«مرتزق» روسي: جثث «فاغنر» تملأ حميميم... وضباط يلفقون تقارير «الانتصارات»

تحدث عن إخفاء موسكو الأرقام الحقيقية للقتلى وأن «الجيش السوري فاقد الكفاءة»

مارات يقود سيارته في سوريا
مارات يقود سيارته في سوريا
TT

«مرتزق» روسي: جثث «فاغنر» تملأ حميميم... وضباط يلفقون تقارير «الانتصارات»

مارات يقود سيارته في سوريا
مارات يقود سيارته في سوريا

دخلت شركة «فاغنر» للأعمال العسكرية الخاصة إلى الحرب في سوريا منذ عام 2015، وشاركت، منذ ذلك الحين، في عشرات الصراعات المحلية في مختلف أرجاء العالم. وعلى الرغم من سقوط المئات من المرتزقة في مختلف ميادين القتال، فضلا عن المواجهة المباشرة مع الجيش الأميركي، والصلات التي تربط الشركة بالكرملين الروسي، لا تزال من الكيانات العسكرية الفائقة السرية. وتمكنت صحيفة «ميدوزا» الإلكترونية الناطقة باللغة الروسية من العثور على شخص لديه الاستعداد لإجراء أول مقابلة صحافية على الإطلاق تتعلق بشركة «فاغنر» للأعمال العسكرية الخاصة، مستخدما في ذلك اسمه الحقيقي - ويُدعى مارات غبيدولين، وهو الذي بدأ عمله كمقاتل عادي للغاية لدى شركة «فاغنر» ثم ترقى في المراتب العسكرية حتى صار قائدا لسرية الاستطلاع العسكرية. وتلقى مارات غبيدولين جائزة حكومية سرية خلال السنوات الأربع التي قضاها في «فاغنر»، ونجا من إصابة خطيرة تعرض لها، وتمكن من كتابة مذكراته.
وفي حديثه مع ليليا ياباروفا من صحيفة «ميدوزا»، تحدث مارات عن الخبرات التي استمد منها محتوى مذكراته، وكيف توصل إلى قرار الحديث على الملأ بشأن تأليف الكتاب، ولماذا يأمل في أن يقود ذلك الكتاب يفيغيني بريغوزين - وهو مالك شركة «فاغنر» وقطب صناعة خدمات المطاعم الروسي الكبير والمعروف إعلاميا باسم «طباخ بوتين» - إلى رشده!
جرى تسليم جوازات السفر الأجنبية مباشرة قبل استقلال الطائرة. وبعد فحصها، لاحظ «مارتن» هذه المرة أن صفحات جواز السفر لا تحمل تأشيرة سفر سورية. ومن الواضح أنهم قد وافقوا على الاستغناء تماما عن اتباع الإجراءات الشكلية. وعند مكتب الجمارك، أصروا على أن يقوم المقاتلون الأجانب بتسليم خناجرهم القتالية. ولم يعبأ أحد من الموظفين بأن هذه الخناجر ذات فائدة كبيرة في ميدان القتال. وتحول مارتن بظهره إلى ضابط الجمارك، الذي كان يجمع الأسلحة البيضاء المضبوطة مع المقاتلين الأجانب، وأرسل حقيبة ظهره ببساطة من أسفل الناقل. ثم انطلق إلى مكتب الجوازات من دون النظر إلى الوراء، ثم قال: «تبا لكم جميعا، لن تفارقني خناجري أبدا».
انضم مارات إلى «فاغنر» للأعمال العسكرية الخاصة بعد مرور خمس سنوات عليه في القوات الروسية المحمولة جوا، وذلك في عام 2015، وأبرم تعاقدا مع شركة إيفرو بوليس - ذات الصلة بالملياردير الروسي الكبير يفيغيني بريغوزين، والمتعاقدة مباشرة مع النظام السوري بغرض تحرير وحماية الحقول النفطية. يقول مارات: «لقد أعجبت كثيرا بانفتاحهم وصراحتهم الشديدة. ولم يخف أحد منهم العواقب المحتملة للعمل هناك، لقد تحدثوا بكل مصداقية: أيها الرفاق، أنتم ذاهبون إلى الحرب في أماكن تملك بلادنا مصالح مباشرة فيها. أعدوا أنفسكم تماما لحقيقة أن العواقب قد تكون وخيمة للغاية بالنسبة إليكم. وربما تكون قاتلة!».
بدأ مارات حياته العسكرية جنديا عاديا للغاية، ثم تقدم في الرتب العسكرية شيئا فشيئا حتى صار قائدا لسرية استطلاع عسكرية. ولقد قال: «كان رفاقي يعملون على الخطوط الأمامية للعدو، ولقد نفذت فرقة منهم عملية استطلاع باستخدام الطائرات المسيرة، وغير ذلك من المعدات التقنية الأخرى».
امتد الوادي النفطي السوري أمام المقاتلين الأجانب على مسافة عشرات الكيلومترات. وكان من الواضح أن النفط الأسود لا ينبغي أن يستخدم في دعم «تنظيم داعش». وكان لزاما تغيير مُلاك حقل نفط «الشاعر»، الذي كان يملأ الحسابات المصرفية لقادة التنظيم من قبل، ولقد شرع المرتزقة في الهبوط من الجبال المجاورة في إجراءات تغيير الملكية بوجودهم هناك.
وبعد تعرضه لإصابة بليغة في تدمر في 15 مارس (آذار) عام 2016، قرر مارات أن يؤلف كتابا حول خبراته العسكرية، وقال لصحيفة «ميدوزا»: «رغبت في بداية الأمر أن أدون كل شيء حتى لا أنساه في ما بعد. لقد كانت مسألة بالغة الأهمية بالنسبة لي. وأدركت في ذلك الوقت أن جزءا كبيرا من حياتي السابقة راح أدراج الرياح». ثم أضاف «أردت أن أعيش بقية أيامي لأقصى درجة تسمح بها الحياة. وعبر تطور سياق القصة نفسها، نشأت لدي حاجة أخرى: أن أنقل إلى الناس أن هناك حالة كاملة من الخداع من طرف الجيش، والساسة من ذوي الصلة بشركة (فاغنر). وأن العالم بأسره يعرف ذلك جيدا، ولكنهم يتعمدون حجب الحقائق عن الناس، فهل هذا طبيعي؟».

