عمرو موسى: أقنعنا صدام حسين بعودة المفتشين الدوليين لكن الولايات المتحدة كانت اتخذت قرار الحرب على العراق

«الشرق الأوسط» تنشر فصولاً من كتابه الجديد «سنوات الجامعة العربية» (3)

قمة شرم الشيخ 2003
قمة شرم الشيخ 2003
TT

عمرو موسى: أقنعنا صدام حسين بعودة المفتشين الدوليين لكن الولايات المتحدة كانت اتخذت قرار الحرب على العراق

قمة شرم الشيخ 2003
قمة شرم الشيخ 2003

في الحلقة الثالثة من الكتاب الجديد للأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية عمرو موسى، «سنوات الجامعة العربية» الذي سيصدر قريباً عن «دار الشروق»، تستعرض «الشرق الأوسط» جهود موسى والجامعة العربية في القضية العراقية، التي خصص لها فصلين على مساحة 63 صفحة، تناول الأول جهوده مع الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في محاولة لتجنيب العراق الضربة الأميركية، فيما خصص الثاني لأحداث «الغزو الأميركي للعراق»، وجهوده في العملية السياسية بعد 2003.
وفي هذه الحلقة من الفصل الأول، يتحدث موسى بتفاصيل دقيقة عن لقائه الرئيس العراقي الراحل صدام حسين وتلك «النعومة على يدي ذلك الرجل المخيف»، مشيراً إلى أنه تحدث إلى صدام حسين بلهجة جادة قال من حضرها «إنها أعنف لهجة تحدث بها مسؤول عربي إلى صدام حسين». وأوضح أن جهوده والأمين العام للأمم المتحدة آنذاك كوفي أنان، لم تؤتِ ثمارها لأن الأميركيين كانوا قد اتخذوا قرار الحرب، وأن وزير الخارجية الأميركي حينها كولن بأول، وصف صدام بأنه «مخادع وكذاب»، قائلاً له إن «صدام لحس مخك أنت وأنان».
من أولى القضايا التي فرضت نفسها عليَّ فور أن توليت مهام منصبي أميناً عاماً للجامعة العربية، مسألة توقف المفاوضات بين العراق والأمم المتحدة بخصوص التفتيش على أسلحة الدمار الشامل، والتي كانت الولايات المتحدة الأميركية تزعم أن العراق يمتلك أو يسعى لامتلاك بعضها، خصوصاً الأسلحة النووية.
في أوائل نوفمبر (تشرين الثاني) 2001 كانت زيارتي الأولى للأمم المتحدة بصفتي أميناً عاماً للجامعة العربية؛ لحضور اجتماعات الجمعية العامة بعد أن تأجلت، عن موعدها المقرر في سبتمبر (أيلول) من كل عام، بسبب وقوع هجمات 11-9. تحدثت إلى الأمين العام كوفي أنان، وقلت له: «لا يليق في عهدك والأمم المتحدة تحت رئاستك، ألا يكون هناك مجهود واضح في منع حرب وشيكة على العراق تريدها وتسعى إليها الولايات المتحدة».
قال أنان بتململ: «أحاول جهدي، لكنّ صدام حسين عنيد، وأنت تعرفه أكثر منّي». قلت: «لا بد أن نمنح العراق فرصة للإفلات من الحرب التي تستعد لها واشنطن. سأزور الرئيس العراقي في يناير (كانون الثاني) المقبل. أريد منك رسالة أستطيع أن أنقلها إليه لحلحلة الموقف فيما يخص استئناف عمل المفتشين الدوليين. أنا على ثقة في أنني عندما أقول له في أثناء مباحثاتي معه، إنني قادم ومعي رسالة واضحة من الأمين العام للأمم المتحدة تدعو إلى تحريك الموقف فيما يخص موضوع التفتيش على الأسلحة فإنه سيتعاطى بإيجابية». فوافق أنان.
رتَّبت مع وزير الخارجية العراقي ناجي صبري الحديثي، أمر زيارتي للعراق. هبطت طائرتي في مطار بغداد صباح 18 يناير 2002. وجدتُ الحديثي في استقبالي، وكان من وزراء الخارجية المهنيين الذين أحترمهم، لكن ديكتاتورية صدام وانفراده بالقرار كانت تحدّ بشكل كبير من هوامش المناورة والفعل لديه.
