«لقاء الجمعة»... لعبة سردية مسكونة بالصحراء

حامد فاضل نجح في إعادة تمثلها بالتركيز على الشرائح المسحوقة

«لقاء الجمعة»... لعبة سردية مسكونة بالصحراء
TT

«لقاء الجمعة»... لعبة سردية مسكونة بالصحراء

«لقاء الجمعة»... لعبة سردية مسكونة بالصحراء

تكشف رواية «لقاء الجمعة»، للروائي حامد فاضل، عن نفسها منذ البداية بصفتها رواية شخصية تشتبك مع الحدث، فاعلة منفعلة، مؤثرة في الحدث الواقعي الاجتماعي بالقدر الذي تتأثر بهذا الحدث نفسه، وكأن الروائي يقتحم السجال النقدي المستمر حول تعالق الحدث بالشخصية. فبعد أن كان ينظر إلى الشخصية بصفتها تابعة للحدث، جرياً مع المفهوم الأرسطي، حصل تحول مهم مع الثورة البرجوازية، عندما أصبحت الشخصية مستقلة عن الحدث، وربما مؤثرة فيه.
شخصية البطل ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمكان، وتحديداً مدينة السماوة، حاضرة وبادية صحراوية على السواء، كما نتعرف إليه منذ البداية شاباً يافعاً من أبنائها، اسمه سهيل السماوي، يروي حكايته للراوي المركزي أو ذات المؤلف الثانية، منذ إن كان طالباً في متوسطة السماوة، ونكتشف أن هذا النص الحكائي أو الروائي هو حصيلة حوارات أجراها الراوي مع البطل سهيل السماوي في سبع جلسات أيام الجمعة. ومن هنا جاء اشتقاق عنوان الرواية.
أما سهيل السماوي هذا فهو مجرد قناع لشخصية مرجعية واقعية، هو الأستاذ خضير عباس الذي أهدى له المؤلف روايته، بصفته مرجعاً سردياً لها «له السداة، وللخيال اللحمة، ولي الحياكة»، كاشفاً عن مرجعيات روايته التكوينية الثلاث، المتمثلة في مرجع حكائي واقعي هو الأستاذ خضير، وخيال سردي، و«حياكة» سردية أنجزها المؤلف، أو ذاته الثانية، وكأنه يكرر ما يقوله النقد الثقافي عن «المؤلف المزدوج» الذي بلوره الناقد عبد الله الغذامي في كتابه «النقد الثقافي»، كاشفاً أن النتاج الإبداعي هو ثمرة تأليف مزدوج من قبل المؤلف التقليدي، وما سماه الثقافة.
يستهل الروائي روايته في فصل استهلالي، أطلق عليه اسم «عتبة»، بتوظيف ضمير المتكلم، في سرد فني مبأر، يمر من خلال شاشة وعي الراوي المركزي في الرواية، أو الذات الثانية للروائي، وهو يصدمنا بحدث يجتذب اهتمامنا منذ البداية، هو سرقة حاسوبه المحمول الذي دون فيه لقاءات الجمعة مع سهيل السماوي، وكأن الروائي يستجيب لنصيحة عدد من الروائيين والنقاد وكتاب الرواية بأن يستهلوا رواياتهم بحدث ما، ربما كما يفعل كتاب القصص والأفلام البوليسية. فهذا الحدث سوف يستدرج القارئ إلى «أفق توقع» معين يتعلق بسر اختفاء الحاسوب، وبالتالي ملاحقة تجربة بطل الرواية سهيل السماوي. ومن الطريف أن هذا الفصل الاستهلالي، غير بعيد عن مفهوم العتبات النصية عند جيرار جنيت، هو جزء عضوي من النسيج الروائي الذي «حاكه» المؤلف من خلال لعبة سردية ذكية. كما ستكمل هذا الفصل في نهاية الرواية في فصل ختامي يحمل عنوان «العتبة أيضاً»، بالكشف عن مصير الحاسوب المسروق، ليعود بالرواية إلى نقطة الشروع عبر بنية دائرية.
الرواية تتحرك من خلال منحى «ميتا سردي» واضح يتجلى منذ البداية، وإعلان الراوي المركزي أنه قام بإجراء لقاءات دونها على حاسوبه مع سهيل السماوي نفسه، روى فيها كثيراً من تجاربه التي مرّ بها في السجون والمعتقلات في دفتر صغير، قرأ فقرات منه لزملائه السجناء السياسيين، وأخيراً قيام سهيل السماوي بكتابة الرواية بنفسه، بعد أن سرق حاسوب الراوي. لذا كان الانشغال بكتابة الرواية، وكيفية تنظيمها وصياغتها أو «حياكتها» هو الهم المهيمن على تفكير الراوي المركزي الذي فجع منذ الاستهلال الروائي بضياع مسودات روايته التي دونها على حاسوبه المسروق: «ربما هي المرة الألف التي تعيد فيها ذاكرتي شريط ذلك الصباح الشباطي المطير الذي فقدت فيه حاسوبي المحمول. ماذا أقول لسهيل السماوي... بأي وجه أقابل من وثق بي وسلمني مدخرات ذاكرته؟ تلك الذكريات التي شكلت مادة نسيج روائي».
واللعبة التي اعتمدها المؤلف في وضع ما سماه «ملف رواية لقاء الجمعة»، وفصله عن الاستهلال الموسوم بـ«عتبة»، والخاتمة الموسومة بـ«العتبة أيضاً»، توفر الانطباع لدى القارئ بأنه أمام مخطوطة «مستقلة»، وهو ما يدعم الجوهر الميتاسردي للرواية عبر هذا التنوع السردي والأسلوبي والحكائي.