قرأ بريغوزين الكتاب
وعند سؤاله عن سبب استخدامه لاسم «الجد مارتن» المستعار في نشر كتابه، قال مارات إن «هذا كان من أفكار يفيغيني بريغوزين بنفسه»، وأضاف «لقد اقترح بريغوزين هذا الاسم تحديدا. واسم مارتن يشير إلى شخصيتي في الكتاب، أما لفظة (الجد) فلقد كانت علامة النداء الحربية الخاصة بي. وكانوا يطلقون علي هذا اللقب بسبب أنني كنت الأكبر سنا في وحدتي القتالية هناك، فأنا من مواليد عام 1966 بعد كل شيء. ولقد تحول لون لحيتي إلى الرمادي بالفعل».
ووفقا لمارات، «كان بريغوزين على علم بتأليف ذلك الكتاب لبعض الوقت. وفي عام 2017، عندما كنت أعمل مساعدا له، كان على دراية بالمسودة الأولى للكتاب. وفي بداية الأمر، أعطيته جزءا من الكتاب عن مدينة تدمر ليقرأه، ولقد فعل. ثم طلب مني الحصول على نسخة من الكتاب بأكمله، وقال: اجعل كل ما كتبته في هذا الكتاب. كنت أريده أن يقرأ الكتاب. وتأتي هذه الرغبة من حقيقة أنه كانت هناك الكثير من الأحداث التي وقعت في سوريا ولم يكن بريغوزين يعرف عنها أي شيء. وفي ذلك الوقت، كان الكثير من الناس قد استولوا على شركة فاغنر، وكانوا يسرقون الأموال من بريغوزين في واقع الأمر - غير أنه لم يكن يرغب في الإقرار بذلك. كانت لديه تلك القناعة الغريبة بأنه كان يعمل بصورة جيدة للغاية. على الرغم من أن الخدمات اللوجيستية في الشركة العسكرية قد ابتاعت وسادات للركبة التي تستخدم في أعمال الحدائق والبستنة بدلا من المخصصة للأعمال القتالية التكتيكية. وهي لم تكن تفيد في شيء إذا وقع رجل منا على الصخور، لكن وفقا للمستندات، كانت هذه هي الصفقة الحقيقية، ولم تكن سوى سرقة صريحة للغاية».
ولقد طلب مارات من بريغوزين أن يكتب بنفسه مقدمة الكتاب خاصته، والتي من شأنها أن تتعقب جذور المرتزقة الروس إلى محاربي القوزاق القدامى. وعلى ما يبدو، قام رجل الأعمال بطباعة المقاطع المفضلة لديه واحتفظ بها لنفسه، مؤكدا على أن موظفي شركة فاغنر للأعمال العسكرية الخاصة ينبغي أن يتعلموا من هذه الاقتباسات المهمة، وأن يذكّروا بها أنفسهم.
ولقد قام بنشر نسختين أو ثلاث نسخ بنفسه في عام 2017، ويقول غبيدولين عن ذلك: «كان غلاف الكتاب من اللون الأزرق، ولقد ابتكر العنوان بنفسه: فاغنر - مقدمة إلى فاوست. ولقد أحضر خدماته الصحافية الخاصة من أجل تحرير الكتاب. ولقد ترك لي نسخة واحدة فقط، وكان ينوي تسليم نسخة منه إلى ديمتري بيسكوف المتحدث الرسمي باسم الكرملين - حتى أنني سافرت إلى سوريا لهذا الغرض، وقمت بجمع التوقيعات من كافة الشخصيات الرئيسية - حسنا، أولئك الذين تمكنت من الوصول إليهم هناك».