كان اليوم التالي هو موعد لقائي مع صدام. تحرك بي موكب رسمي مهيب من مقر إقامتي في إحدى دور الضيافة التابعة لرئاسة الجمهورية في منطقة «كرادة مريم» الراقية بوسط بغداد، إلى مقر قيادة عسكرية، ومعي من وفد الجامعة العربية: السفير أحمد بن حلي، الأمين العام المساعد للجامعة العربية -رحمه الله- والسفير حسين حسونة رئيس بعثة الجامعة لدى الأمم المتحدة، والسفير هشام بدر، مدير مكتبي.
بمجرد دخولي مقر الوحدة العسكرية، وجدت ذلك الرجل الذي يرافق صدام كظله، والمعروف بشاربه الكثّ والبزّة العسكرية الأنيقة، والمسدس الذي يتدلى من خصره حتى في أثناء الاجتماعات الرسمية مع الرئيس العراقي، وكان ذلك استثناءً نادراً منحه له صدام لثقته الكبيرة فيه.
تقدم إلى الرجل في احترام شديد. قدم لي نفسه قائلاً: «أنا الفريق عبد حمود. تفضل، سأصطحب سيادتك لمقابلة سيادة الرئيس صدام حسين».
قلت: «لا بد من حضور زملائي الثلاثة من وفد الجامعة».
قال: «سيحضرون بسيارة أخرى». ركبت سيارة «تويوتا»، بيج اللون، بجوار عبد حمود، الذي قادها بنفسه إلى المقر الذي سألتقي فيه صدام، والذي قال لي حمود إنه في منطقة «الرضوانية» جنوب غربي بغداد. كان قصراً صغيراً لكنه جميل.
في نهاية طريق مليء بالأشجار وصلنا إلى القصر المنشود. بمجرد دخولي وجدت بن حلي وحسين حسونة وهشام بدر في انتظاري خارج القاعة التي سألتقي فيها صدام.
بمجرد أن دخلت، تحرك الرئيس العراقي من مقعده لاستقبالي. تقابلت أيدينا عند منتصف القاعة تقريباً. صافحته مصافحة اعتنيت ألا يكون فيها قبلات، أردته «سلاماً ناشفاً»، كما نقول في مصر؛ كي أضفي طابع الجدية على جلسة المباحثات التي سأجريها معه. لكن على أي حال، هالتني تلك النعومة التي كانت عليها يد صدام حسين، ذلك الرجل المخيف!
رحب بي صدام: «أهلاً بسيادة الأمين العام... أهلاً بالأخ عمرو» (نطقها بضم الراء)، وراح يشيد بمواقفي القومية. بدأنا اللقاء الذي استغرق نحو ساعتين وخمس عشرة دقيقة.
بعد التحية والسؤال عن الصحة والشكر لكرم الضيافة وبعض الجمل العامة، تحدثت إلى صدام حسين بلهجة جادة قال من حضرها «إنها أعنف لهجة تحدث بها مسؤول عربي إلى صدام حسين».
أعدت على الرئيس العراقي ما قلته لكبار مساعديه قبل لقائي معه -دون الإشارة إلى حديثي معهم طبعاً- من الجمود الذي تبديه وفوده في الجامعة العربية. وعِبتُ عليه تعامله غير الإيجابي مع زيارة خبراء الأمم المتحدة المعنيين بالتفتيش على أسلحة الدمار الشامل في العراق، ونقلت إليه رسالة الأمين العام كوفي أنان في هذا الشأن.
قلت له إن العراق يخسر تعاطف منظمتين كبيرتين، وهو في الحقيقة يحتاج إلى كسبهما في صفه... هل يُعقل يا سيادة الرئيس أن يخسر العراق دعم الجامعة العربية ويفقد ساحة الأمم المتحدة؟
قبل أن يجيب قلت له: اسمح لي يا سيادة الرئيس أن أوجه لك سؤالاً: هل لديك أـسلحة نووية تخشى التفتيش عليها؟
قال: لا يوجد لدى العراق أسلحة نووية وأعلنت ذلك مراراً.
قلت له: اسمح لي يا سيادة الرئيس أن أعيد عليك السؤال مرة أخرى: هل لديك أسلحة نووية تخشى التفتيش عليها؟
قال ويبدو أنه مأخوذ من لهجتي الحادة: لا... لا يوجد لدينا أسلحة نووية.
قلت: إذن لماذا تمانع في حضور المفتشين الدوليين ما دام العراق لا يخشى شيئاً؟
قال: لأن هناك ما نخشاه.
قلت: وما هو؟
