زيارة جديدة للحرافيش

في ذكرى نجيب محفوظ

الحرافيش
الحرافيش
TT

زيارة جديدة للحرافيش

الحرافيش
الحرافيش

كان هناك ما يشبه الإجماع النقدي على أن الثُلاثية ذروة أعمال نجيب محفوظ. وهي في الحقيقة، تستحق ببنائها الكبير وبقدرتها على التغلغل في الوعي الشعبي إلى حد أن «سي السيد» غادر الرواية وأصبح نمطاً اجتماعياً شهيراً، الأمر الذي لم يحدث إلا نادراً في تاريخ الأدب الإنساني كله. ثم جاء تقرير لجنة جائزة نوبل عام 1988 ليخالف المستقر، منوهاً برواية «أولاد حارتنا».
لكن كل حكم على الأدب، مهما كان صائباً يظل حكماً ناقصاً قبل أن يمر النص باختبار الزمن، من جهة صلاحيته لقارئ جديد في المستقبل وصموده لقراءات متعددة من القارئ الواحد.
لا أعرف أحكام القراء الجدد على أعمال محفوظ المختلفة، لكن من خبرات قراءاتي المتكررة أستطيع القول، إن «الحرافيش» تمنحني جديداً في كل قراءة؛ ما جعلني أقف مخالفاً للتفضيلين السائدين، مؤمناً بأنها ذروة هرم نجيب محفوظ الإبداعي، فيها خلاصة أسئلته حول الحياة والعدم، الدين والسلطة، العدل والظلم. هذه ذاتها أسئلة: «أولاد حارتنا» وعديد من رواياته، لكن برهافة أكثر، وحيث يبدو عالم الرواية مكتفياً بذاته دون الإحالة إلى تاريخ أو واقع خارجه؛ ما يجعل من «الحرافيش» النموذج الأكثر كمالاً في العطاء المحفوظي.
أتقن نجيب محفوظ؛ الفيلسوف، التخفي وراء مظهر الحارة الشعبية، وقد قنعت القراءات المتعجلة للحرافيش كما قنعت السينما بهذا المظهر السطحي الذي يساوي بين الروائي الحكواتي والروائي الفيلسوف، لكن الزمن، القاضي الأكثر عدلاً في محكمة الإبداع، يُسقط الحواديت، ويُبقي على أدب التساؤل الذي يُضمر رؤية متماسكة للكون، وأحسب أن الحرافيش هي آخر ما يمكن أن يموت من إبداع هذا الرجل الكبير.
على غير العادة في أعمال محفوظ هناك إشارة إلى جنس الكتاب في صميم العنوان: «ملحمة الحرافيش» ما يعد بعالم أسطوري، لكنه في الآن ذاته عالم محفوظ المعتاد محدود الرقعة. ولكي يقدم ملحمة دون ارتحال يقاسي فيه الأبطال الأهوال والمصادفات الغريبة التي لاقاها جلجامش أو عوليس أو أوديب، ألقى محفوظ بكل أعباء الملحمة على عاتق البناء الفني.
ومن خلال سرد يتمتع بالانسجام بين اللغة والشخصية والمكان والزمان، وبنية روائية شديدة البساطة، إذا ما قورنت بالعمارة المركبة للثلاثية.
عمارة الحرافيش بناء بسيط، أقرب إلى متوالية قصصية، كل حكاية تبدأ وتنتهي، حيث يساهم هذا الشكل البسيط للسرد في تحقيق رؤية الرواية، بتماثله مع موج البحر. لا يتوقف الموج ولا يستدير إلى الوراء، لكنه يندفع في تقدم متتابع يبتلعه الشاطئ، موجة بعد موجة. لا جديد ولا نهاية، بل حركة دائمة.