لذا ينطوي السرد الروائي في «لقاء الجمعة» على أكثر من لعبة سردية ماكرة، إذ تكشف الرواية عن أكثر من سارد، بل توحي بأنها عمل تأليفي مشترك بين الراوي المركزي، أو ذاته الثانية، والشخص المجهول الذي سرق الحاسوب، وتنكر باسم «جابر عثرات الروائيين» الذي سنكتشف في الفصل الختامي أنه اسم مستعار لسهيل السماوي نفسه. كما أن سهيل، خلال السنوات الطويلة التي أمضاها في السجون والمعتقلات، وبشكل خاص في سجن بعقوبة وسجن نقرة السلمان، كان يدوّن ملاحظات عن حياته وتجربته، أصبحت هي الأخرى مادة أساسية من مواد النسيج الداخلي للرواية. وفضلاً عن ذلك، فقد لعب السرد الشفاهي الحكائي دوراً في إضفاء «أسلبة» لغوية وأسلوبية بتعبير باختين على لغة السرد. وظهور عنصر الحكاية، وتحديداً من خلال السرد الشفاهي، هو من الخصائص الأسلوبية الراسخة في أغلب ما كتب مؤلف الرواية حامد فاضل، وإن كان قد كرس واحداً من مؤلفاته السردية لهذا النمط الحكائي في كتابه «ألف صباح وصباح»، وجعل منه حكاءً متميزاً.
لا تخلو الرواية من جوهر تسجيلي ووثائقي، مع أنها رواية تخييلية مبأرة. كما أن كثيراً من الحقائق التي كشفت عنها، وبشكل خاص عن وضع السجناء في سجن بعقوبة، وعملية هروبهم الجماعية، والحياة الاجتماعية للسجناء في نقرة السلمان، وحتى إدراج أسمائهم الحقيقية، تكاد تكون تسجيلية ووثائقية وقريبة من الحقيقة وجزءاً من التاريخ النضالي للحركة الوطنية.
لكن الجانب الوثائقي قد تسربل برداء السرد الفني، ولم يكن مقحماً أو مصطنعاً. وبذا، فالروائي نجح في إعادة خلق الواقعة التاريخية سردياً وتخييلياً من خلال التركيز على الحياة الداخلية للشرائح المسحوقة تحت وطأة نظام الاستبداد آنذاك. ويمكن القول إن الروائي وفق في تقديم تاريخ بديل لنضال الشعب العراقي، ممثلاً بسهيل السماوي، منذ كان طالباً صغيراً في متوسطة السماوة في أوائل الخمسينيات، واعتقاله وسجنه بسبب قيادته لمظاهرة جماهيرية تضامناً مع متظاهري انتفاضة تشرين عام 1952، ومن ثم سجنه في سجن بعقوبة، ومشاركته الفعالة في حفر نفق خاص لهروب السجناء السياسيين آنذاك، ومن ثم نقله إلى سجن نقرة السلمان في بادية السماوة، حتى لحظة إطلاق سراحه مع انتصار ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958.
والرواية أيضاً مهدت لاستكمال شخصية سهيل السماوي من خلال السرد الاستهلالي في «عتبة»، والختامي في «العتبة أيضاً»، من خلال التعرف إلى الوجه الآخر المعاصر لشخصية سهيل السماوي في مرحلة ما بعد الاحتلال، وتعرضه إلى التهميش والإقصاء من قبل قوى الفساد والطائفية التي هيمنت على مرافق الحياة في العراق.
ويمكن القول إن الرواية، بصفتها رواية شخصية، قد خلقت «هوية سردية» بمفهوم بول ريكور لبطلها من خلال المرويات التي كان يرويها إلى الراوي المركزي، وبسبب اهتمامها بالمكان، وتحديداً السجن السياسي، خلقت هوية سردية مكانية للسجن السياسي في العراق في ظل أنظمة الاستبداد. وفضلاً عن ذلك، وبسبب تركيز الروائي على مدينة السماوة، حاضرة وبادية، وبأهل «الوبر والمدر» -كما يقول- فقد أسس لهوية سردية لمدينة السماوة، وبشكل خاص لامتدادها الصحراوي الساحر الذي كان سجن نقرة السلمان جزءاً منه.
لقد بدا لنا الروائي مسكوناً مفتوناً بالصحراء في معظم ما كتب من أعمال سردية، وكشف في هذه الرواية بالذات عن خبرة كبيرة بالصحراء وأسرارها وأهلها وحكاياتها. ويمكن القول إنه قد كشف بعمله السردي هذا عن وجود مقومات لشعرية الصحراء، تذكرنا بعوالم الروائي الليبي إبراهيم الكوني، وهذا الثراء السحري الذي تنطوي عليه الصحراء بامتداداتها اللانهائية.
في الختام، لا يسعني إلا أن أقول عن حامد فاضل، وقدرته المدهشة على كشف شعرية الصحراء وأسرارها وأناسها وحكاياتها، ما سبق أن قلته عن الروائي إبراهيم الكوني، من أنه ذلك الساحر، البدوي، الذي يفتح لنا صندوقه الصحراوي السحري، بكل ما فيه من لقى وتمائم وحكايات وأسرار.



