظام السوري طائرة تركية قبالة الشاطئ السوري في يونيو (حزيران) 2013، لتسقط بعدها المراكز الحدودية السورية مع تركيا واحدا تلو الآخر، وهو ما فاخر به رئيس الوزراء التركي آنذاك (الرئيس الحالي للجمهورية) رجب طيب إردوغان في لقاء مع شخصيات عربية بعد ذلك بأشهر.
لكن تركيا بدأت مؤخرا تخشى أن تلسعها، النار السورية، من خلال المقاتلين الأجانب المتشددين الذين يستعملون أراضيها كقاعدة عمليات خلفية، خصوصا أن من بين هؤلاء آلاف الأتراك الذين تتفاوت التقديرات حولهم من 3 آلاف إلى نحو 12 ألفا، سيعودون يوما إلى بلادهم التي بدأت سياساتها الخارجية تتباعد مع سياسات التنظيمات المتطرفة، كـ«داعش» و«النصرة».
وأتى التفجير الانتحاري الأخير، الذي وقع في إسطنبول ليرفع من درجة الإنذار التركي إلى «الحد الأحمر». وعلى الرغم من مسارعة المصادر التركية إلى الربط بين الانتحارية التي فجرت نفسها بمركز للشرطة السياحية وبين تنظيمات يسارية متطرفة اعتادت تنفيذ عمليات مشابهة، إلا أن تواتر الأنباء اللاحق يفيد بأن الانتحارية هي أرملة مقاتل نرويجي من «داعش» الذي بدا وكأنه يشهر البطاقة الصفراء بوجه الأمن التركي الذي يتجاوب جزئيا مع ضغوطات دولية هائلة ترمي إلى تقليص المساحات أمام المتشددين في تركيا لمنعهم من العبور إلى سوريا والعراق.
ويعتقد على نطاق واسع أن المتشددين أقاموا شبكات واسعة تتولى تقديم الدعم اللوجيستي للمقاتلين الأجانب في تركيا، إذ تتولى استقبالهم وتأمين إقامتهم في مناطق تركية مختلفة، قبل تأمين انتقالهم إلى سوريا أو العراق. ويقول مفيد يوكسال، الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية. لـ«الشرق الأوسط»: إن «جميع المحاربين الأجانب يستخدمون الأراضي التركية فقط للعبور إلى سوريا والعراق ولكن التنظيمات الراديكالية في تركيا هي التي تقوم تنظيمهم ومساعدتهم لعبور الحدود عن طريق عصابات المافيا التي تهربهم إلى هناك مقابل الأموال يعني يستخدمون المافيا كجسر للعبور إلى سوريا والعراق». ويشدد على ضرورة قيام قوات الأمن التركية بضبط الحدود لأنها الآن شبه خالية من القوات التركية. ورأى أن في تركيا فراغ أمني كبير، مشيرا إلى أن الأراضي التركية باتت مسرحا للمخابرات الأجنبية تسرح وتمرح بها بل تقوم بجرائمها وتصفي عناصر المعارضة لها وقت ما تشاء كما حصل قبل أسبوعين حيث تم اغتيال رجل دين شيشاني معارض للهيمنة الروسية في بلاده حيث قتل وضح النهار وبدم بارد.
وأضاف أن «المحاربين الأجانب في سوريا والعراق هم في الحقيقة ليسوا بمحاربين في بلادهم، لأن أغلبهم يأتي من أوروبا مثل ألمانيا وإيطاليا أو فرنسا ومن باقي دول العالم وجميعهم من أبناء تلك البلدان، ولهذا يأتون إلى تركيا حيث يجدون الكثير من التنظيمات المتشددة التي تساعدهم في جميع الأمور وتقدم لهم الخدمات المجانية، كما أن البعض منهم يلجأ إلى عصابات المافيا التي أخذت من مناطق الحدود مراكز لها لإدخال من يريد إلى سوريا والعراق مقابل مبالغ طائلة».