قال: كل المفتشين الذين يأتون إلينا عملاء لوكالة المخابرات الأميركية (CIA).
قلت: ماذا لو تأكدنا من أنهم من خارج CIA، أي يعملون لحساب الأمم المتحدة؟ نستطيع أن نشدد على المنظمة الدولية كي ترسل مفتشين على درجة من النزاهة والاستقلالية. ويمكنني تأكيد ذلك من خلال عملية مفاوضات تتم بينكم وبين الأمم المتحدة وبالذات كوفي أنان.
قال لي: أقبل بذلك، وآخذ بكلمتك؛ لأنك رجل عربي محترم.
قلت له: هل تقبل أن أنقل هذا الكلام للأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان؟
قال: نعم أقبل.
- شهادة أحمد بن حلي
أستكمل ما دار في مقابلتي مع صدام من خلال السفير أحمد بن حلي، الذي قال في شهادة مسجلة بصوته لمحرر هذا الكتاب خالد أبو بكر، بعد أن أعطاه صورة من محضر المقابلة (منشور بكامله في الكتاب) ما يلي بالنص الحرفي:
«هذه نسخة من محضر مقابلة الأمين العام السيد عمرو موسى مع الرئيس صدام حسين، مكتوب بخط يدي، الذي أتمنى أن تستطيع قراءته بسهولة. لكنني أود أن ألفت انتباهك بأننا في كتابة محاضر الاجتماعات لا نسرد كل التفاصيل، ونكتبها بطريقة حرفية معينة. دعني أقص عليك بعضاً من هذه التفاصيل التي لن تجدها بالمحضر فيما يلي:
عندما دخلنا إلى الاجتماع مع الرئيس صدام بدأ عمرو موسي بتلطيف الجو بعدم البدء بالموضوعات الخلافية. كان صدام يعيش في هيلمان وأبهة ويتكلم بنوع من الفخامة. شعرت عند بدء اللقاء أنه لا يعرف عمرو موسى عن قرب، ربما التقاه مرة أو مرتين عندما كان وزيراً للخارجية (المصرية)، لكنه لا يعرفه حق المعرفة.
بعد التقديم بالقضايا العامة دخلنا للموضوع المهم، وهو إقناع الرئيس صدام بالتجاوب مع قرار صادر عن القمة العربية خاص بتعامل العراق مع المراقبين والمفتشين الدوليين (على أسلحة الدمار الشامل)، والعراق كان متحفظاً على القرار.
كما كان عمرو موسى يريد أن يتعامل العراق بأقصى حد من التعاون دون إثارة المشاكل مع الأمم المتحدة؛ لتفويت الفرصة على المساعي الأميركية لضربه. كان الأمين العام يريد من صدام اتخاذ قرارات تجنب العراق ضربة عسكرية يراها وشيكة، ويريد إقناع الرئيس صدام بأن العراق مقبل بالفعل على هذه الضربة التي ستقضي على العراق كله، وهذه رسالة قوية بدأ عمرو موسى يشرحها.
راح الرئيس صدام يخفف من هول ما يتعرض له العراق بقوله: إحنا صامدين ومهما كان لن يموت العراق.
عندما سمع موسى هذا الكلام شعرت أنه فقد صبره، ووجدته يرد بغضب شديد بلهجته المصرية على صدام: اسمع بقى يا سيادة الرئيس... التنظير لن ينفع العراق ولن ينفعك بكل صراحة. أنا بقولك العراق معرض لضربة قاصمة من الولايات المتحدة، القوة الكبرى الأولى في العالم... هل أنت واعٍ بأن بلدك معرض لهذا الخطر الداهم؟
هل أنت واعٍ لمسؤوليتك في تجنيب العراق هذه الويلات؟
قال ذلك عمرو موسى بنبرة بدت وكأنها صرخة في وجه صدام حسين.
حاول صدام مقاطعته قائلاً: يا دكتور عمرو.
باغته موسى غاضباً: أنا مش دكتور، بقولك يا سيادة الرئيس: العراق في خطر، استجب لما نطرحه عليك من إجراءات تعيد تواصل العراق مع الأمم المتحدة ومع أشقائه في الجامعة العربية.
شعرت بأن الرئيس صدام كان في غيبوبة؛ فاكتشف الوضع الخطير بكلام عمرو موسى الذي قال له بوضوح: إن العالم تغيّر، وإنه لا الأوروبيون ولا الروس سيساعدونك، ومصير الشعب العراقي في يدك.