آسر ياسين: «اتنين غيرنا» عالج التناقضات الإنسانية والقلق المزمن

آسر ياسين (إنستغرام)
آسر ياسين (إنستغرام)
TT

آسر ياسين: «اتنين غيرنا» عالج التناقضات الإنسانية والقلق المزمن

آسر ياسين (إنستغرام)
آسر ياسين (إنستغرام)

قال الفنان المصري، آسر ياسين، إنه لم يكن ينوي تقديم مسلسلات درامية خلال موسم دراما رمضان 2026، حتى عُرض عليه سيناريو مسلسل «اتنين غيرنا» الذي عرض في النصف الأول من رمضان. وتحدث آسر، في حواره مع «الشرق الأوسط» عن كواليس مشاركته في العمل، وسبب تحمسه له، إلى جانب رؤيته الفنية وتفاصيل الشخصية التي جسدها، وتعاونه مع الفنانة دينا الشربيني.

وقال آسر ياسين عن سبب موافقته على تقديم مسلسل «اتنين غيرنا»: «في الحقيقة، لم أكن أنوي المشاركة في موسم رمضان هذا العام على الإطلاق، وكان لدي قرار واضح بالابتعاد، لكن مديرة أعمالي سالي فايز طلبت مني عقد جلسة مع صناع العمل للاستماع إلى الفكرة فقط دون أي التزام».

وتابع: «أتذكر جيداً أننا أثناء توجهنا إلى اللقاء، صادفنا سيدة مع طفلها طلبا التقاط صورة معي، وخلال الحديث مع الطفل شعرت بطاقة غريبة ومميزة، حينما سألت عن اسمه قال (حسن)، وعندما دخلت الاجتماع وبدأت الكاتبة رنا أبو الريش في شرح تفاصيل الشخصية، وجدت نفسي منجذباً بشكل كبير لكل ما تقوله، وشعرت بأن هناك رابطاً داخلياً بيني وبين هذه الشخصية، وكأنها تناديني لتجسيدها، وتأكدت من ذلك حينما سألتها عن اسم الشخصية فقالت (حسن)».

آسر ياسين تحدث عن كواليس مسلسل «اتنين غيرنا» (إنستغرام)

وأضاف: «كلما تعمقنا في تفاصيل الدور، شعرت أن هذه الشخصية مختلفة ومليئة بالمشاعر الإنسانية والتناقضات التي أحب تقديمها كممثل، فهي شخصية تحمل أبعاداً نفسية حساسة وتعكس صراعاً داخلياً يعيش فيه الإنسان بين ما يظهره للناس وما يخفيه بداخله. وهذا النوع من الأدوار يمثل تحدياً كبيراً بالنسبة لي، لأنه يتطلب صدقاً شديداً في الأداء، وليس مجرد تقديم مشاهد درامية تقليدية».

وعن تعاونه مع الفنانة دينا الشربيني، قال: «أنا سعيد للغاية بالتعاون مع دينا الشربيني، لأنها فنانة موهوبة وتمتلك حساً صادقاً أمام الكاميرا، كما أنها شخصية قريبة إلى القلب على المستوى الإنساني. وبالرغم من معرفتنا الطويلة، فإن هذه هي المرة الأولى التي نعمل فيها معاً، وهو أمر أدهشني بالفعل، لأنني شعرت منذ اليوم الأول أن هناك انسجاماً كبيراً بيننا، وهذا انعكس بشكل واضح على المشاهد التي تجمعنا. دينا قدمت دورها بإحساس عالٍ ووعي كامل بتفاصيل الشخصية، وهذا جعل التجربة أكثر عمقاً وثراءً».

وتحدث آسر ياسين عن البعد النفسي للشخصية، موضحاً: «الشخصية التي قدمتها تعاني من القلق المزمن، وهذا ليس أمراً غريباً أو بعيداً عن الواقع، لأن كثيرين يعيشون هذه الحالة دون أن يلاحظها من حولهم. ما جذبني في العمل هو أنه لا يقدم هذه المعاناة بشكل مباشر أو تقليدي، بل يعرضها بصورة إنسانية واقعية، حيث يبدو الشخص طبيعياً وقادراً على ممارسة حياته بشكل طبيعي أمام الآخرين، لكنه في داخله يعيش صراعات وأسئلة لا تنتهي. هذا التناقض هو ما يجعل الشخصية حقيقية وقريبة من الناس».

وأضاف: «أعتقد أن الفن يجب أن يعكس الإنسان كما هو، بكل ضعفه وقوته، وليس مجرد صورة مثالية أو سطحية. ما حاولنا تقديمه في هذا العمل هو نموذج لشخص يعيش بين عالمين؛ عالم يراه الناس، وعالم آخر لا يراه أحد، وهذا ما يجعل الرحلة الدرامية للشخصية مؤثرة ومختلفة».

آسر ياسين ودينا الشربيني خلال تصوير المسلسل (إنستغرام)

وعن ردود فعل الجمهور، قال: «أنا سعيد جداً بردود الفعل التي تلقيتها منذ بداية عرض العمل وحتى نهايته، وعموماً شعور الممثل بأن الجمهور يتفاعل مع الشخصية ويتأثر بها يمنحه طاقة كبيرة للاستمرار، ويؤكد له أن ما يقدمه يصل إلى الناس بصدق. أسرتي وأصدقائي كانوا يرسلون لي تعليقاتهم باستمرار، وهذا كان مصدر دعم كبير بالنسبة لي».

وأكد آسر ياسين أن اختياراته الفنية أصبحت أكثر وعياً، موضحاً: «لم يعد هدفي مجرد الوجود في موسم معين لإثبات الحضور فقط، بل أصبحت أبحث عن العمل الذي يحمل قيمة حقيقية، سواء على المستوى الإنساني أو الفني. بالنسبة لي، الفن مسؤولية كبيرة، ويجب أن نحترم من خلاله عقل ووجدان الجمهور. حتى الأعمال الترفيهية يجب أن تُقدم بصدق واحترام، لأن الجمهور يستحق الأفضل دائماً».