ويلفت يوكسال إلى أنه ليس كل القادمين من الإسلام الراديكالي، بل يوجد بينهم مثلا علويون أتوا من ألمانيا للمشاركة في القتال الدائر في سوريا إلى جانب النظام، وأيضا أتى بعض الشيوعيين من أوروبا وفرنسا والتحقوا بتنظيم داعش فقط لأنهم يريدون أن يعيشوا مغامرات. وهذا ليس بجديد على المنطقة ففي الستينات والسبعينات كانت سوريا ولبنان مركزا لجذب الشيوعيين واليساريين من أوروبا والعالم وتركيا للانخراط في صفوف الثورة الفلسطينية. وكشف أن الرقم الذي توصلنا إليه بأنه يوجد أكثر من 1500 علوي عربي من تركيا الآن يقاتلون إلى جانب النظام. وأوضح يوكسال أنه يوجد من دول البلقان مثل ألبانيا ومقدونيا ما يقارب 1500 مقاتل الآن هم في سوريا يقاتلون مع «داعش» ضد النظام، كما يوجد أيضا مقاتلون من الشيشان ومن دول أوروبا وهذا يعني أنه يوجد تجمع دولي للمقاتلين في «داعش». ورأى أن هذا الكم الهائل من التجمع البشري في «داعش» يحتاج إلى مبالغ طائلة لا يمكن لأي تنظيم عادي أن يقوم بها، معربا عن اعتقاده بأنه يوجد تنظيمات دولية هي التي تحرك «داعش» من وراء الستار. وأضاف يوكسال أنه «يوجد ما بين 6 إلى 7 آلاف مقاتل كردي ذهبوا من تركيا إلى الأراضي السورية وانضموا إلى (داعش)، فمثلا من يحاصر عين العرب من (داعش) جميعهم أكراد يعني الأكراد يحاصرون الأكراد في عين العرب، ونفس الشيء تكرر في رأس العين حيث كان (داعش) يقاتل (النصرة) وأيضا الأكراد هناك كانوا يقتلون الأكراد».
وأعرب يوكسال عن اعتقاده بأنه بعد أن تنتهي الحرب في سوريا فإن الأغلبية العظمى من هؤلاء المقاتلين سيتم تصفيتهم جسديا سواء في بلادهم أو في سوريا ولن يسمح لهم بالعودة إلى بلادهم لكي يسرحوا ويمرحوا. وقال: «الآن يوجد ما يقارب 100 ألف مقاتل أجنبي في سوريا والعراق ماذا سيكون مصيرهم. أما بالنسبة لتركيا أعتقد أنها لن تسمح لمواطنيها المقاتلين في سوريا والعراق بالعودة إلى تركيا وكانت قد فعلت هذا مع المجاهدين في أفغانستان قبل ذلك ومن الطبيعي أن تكرر نفس الشيء فيما بعد».
وفي الإطار، أعلن البروفسور أوميت أوزداغ الذي يترأس معهد تركيا «القرن الـ21» أن المعهد أجرى بحثا عن عدد المقاتلين الأتراك الذين عبروا من الحدود التركية إلى سوريا والذي يقدر عددهم بـ12 ألف مقاتل الأغلبية العظمى منهم التحقوا بتنظيم داعش و«النصرة».
وقال أوزداغ وهو عضو في البرلمان التركي عن مدينة إسطنبول لحزب الحركة القومية لـ«الشرق الأوسط» إن «الذين دخلوا الأراضي السورية يحملون الجنسية التركية، بعضهم ذهب منفردا، وبعضهم الآخر اصطحب عائلته معه». وقال: «إلى جانب المواطنين الأتراك مثل هناك قبيلة تتكون من 400 شخص أتوا من شمال كازاخستان واستوطنوا في مدية الرقة السورية».
ونقل أوزداغ عن الرئيس الثاني للأركان الجنرال يشار جولار قوله في كلمة أمام سفراء تركيا في الخارج إننا «نجحنا في منع نحو 100 ألف شخص أرادوا عبور الحدود إلى سوريا وكان أكثر من 7 آلاف منهم من الأجانب». معتبرا أن هذا يعني أن 93 ألفا من من أرادوا دخول الحدود هم من الأتراك».