وبدأ صدام يصغي بالفعل لطرح عمرو موسى، وعندما وصل الحديث للفنّيات الخاصة بالتفتيش على الأسلحة أعطاني عمرو موسى الكلمة، وكان معنا السفير حسين حسونة والسفير هشام بدر.
بدأ صدام يستوعب. وفي الأخير قال لعمرو موسى: أنا أفوّضك لتتكلم باسم العراق، واذهب إلى سكرتير عام الأمم المتحدة وقل له سنتعاون معه.
شعرت وكأن الرئيس العراقي اكتشف عمرو موسى؛ لأنه تحدث معه بلغة لم يعتد عليها صدام، لغة فيها صراحة وتحميل مسؤولية، وفي آخر المطاف قال له: أنا مفوضك للتحدث باسم العراق، وقال له: اتصل بأميركا وكوفي أنان. وفعلاً أجرى عمرو موسى اتصالاته، لكن للأسف كان يبدو أن قرار الحرب قد اتُّخذ.
وربما هذا اللقاء التاريخي بين موسى وصدام لو كان قبل هذا التاريخ -أنا أقول لك بكل أمانة- كنا جنّبنا العراق هذه المأساة وهذه الحرب ضده من الولايات المتحدة».
- إبلاغ العرب وأنان بنتائج الزيارة
في اليوم التالي لوصولي القاهرة قادماً من بغداد عقدتُ اجتماعاً للجامعة العربية على مستوى المندوبين الدائمين لإبلاغهم بنتائج زيارتي للعراق ومباحثاتي مع صدام حسين، وتم ذلك مساء 20 يناير 2002. اتصلت في اليوم نفسه بالقصر الملكي في الأردن طالباً موعداً عاجلاً للقاء الملك عبد الله، بصفته رئيس القمة العربية، لتقديم تقرير عن مباحثاتي مع صدام حسين. وكذلك اتصلت تلفونياً بالرئيس مبارك، ثم بوزير الخارجية أحمد ماهر السيد، وبالأمير سعود الفيصل.
صبيحة اليوم التالي أجريت اتصالاً هاتفياً مع الشيخ صباح الأحمد، النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية الكويتي، أمير الكويت فيما بعد، لإطلاعه على ملخص ما اتفقت عليه مع صدام حسين فيما يخص مسألة الأسرى والمفقودين الكويتيين منذ الغزو العراقي للكويت سنة 1990، واتفقنا خلال الاتصال على أن أقوم بزيارة سريعة للكويت في 22 يناير 2002.
ذهبت إلى الكويت، والتقيت الشيخ صباح الأحمد، وعدداً من المسؤولين. كان الجو العام يقول إن الإخوة في الكويت غير مرتاحين لزيارتي للعراق. وكانت وجهة نظري التي شرحتها لهم: إنه مهما يكن غضبنا مما حدث في سنة 1990 فالعراق بلد عربي عضو في الجامعة العربية، وهو طرف رئيس في واحدة من أكثر الأزمات العربية خطورة بعد عدوانه على الكويت، ويهم الجامعة العربية أن تضع نهاية عربية مقبولة لهذا الوضع المهدِّد لاستقرار العالم العربي، وأن تضمن عدم تكراره. وفي نفس الوقت جئت إليكم لأطلعكم على ما دار خلال الزيارة، وما توصلت إليه بشأن موضوع الأسرى والمفقودين الكويتيين.
والحقيقة أنني كنت مقدراً لحالة الغضب الكبير الذي يشعر به الكويتيون بعد ما حصل من صدام حيالهم، وأفهم تخوفهم من دورٍ للجامعة العربية يتم خارج إطار التفاهمات الدولية عالية المستوى إزاء عراق صدام حسين وسياساته في المنطقة، لكنهم ظلوا على غضبهم لفترة امتنعوا فيها عن دفع حصتهم السنوية في ميزانية الجامعة العربية، إلى أن وجدوا –على ما أعتقد- أن الجامعة تتطور، وأن أمانتها العامة وأمينها العام يقومون بجهد ملموس في مختلف القضايا العربية، فتماهوا مع الجامعة؛ لأن الكويت بلد يحب الجدية في العمل؛ ولذلك سريعاً، قدّروا ما نقوم به من جهد في خدمة العمل العربي المشترك.
كنت فور عودتي من بغداد قد تحدثت تليفونياً إلى كوفي أنان. قلت له: لقد زرتُ العراق والتقيت صدام حسين، وأنا قادم إلى نيويورك لحضور «المنتدى الاقتصادي العالمي» (دافوس) الذي يُعقد استثنائياً هذه السنة في نيويورك بين 31 يناير و4 فبراير (شباط) 2002، للتضامن مع الولايات المتحدة ومدينة نيويورك بعدما حدث في 11-9.