وأكد الفنان المصري أن أعماله الأخيرة لا تندرج جميعها ضمن الإطار الرومانسي، موضحاً أن مسلسل «قلبي مفتاحه» كان عملاً رومانسياً، وكذلك مسلسل «اتنين غيرنا»، إلا أنه قدّم بينهما فيلم «إن غاب القط» الذي ينتمي إلى الطابع الكوميدي. وأضاف أنه لا يعرف بعد طبيعة عمله المقبل، لكنه لا يستبعد أن يكون كوميدياً، مشدداً على حرصه الدائم على التنوع وتقديم شخصيات وأنماط درامية مختلفة تثري مسيرته الفنية، قائلاً: «أنا مؤمن بأهمية التنوع في اختياراتي، ولا أحب أن أكرر نفسي أو أُحاصر في نوع معين من الأدوار. كل عمل بالنسبة لي يمثل رحلة جديدة واكتشافاً مختلفاً، وأشعر بالامتنان لأنني ما زلت أتعلم وأتطور مع كل تجربة. أتمنى أن أنجح في تقديم أدوار تلمس قلوب الناس، فهذا هو الهدف من الفن في النهاية».


حلقات المسجد النبوي... أعلى الأسانيد المتصلة تاريخياً في تعليم ⁧‫القرآن الكريم‬⁩ والسنة النبوية

في رمضان يزيد ارتباط المسلمين في أصقاع الأرض بالقرآن الكريم والحديث الشريف (واس)
في رمضان يزيد ارتباط المسلمين في أصقاع الأرض بالقرآن الكريم والحديث الشريف (واس)
TT

حلقات المسجد النبوي... أعلى الأسانيد المتصلة تاريخياً في تعليم ⁧‫القرآن الكريم‬⁩ والسنة النبوية

في رمضان يزيد ارتباط المسلمين في أصقاع الأرض بالقرآن الكريم والحديث الشريف (واس)
في رمضان يزيد ارتباط المسلمين في أصقاع الأرض بالقرآن الكريم والحديث الشريف (واس)

في جنبات المسجد النبوي الشريف، وفي ظلال الروضة الشريفة، تمتد حلقات العلم جسراً حياً يربط الحاضر بصدر الإسلام الأول، وينتظم طلاب من مختلف دول العالم في حلقات لتعليم القرآن والحديث النبوي، ومتابعة وردهم المحفوظ من آيات القرآن وتصحيح تلاوته، على يد مئات المعلمين الذين يتقنون أكثر من 30 لغة، وهبوا وقتهم وعلمهم لتجويد حفظ الملايين من المسلمين من حول العالم.

وتُمثل حلقات المسجد النبوي أعلى الأسانيد المتصلة إلى النبي محمد في تعليم ⁧‫القرآن الكريم‬⁩ والسنة النبوية، عبر سلسلة ذهبية لا يتجاوز عدد رجالها الثلاثين رجلاً، ما يجعله من أعلى الأسانيد المعتمدة في العالم الإسلامي.

تُمثل حلقات المسجد النبوي أعلى الأسانيد المتصلة إلى النبي محمد في تعليم ⁧‫القرآن‬⁩ والسنة (واس)

وتكتسب حلقات العلم في المدينة المنورة مكانتها التاريخية من منهجية التلقي والسماع المتصلة قرناً بعد قرن. ففي علوم القرآن، يُعد الإسناد الصادر منها الأقرب زمنياً ومعنوياً إلى الوحي، في إسناد يبلغ 28 رجلاً بين المجيز والنبي، وتعد حلقات المسجد النبوي الشريف أكبر مصدر إجازات في القرآن الكريم عالمياً.

في حين يسجل إسناد السنة النبوية علواً لافتاً؛ إذ يبلغ عدد الرجال بين المجيز والنبي في «صحيح البخاري» 25 رجلاً فقط، وهو ما يجسد دقة المنهجية العلمية المتبعة في تدريس المتون وفق الأصول العريقة لأهل العلم.

وفي رمضان، يزيد ارتباط المسلمين في أصقاع الأرض بالقرآن الكريم والحديث الشريف، ويحرص كثير منهم على استثمار الهمة والوقت في حفظ ما تيسر لهم منه، فيما تقدم حلقات المسجد النبوي بمنصتها الافتراضية فرصة ثمينة لتثبيت حفظ وتلقي العلم من رحاب الحرم النبوي.

أمير منطقة المدينة المنورة يتفقد حلقات القرآن الكريم والمتون العلمية في رحاب المسجد النبوي (واس)

يسجل إسناد السنة النبوية علواً لافتاً بين المجيز والنبي عبر 25 رجلاً فقط (واس)

طفرة كبرى للمنجز التعليمي خلال 2025

سجلت الحلقات المنتشرة في جنبات المسجد النبوي خلال عام 2025، طفرة كبرى في المنجز التعليمي؛ حيث تحول الحرم الشريف إلى خلية نحل معرفية لا تهدأ، وختم 8335 حافظاً وحافظة القرآن الكريم (بمعدل 33 حافظاً يومياً)، وحفظ أكثر من 25 ألف طالب وطالبة المتون العلمية والأحاديث، ومنح أكثر من 186 ألفاً إجازة علمية في السنة والمتون، و200 ألف شهادة تقديرية، واستقطبت الحلقات طلاباً من أكثر من 170 جنسية حول العالم.

أمير منطقة المدينة المنورة يتفقد حلقات القرآن الكريم والمتون العلمية في رحاب المسجد النبوي (واس)

سجلت الحلقات المنتشرة في جنبات المسجد النبوي خلال عام 2025 طفرة كبرى في المنجز التعليمي (واس)

تقنية في خدمة الوحي

لم تقف حدود هذه الحلقات عند أسوار المسجد النبوي، بل امتدت عبر الأثير لتصل إلى القارات الخمس عبر برامج «التعليم عن بُعد»، واستفادت المنظومة من التقنيات الحديثة لتصل برسالتها إلى نحو 940 ألف طالب وطالبة حول العالم خلال العام الماضي فقط.

وتُعدّ حلقات المسجد النبوي نموذجاً متكاملاً لتعليم القرآن الكريم والحديث الشريف والمتون العلمية، بالاعتماد على تقنيات التعليم عن بُعد، ما مكّن طلاب العلم الشرعي من مختلف أرجاء العالم من المشاركة والاستفادة من البرامج المقدمة.

كما تستوعب الحلقات مختلف الفئات العمرية؛ حيث تتراوح أعمار الطلاب ما بين 4 أعوام و91 عاماً، ما يجعلها بيئة تعليمية شاملة، ويُعزز ذلك تأدية المسجد النبوي دوره الريادي بصفته من أهم مراكز التعليم الشرعي في العالم.

وتوزع المستفيدون من التعليم عن بُعد عالمياً؛ حيث بلغ عدد المستفيدين من آسيا أكثر من 500 ألف، وفي أفريقيا أكثر من 400 ألف، وفي أوروبا 24 ألفاً، وفي أميركا 10700، وفي أستراليا 793 مستفيداً.


«كل شيء مبالغ فيه»... لماذا ينتقد الخبراء قاعة الرقص الجديدة في البيت الأبيض؟

الرافعات تظهر في أراضي البيت الأبيض مع استمرار أعمال البناء لقاعة الرقص الجديدة في واشنطن (أ.ب)
الرافعات تظهر في أراضي البيت الأبيض مع استمرار أعمال البناء لقاعة الرقص الجديدة في واشنطن (أ.ب)
TT

«كل شيء مبالغ فيه»... لماذا ينتقد الخبراء قاعة الرقص الجديدة في البيت الأبيض؟

الرافعات تظهر في أراضي البيت الأبيض مع استمرار أعمال البناء لقاعة الرقص الجديدة في واشنطن (أ.ب)
الرافعات تظهر في أراضي البيت الأبيض مع استمرار أعمال البناء لقاعة الرقص الجديدة في واشنطن (أ.ب)

تواجه خطط إنشاء قاعة احتفالات جديدة في البيت الأبيض، التي اقترحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وتبلغ تكلفتها نحو 400 مليون دولار، موجة واسعة من الانتقادات من قبل معماريين وخبراء في الحفاظ على التراث. ويقول منتقدون إن المشروع، الذي يُفترض أن يكون إضافة بارزة إلى المجمع الرئاسي، قد يتعارض مع الطابع التاريخي للمبنى، كما قد يثير إشكالات قانونية تتعلق بالقوانين الفيدرالية، وفقاً لما أوردته صحيفة «إندبندنت».

وفي هذا السياق، رأى المهندس المعماري ديفيد سكوت باركر، وهو زميل في المعهد الأميركي للمهندسين المعماريين، أن المشروع المقترح يتسم بالمبالغة في حجمه وتصميمه. وقال لوكالة «أسوشييتد برس»، تعليقاً على الخطط التي تدعو إلى إنشاء قاعة احتفالات تبلغ مساحتها نحو 22 ألف قدم مربع: «يبدو أن كل شيء في هذا المشروع مبالغ فيه. والنتيجة النهائية لذلك هي التأثير سلباً في أهم مبنى تاريخي – وأكثرها تميزاً – في الولايات المتحدة بأكملها. وهذا التأثير سيكون دائماً، خصوصاً على البيت الأبيض».

وأضاف باركر أن الخطط، التي تُعرض للتصويت الحاسم أمام لجنة تخطيط العاصمة الوطنية، يمكن تعديلها بحيث تخفض مساحة القاعة إلى النصف تقريباً، مع الحفاظ في الوقت نفسه على معايير الصناعة التي تسمح باستيعاب نحو 1000 شخص، وهي السعة التي يسعى ترمب إلى توفيرها في قاعة الاحتفالات الجديدة. ويُذكر أن باركر عضو في مجلس إدارة الصندوق الوطني للحفاظ على التراث التاريخي، الذي رفع دعوى قضائية بشأن المشروع.

إلى جانب هذه التحفظات، أشار باركر إلى أن الجناح الجديد يبدو ضخماً للغاية مقارنة بالبيت الأبيض الأصلي، كما أنه لا يلتزم في بعض جوانبه بقانون الأميركيين ذوي الإعاقة. وأضاف أن المشروع قد يخل أيضاً بخطوط الرؤية المفتوحة الممتدة على طول شارع بنسلفانيا بين البيت الأبيض ومبنى الكابيتول، وهي الرؤية العمرانية التي حرص الآباء المؤسسون على الحفاظ عليها.

عملية بناء قاعة الرقص الجديدة تستمر في البيت الأبيض (أ.ب)

وقال باركر: «من الصعب استيعاب أن إضافة واحدة يمكن أن تخلّف كل هذه الآثار السلبية، سواء من الناحية الرمزية أو المعمارية أو التاريخية؛ فهذا يتعارض تماماً مع نوايا الآباء المؤسسين».

في المقابل، أكد مسؤول في إدارة ترمب لصحيفة «إندبندنت» أن قاعة الاحتفالات المقترحة ستكون متوافقة مع معايير ذوي الاحتياجات الخاصة، كما ستُصمَّم بطريقة تعكس الطابعين الكلاسيكي والحديث للبيت الأبيض.

ولم يكن باركر الوحيد الذي أعرب عن مخاوفه بشأن المشروع؛ فقد تعرض المجمع الجديد، الذي أشرف على تصميمه المهندس المعماري شالوم بارانيس، لانتقادات حادة خلال مدة التعليقات العامة التي سبقت اجتماع لجنة التخطيط.

وكتب أحد المعلقين في تلك الملاحظات: «إن حجم وتصميم قاعة الاحتفالات المقترحة في البيت الأبيض بشعان للغاية، وأعترض على قرار تشويه الإرث التاريخي للشعب الأميركي».

كما وصفت المهندسة المعمارية دونا واكس خطط الرئيس لإنشاء قاعة رقص مذهبة بأنها تمثل «نظرة فاشية على الطبقية».

وأظهر تحليل أجرته صحيفة «نيويورك تايمز» أن أكثر من 98 في المائة من بين أكثر من 10 آلاف صفحة من التعليقات العامة على المشروع كانت سلبية.

وفي العام الماضي، استبدلت إدارة ترمب كبير مهندسيها الأصلي، جيمس مككري الثاني، وذلك على ما يبدو بعد خلافات بينه وبين الإدارة بشأن رغبة الرئيس في المضي قدماً في توسيع الجناح الشرقي.

وعلى الرغم من ردود الفعل السلبية المتكررة من الجمهور تجاه التصميم الجديد، فإن ذلك لم يمنع الإدارة من الاستمرار في خطط تجديد الجناح الشرقي والمضي قدماً في المشروع.