- عن اللغة
أول ما يُصادف القارئ في الحرافيش هو اللغة. المفتتح محض لغة شاعرة لا تروي واقعة: «في ظلمة الفجر العاشقة، في الممر العابر بين الموت والحياة، على مرأى من النجوم الساهرة، على مسمع من الأناشيد الغامضة، طرحت مناجاة متجسدة للمعاناة والمسرات الموعودة لحارتنا» هذا الاقتباس - على قصره - هو الفصل الأول كاملاً من الحكاية الأولى.
تحيل بلاغة الجملة إلى السرمدي الذي يتكرر على الدوام، وكأنها نشيد الجوقة في المسرح اليوناني، وهذه وظيفة إضافية يضعها محفوظ على كاهل الراوي في «الحرافيش».
ويتكرر صوت الحكمة على هذا النحو في موضع أو موضعين من كل حكاية من الحكايات العشر للتذكير بهذا النفس الملحمي، وغالباً ما تكون الجملة فصلاً مستقلاً، ودائماً على لسان الراوي كفصل البداية: «لا دائم إلا الحركة. هي الألم والسرور. عندما تخضرُّ من جديد الورقة، عندما تنبت الزهرة، عندما تنضج الثمرة، تُمحى من الذاكرة سفعة البرد وجلجلة الشتاء» - الفصل (51) من الحكاية الرابعة: «المُطارد».
وإلى جوار اللغة التي تفتح الأفق على السرمدي، نجد لغة تُغلق أفق الفهم لتفتح آفاقاً للخيال متمثلة في التراتيل الفارسية المسموعة من داخل التكية. وهي أبيات من غزليات حافظ الشيرازي، بعضها لا يمت بصلة للمشهد؛ كأن يلجأ البطل إلى الساحة حزيناً أو يائساً، ويسمع بيتاً في العشق والغرام. هذا المخفي في النص من أجمل ألعاب محفوظ مع القارئ، وربما يحيلنا التوظيف العابث للغزليات إلى علاقة السخرية بصناعة الخيال عموماً.
ولا يودع محفوظ فخامة لغة الشعر، وعتمة المعنى في اللغة الفارسية، إلا ليستلهم بلاغة العهد القديم. تقول فلة لعاشور إنها تحمل له تحيات من أبنائه؛ فيرُدُ: «مباركة تحياتٌهم».
أو يطلب منه درويش مالاً فيصده: «في سبيل الخير أعطي لا في سبيل الشر».
ويتوالى هذا الاتكاء على بلاغة الكتاب المقدس «إلى الحمَّام والطعام ولتحل بركة الله في الأرض».
وليس هناك أجمل من إنطاق سيدة بسيطة بحكمة التغير الدائم «وَالشَّمْسُ تُشْرِقُ، وَالشَّمْسُ تَغرب، وَتُسْرِعُ إِلَى مَوْضِعِهَا حَيْثُ تُشْرِقُ». (سفر الجامعة 1: 5). في الحكاية الخامسة من الحرافيش تحمل أم هشام الداية رسالة من الفتوة نوح الغراب إلى زهيرة الجميلة، فتقول لها: «ألا ترين أني زوجة وأم؟» فترد العجوز: «ما يمر يوم إلا ونرى الشمس وهي تشرق ثم نراها وهي تغرب».
وإلى جوار هذه المستويات من البلاغة الفصيحة، يصادفنا غناء شعبي يصدح به عاشق مكلوم:
«يا أبو الطقية الشبيكة
قل لي مين شغلها لك
شــبكت قلبي
إلهي ينشغل بالك»
هذه التنويعات الأسلوبية تُرصِّع لغة سردية سهلة منسجمة مع عالمها. والحوار فصيح، لكن بساطته تجعله مقنعاً على لسان الشخصيات. وهكذا يؤدي مجمل التشكيل اللغوي دوره في البناء الذي يضع قدماً في الأسطوري والأخرى في الواقعي.