ماذا قال كل من بريغوزين وبيسكوف؟
يُقال إن «بريغوزين عرض نشر المذكرات في نسخة مطبوعة عادية لاحقا، وقال إن الوقت سيأتي للطبعات الأخرى. غير أن مارات قال إن المذكرات لا يمكن أن تنتظر، ومتى سوف يأتي ذلك الوقت؟ عندما لا يكون أحد مهتما بها؟ أو عندما تكون قد قلبت الأوضاع رأسا على عقب في الشركة حتى يصعب تماما التمييز بين الحقيقة والخيال؟ لقد ساعدني بريغوزين كثيرا في حياتي، ولقد قدم لي العلاج المناسب بعد إصابتي، وإنني أتفهم ذلك تماما، ولكن برغم كل شيء، لا يمكنني القبول بما يحدث. وأعتقد أن بريغوزين يرتكب خطأ فادحا بحق شركته. دعوه يلعنني، ودعوه يلقبني بما يشاء من مسميات - لكن الأمر الرئيسي بالنسبة لي أن يعود بريغوزين إلى رشده، وأن يدفعه الكتاب دفعا على إصلاح شركة فاغنر. لأنه لا يستطيع أحد الاستمرار طيلة الوقت تحت حجاب السرية المطلقة: فلماذا تتعمد تعذيب نفسك بإخفاء شيء يعرفه العالم بأسره؟ لأنه الآن، ونظرا للحمقى الأربعة الذين اعتدوا على أحد المنشقين من الميليشيات وأصابوه بإصابة بالغة في رأسه، يعتقد الجميع أن كافة المرتزقة من شركة فاغنر متوحشون ومتعطشون للدماء سواء بسواء.
ولكنها كانت (فاغنر) نفسها هي التي أمرتهم بأن يفعلوا ذلك، كما يقول القائد ديمتري أوتكين، بهدف ترهيب الفارين الآخرين المحتلمين من الجيش السوري. ولذلك، قيل لي إنه أمرهم بتصوير الحادثة بالفيديو. ولا يجب أن ينسى بريغوزين أن قائده المحبوب هذا هو الذي دعا إلى القيام بتلك الأفعال الشائنة. ويرجع الأمر إلى أنفسنا في خلق تلك الأوضاع المزرية. ولا بد من تقديم هؤلاء الساديين الأربعة إلى المحاكمة - ولكن على أي أساس يمكن القيام بذلك في الواقع؟ إننا نواصل طوال الوقت الإعلان عن أنهم لم يكونوا هناك بالأساس!».
يقر مارات بأنه قد أدخل بعض التغييرات على نص الكتاب منذ أن قرأ بريغوزين مذكراته في عام 2017، ولكنه كان يشعر في ذلك الوقت أن صاحب شركة «فاغنر» كان يؤيد موقفه تماما. وقال: «بصفة عامة، فهو ليس رجلا أحمق، وهو يمكنه القيام بتقييم أكثر تحديدا وصرامة للعديد من المشاركين في هذه الأحداث»، مدعيا أن بريغوزين قد أقر فعلا بوجود تجاوزات كبيرة على أرض الواقع.
وبالعودة إلى الوراء، كان بريغوزين قد أخبره أنه من الضروري نقل قصة المرتزقة، وإنما في وقت لاحق، ربما في عام 2022، ولقد سأله غبيدولين: «لماذا في عام 2022 تحديدا؟ لا أعلم على وجه اليقين»، هل يقصد نشرها في الوقت الذي لا يتوقع أحد إدخال تعديلات على الدستور. ويسأل متهكما: «والآن، هل أصبح الميعاد النهائي للنشر هو عام 2022 أم عام 2036؟»،
كان وسام الشجاعة الفضي الغالي مستقرا في راحة يد مارتن، وكان ينبغي وضع صليب الجائزة الثقيل بين أسنانه مباشرة بعد كوب معدني مملوء بالفودكا الروسية الشهيرة. ولقد مر خمسة من المرتزقة بهذه الطقوس الاحتفالية خلال حفل توزيع الجوائز. ثم انطلق «مارتن» في مزاح ثقيل مع رفاقه، واهتزت جدران الثكنات الضعيفة بأصوات ضحكاتهم الصاخبة. ولم يمر وقت طويل حتى يفكروا في بيع هذه الأوسمة، تحت موافقة القادة، والأجهزة الأمنية بطبيعة الحال.
وردا على سؤال حول شعور مرتزقة شركة «فاغنر» الآخرين بشأن تأليف مذكراته الخاصة، يقول مارات إن بعضهم مسرور لأنه يقوم بتلاوة قصته بصورة صريحة للغاية: «تحدثت إلى أحد الأصدقاء، وهو سعيد للغاية بذلك. وقال إن لديه شبابا يخدمون تحت إمرته، جاءوا من القوات المسلحة الروسية منذ فترة ليست بالبعيدة. والناس الذين خاضوا الحروب الضروس في الشيشان أو في حرب جورجيا لم يعودوا يسعون للانضمام إلى شركة فاغنر. واتضح بعد ذلك أن أكثر من نصف الأفراد يدخلون الحرب للمرة الأولى في حياتهم».
من الواضح، أن المجندين الجدد لدى شركة «فاغنر» ليسوا من المقاتلين المحترفين في الحروب السابقة. وهو يقول: «بين عامي 2015 و2017، كان القائد ديمتري أوتكين من شركة فاغنر يقود مجموعة من المصارعين الأشداء، أما اليوم فهو يدرب حفنة من الجنود الضعفاء. وأغلب القادة لدى الشركة ليسوا على المستوى المطلوب منهم على الإطلاق. والمحاربون القدامى الذين ما زالوا ضمن التشكيل الأول قد عزموا أمرهم بالفعل: إن المهمة الرئيسية تتمثل في البقاء على قيد الحياة، مجرد البقاء على قيد الحياة فحسب. وهم لا يفكرون أبدا في النصر».
قال مارات إن شركة «فاغنر» قد تكبدت خسائر فادحة للغاية أثناء القتال في ليبيا. ومن وجهة نظره الخاصة، فإن ذلك يرجع جزئيا إلى حقيقة مفادها أن صاحب الشركة نفسه قد توقف عن قيادة الرجال وتحولت اهتماماته إلى شركة هادفة لتحقيق الأرباح فحسب.
وعلى اعتباره خبيرا في الأمور التكتيكية والاستراتيجية فإنه يفوق كافة الجنرالات لدينا. ولكن مرت بنا أوقات كان يمكنه أن يطلب فيها المزيد من الموارد لتلبية المهام المكلفة بها من القيادة العليا. غير أنه لم يستخدم حق القيادة هذا: فهو بكل بساطة لم يكن يرغب في الجدال مع رؤسائه. ثم تحول الرجال بمرور الوقت إلى وقود للمدافع. وفي عام 2017، على سبيل المثال، لم يكن بإمكانك الاستيلاء على حقول النفط السورية بمثل هذه الأسلحة وكميات الذخيرة - كان الأمر مستحيلا بكل بساطة. ولكن الجيش أصدر الأوامر بالتنفيذ. وعندما لم يكن لدى جنود الهاون القذائف الكافية ويواصل القائد إجبار الناس على القتال، فهذا ليس بقائد على أي حال، بل مجرد رجل أعمال يقول: سيطر على حقول النفط من أجل أن تحصل على الجائزة. وفي خاتمة المطاف، توقف الجنود عن الثقة في قادتهم - وهذا ليس السبب الوحيد. منذ عام 2018، استولى بعض القادة على الأموال المخصصة لمكافآت الوحدة التي يشرفون عليها، وكان يتم توزيع الباقي من «فتات الأموال» على المقاتلين.
ووفقا إلى مارات، تملك شركة «فاغنر» حاليا عددا متزايدا من الأشخاص غير الأكفاء وعديمي الخبرات في أعلى مناصبها القيادية. وقال: «بحلول عام 2018 و2019، كنت قد توقفت بالفعل للبحث عن بعض التفسيرات للمغزى من تعيين شخصية بعينها على رأس تلك الوحدة العسكرية أو تلك. ولقد كان يجري تعيين قادة الوحدات بشكل من أشكال المحسوبية».