قال أنان: «لن أنتظر وصولك إلى نيويورك. أريد أن أعرف ما دار بينك وبين صدام. اسمع يا عمرو، أنا في استوكهولم اليوم وسأكون غداً في النمسا، أرجوك دعنا نلتقي في فيينا في طريقك إلى نيويورك». التقينا بالفعل في العاصمة النمساوية أواخر يناير، وعرضت عليه ما توصلت إليه مع صدام حسين بشأن موافقته على عودة المفتشين الدوليين للتفتيش على أسلحة الدمار الشامل العراقية المزعومة.
في نهاية اللقاء سألت أنان عن خطوات الأمم المتحدة إزاء انفتاح صدام على عودة المفتشين.
قال: لنتمهل قليلاً.
فهمت أنه كان يريد أن يتشاور مع الأميركيين.
وهنا قررت أن أتشاور أيضاً مع الأميركيين بشأن المسألة العراقية. من فيينا تحدثت تليفونياً إلى كولن باول، وزير الخارجية. قلت له: لقد زرت العراق خلال الأيام القليلة الماضية، وقادم إلى نيويورك لحضور منتدى دافوس، وأريد أن أقابلك.
قال: نلتقي صباح الثاني من فبراير، ولنشرب القهوة معاً في مقري بنيويورك ولتكن في الساعة 11 صباحاً.
بعد وصولي إلى نيويورك تحدثت إلى أنان فقلت له: سألتقي باول.
قال: أعلم ذلك.
سألته: متى نلتقي؟
قال: بعد لقائك مع باول.
جاء موعد اجتماعي مع وزير الخارجية الأميركي. بعد الترحيب وجدته يستبق الحديث بقوله: صدام حسين ضحك عليك كما ضحك على كوفي أنان. سترى أنت وأنان كيف أن صدام «نصاب وكذاب».
قلت له: اسمع لما دار بيني وبين الرئيس العراقي أولاً. وعرضت عليه ما توصلت إليه مع صدام. وفي النهاية قلت له: إذا كنت تريد إرسال مفتشين إلى العراق فلترسل فوراً، عبر مفاوضات بين أنان وصدام، وأن تتعامل المفاوضات مع شكوك صدام من أن بعض المفتشين ينتمون إلى جهاز المخابرات المركزية الأميركية (CIA).
ضحك باول وعقّب بقوله: غسل مخكم صدام حسين أنت وأنان!
وأضاف: «لا أنت ولا كوفي ستستطيعان إنجاز شيء». كان يقول ذلك جازماً. (لأن قرار ضرب العراق كان قد تم اتخاذه والتحضير له كان على قدم وساق من الإدارة الأميركية). وإن كان في الواقع لم يرفض اقتراحي بالتفاوض بين العراق والأمم المتحدة بشأن عودة التفتيش.
جاء موعد لقائي مع كوفي أنان يوم 4 فبراير. ذهبت إليه فوجدته يجهز لي مفاجأة، وهي وجود هانز بليكس، رئيس هيئة المفتشين التابعين لمجلس الأمن. في نهاية اللقاء، وافق الأمين العام للأمم المتحدة على أن يقدم دعوة إلى الحكومة العراقية لاستئناف الحوار، وجرى تحديد 7 مارس (آذار) 2002 لعقد الجلسة الأولى في هذا الشأن.
لم تمضِ الأمور على ما يرام، لم تكن الولايات المتحدة مستعدة للتراجع عن سياستها تجاه العراق؛ فسرعان ما تعثرت المفاوضات بين العراق والأمم المتحدة.
(توجد بالكتاب تفاصيل محاولات الأمين العام إنقاذ المفاوضات المتعثرة في سبتمبر 2002، بحضور وزير خارجية العراق، بالتوازي مع اتصالاته التي لم تنقطع بطارق عزيز في بغداد من مكتب كوفي أنان، إلى أن نجح في نهاية المطاف في إعادة المفاوضات بين الأمم المتحدة والعراق، وصرح أنان لوسائل الإعلام بعدها بأنه بناءً على الجهود المشتركة بين السكرتير العام للأمم المتحدة والأمين العام للجامعة العربية توصلنا إلى اتفاق بعودة المفتشين).
باتفاق خاص مع «دار الشروق»
- جميع الحقوق محفوظة