- عن المكان والزمان
من يدقق في حارة الحرافيش، يرى اختلافها عن حارة الثلاثية وغيرها من حارات روايات محفوظ الواقعية التي نستطيع أن نطابق بعض معالمها على معالم شهيرة: مثل مسجد الحسين، مآذن قلاوون وبيت القاضي وخلافه.
وبينما تنطق عناوين الروايات الواقعية بأسماء حارات: بين القصرين، قصر الشوق، السكرية، خان الخليلي، تبقى حارة الحرافيش بلا اسم. لها امتداد يناقض قِصَر الحارات الحقيقية في منطقة الجمالية، لكي تستوعب فضاءات تلبي رؤيته الأسطورية، وتكون مقنعة فنياً في الوقت ذاته.
يريد للتكية أن تكون غامضة ومستغنية عن التعامل مع ما حولها من البشر؛ فلا تفتح بابها أبداً، وهذا يجعلها في حاجة إلى مزرعة يعيش الدراويش على ثمرها. وفي الحارة حانة، بخلاف واقع حارات الجمالية المثقلة بالقداسة، لكنه يبني مختصراً للعالم، يتسع للحانة وستتسع تلك الحارة المجهولة مع الوقت لمئذنة عجائبية (بلا مسجد) يبنيها بطل الحكاية السابعة «جلال صاحب الجلالة» كما تتسع الحارة من بعده لدار صيرفة وعمارات ضخمة.
بهذا التأسيس أصبحت الحارة مكاناً صالحاً لصناعة العجائبية، مع ذلك يلجأ محفوظ لطقس الهجرة الضروري للإقناع بالمعجزات، كما في الملاحم وألف ليلة وليلة. لكن أبطاله لا يسافرون إلى البعيد، بل إلى صحراء قريبة (هي في كل روايات محفوظ صحراء الدرّاسة المتاخمة لسور القاهرة على مسافة دقائق معدودة مشياً) وإلى بولاق على ضفة النهر، وهي الأخرى لا تبعد أكثر من نصف ساعة مشياً، بينما يستغني بعض الفتوات عن الرحلة؛ إذ يكتشفون قواهم الخارقة في لحظة مفاجئة تحت ضغط معركة تُفرض عليهم أو إهانة لا يمكن السكوت عليها.
ومثلما خطط مكاناً مجهولاً يمكن تحديده بالظن، بنى محفوظ زمناً مجهولاً، يلبي رغبته في صنع أمثولة للحياة. لكنه ككل كاتب حساس يدفع بالقارئ إلى المتاهة بعد أن يضع في يده طرف خيط الأمان الذي يمكنه من النجاة. هكذا تمكَّن النقاد من تحديد زمن الحرافيش من خلال بعض علامات الطعام والشراب ووسائل المواصلات، ليقولوا إن الزمن المضمر يبدو بدايات القرن التاسع عشر إلى العقود الأولى من القرن العشرين.
وإلى جوار المكان والزمان المُضمرين يأتي ذكر أماكن حقيقية كالعطوف والحسينية بفتوات حقيقيين عاشوا في زمن حقيقي معلوم يدخلون في معارك مع فتوات الحارة.

- بناء الشخصية
بعد المفتتح الملحمي، تتكشف الأحداث عن عثور الشيخ الأعمى عفرة زيدان على الطفل ملقى في الشارع عند صلاة الفجر. لنجد أنفسنا أمام عمى ثلاثي: عمى الرجل، وعمى الليل، والجهل بنسب الطفل. لكن عمى ساعة الفجر يعقبه إشراق صبح جديد.
هكذا يؤسس محفوظ برهافة شديدة لعجائبية وواقعية الطفل الذي صار اسمه عاشور. هو بمعنى ما يتيم كنبي، ومجهول كلقيط. وفي سيرته تسامي القديس مع نزوع الشهوة والطمع. يمارس مهنته البسيطة رغم أنه صار سيد الحارة، وفي لحظة تفتنه امرأة وعندما يعود معها بعد الوباء تحلو في عيونهما داراً فخمة فيستوليان عليها.
ويختفي عاشور لتظل ثنائيته حاضرة في ذاكرة الأجيال. يُعيَّر به الأحفاد أحياناً، وأحياناً ترسم له الحكايات صورة ناصعة باعتباره ابن رجل صالح خاف عليه من الفتوة فألقى به في الحارة مطمئنا إلى رعاية الله لوديعته.
وعلى هذا النحو يسري الأسطوري والواقعي متمازجين في دم السلالة، للرجال قوة بدنية استثنائية، وللنساء قوة الجمال والحيلة مع عون من قوة غامضة في الروح، ملائكية أو شيطانية.
وفي ظني أن تمازج الأسطوري والواقعي في الشخصيات ليس الدرس المحفوظي الوحيد في الحرافيش، بل إطلاقه لطاقات الخير والشر إلى أقصى حدودهما داخل النفس، بما يجعل شخصيات هذه الرواية قريبة من إنسان الهوتين لدى المُعلم الأكبر دوستويفسكي.