«صائدو داعش»
وفي عام 2019، كما يقول: «تلقيت أمرا بإرسال عناصر سورية من وحدة (صائدي داعش) إلى ليبيا على الفور. وبمجرد وصولهم إلى هناك، تلقيت اتصالا من أحد القادة هناك يقول: اسمع، أولئك الرجال الذين أرسلتهم، هل يمكن الاستعانة بهم في عمليات تفجير انتحارية؟»، فسألت نفسي: أي إنسان طبيعي هذا الذي يمكن أن يطلب أمرا كهذا؟ ناهيكم عن أنهم بعض من رجالي!
للأسبوع الثاني على التوالي، كان مارتن في قاعدة حميميم العسكرية وسط الجنود الروس، في ملابسهم النظيفة، وفي حالة صحية جيدة. وكانت الوحدات السكنية تتوافر بها أجهزة تكييف الهواء، والمرافق الرياضية، والمقاهي - وكان المقاتلون الأجانب لا يحلمون بمثل هذه الظروف المتيسرة للغاية. كان متحف الدبابات، الذي أقيم بأموال دافعي الضرائب، يضم منصات ومسلات وزخارف أخرى، وكانت كل تلك الديكورات الغريبة تدفع رجال المرتزقة لطرح سؤال واحد فقط: «أليس لديهم أي شيء آخر يفعلونه؟» كانت الضفة الشرقية من نهر الفرات قد فُقدت بالكامل، وللعام الثاني على التوالي لا يمكن قطع مسافة 200 كيلومتر خارج مدينة إدلب! وفي وقت لاحق، اعترف عقيد إلى مارتن بأنه قد انضم إلى الرحلة العسكرية السورية المرموقة بفضل رشوة كبيرة تصل إلى راتب شهر كامل في بقعة عمليات عسكرية مشتعلة.
قال، عند سؤاله حول حميميم: «كان المظليون وجنود مشاة البحرية من الجنود الكسالى للغاية الذين تراهم يسبحون في خيرات تلك القاعدة. وسمعت كيف أن جنودنا في تلك القاعدة يتفاخرون بمآثرهم العظيمة هناك، لقد استكملنا تلك المهمة الشاقة: لقد جلسنا سرا داخل القاعدة طوال الليل. مما يعني أنهم كانوا قابعين داخل أحد المواقع المؤمنة تماما».
وفي الأثناء ذاتها، كان المرتزقة التابعون لشركة «فاغنر» يضطلعون بأعمال القتال الفعلية هناك، ويقول: «بعد السيطرة الأولى على مدينة تدمر، ظهرت حفنة من الناس (من شركة الأعمال العسكرية الخاصة) والذين عند عودتهم إلى روسيا قالوا: لقد سيطرنا على تدمر. غير أن المستشفيات في كل من قاعدة حميميم وفي روسيا مليئة برجالنا ومقاتلينا من المرتزقة على وجه التحديد. وكان الأطباء يسألون: من الذي يقاتل في سوريا، أهو الجيش أم شركة فاغنر؟ ولقد كان ذلك سؤالا قاسيا للغاية على أسماع الجنرالات. وبلغ الاستياء ذروته حتى أنه منذ أوائل عام 2017 شرعوا في تزويدنا بأسلحة منخفضة الجودة. لقد كان ذلك نابعا من حالة الحقد الغالبة عليهم، بصرف النظر تماما عن مقدار الأضرار التي لحقت بك بسبب الموقف الراهن، فأنت تعلم أن رفاق الوطن يخوضون المعارك - فما المانع من تزويدهم لما يحتاجون إليه حتى يظل المزيد من الرجال على قيد الحياة ويواصلون القتال! كان من الواضح تماما أننا كنا نتصرف وفقا لاتجاهاتنا الخاصة، وكانت وزارة الدفاع الروسية - التي كانت تساند الجيش الحكومي السوري - تتصرف وفق اتجاهاتها. ولكن إن لم يتمكن المرتزقة من السيطرة على الممر بالقرب من مدينة تدمر ولم تنجح في الوصول إلى المطار المحلي في المدينة، كان من المستحيل تماما السيطرة على المدينة مع هذا القطيع من الجيش السوري».

فاقد للقدرة
يصف مارات الجيش الحكومي السوري بأنه تشكيل عسكري فاقد للمقدرة، موضحا أن القيادة الروسية غالبا ما كانت غير قادرة على الدفع بهم إلى الهجوم. كما يزعم أيضا أن ممارسة الضغوط من أجل إرسال التقارير المنتصرة كانت تعني أن القادة الروس معروف عنهم تقديم المزاعم الكاذبة. ويقول: «أثناء وجودي، كان أحد الجنرالات الروس قلقا للغاية بشأن مستقبله العسكري، وكان في حاجة ملحة إلى تقديم نفسه كقائد كبير. ولأجل ذلك، ومن دون إحراج، وبسبب وجود شاهد عيان، تعمد إملاء تقرير مزيف إلى الضابط المرافق بمجموعة القيادة».
ومن الجدير بالذكر أن المذكرات تشتمل على مقطع (ذلك الذي يصر على أنه غير خيالي بالمرة تماما كبقية أجزاء الكتاب) بشأن ضربة جوية روسية استهدفت موقعا لرجال شركة فاغنر: «في عام 2016، هاجمت طائرة روسية موقعا للمفرزة الرابعة التابعة لشركة (فاغنر)، حيث كانت تتمركز وحدتي. وشرعت الطائرة في قصفنا - وتفرق جميع الرجال في مختلف الاتجاهات. وانطلق المراقب إلى أعلى التل وحاول تحويل مسار الطائرة، ولكن على الأرجح، أنه لم يتم إبلاغه بأي تغيير في الترميز: فلقد استخدم الرموز القديمة ولم تستجب له الطائرة. وانطلق الطيار إلى جولة ثانية، تلك التي قضى فيها على المراقب. ولقد فقد العديد من الرجال حياتهم جراء هذا الهجوم وأصيب قائد المجموعة نفسه».