وكشف أنه دخل إلى الأراضي السورية عبر تركيا أكثر من 12 ألفا الأغلبية منهم انضم إلى «داعش» و«النصرة». وقال إن «البحث في ملفات المنظمات الإرهابية الراديكالية ما زال مستمرا، حيث سنسلط الضوء على الوضع الاجتماعي والاقتصادي لتلك الأشخاص الذين ذهبوا للقتال في سوريا»، متحدثا عن نتائج لافتة منها أنه يوجد ما يقارب الـ6 في المائة في المجتمع التركي ممن يطمحون أو يؤيدون الذهاب للقتال في سوريا وهذا يعني أن 4 ملايين مواطن يمثلون قاعدة شعبية كبيرة لتلك الأفكار».
وأفاد تقرير لأجهزة الاستخبارات التركية أن نحو 3 آلاف شخص يقيمون علاقات مع تنظيم داعش، وحذر من مخاطر وقوع هجمات ضد مصالح غربية في البلاد. والتقرير الذي نشرته صحيفة «حرييت»، يدعو إلى مراقبة متنامية لهؤلاء الآلاف بهدف معرفة الدور المحدد لكل منهم خصوصا.
وأوضحت الصحيفة أن إنذارا بدرجة «أحمر» أرسل إلى الأجهزة الأمنية محذرا من هجمات محتملة ضد سفارات دول غربية يشنها جهاديون من تنظيم داعش في غمرة الهجمات الدامية التي وقعت الأسبوع الماضي في باريس وأسفرت عن مقتل 17 شخصا.
وأضافت أجهزة الاستخبارات التركية أن المواطنين الغربيين والبنى التحتية العائدة لحلف شمال الأطلسي يشكلون أيضا أهدافا ممكنة. ويحذر التقرير أيضا من هجمات محتملة بالقنابل تنفذها «خلايا نائمة» في أي مكان وزمان في تركيا.
وانضم نحو 700 تركي في سوريا إلى صفوف الجهاديين في تنظيم «داعش» ما يزيد من احتمال وقوع هجوم في تركيا في حال عودتهم إلى البلاد، كما أعلن وزير الخارجية التركي مولود شاوش أوغلو الخميس. وأعلن شاوش أوغلو أيضا أن بلاده منعت نحو 7250 شخصا يشتبه في أنهم يريدون العودة إلى سوريا، من دخول أراضيها، وطردت 1160 جهاديا.
وكانت صحيفة «حرييت» أكدت أن السيدة الروسية الأصل التي نفذت هجوما انتحاريا في إسطنبول أدى إلى مقتل شرطي في 6 يناير (كانون الثاني) الماضي هي أرملة متشدد نرويجي قاتلت إلى جانبه في سوريا في صفوف الجهاديين.
وأوضحت الصحيفة أن الانتحارية تدعى ديانا رمضانوف المتحدرة من منطقة داغستان الروسية المسلمة. وأكدت أن الانتحارية كانت متزوجة من مواطن نرويجي شيشاني الأصل هو أبو علوفيتش ادلبيجيف، وهو قتل في ديسمبر (كانون الأول) الماضي في سوريا. وأضافت أن الزوجين توجها إلى سوريا في يوليو (تموز) الفائت عبر تركيا. بعد مقتل زوجها، عادت رمضانوف إلى تركيا بشكل غير شرعي في 26 ديسمبر.
وأكدت عائلة أبو ادلبيجيف أن أرملته هي التي نفذت على ما يبدو هذا الهجوم الانتحاري. وأوضحت والدة الزوج للتلفزيون النرويجي «لا أعتقد أنها تستطيع مواصلة حياتها». وقالت إن أبو علوفيتش ينعم بالسلام، وإنها تريد أن تنعم بالسلام هي أيضا. وأضافت «توقفت اتصالاتنا بها اعتبارا من مساء 5 يناير»، مشيرة إلى أنه لا يستطيع أحد معرفة ما سيحصل.



الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».