80 % من فوانيس الصين... من أزقة بلدة واحدة

الضوء يتحوَّل إلى حرفة يومية (غيتي)
الضوء يتحوَّل إلى حرفة يومية (غيتي)
TT

80 % من فوانيس الصين... من أزقة بلدة واحدة

الضوء يتحوَّل إلى حرفة يومية (غيتي)
الضوء يتحوَّل إلى حرفة يومية (غيتي)

في الصين، يمكن للفوانيس الحمراء أن تكون مرشداً للمسافر نحو الأمان في الأزقة بليالي الشتاء القارسة، أو رمزاً للهيبة والسطوة أمام الردهات الإمبراطورية، أو حتى نداءً يثير الخشوع الديني حين تُعلّق في المعابد.

كما أنها باتت مرادفاً لاحتفالات السنة القمرية الجديدة في أنحاء البلاد، وحلقة وصل تربط صينيي اليوم بثقافة أسلافهم. ووفق «بي بي سي»، فإنّ محاولة تخيُّل عدد الفوانيس التي تُعلَّق في البلاد في أيّ وقت، تُشبه إلى حد بعيد محاولة إحصاء عدد الأشجار في غابات الأمازون.

ومع ذلك، تبرز حقيقة مذهلة تشير إلى أن نحو 80 في المائة من فوانيس البلاد لا تزال تصنّع يدوياً في بلدة صغيرة واحدة بمقاطعة «خبي». وحين تتجوَّل في شوارع بلدة «تونتو» المتربة، ستجد مظاهر صناعة الفوانيس تحاصرك أينما نظرت.

إلقاء نظرة عبر باب مفتوح على فناء أحد المنازل قد يكشف لك عن مجموعة صغيرة من القرويين يجلسون على مقاعد خشبية صغيرة يصنعون الفوانيس، وهم يتبادلون الحديث، في حين تكتظ الشوارع الرئيسية بأكوام من الفوانيس الحمراء المتراصة بعضها فوق بعض.

لا أحد يعرف متى بدأت هذه الحرفة في هذا الجزء من شمال الصين قبل مئات السنوات، لكن إذا وُلدت في «تونتو»، فإنّ هذا يعني أنك منغمس في صناعة الفوانيس منذ نعومة أظفارك. وتقول إحدى السيدات: «عندما ترى أفراد عائلتك يمارسون هذا العمل يومياً، فإنك تتقن السرّ بسرعة»، مضيفةً أنّ «الأطفال هنا يمكنهم تعلُّم الحرفة منذ سنّ العاشرة تقريباً».

ويبدو من المثير للإعجاب أنه في عصر خطوط الإنتاج فائقة التقنية، تمكنت هذه البلدة من إحكام قبضتها على سوق الفوانيس، مستخدمةً تقنيات إنتاج من حقبة زمنية غابرة. وحين سُئل أحد صُنّاع الفوانيس المسنين عن السر، أجاب بأنهم يستطيعون تلبية الطلبات المتنوّعة بسهولة، مهما كان حجمها صغيراً، وبتكلفة أقلّ ممّا توفّره المصانع.

ورغم أنّ الإنتاج الحديث قد يجد في المستقبل وسيلة لمحاكاة ما تنجزه هذه القرية يدوياً، مع تقديم الخيارات المتنوّعة نفسها بأسعار تنافسية، فإنّ ذلك لم يحدث بعد.

وإنما التحدّي الذي يواجه «تونتو» يتمثَّل في أنّ كثيراً من الشباب اليوم لم يعودوا يرضون بحياة تقتصر على صناعة الفوانيس، مفضلين بدلاً من ذلك إغراءات المدينة والفرص التي تتيحها الحياة الحضرية، ممّا قد يعني نقصاً في الأيدي العاملة خلال السنوات المقبلة.

ومع ذلك، تظل «تونتو» حتى اللحظة الراهنة «بلدة الفوانيس» في الصين، ويشعر سكانها بالفخر لارتباط اسم بلدتهم بهذه الحرفة العريقة.


مصر لإطلاق منصة موحدة لمتاحف الرموز الوطنية

متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
TT

مصر لإطلاق منصة موحدة لمتاحف الرموز الوطنية

متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)

أكدت وزيرة الثقافة المصرية، الدكتورة جيهان زكي، أن الوزارة بصدد تنفيذ استراتيجية متعددة الأبعاد لنشر الثقافة والوعي والفنون والاحتفاء بالرموز الوطنية وبالمبدعين المصريين في كل أنحاء العالم.

وقالت خلال لقائها، رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، الاثنين، إن من ضمن خطة الوزارة أنه سيتم إطلاق منصة موحدة لمتاحف رموز الدولة المصرية؛ للتعريف بمسيرة تلك الرموز عبر أشكال رقمية لافتة، مثل «الريلز» وغيرها من داخل تلك المتاحف، بشكل رقمي جاذب للأجيال المُستهدفة، بالإضافة إلى تنظيم رحلات للمدارس والجامعات إلى تلك المتاحف لربط الأجيال بالرموز الوطنية، والترويج لزيارتها من خلال برامج مع وزارة السياحة، وتنفيذ برامج أخرى لتسويق التراث الوطني.

ومن المتاحف التي تخص رموزاً وطنية في مجالات شتى وتابعة لوزارة الثقافة، متحف سعد زغلول «المركز الثقافي بيت الأمة» ومتحف «رامتان» منزل «عميد الأدب العربي» طه حسين، ومتحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» ومتحف محمود مختار، ومتحف أم كلثوم ومتحف محمد عبد الوهاب.

وترتكز خطة الوزارة خلال الفترة المقبلة على ثلاثة أبعاد، هي «البعد الاجتماعي» ويستهدف تحقيق العدالة الثقافية وضمان الثقافة بصفتها حقاً للجميع، ثم «البعد الوطني»، ويسعى لضمان الأمن الثقافي عبر حماية الهوية والوعي، وأخيراً «البعد الحضاري»، ويرمي إلى تمكين المبدعين ونشر الإبداع في مصر، وفق بيان لرئاسة الوزراء، الاثنين.

ويستند البعد الاجتماعي إلى إرساء مبدأ العدالة الثقافية، وأكدت الوزيرة أنه من المخطط البدء الفوري في تطوير 30 قصر ثقافة في محافظات عدة، وذلك مرحلة أولى خلال 12 شهراً، وفق خطة تستهدف رفع جودة الخدمات الثقافية المُقدمة في القصور المطورة وزيادة إقبال المواطنين عليها.

وزيرة الثقافة خلال عرض خطة عمل الوزارة بمجلس الوزراء (رئاسة مجلس الوزراء)

بينما يهدف البعد الوطني إلى إنشاء برنامج متخصص لجيلَي «زد وألفا» يجمع بين التكنولوجيا والتراث المصري عبر تطبيقات تفاعلية وألعاب تعليمية ورحلات ثقافية، مع دمج المحتوى الثقافي المصري الأصيل في مناهج التعليم الأساسي لجميع المراحل لتعريف الأجيال بهويتهم وتراثهم.

ويتخذ البعد الحضاري شعار «مصر تبدع للعالم»، ويستهدف الاحتفاء بالمبدعين المصريين في كل مجالات الفنون والثقافة في أنحاء العالم، من خلال إنشاء استوديو مصر الرقمي ليكون مركز إنتاج رقمي متكاملاً لإنتاج محتوى مصري عالي المستوى يحكي قصة مصر للعالم بلغة العصر، بالإضافة إلى إنشاء برنامج التصدير الثقافي المصري، وبناء شراكة بين متاحف مصر الفنية وعواصم العالم لعرض قطع فنية للتعريف بالفنون المصرية والمبدعين المصريين.

وعرضت وزيرة الثقافة آليات تنفيذ محاور العمل المُستهدفة، سعياً لبناء منظومة ثقافية متكاملة، مشيرة إلى أن محور «الرقمنة» يشغل اهتماماً كبيراً ضمن أجندة عمل الوزارة، حيث تعدّه عصب منظومة الثقافة المصرية، وأنه لم يعد اختياراً، حيث تستهدف «الثقافة» بناء المنصة الثقافية الموحدة منصةً واحدة تجمع كل المبادرات الثقافية المصرية، مع السعي للوصول إلى عدد أكبر من المستفيدين لتحقيق الأهداف المرجوة.


مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
TT

مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)

ضمن ديكورات تتنقّل مشاهدها بين ثلاثة فضاءات مختلفة، تدور أحداث مسرحية «كذبة بيضا» (Mensonge blanc)، من تأليف ألكسندر نجار، وإخراج لينا أبيض، وبطولة أنطوني توما. تتوزّع هذه الفضاءات بين منزل عائلي، وثكنة لمقاتلين في ميليشيا، وخطوط تماس تفصل بين مناطق المدينة الواحدة، لتشكّل مشهداً بصرياً درامياً يعكس انقسام الشخصيات وتقلّباتها الداخلية.

مسرحية «كذبة بيضا» على مسرح مونو (الفنانة جوزيان بولس)

يبدأ عرض المسرحية في 5 مارس (آذار) على خشبة «مونو» في بيروت، وتروي حكاية شاب لبناني أراد الالتحاق بميليشيا مسلَّحة أسوة بأصدقائه، فيقرّر أهله إرساله إلى اسكوتلندا لإبعاده عن أجواء الحرب الأهلية في السبعينات.

يوصل الأهل ابنهم إلى مطار بيروت مطمئنين إلى أنه متجه نحو بلد ينعم بالسلام، لكن الشاب يعود سريعاً لينخرط مع أصدقائه في ثكنة للمقاتلين في منطقة السوديكو، ويخوض تجربة قاسية تستمر 6 أشهر تترك أثرها في مسيرته الحياتية.

وتوضح المخرجة لينا أبيض لـ«الشرق الأوسط» أن القصة حقيقية وصلت إلى مسامع المؤلف ألكسندر نجار، فتأثر بها وكتبها، مشيرة إلى أن الوجهة الأصلية للشاب كانت رومانيا، ومنها ولدت فكرة العمل في استعادة لحقبة عاشها اللبنانيون.

تدور المسرحية في حقبة الحرب الأهلية في السبعينات (الفنانة جوزيان بولس)

يشارك في المسرحية، إلى جانب أنطوني توما، 9 ممثلين منهم جو أبي عاد، وجلال الشعر، وغاييل عايلة، وجاك مارون، وعلي بليبل، وجوزيان بولس. وتُقدَّم باللغتين العربية والفرنسية، في انعكاس لأسلوب اللبنانيين في المزج بينهما، مع ترجمة متبادلة للحوار تُعرض على شاشة عملاقة أثناء العرض.

وعن سبب التسمية، تشرح لينا أن الشاب حين عاد إلى بيروت مخالفاً قرار أهله، بدأ يتساءل إن كان قد ارتكب خطأً وكذب عليهم، قبل أن تصف ممرضة فرنسية في الثكنة ما فعله بأنه «كذبة بيضاء»، وهو ما يفتح باباً لصراع داخلي وأسئلة وجودية.

تحمل المسرحية أبعاداً سياسية واجتماعية وفلسفية، وتطرح موضوع العلاقة بين الأهل والأبناء وفرض القرارات عليهم. وتستطرد لينا أبيض قائلة: «كان الشاب يحلم باحتراف الغناء، بينما أراد والده له مساراً مهنياً مختلفاً، رافضاً دخوله المجال الفني». وتشير لينا إلى أن العمل، رغم استعادته أحداث منتصف السبعينات، فإنه يعكس واقعاً لا تزال آثاره حاضرة اليوم، حيث تستمر التعقيدات السياسية وتبعات الحرب في حياة اللبنانيين.

وتؤكد أن الفكرة الأساسية تتمحور حول العلاقة بين الأجيال، وكيف يرث الأبناء أفكار ذويهم من دون مساحة كافية للاختيار أو الاعتراض، في دوامة تتكرر من جيل إلى آخر.

يتضمن العرض عناصر فنية متعددة، بينها الغناء، والموسيقى، وديكورات ذات حضور بصري لافت، إذ يؤدي أنطوني توما عدداً من الأغنيات، محققاً رمزياً حلم الشخصية التي حُرمت من ممارسة شغفها الفني.

الفنان أنطوني توما بطل العمل (الفنانة جوزيان بولس)

وترى لينا أن كل مشاهد سيتلقى العمل من زاويته الخاصة؛ فقد يدرك الأهل أخطاءهم، بينما يكتشف الشباب أهمية اتخاذ قراراتهم بأنفسهم، مؤكدة أن المسرحية تسعى إلى تعزيز التفاهم بين الأجيال من دون إصدار أحكام أو توجيه نقد مباشر.

كما يضم العمل ممثلين من أعمار مختلفة، من العشرينات حتى الستينات، لتقديم نماذج تمثِّل أجيالاً متعددة، مما يضفي على العرض نضجاً فنياً وإنسانياً. ويستغرق عرض المسرحية نحو ساعة، وهي، بحسب مخرجتها، «مسلية وفلسفية في آن واحد».