«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
TT

«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)

في تحرك يمني لمواجهة الاقتصاد غير الرسمي، كثّفت قوات الطوارئ عملياتها الميدانية ضد شبكات تهريب المشتقات النفطية، التي تنامت بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة، مستفيدة من فوارق الأسعار بين مناطق سيطرة الحكومة الشرعية والمناطق الخاضعة للحوثيين، فضلاً عن تداعيات الاضطرابات الإقليمية وارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

وتأتي هذه التحركات بعد أن أظهرت قوات الطوارئ قدرات قتالية وأمنية متقدمة خلال الأحداث التي شهدتها البلاد مطلع العام الحالي، ما دفع السلطات إلى تكليفها بمهام نوعية تتعلق بحماية الاقتصاد الوطني، وفي مقدمتها التصدي لعمليات تهريب الوقود التي تُعد من أبرز مصادر الاستنزاف المالي.

وتشير مصادر عاملة في قطاع النفط إلى أن عمليات تهريب المشتقات النفطية لم تكن وليدة اللحظة، بل تعود إلى سنوات، إلا أن حدّتها ارتفعت مؤخراً مع اتساع الفجوة السعرية بين المحافظات المنتجة، وعلى رأسها مأرب، وبقية المناطق اليمنية.

وتُباع المشتقات النفطية في مأرب بأسعار تقل بنحو الثلث مقارنة ببقية المحافظات، ما يجعلها هدفاً رئيسياً لشبكات التهريب التي تسعى إلى نقل الوقود إلى مناطق أخرى وبيعه بأسعار مضاعفة، سواء داخل البلاد أو عبر التهريب إلى دول القرن الأفريقي.

إغلاق منفذ رئيسي يُستخدم في تهريب الأسلحة للحوثيين (إعلام محلي)

كما أسهمت التطورات الإقليمية، خصوصاً التوترات المرتبطة بالحرب في إيران، في زيادة الضغط على أسواق الطاقة، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتعزيز جاذبية السوق السوداء، وهو ما دفع السلطات اليمنية إلى التحرك بشكل أكثر حزماً.

ولا يقتصر تأثير التهريب على المشتقات النفطية فقط، بل يمتد إلى غاز الطهي المنزلي، حيث تعاني عدة محافظات محررة من نقص حاد في الإمدادات، رغم إنتاجه محلياً، نتيجة تهريبه إلى مناطق الحوثيين التي يُباع فيها بأسعار مضاعفة.

ضبط عشرات الناقلات

في هذا السياق، أعلنت الفرقة الأولى في قوات الطوارئ عن ضبط أكثر من خمسين ناقلة محملة بالمشتقات النفطية، كانت في طريقها إلى السوق السوداء ضمن عمليات تهريب منظمة، في خطوة وصفت بأنها الأكبر من نوعها منذ بدء الحملة.

وجاءت هذه العملية نتيجة جهود ميدانية مكثفة، شملت إنشاء نقاط تفتيش جديدة وتشديد الرقابة على الطرق الحيوية، بعد رصد تحركات مشبوهة لتجار الوقود غير الشرعيين.

وأكدت القوات أن الناقلات المضبوطة كانت تحمل كميات كبيرة جرى تهريبها بطرق غير قانونية، بهدف تحقيق أرباح سريعة على حساب المواطنين، الذين يتحملون تبعات ارتفاع الأسعار واختناقات الإمدادات.

إشادة رسمية بأداء قوات الطوارئ في ضبط المخالفات (إعلام محلي)

وأوضحت أن هذه العمليات تأتي ضمن خطة أمنية مستمرة لمكافحة التهريب، مشيرة إلى أن الحملات لن تتوقف عند هذا الحد، بل ستتواصل لتشمل مختلف المحافظات، في إطار استراتيجية تهدف إلى تجفيف منابع السوق السوداء.

كما دعت قوات الطوارئ المواطنين إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية، والإبلاغ عن أي أنشطة مشبوهة، مؤكدة أن نجاح هذه الجهود يعتمد على تكاتف المجتمع إلى جانب الدولة.

تنظيم النقل الثقيل

بالتوازي مع حملات ضبط التهريب، شرعت السلطات في تطبيق إجراءات صارمة لتنظيم حركة النقل الثقيل، خصوصاً ما يتعلق بالأوزان والحمولات، التي تسببت في أضرار كبيرة للبنية التحتية.

ومنحت قوات الطوارئ مهلة محدودة للناقلات المخالفة لتصحيح أوضاعها، قبل البدء في تطبيق صارم للقوانين، بما يشمل منع مرور أي شاحنة لا تلتزم بالمعايير المحددة.

وأكدت قيادة الفرقة الأولى، المتمركزة في مأرب، أن هذه الإجراءات تهدف إلى حماية الطريق الدولي، الذي تعرض لأضرار جسيمة نتيجة الحمولات الزائدة، التي تسببت بدورها في مئات الحوادث المرورية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل الاعتماد الكبير على الطرق البرية لنقل السلع والمسافرين، بما في ذلك الحجاج والمعتمرون العائدون من المملكة العربية السعودية، ما يجعل سلامة الطرق أولوية قصوى.