ماذا قالت وزارة الدفاع؟
عبرت نظرة المقاتل «تاموك» عن كثير من الألم والحيرة. كيف أنه كان قبل حوالي 10 دقائق فقط يقاتل في المعركة، إما يطلق زخات قصيرة من الرصاص ضد العدو، وإما يساعد جريحا ينزل من أحد التلال القريبة. والآن، هو يرقد أمامنا، وغدت ساقه اليسرى جذعا من العظام. كانت بقايا ساق تاموك التي شوهها الانفجار، ملقاة على التل القريب. ولسوف يفارق الحياة في أحد المستشفيات في روسيا. ومرة أخرى، كما في المرة السابقة، لن يأتي أحد على ذكر المقاتلين الأجانب في التقارير العسكرية الرسمية: ووفقا إلى السياسيين، فإن القوات المسلحة للجمهورية العربية السورية بمعاونة القوات الجوية الروسية هي التي قامت بكل شيء.
في وقت سابق، أعلن سيرغي شويغو وزير الدفاع الانتصار الساحق على «داعش» في سوريا، غير أن مارات يقول إن قوات «فاغنر» لا بد وأن يقاتلوا بصورة دورية حتى الآن، وتحديدا في المنطقة المسماة بالصحراء البيضاء - تلك المنطقة التي تسيطر عليها العصابات المسلحة بصورة حصرية.
في عام 2019، كان مارات يعمل في حميميم ، وكان مسؤولا عن التعامل مع جثث المرتزقة من «فاغنر» الذين فقدوا حياتهم. ويقول: «واجهت على الفور حقيقة مفادها أنه لا يمكن دفن رجالنا بطريقة مشرفة وكريمة هناك. ولم تكن أمامنا أي خيارات في قاعدة حميميم - مجرد ثلاجة للموتى ليس أكثر. وكان لا بد من نقلهم إلى المستشفى في اللاذقية، حتى يتمكن السوريون من غسل الجثث بالمياه، ثم وضعهم في توابيت عتيقة من الزنك، ثم في صناديق من الخشب الرقائقي. وبطبيعة الحال، لم تكن هناك إمكانات لإعادة الجثث إلى حالتها الطبيعية بعد الوفاة تكريما للمتوفى قبل دفنه. لم أكن أعتقد أبدا أنه سيكون من العسير للغاية القيام بمثل هذا العمل. كم من الرجال ماتوا بهذه الطريقة؟».
وعند سؤاله حول رأيه في تعمد الكرملين إخفاء هذه الخسائر، قال ماروت إن «ميراثنا الوحيد الذي ينتقل من جيل إلى آخر ومن نظام إلى ما بعده هو: تعمد إخفاء الحقائق حتى عن أنفسنا».

سوريا هي روسيا
«اقتربت سيارة الدفع الرباعي ذات الزجاج الداكن المصفح في ثقة من طابور جنود المرتزقة. وكان من الواضح تماما أن تلك السيارة تقل ضباطا من الاستخبارات العسكرية الروسية، ضباط جهاز (إن كيه في دي) في ستراتهم السوداء. لم تكن السيارة تخطط لإفساح الطريق لنا، بل كان من الواضح أن الخدمات العسكرية الخاصة ذات القدرات المطلقة في سوريا كانت تعتمد على الطاعة المعتادة لنزواتها الحمقاء». فكر مارتن على نحو مفاجئ: «هناك الكثير من مثل هذه السيارات التي تندفع على طول الطرق في روسيا، ومن دون أن تعبأ بأي أحد، متجاوزة في ذلك كل القواعد والتفاهمات». وفي داخل تلك السيارات كافة أنواع المديرين المتفاخرين بأهميتهم الخاصة، ورجال الأعمال المنغمسين للغاية في حياتهم وحياة ذويهم. ولكن هناك، في روسيا، سوف يكون من العسير للغاية إطلاق النار عليهم كما يحدث في سوريا حيث يمكننا الوصول إلى الأسلحة العسكرية.
بين دفتي الكتاب، كان «مارتن» يرجع بتفكيره إلى روسيا أثناء مواصلته القتال في سوريا. ويقول إن ذلك بسبب وجود الكثير من القواسم المشتركة التي تجمع بين البلدين. ويتابع: «تعتبر سوريا بكل بساطة درجة متطرفة من تطور الميول الغريبة غير المرغوب فيها، تماما كما هو موجود وواضح في روسيا. فهناك النفاق، والمعايير المزدوجة، والانتهازية، وفقدان النزاهة، والفساد الشديد. والسوريون الذين يعيشون تحت مظلة هذا النظام ينالهم منه الكثير من الفساد. ونحن نقترب كثيرا من هذه الدرجة من انعدام المسؤولية وعدم الاكتراث لشيء».
وعندما يتحدث عن نشر كتابه الخاص، يقول إنه سيكون سعيدا للغاية عندما تحقق مذكراته بعض الأرباح المالية، كما يعتقد بأنها ربما تصلح كقصة روائية لفيلم سينمائي جيد.



تعاون اقتصادي مصري - سوري «يذيب» جمود السياسة

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق (اتحاد الغرف التجارية المصرية)
الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق (اتحاد الغرف التجارية المصرية)
TT

تعاون اقتصادي مصري - سوري «يذيب» جمود السياسة

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق (اتحاد الغرف التجارية المصرية)
الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق (اتحاد الغرف التجارية المصرية)

سعياً لتعزيز التعاون بين البلدين عبر البوابة الاقتصادية، استضافت العاصمة السورية دمشق، الأحد، «الملتقى الاقتصادي السوري - المصري» الأول، بمشاركة مسؤولين سوريين وقيادات من قطاع الأعمال في البلدين، في خطوة عدَّها مراقبون قد تساعد في «إذابة الجمود» الذي تشهده العلاقات السياسية بين البلدين.

ويستهدف الملتقى الاقتصادي «تعزيز التعاون التجاري والاستثماري، وإقامة مشاريع مشتركة بين البلدين»، بحسب اتحاد الغرف التجارية السورية الذي أوضح في إفادة، الأحد، أن الملتقى يتيح منصة رسمية لبحث الفرص الاستثمارية، وتطوير الشراكات التجارية بين القاهرة ودمشق.

ويعدّ الملتقى الفعالية الأبرز بين البلدين منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد في سوريا، وتولي أحمد الشرع الرئاسة. ويأتي انعقاد الملتقى عقب توقيع الحكومتين المصرية والسورية على مذكرتي تفاهم في مجال الطاقة الأسبوع الماضي؛ المذكرة الأولى «للتعاون في توريد الغاز المصري إلى سوريا بهدف توليد الكهرباء من خلال استغلال البنية التحتية المصرية، سواء سفن التغييز أو شبكات نقل الغاز»، والثانية «لتلبية احتياجات سوريا من المنتجات البترولية».

جانب من الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق (اتحاد الغرف التجارية المصرية)

ويتسم مسار التعاون السياسي المصري مع سوريا بالحذر، منذ تولي الشرع الحكم، حيث اقتصرت اللقاءات بين مسؤولي البلدين على مناسبات رسمية دولية، في حين تطالب مصر بضرورة تدشين عملية سياسية شاملة تضم كل مكونات المجتمع السوري.

وقال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، في أكثر من مناسبة، إن موقف بلاده تجاه التطورات في سوريا ثابت، ويستند على ضرورة دعم الدولة السورية واحترام سيادتها ووحدة أراضيها.

نافذة تقارب

ومن شأن تعميق التعاون الاقتصادي أن يسهم في دفع مسار العلاقات المصرية - السورية في المجالات كافة، و«إذابة جمود السياسة»، وفق تقدير مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، الذي قال إن «الملتقى يشكل نافذة لدعم التقارب والتفاهم السياسي بين البلدين».

وأضاف الشرقاوي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن هناك فرصاً عديدة لتوسيع التعاون، في مقدمتها مشاركة الخبرات المصرية في عملية إعادة الإعمار. واستطرد قائلاً: «هناك استثمارات مشتركة ينفذها مستثمرون سوريون مقيمون في مصر يمكن التعويل عليها في تعميق التعاون الاقتصادي».

وفي كلمته أمام الملتقى، اعتبر وزير الاقتصاد والصناعة السوري نضال الشعار أن التعاون الاقتصادي السوري - المصري «تكامل طبيعي بحكم التشابه بين البلدين في نمط الإنتاج والاستهلاك، وطبيعة الموارد البشرية، والدور المحوري الذي تؤديه الصناعة والزراعة والخدمات في البلدين».

ولا يقتصر التعاون الاقتصادي على تبادل السلع، وفق الشعار، الذي قال في كلمته بالملتقى إن «تعزيز التعاون يقوم على مشروعات مشتركة بما يرفع فرص النجاح والاستدامة».

في نفس الإطار، قال رئيس الوفد المصري ورئيس الاتحاد العام للغرف التجارية المصرية، أحمد الوكيل، إن القاهرة ستقدم لدمشق كل خبراتها وإمكاناتها «لنقل تجربتها في الخطط العاجلة للنهوض بالبنية التحتية من كهرباء وطرق وموانئ وصرف صحي، وإنشاء الجيل الرابع من المدن الجديدة والمناطق الصناعية والمراكز اللوجستية، وتحديث وإعادة تأهيل المصانع»، مستشهداً بمشاركات الخبرات المصرية في إعادة الإعمار بالعراق وليبيا.

وتسعى مصر وسوريا لـ«إعادة الوحدة الاقتصادية» بين البلدين، عبر دور فاعل من الغرف التجارية ومنتسبيها من القطاع الخاص، وفق الوكيل، الذي أشار إلى أن الهدف «تنمية التجارة البينية والاستثمارات المشتركة، وخلق فرص عمل».

ويرى الوكيل أن «الإرادة السياسية متماشية مع الإرادة الشعبية»، وطالب بتسريع توفير حرية انتقال رجال الأعمال ورؤوس الأموال والسلع والخدمات، ومنح الأفضليات للشركات السورية والمصرية في كلا البلدين.

آفاق تعاون

ووفقاً لعضو شعبة المواد الغذائية بالغرف التجارية المصرية، حازم المنوفي، فإن الملتقى يشكل «فرصة حقيقية لدفع التعاون الاقتصادي بين البلدين»، مشيراً إلى أن الهدف من انعقاده هو تنمية الشراكات بين القطاعين العام والخاص في البلدين.

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن الملتقى يساهم في تعميق التعاون التجاري والاستثماري بين القاهرة ودمشق، إلى جانب الاستفادة من الخبرات المصرية في إعادة الإعمار بسوريا، خصوصاً في مجالات الصناعة والبنية التحتية والخدمات.

السيسي خلال لقاء الشرع على هامش «القمة العربية» بالقاهرة في مارس الماضي (الرئاسة المصرية)

ويرى المنوفي أن هناك أبعاداً إيجابية للملتقى، من بينها «بناء شراكات تجارية واستراتيجية بين رجال الأعمال المصريين والسوريين، تشمل مجالات الكهرباء والبترول والغاز والزراعة والنقل واللوجستيات»، إلى جانب «فتح آفاق تعاون أوسع مع مؤسسات دولية وأوروبية، من خلال تكامل الجهود عبر اتحاد غرف البحر المتوسط واتحاد الغرف الأفريقية، ما يعزز دور البلدين في الأسواق الإقليمية».

وسيبحث الوفد المصري، الذي يضم 26 من قيادات الغرف المصرية والمال والأعمال، «التعاون في قطاعات الطاقة والنقل واللوجستيات والبنية التحتية والزراعة وإعادة تأهيل المصانع المتعطلة»، إلى جانب «دعم سوريا في إعادة الإعمار، ونقل تجربة مصر في الخطط العاجلة للبنية التحتية، وإنشاء 22 مدينة جديدة من الجيل الرابع، ومدن صناعية ومراكز لوجستية»، بالإضافة إلى «إقامة 8 آلاف من الطرق السريعة والكباري والأنفاق والموانئ»، حسب اتحاد الغرف التجارية المصرية.

وهناك إرادة للانفتاح التجاري والاقتصادي بين القاهرة ودمشق، رغم حالة الجمود السياسي، وفق تقدير عضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ المصري، نورهان الشيخ، التي قالت إن «هناك توافقاً لفصل المسار الاقتصادي عن مستوى التعاون السياسي بين الجانبين»، مشيرة إلى أن «المصالح تفرض نفسها على مسار التعاون المصري - السوري».

وأضافت، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن هناك «حذراً في الانفتاح السياسي المصري تجاه سوريا». واستطردت: «هناك قنوات تواصل بين الجانبين، لكن الانفتاح الكامل مرهون باستكمال الخريطة السياسية في سوريا واستقرار الأوضاع الداخلية».

وسبق أن التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بالرئيس السوري الشرع على هامش القمة العربية الطارئة بالقاهرة في مارس (آذار) 2025؛ كما التقى وزير الخارجية عبد العاطي بنظيره السوري أسعد الشيباني على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في سبتمبر (أيلول) الماضي.

وهناك نحو مليون ونصف مليون سوري يقيمون في مصر، بينهم أكثر من 15 ألف منتسب لاتحاد الغرف المصرية، باستثمارات تقارب مليار دولار، وفق الوكيل الذي دعا إلى «ضرورة تجاوز مرحلة العلاقات الثنائية بالبدء الفوري في العمل المشترك لغزو الأسواق الخارجية واستغلال المميزات النسبية والمواقع المميزة للبلدين للتصدير المشترك لمناطق التجارة الحرة المتاحة».

وعلى هامش الملتقى، استقبل رئيس اتحاد الغرف التجارية السورية، علاء عمر العلي، الوفد المصري المشارك. وأكد أهمية انعقاد الملتقى «لتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري، وفتح آفاق جديدة للشراكات بين مجتمعي الأعمال في سوريا ومصر»، حسب إفادة من اتحاد الغرف التجارية السورية.


العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، الأحد، إن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

وأضاف العليمي خلال لقائه، في الرياض، السفيرة البريطانية عبده شريف، أن تشكيل اللجنة العسكرية العليا سيعيد توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية، في خطوة تهدف إلى حماية الجبهة الداخلية والحفاظ على تركيز الدولة على مواجهة انقلاب الحوثي المدعوم من إيران، سلماً أو حرباً.

وبحسب الإعلام الرسمي، جرى في اللقاء بحث العلاقات الثنائية مع لندن، إضافة إلى المستجدات المحلية، وجهود تطبيع الأوضاع، واستعادة التعافي بالمحافظات المحررة، فضلاً عن إجراءات تعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن والاستقرار وبناء السلام، والدور المعوّل على المجتمع الدولي في مواصلة دعم هذا المسار، ضمن مرحلة جديدة من الشراكة الواعدة في اليمن.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام رسمي)

ونقلت وكالة «سبأ» أن العليمي جدد الإشادة بالدور الإيجابي الذي اضطلعت به المملكة المتحدة لدعم وحدة اليمن، وشرعيته الدستورية، وجهود السلام، وتدخلاتها الإنسانية الحيوية للتخفيف من معاناة الشعب اليمني.

وأكد العليمي أهمية الشراكة مع لندن في دعم جهود استعادة مؤسسات الدولة اليمنية، ومكافحة الإرهاب، والاستقرار الإقليمي، وأمن الملاحة الدولية، متطرقاً إلى الإجراءات الرئاسية المتخذة لتطبيع الأوضاع بالتنسيق مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، بما في ذلك القرارات السيادية الأخيرة، لحماية المدنيين والمركز القانوني للدولة، وفقاً لإعلان نقل السلطة، والقواعد المنظمة لأعمال مجلس القيادة الرئاسي.

تسلّم المعسكرات

وأورد الإعلام الرسمي أن العليمي أكد للسفيرة البريطانية نجاح عملية تسلم المعسكرات في محافظتَي حضرموت والمهرة، واستمرار تطبيع الأوضاع في العاصمة المؤقتة عدن وباقي المحافظات المحررة، وقال إن هذه العملية «ستعيد حصر السلاح بيد الدولة، والتمهيد لعودة كافة المؤسسات للعمل بصورة طبيعية من الداخل».

وأضاف أن «هذا النجاح سيسهم في تحسين الوضع الإنساني، وتسهيل تدفق المساعدات، وتعزيز الثقة مع المجتمع الدولي»، مؤكداً أن نجاح تسلم المعسكرات مثّل خطوة تأسيسية لإعادة توحيد القرار العسكري والأمني على أسس مؤسسية واضحة.

جنود في عدن يتجمعون خارج مقر المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وتطرق رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا، كإطار مهني جامع يتولى توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية، وإعادة تنظيمها تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية.

كما أكد أن تشكيل هذه اللجنة يبعث برسالة واضحة بأن الدولة اليمنية لم تنحرف عن أولوياتها الوطنية، وأن عملية تسلم المعسكرات كانت إجراء تصحيحياً مهماً لحماية الجبهة الداخلية، وإبقاء الجهد مركزاً على معركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء انقلاب الحوثي المدعوم من النظام الإيراني، سلماً أو حرباً.

قرار مسؤول

وأشار خلال اللقاء مع السفيرة البريطانية إلى إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه، وقال: «كان قراراً شجاعاً ومسؤولاً في لحظة مفصلية، عكس إدراكاً لحساسية المرحلة وخطورة الانزلاق إلى صراعات داخلية من شأنها إضعاف الجبهة الداخلية في مواجهة التهديد الحقيقي».

وشدد رئيس مجلس القيادة اليمني على «التعامل المسؤول مع مترتبات هذا القرار، بعقل الدولة لا بمنطق التشفي، ومنع تكرار أخطاء الماضي التي أفضت إلى الإقصاء والتهميش، أو توظيف القضايا العادلة لعسكرة الحياة السياسية».

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب الاستفادة من كافة الطاقات الوطنية، المدنية والعسكرية، ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية، وسيادة القانون.

العليمي أكد استعادة المعسكرات التي سيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وجدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الإشادة بالدور المحوري السعودي في خفض التصعيد، ورعاية الحوار الجنوبي، كامتداد لدعم اقتصادي سخي، وتدخلات إنسانية وإنمائية في مختلف المجالات.

كما تطرق لأولويات المرحلة المقبلة، وفي المقدمة عودة الحكومة ومؤسسات الدولة للعمل من الداخل، وتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز استقلال القضاء وسيادة القانون، وتهيئة بيئة آمنة للاستثمار، وإعادة الإعمار.

وشدد العليمي على مضي الدولة في مسار الاستقرار، وتعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن وبناء السلام، داعياً المملكة المتحدة والمجتمع الدولي إلى مواصلة دعم هذا المسار، بما في ذلك ردع أي محاولة لعرقلة العملية السياسية في البلاد.


اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
TT

اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)

مثّلت كلمة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مساء السبت، نقطة انعطاف حاسمة في مسار الأزمة اليمنية، ليس فقط من حيث مضمونها السياسي والعسكري، بل من حيث الرسائل الإقليمية والدولية التي حملتها، والإطار الجديد الذي دشّنته لإدارة الصراع وضبط الأمن ومعالجة القضايا المؤجلة، وفي مقدمتها «القضية الجنوبية».

خطاب العليمي، الذي بثّه التلفزيون الرسمي، لم يكن بيان تهدئة بل إعلان انتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة هندسة الشرعية اليمنية القائمة أمنياً وسياسياً، تحت مظلة شراكة إقليمية يقودها «تحالف دعم الشرعية في اليمن» الذي تتزعمه السعودية.

اللافت في الخطاب أنه جاء بعد «أيام مفصلية وقرارات صعبة»، على حد تعبير العليمي، ما يعكس إدراكاً رئاسياً بأن البلاد كانت على حافة انفجار يُهدد الداخل اليمني والجوار الإقليمي، وأن الحسم في المحافظات الجنوبية لم يكن خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة سيادية لحماية الدولة، ومنع تفككها وضبط أمن الجوار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

ومن هنا، كان تسلم المعسكرات في عدن وحضرموت والمهرة وبقية المحافظات الجنوبية المحررة جزءاً من عملية أوسع لإعادة الاعتبار للمركز القانوني للدولة، وسدّ الفراغات التي لطالما استثمرتها الجماعات المسلحة والفوضى السياسية، وآخرها كان في تصعيد عيدروس الزبيدي رئيس ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي»، ومحاولته إخضاع حضرموت والمهرة بقوة السلاح.

مرحلة جديدة

خطاب العليمي ركّز بوضوح على أن ما جرى يُمثل بداية مرحلة جديدة، قوامها وحدة الصف وتغليب الحكمة، بعيداً عن منطق السلاح وإدارة الخلافات بالقوة، وفي حين يبدو أن هذه الرسالة موجّهة بالدرجة الأولى إلى الداخل اليمني، لكنها في الوقت ذاته تطمين للخارج بأن الشرعية اليمنية باتت أكثر تماسكاً، وقادرة على ضبط مناطق نفوذها، وحماية الممرات المائية، ومكافحة الإرهاب، ومنع تهريب السلاح.

الأهم أن العليمي وضع الأمن والاستقرار في صدارة الأولويات غير القابلة للتأجيل أو المساومة، بوصفهما شرطاً لازماً لاستمرار الخدمات، وتحسين الأوضاع المعيشية، وصون كرامة المواطنين. وهو ما يعكس تحولاً في خطاب الشرعية من التركيز على الشعارات السياسية إلى خطاب الدولة المسؤولة، التي تُقاس قدرتها بمدى توفيرها الأمن والخدمات، لا بعدد بياناتها.

وفي أحد أكثر مقاطع الخطاب أهمية، أعاد العليمي تأكيد أن القضية الجنوبية «عادلة»، وتقع في صدارة أولويات مجلس القيادة الرئاسي، نافياً أي تشكيك سابق أو إنكار لحقوق الجنوبيين. غير أن الجديد هنا لا يكمن في الاعتراف، بل في الإطار الذي طُرح لمعالجة القضية، وهو الحوار الجنوبي-الجنوبي المرتقب في الرياض.

وفي هذا الصدد يعكس إعلان عقد مؤتمر للحوار الجنوبي الشامل برعاية وإدارة السعودية، وبمشاركة الشخصيات والقيادات الجنوبية، وليس «المكونات»، توجهاً لإخراج القضية من أسر التمثيلات الفصائلية الضيقة، ووضعها في سياق سياسي جامع، بضمانات إقليمية ودولية.

ويبدو أن هذا التحول لا يقل أهمية عن البُعد العسكري، لأنه يسحب فتيل الصراع من الداخل الجنوبي، ويُعيد تعريف القضية بوصفها مسألة سياسية قابلة للحل، وليست ورقة للابتزاز الأمني والتوظيف الخارجي المزعزع لأمن اليمن والمنطقة.

من ناحية ثانية، يشير إعلان العليمي عن دعم الدولة لمخرجات هذا المؤتمر، «بكل مسؤولية وإخلاص»، إلى استعداد رسمي للالتزام بما يجري التوافق عليه، ضمن مرجعيات المرحلة الانتقالية، وهو ما يمنح العملية السياسية الجنوبية ثقلاً غير مسبوق منذ سنوات.

الاستعداد للحسم

الرسالة الأكثر وضوحاً، وربما الأكثر حسماً، في الخطاب تمثلت في إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا تحت قيادة قوات «تحالف دعم الشرعية»، وهو ما يعني عملياً إعادة توحيد القرار العسكري، ووضع جميع التشكيلات والقوات اليمنية تحت مظلة قيادة واحدة، تتولى الإعداد والتجهيز والقيادة، والاستعداد للمرحلة المقبلة في حال رفض الحوثيون الحلول السلمية.

وتتجاوز دلالات هذا الإعلان من قبل العليمي البُعد التنظيمي؛ إذ ينظر إليها بوصفها رسالة ردع مباشرة للجماعة الحوثية المدعومة من إيران، ورسالة طمأنة للمجتمع الدولي بأن الشرعية باتت تمتلك إطاراً عسكرياً منضبطاً قادراً على ضبط السلاح، وتأمين الممرات المائية، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.

ومن المرتقب أن يؤدي تولي «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية مسؤولية دعم هذه القوات وقيادتها، إلى مستوى فاعل من الشراكة الاستراتيجية، مع تأكيد أن المرحلة المقبلة ستُدار بأدوات «حازمة جداً» وشفافة ومنضبطة بعيداً عن منطق توازنات الفصائل المتنافسة على الأرض أو الأطراف التي تُريد استغلال الواقع لتحقيق مصالح شخصية أو حزبية دون التركيز على مصير اليمنيين.

ولا تفوت الإشارة في هذا السياق إلى أن العليمي وضع الحوثيين أمام خيارين فقط، وهما إما الانخراط الجاد في مسار سياسي سلمي، وإما مواجهة مرحلة جديدة من الاستعداد العسكري المنظم، إذ شدد الخطاب على استعادة الدولة «سلماً أو حرباً».