كما شدّدت القوات على أنها لن تتهاون مع أي ممارسات غير قانونية، بما في ذلك فرض الجبايات أو الإتاوات خارج الأطر الرسمية، مؤكدة التزامها بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.

تنسيق حكومي

بالتوازي مع هذه التطورات، دعت المؤسسة اليمنية للنفط والغاز إلى تعزيز التنسيق بين الجهات العسكرية والأمنية، لضمان ضبط عمليات نقل وتوزيع المشتقات النفطية وفق الأطر القانونية.

وأبلغت المؤسسة قيادة الجيش بضرورة عدم السماح بمرور أي ناقلة وقود دون تصريح رسمي يثبت تبعيتها لشركة النفط الحكومية، في خطوة تهدف إلى الحد من التلاعب في السوق.

وأكدت أن الناقلات التجارية غير المرخصة تتسبب في إرباك عمل الشركة، عبر بيع الوقود بأسعار مخالفة، ما يؤدي إلى تشوهات في السوق ويقوّض جهود الاستقرار الاقتصادي.

وثيقة رسمية تطالب الجيش بالتدخل لوقف تهريب المشتقات (إكس)

وفي حادثة سابقة، ضبطت السلطات ناقلة تحمل أكثر من 81 ألف لتر من الوقود المهرب في مدخل مدينة عدن، حيث جرى تحرير محضر بالواقعة وإحالة السائق إلى التحقيق، وسط مطالبات بمصادرة الشحنة والناقلة.

ومع هذه الجهود، تواجه الأجهزة الأمنية تحديات إضافية، في ظل استمرار نشاط شبكات التهريب متعددة الأغراض، التي لا تقتصر على الوقود فقط، بل تشمل أيضاً تهريب الأسلحة.

وفي هذا الإطار، تمكنت قوات الطوارئ من ضبط شحنة أسلحة مخبأة داخل حمولة أثاث منزلي، في عملية نوعية تعكس حجم التداخل بين أنشطة التهريب المختلفة.

كما شهدت محافظة حضرموت حادثة أمنية خطيرة، تمثلت في كمين استهدف دورية عسكرية في منطقة العبر، أسفر عن مقتل ضابط وإصابة عدد من الجنود، في هجوم نفذه مسلحون مجهولون.

وتُعد هذه المنطقة من أبرز الممرات الحيوية التي تنشط فيها شبكات التهريب، ما يضاعف من تعقيد المشهد الأمني، ويستدعي تكثيف الجهود لضبط الأمن والاستقرار.


اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
TT

اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)

أكدت الحكومة اليمنية أمام مجلس الأمن أن أي عملية سياسية مستقبلية يجب أن تقوم على أسس واضحة، في مقدمتها استعادة مؤسسات الدولة، وحصر السلاح بيدها، وإنهاء مظاهر التمرد الحوثي المسلح، إذ شدّد مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، على أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب موقفاً دولياً عملياً يدعم الحكومة في بسط سلطتها على كامل التراب الوطني.

وفي هذا السياق، جدّدت الحكومة تمسكها بمرجعيات الحل السياسي المتفق عليها، وعلى رأسها قرار مجلس الأمن رقم 2216، بصفته الإطار الناظم لأي تسوية عادلة وشاملة. كما أكدت أن بناء نظام سياسي قائم على الشراكة الوطنية واحترام الدستور وسيادة القانون يمثل المدخل الحقيقي لتحقيق الاستقرار.

وأشار السعدي إلى أن استمرار امتلاك الحوثيين للسلاح والتكنولوجيا العسكرية يمثل تحدياً جوهرياً أمام أي عملية سياسية، ويقوض أسس بناء الدولة، ويهدد الأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة، ما يستدعي تحركاً دولياً أكثر حزماً.

وفي لهجة حازمة، حذّرت الحكومة اليمنية من استمرار التدخلات الإيرانية في الشأن الداخلي، عبر دعم وتسليح وتمويل الميليشيات الحوثية، عادّةً أن ذلك يدفع اليمن إلى الانخراط في صراعات إقليمية تخدم أجندات خارجية.

المندوب اليمني لدى الأمم المتحدة عبد الله السعدي (أ.ب)

وأدانت الحكومة اليمنية «الاعتداءات الإيرانية السافرة» التي استهدفت دول الخليج والأردن، عادّةً أنها انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي. وأكدت أن هذا السلوك يعكس إصرار طهران على تصدير الأزمات وزعزعة الاستقرار في المنطقة.

وربطت الحكومة اليمنية بشكل مباشر بين الحوثيين والمشروع الإيراني، مشيرة إلى أن انخراط الجماعة في الدفاع عن إيران يوضح طبيعة العلاقة الوثيقة بين الطرفين. كما عدّت أن تحويل اليمن إلى منصة للابتزاز وتهديد الملاحة الدولية يمثل خطراً على السلم والأمن الدوليين.

وخلال إحاطته أمام مجلس الأمن حذر المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ من مخاطر انجرار البلاد إلى مواجهة إقليمية شاملة، خصوصاً بعد الهجمات التي شنتها الجماعة الحوثية ضد إسرائيل، التي أثارت قلقاً دولياً من توسع الصراع. وأكد أن هذه المخاطر لا تزال قائمة رغم تجنب اليمن حتى الآن الانزلاق الكامل إلى تلك المواجهة.

ملف الأسرى

برز ملف الأسرى والمحتجزين في اليمن كونه من أبرز القضايا الإنسانية والسياسية المطروحة في جلسة مجلس الأمن، إذ أكدت الحكومة اليمنية دعمها الكامل للجهود التي تقودها الأمم المتحدة في هذا المسار، مجددةً التزامها بإنجاحه لإنهاء معاناة آلاف الأسر.

ودعت إلى تنفيذ اتفاق تبادل الأسرى وفق مبدأ «الكل مقابل الكل»، دون قيد أو شرط، كما نص عليه اتفاق استوكهولم، عادّةً أن هذا الملف يمثل مدخلاً أساسياً لبناء الثقة بين الأطراف وتهيئة الأرضية لأي عملية سلام شاملة.

في المقابل، أعرب المبعوث الأممي عن أسفه لعدم توصل المفاوضات الأخيرة في عمّان إلى اتفاق نهائي، رغم تحقيق تقدم ملحوظ، مشيراً إلى أن الأطراف مطالبة بتقديم تنازلات إضافية لإتمام عمليات الإفراج.

المبعوث الأممي إلى اليمن قدم إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن (أ.ب)

كما أثار ملف المحتجزين من موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية قلقاً بالغاً، حيث لا يزال العشرات محتجزين لدى الحوثيين، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي. وعدّ المبعوث الأممي أن هذه الاحتجازات تمثل انتهاكاً لامتيازات الأمم المتحدة، وتؤثر بشكل مباشر على قدرتها على تقديم المساعدات الإنسانية.

وفي السياق ذاته، حذرت الحكومة اليمنية من لجوء الحوثيين إلى محاكمات غير شرعية بحق مختطفين، بينهم موظفون دوليون، مطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عنهم.

تحديات اقتصادية ومسار هش

على الصعيد الداخلي، عرضت الحكومة اليمنية ما وصفته بخطوات إصلاحية تهدف إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي، من بينها إقرار الموازنة العامة لعام 2026 لأول مرة منذ سنوات، ودعم استقلالية البنك المركزي، وتحسين كفاءة المؤسسات.

كما أشادت بالدعم السعودي، ورأت أنه يمثل ركيزة أساسية لصمود مؤسسات الدولة، ويسهم في الحفاظ على الاستقرار المالي في ظل ظروف معقدة.

لكن المبعوث الأممي أشار إلى أن هذه المؤشرات الإيجابية لا تلغي هشاشة الوضع الاقتصادي، في ظل تأثر اليمن بالتداعيات الإقليمية، وارتفاع أسعار الغذاء والوقود، وتراجع التحويلات المالية، إضافة إلى استمرار انقسام المؤسسات الاقتصادية.

جانب من جلسة مجلس الأمن بشأن اليمن (أ.ب)

وفي حين أكد المبعوث الأممي أن اليمنيين لا يزالون يعانون من ضعف الخدمات وتأخر الرواتب، وأن الفئات الأكثر هشاشة تتحمل العبء الأكبر من هذه الأزمات، شدّد على أن خفض التصعيد الذي تحقق منذ هدنة 2022 يمثل إنجازاً مهماً، لكنه لا يزال هشاً، في ظل مؤشرات مقلقة على تحركات عسكرية وتصاعد أعمال العنف، بما في ذلك سقوط ضحايا مدنيين.

ومع تأكيد غروندبرغ أن الحل السياسي الشامل يظل الخيار الوحيد القابل للاستمرار، دعا الأطراف اليمنية إلى عدم الرهان على المتغيرات الإقليمية، والعمل بدلاً من ذلك على تسوية تضمن مستقبلاً آمناً ومستقراً لليمن، وتحفظ أمن المنطقة، خصوصاً فيما يتعلق بحرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.


الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended