سلامة مياه الشرب والصرف الصحي: 9 دول عربية فقط آمنة

يمنيان يتزودان بمياه الشرب من سبيل في صنعاء (إ.ب.أ)
يمنيان يتزودان بمياه الشرب من سبيل في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

سلامة مياه الشرب والصرف الصحي: 9 دول عربية فقط آمنة

يمنيان يتزودان بمياه الشرب من سبيل في صنعاء (إ.ب.أ)
يمنيان يتزودان بمياه الشرب من سبيل في صنعاء (إ.ب.أ)

مياه الشرب والصرف الصحي عنوان الحلقة الثانية من سلسلة المقالات التي ننشرها عن الصحة والبيئة في البلدان العربية. يستند هذا المقال إلى الفصل الخاص بالموضوع في تقرير المنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد) الذي صدر مؤخراً. والفصل من تأليف الدكتورة مي الجردي، أستاذة الصحة البيئية في الجامعة الأميركية في بيروت، بالاشتراك مع الدكتورة جومانا نصر، الأستاذة المحاضرة في كلية العلوم الصحية ورولا عجيب، مشرفة مختبر الصحة البيئية في الجامعة الأميركية في بيروت.
تلعب خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة دوراً حيوياً في مواجهة الأمراض الناشئة، كما تؤكد الدعوات المتتالية التي تُطلقها منظمة الصحة العالمية حالياً لتوفير المياه الآمنة وتعزيز خدمات الصرف الصحي والنظافة العامة لاحتواء انتشار فيروس كورونا المستجد.
وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة أصدرت في منتصف 2010 قراراً يعتبر الحصول على مياه الشرب وخدمات الصرف الصحي حقّاً من حقوق الإنسان، لارتباطها على نحو وثيق بالحق في الحياة والكرامة الإنسانية. كما تبنّت الأمم المتحدة مسألة المياه والصرف الصحي كأحد أهداف التنمية المستدامة (الهدف السادس) التي تنادي بتوفير مياه الشرب الآمنة وخدمات الصرف الصحي الأساسية لجميع البشر بحلول سنة 2030.
وفي العالم العربي، أقرّت جامعة الدول العربية سنة 2012 استراتيجية الأمن المائي العربي حتى 2030. التي لحظت العلاقة الوثيقة بين المياه والطاقة والغذاء. ومع ذلك، لا تزال هذه السياسات العالمية والإقليمية قاصرة عن الوصول إلى غاياتها الطموحة حتى الآن في مجمل البلدان النامية، بما فيها الدول العربية ذات الدخل المتوسط أو المنخفض.
ويناقش تقرير «الصحة والبيئة» الذي صدر أخيراً عن المنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد) الدوافع البيئية الرئيسية التي لها تأثير كبير على مختلف جوانب صحة الإنسان في الدول العربية، بما فيها قضايا المياه والصرف الصحي.
فعلى سبيل المثال، تعتبر منظمة الصحة العالمية أن أمراض الإسهال هي السبب الأبرز لوفيات الأطفال دون الخامسة من العمر بما نسبته 20 في المائة من مجموع الوفيات. وتمثل المياه غير الآمنة والصرف غير المعالج، إلى جانب محدودية النظافة العامة واعتلال الغذاء وتغيُّرات المناخ، أهم العوامل في زيادة حالات الإسهال وانتشارها في البلدان ذات الدخل المتوسط أو المنخفض.
وفيما بلغ عدد الوفيات حول العالم بسبب الإسهال 842 ألف حالة وفاة سنة 2014. كان عدد وفيات أمراض الإسهال المرتبطة بخدمات المياه والصرف الصحي والنظافة في العالم العربي نحو 29 ألف وفاة سنة 2016.
- المياه العربية تتناقص ونوعيتها تتدهور
وفقاً لمقياس عبء المرض العام، الذي يُعبّر عنه بعدد السنوات الضائعة من العمر بسبب اعتلال الصحة أو الإعاقة أو الموت المبكر، قاربت سنوات الحياة الصحية المفقودة في العالم العربي بسبب الإسهال نحو 2.4 مليون سنة في 2016. أكثرها في الصومال وموريتانيا وجزر القمر وجيبوتي واليمن والسودان، نسبة لعدد السكان.
وفي المقابل، تحظى كل من البحرين والكويت وعُمان وقطر والإمارات والسعودية بإدارة آمنة وتغطية واسعة في خدمات مياه الشرب والصرف الصحي، فيما يبقى تلوث الهواء والتعرض للملوثات الكيميائية ومحددات الإصابة البيئية والإسكانية أهم عوامل الخطر البيئي في هذه الدول.
وفي البلدان العربية الأخرى، التي تمثل نحو 57 في المائة من تعداد السكان العرب، تزيد المخاطر البيئية المتصلة بالمياه والصرف الصحي وتلوث الهواء والتعرض للكيماويات والنفايات وتلوث الغذاء من العبء الناتج عن الأمراض المعدية وغير المعدية.
وتعدّ المنطقة العربية ضمن أكثر المناطق عرضة للإجهاد المائي عالمياً، نظراً لمحدودية مواردها المتجددة والأفراط في استغلال المصادر المتاحة. وتقع 14 دولة هي الأكثر ندرة بالمياه عالمياً ضمن المنطقة العربية. ويزداد هذا الواقع سوءاً نتيجة تغيُّر المناخ، والنمو السكاني المطرد، والاعتماد على الموارد المائية المشتركة أو العابرة للحدود، وضعف الحوكمة المائية.
ورأى تقرير «أفد» أن ندرة المياه تمثل تحدياً مصيرياً يعززه سوء إدارة الموارد المائية، بما في ذلك ضعف تقييمها من حيث الكمية والنوعية. كما تؤثر هذه الندرة سلباً في تطوير خدمات مياه الشرب والصرف الصحي واستدامتها.
وتشير الأرقام المتاحة إلى أن نحو 90 في المائة من المواطنين العرب يمكنهم الوصول إلى مياه الشرب الآمنة، وهي نسبة تقارب المعدل العالمي. ومع ذلك، توجد ضرورة لتطوير برامج مستدامة لمراقبة جودة المياه، كمؤشر مباشر على سلامتها فيزيائياً وكيميائياً وبيولوجياً.
- الصرف الصحي وإعادة الاستعمال
تتوفر خدمات الصرف الصحي المدارة بأمان لنحو 29 في المائة من المواطنين العرب، وهي نسبة متدنية إذا ما قورنت بالمعدل العالمي الذي يبلغ 45 في المائة. ويحظى الكويتيون بأوسع تغطية لخدمات الوصول إلى مياه الشرب الآمنة وخدمات الصرف الصحي بنسبة 100 في المائة، وتنخفض هذه النسب في لبنان إلى 48 في المائة للحصول على مياه الشرب الآمنة وإلى 22 في المائة فيما يتعلق بالصرف الصحي السليم.
ولا تقتصر الفوارق على الدول الغنية والأقل دخلاً، بل تشمل أيضاً المناطق الريفية والحضرية داخل البلد الواحد. ومن الملاحظ أن المناطق الريفية الأكثر فقراً هي الأضعف في الحصول على المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي.
وتتميز الكويت أيضاً بمعالجة كامل صرفها الصحي، وتنافسها في ذلك الإمارات بنسبة تقترب من 99 في المائة. وفيما تقل نسبة مياه الصرف الصحي المعالجة في موريتانيا عن 0.7 في المائة، تتباين معدلات باقي الدول العربية في معالجة الصرف الصحي بين أقل من 50 في المائة في لبنان وليبيا والجزائر والعراق والمغرب، وأكثر من 50 في المائة في مصر وفلسطين وتونس والسعودية وقطر والأردن.
وتعدّ معالجة المياه العادمة وإعادة استخدامها أمراً ضرورياً لتوفير إمدادات المياه في معظم البلدان العربية، خاصة مع تغيُّر المناخ وزيادة الطلب بسبب النمو السكاني. وفي دول مجلس التعاون الخليجي، من الثابت أن معالجة المياه العادمة وإعادة استخدامها لا غنى عنه لتوفير المياه كوسيلة لتخفيف العبء المالي والبيئي الناتج عن تحلية مياه البحر.
- مساعدات مائية لـ17 دولة
فيما يخص المساعدات التنموية لقطاع المياه والصرف الصحي، حصلت 17 دولة عربية على 1.6 مليار دولار كَمِنح في سنة 2017. وهو نسبة جيدة بالمقارنة مع مجمل المساعدات التنموية الرسمية العالمية للقطاع، التي بلغت 8.8 مليار دولار استفادت منها 136 دولة. وكانت حصة الأردن هي الأعلى عربياً بِمِنَح تزيد عن نصف مليار دولار.
ورغم أن المِنَح التنموية الخارجية تمثل جزءاً ضئيلاً من الإنفاق العالمي على قطاع المياه والصرف الصحي، إلا أن المبالغ التي تلقتها بعض الدول كانت مؤثرة بالفعل. فالمنحة التي تبلغ نحو 58 مليون دولار من المساعدات التنموية الرسمية التي تلقتها موريتانيا شكلت 60 في المائة تقريباً من إنفاق البلاد على هذا القطاع.
وبشكل عام، تبقى هذه المساعدات غير كافية لتحقيق الغايات الوطنية فيما يخص هدف التنمية السادس المتعلّق بمياه الشرب والصرف الصحي. ومن خلال تقييم الفجوة بين التمويل المتاح ومتطلبات المياه والصرف الصحي والنظافة، بلغت الفجوة في لبنان 68 في المائة وفي فلسطين 47 في المائة سنة 2017.
ويشير تقرير «التقدم المحرز في أهداف التنمية المستدامة» لسنة 2019 إلى أن 9 دول عربية فقط، تضم الأردن وتونس ولبنان إلى جانب الدول الخليجية، هي في المسار الصحيح لتحقيق هدف التنمية السادس. في حين تشهد باقي بلدان المنطقة ركوداً، أو تقدماً معتدلاً باتجاه تحقيق هذا الهدف.
ويمثل الفقر أبرز تحديات تحقيق هدف التنمية السادس، حيث يحول دون توفير البنية التحتية الكافية ويتداخل مع غياب الاستقرار السياسي، وانتشار الفساد، وتعدد الصراعات العرقية، وتغيُّر المناخ، وعوامل أخرى من صنع الإنسان.
كما تحول النزاعات دون تحقيق هدف التنمية السادس. ففي العراق وليبيا وفلسطين والصومال والسودان، كانت منشآت مياه الشرب ومرافق معالجة الصرف الصحي عرضة لأضرار بليغة نتيجة الحرب. كما أدى النزوح إلى تشكيل ضغط كبير على البنى التحتية للبلدان المضيفة التي تعاني في الأصل من الضعف ومحدودية الموارد.
ويشكل تلوث المياه تهديداً كبيراً في البلدان العربية ذات الموارد المائية الشحيحة، ويتضاعف هذا التهديد مع المشاريع الحضرية غير المستدامة والنمو السكاني وتغيُّر المناخ. وتجبر ندرة المياه العديد من البلدان على اللجوء إلى موارد مياه غير تقليدية، مثل تحلية مياه البحر مع ما يرتبط بها من تكاليف مرتفعة وتأثيرات بيئية كبيرة. وقد أدى الطلب المتزايد في دول الخليج إلى الإفراط في استغلال طبقات المياه الجوفية.
ومن القضايا الأخرى التي تعرقل السير في اتجاه تحقيق هدف التنمية السادس ضعف حوكمة المياه وغياب الإدارة المتكاملة للموارد المائية، وعدم وضع برامج تحقق التكامل بين المياه والصرف الصحي والنظافة لضمان الصحة العامة، وغياب المشاركة العامة في قطاع المياه، ومحدودية الالتزام السياسي والمالي.
ويخلص تقرير «أفد» إلى أن تحقيق هدف التنمية السادس لا يمثل مصلحة عامة فحسب، بل هو علامة فارقة نحو تطوير البنى والنظم البيئية لتكون أكثر استجابة لاحتياجات الصحة والتنمية. ويدعو الدول العربية لتحقيق هذه الغايات بحلول سنة 2030 من خلال المبادرات الاستراتيجية، وتعزيز آلية صنع القرار، واستخدام مؤشرات الأداء، وضمان الموارد المادية والبشرية، والسعي إلى تحقيق التعاون الإقليمي، وتحسين سلامة المياه ومراقبتها على نحو أفضل.


مقالات ذات صلة

غوتيريش: على الحكومات اعتبار مكافحة تغير المناخ أولوية رئيسية

الولايات المتحدة​ الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

غوتيريش: على الحكومات اعتبار مكافحة تغير المناخ أولوية رئيسية

قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش اليوم الأربعاء إنه ينبغي للحكومات وضع مكافحة تغير المناخ ضمن أولوياتها ​الرئيسية، مع ازدياد حدة المخاطر المناخية

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك أشخاص يحتمون بالمظلات من أشعة الشمس مع ارتفاع درجات الحرارة خلال فعاليات أسبوع الموضة في ميلانو بإيطاليا 22 يونيو 2026 (رويترز)

دراسة: عدد الأشخاص المعرّضين لإجهاد حراري خطير يرتفع عالمياً

ارتفع عدد الأشخاص المعرّضين لإجهاد حراري خطير بشكل حاد عالمياً خلال السنوات الخمسين الأخيرة بسبب التغيّر المناخي، وفق ما كشفت دراسة نُشرت نتائجها الاثنين.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

أوروبا تشهد موجة حر شديد وفرنسا تعقد اجتماعات طارئة

أدت موجة من الحر الشديد تجتاح معظم أنحاء أوروبا إلى عقد اجتماعات طارئة في فرنسا، وإصدار تحذيرات على مستوى البلاد في ألمانيا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا حشد من الناس خلال احتجاج ضد منتجع فاخر وهو مشروع لشركة مرتبطة بجاريد كوشنر صهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب على منطقة حساسة بيئياً على ساحل البحر الأدرياتيكي في زفيرنيك بالقرب من فلورا بألبانيا يوم 6 يونيو 2026 (رويترز)

ما أسباب تصاعد المعارضة لمشروع منتجع فاخر مرتبط بعائلة ترمب في ألبانيا؟

يتصاعد الجدل في ألبانيا حول مشروع منتجع مرتبط بعائلة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وسط احتجاجات ومخاوف بيئية، فيما تتمسك الحكومة بالمضي فيه.

«الشرق الأوسط» (تيرانا)
يوميات الشرق تم إطلاق أكثر من 10 آلاف كائن فطري إلى بيئاتها الطبيعية (المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية)

تشمل الطائف وثادق... تأهيل وجهات سعودية لاكتشاف الحياة الفطرية والتنوع الأحيائي

كشف المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية في السعودية عدداً من الفرص والوجهات السياحية المرتبطة بالحياة الفطرية والتنوع الأحيائي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«حاجز أوميغا»... ظاهرة جوية وراء موجة الحر الشديدة في أوروبا

أشخاص عند نافورة تروكاديرو أمام برج إيفل مع ارتفاع درجات الحرارة في باريس... 23 يونيو 2026 (رويترز)
أشخاص عند نافورة تروكاديرو أمام برج إيفل مع ارتفاع درجات الحرارة في باريس... 23 يونيو 2026 (رويترز)
TT

«حاجز أوميغا»... ظاهرة جوية وراء موجة الحر الشديدة في أوروبا

أشخاص عند نافورة تروكاديرو أمام برج إيفل مع ارتفاع درجات الحرارة في باريس... 23 يونيو 2026 (رويترز)
أشخاص عند نافورة تروكاديرو أمام برج إيفل مع ارتفاع درجات الحرارة في باريس... 23 يونيو 2026 (رويترز)

تواصل موجة حر شديدة اجتياح غرب أوروبا، متسببة في وفاة أكثر من 40 شخصاً في فرنسا وحدها، وذلك بفعل ظاهرة جوية تعرف باسم «حاجز أوميغا».

إليك ما ينبغي معرفته عن ظاهرة «حاجز أوميغا» وما إذا كان تغيّر المناخ يعني أنها قد تصبح أكثر تواتراً في السنوات المقبلة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

ما ظاهرة «حاجز أوميغا»؟

تستمد الظاهرة الجوية اسمها من شكل الحرف اليوناني Ω، وتنحصر فيها كتلة مستقرة من الهواء الساخن ذات الضغط المرتفع بين نظامين من الضغط المنخفض الأكثر برودة.

ويشير عنصر «الحجز» إلى كيفية احتجاز منطقة الهواء الساخن ذات الضغط المرتفع. ففي الظروف العادية، ينقل التيار النفاث الأنظمة الجوية بثبات من الغرب إلى الشرق.

ولكن خلال حدوث ظاهرة «حاجز أوميغا»، يتعطل هذا التدفق وقد ينحرف بنحو كبير شمالاً وجنوباً؛ ما يؤدي إلى عزل أنظمة الضغط. ويسهم ضعف الرياح والتباينات في درجات حرارة الغلاف الجوي في ظهور هذه الأنماط المستقرة بطيئة الحركة.

ونتيجة ذلك، يستقر الهواء الساخن فوق المنطقة نفسها. وعادة ما تستمر ظاهرة «حاجز أوميغا» ما بين ثلاثة إلى عشرة أيام، لكنها قد تستمر أسابيع.

امرأة تستخدم مظلة لحماية نفسها من الشمس في أثناء سيرها في شارع أكسفورد حيث تشهد بريطانيا درجات حرارة قياسية... لندن يوم 23 يونيو 2026 (رويترز)

ماذا يحدث خلال «حاجز أوميغا»؟

أسفل منطقة الضغط المرتفع في الوسط، تصبح الأحوال الجوية حارة وجافة. ويمنع الضغط المرتفع أيضا تشكّل السحب؛ ما يؤدي إلى سماء صافية ومشمسة تسمح بارتفاع درجات الحرارة.

وهذه الظروف هي التي تسبب موجة الحر الشديدة في فرنسا وإسبانيا حيث تجاوزت درجات الحرارة 40 درجة مئوية.

وفي الوقت نفسه، من المرجح أن تشهد المناطق الواقعة في مناطق الضغط المنخفض المحيطة بموجة الحر ظروفاً أكثر برودة وأمطاراً.

وتقع بريطانيا على الحدود بين نظام الضغط المرتفع والهواء الأكثر برودة في شمال الغرب. ويقول مكتب الأرصاد الجوية البريطاني إن ذلك يؤدي إلى حرارة شديدة في الجنوب والشرق، وظروف أكثر برودة ورطوبة في الشمال والغرب.

هل تغيّر المناخ هو السبب؟

لم يتفق العلماء بعد على كيفية تأثير تغيّر المناخ على تواتر ظواهر الحواجز الجوية مثل «حاجز أوميغا».

ومع ذلك، فإن الإجماع العلمي العالمي يؤكد أن تغيّر المناخ يزيد من تواتر موجات الحرارة وشدتها.

وأدت انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، الناجمة في الأساس من حرق الفحم والنفط والغاز، إلى ارتفاع درجة حرارة الكوكب بنحو 1.3 درجة مئوية منذ عصر ما قبل الثورة الصناعية.

ويعني هذا الارتفاع في درجة الحرارة أن موجات الطقس الحار تصل إلى درجات حرارة أعلى.

وقالت كلير بارنز، الباحثة المشاركة في مجال الظواهر الجوية والمناخية المتطرفة في «إمبريال كوليدج لندن»، إن أوروبا تشهد حالياً موجات حرارة أعلى بمقدار درجتين إلى 4 درجات مئوية عما كانت لتصبح عليه لولا الاحتباس الحراري الناجم عن الأنشطة البشرية.

ونتيجة ذلك، عندما تحدث ظواهر مثل «حاجز أوميغا»، قد تكون الحرارة الناتجة أشد بنحو ملحوظ.


علماء يكتشفون سر مصيدة نبتة «فينوس» التي تفترس الحشرات

حشرة (بلوس وان)
حشرة (بلوس وان)
TT

علماء يكتشفون سر مصيدة نبتة «فينوس» التي تفترس الحشرات

حشرة (بلوس وان)
حشرة (بلوس وان)

ما أتعس الحشرة التي تختار الوقوف على نبتة «فينوس» صائدة الحشرات؛ لأنها سرعان ما تتحول إلى وليمة شهية تتغذى عليها النبتة لأيام!

فعندما يدفعها حظها العاثر لملامسة تراكيب شبيهة بالشعيرات على جسم هذا النبات العجيب، سرعان ما يطبق عليها بأوراق تشبه الفك المفترس، ثم يفرز أنزيمات تساعده على الهضم.

وتمكن العلماء الآن من كشف الآلية الفيزيائية الكامنة وراء إطباق النبات أوراقه على الحشرات.

وقال باحثون إن التجارب أظهرت أن انغلاق مصيدة نبتة «فينوس» يبدأ بتليين سريع يحدث في جدران الخلايا في الطبقة الخارجية للمصيدة، وهي عبارة عن ورقة متحورة بدرجة كبيرة وممتدة في شكل فصين يشبهان فكين تبرز منهما أسنان.

وعلى مدى أكثر من قرن، كانت الفرضية السائدة تفيد بأن انغلاق المصيدة يحدث بفعل إعادة توزيع سريعة للماء داخل الورقة؛ إذ ينتقل الماء بين الخلايا مسبباً انتفاخاً في أحد جانبَي الورقة. لكن البحث الجديد يشير إلى آلية بيولوجية مختلفة.

وقال الفيزيائي يوئيل فورتير، من المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (سي إن آر إس) وجامعة إيكس مارسيليا، وهو المؤلف الرئيسي للدراسة التي نُشرت الخميس في مجلة «ساينس»: «أحد أشهر النباتات في العالم لا يزال قادراً على إدهاشنا. فبعد أكثر من قرن من البحث، ما زلنا نكتشف أشياء جديدة جوهرية حول طريقة عمله». وينمو هذا النبات الصغير المفترس في منطقة محدودة من ولايتَي نورث كارولاينا وساوث كارولاينا في الولايات المتحدة. وكغيره من النباتات المفترسة التي تتغذى على اللحوم، ينمو النبات في بيئات فقيرة محرومة من العناصر الغذائية، ويعوض ذلك باصطياد الحشرات وهضمها.

وفي تجارب أُجريت في مرسيليا، استخدم الباحثون أدوات من بينها تقنية التصوير عالي السرعة وتطبيق القياسات الميكانيكية للطبقة الخارجية للنبات. كما أجروا قياسات لانتقال الماء داخل أنسجة النبات من أجل استبعاد كونه سبباً مؤثراً في عملية انغلاق المصيدة.

وقال فورتير: «تستخدم النبتة شعيرات حساسة متخصصة على السطح الداخلي للمصيدة. عندما تلمس الحشرة هذه الشعيرات مرتين خلال فترة زمنية قصيرة، تحدث عملية الانغلاق. ويمكن أن يحدث الانغلاق في غضون بضعة أجزاء من الثانية».

وأضاف: «تفترض نظريتنا أن المصيدة تكون مشدودة ميكانيكياً مسبقاً، تماماً مثل الملف المعدني (الزنبرك). وعند تحفيز المصيدة، تلين جدران خلايا الطبقة الخارجية بسرعة بنسبة تتراوح بين 30 و40 بالمائة تقريباً، مما يعني أن جدار الخلية يصبح أكثر مرونة. من شأن ذلك أن يحرر الضغوط الداخلية المخزنة في الأنسجة، مما يؤدي إلى انحناء المصيدة وحدوث الانغلاق. ويحدث هذا التليين في غضون ثانية واحدة تقريباً».

وبمجرد أن تنغلق المصيدة، تُحتجز الحشرة في الداخل لتبدأ عملية هضمها. وبعد أن تمتص النبتة السائل الغني بالعناصر الغذائية الناتج عن عملية الهضم، يُعاد فتح المصيدة من جديد.


علماء يفتشون في ذاكرة نهر الفرات بالمسوح الزلزالية ويتعرفون على أصوله القديمة

صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
TT

علماء يفتشون في ذاكرة نهر الفرات بالمسوح الزلزالية ويتعرفون على أصوله القديمة

صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)

كانت مياه الفرات تغذي أوروك، أول مدينة كبرى في العالم ومهد اللغة المكتوبة، وكذلك بابل، أعظم مدن بلاد ما بين النهرين القديمة.

وكان السهل الخصب الواقع بين الفرات وجاره ورفيقه في رحلة أبدية، نهر دجلة، مهداً لواحدة من أعرق الحضارات البشرية.

وبالرجوع إلى الزمن السحيق، لأبعد بكثير من عصر هذه المراكز الحضرية العظيمة التي نشأت قبل آلاف السنين، تمكن باحثون من فك الشفرة ومعرفة السر وراء تشكل نهر الفرات لأول مرة.

واستناداً إلى صور زلزالية لرواسب مدفونة وبيانات أخرى، قالوا إن نهر الفرات ظهر إلى الوجود على ما يبدو منذ ما بين 3.6 مليون و1.6 مليون سنة عندما اندمج نظامان نهريان سابقان بسبب النشاط التكتوني في جبال طوروس بجنوب تركيا حالياً. ونهر الفرات هو أطول نهر في جنوب غربي آسيا ويمتد لنحو 2800 كيلومتر، إذ ينبع من تركيا، ويتدفق عبر سوريا والعراق قبل أن يصب في الخليج. وتشمل المدن الحالية على ضفاف نهر الفرات بيرجيك في تركيا والرقة في سوريا والرمادي والفلوجة والناصرية في العراق. ومن بين المدن القديمة على نهر الفرات أيضاً أور وماري.

غروب الشمس فوق نهر الفرات في الرقة شرقي سوريا، 30 أكتوبر 2013. (رويترز)

ورغم أن نهر الفرات شكل المنطقة جيولوجيا لمدة طويلة، فإن توقيت تشكله وتطور مساره الحالي ظل غامضاً. وقال الباحثون إن فك شفرة تاريخ النهر شيء ملهم لفهم المعالم البارزة في الثقافة البشرية في مجالات الزراعة والكتابة والتنمية الحضرية وغيرها من المجالات التي شهدتها سهوله الفيضية.

صياد يلقي شباكه في نهر الفرات بالفلوجة غربي بغداد، 2 مايو 2008. (رويترز)

واكتشف علماء جيولوجيا باستخدام بيانات المسوح الزلزالية تحت سطح الأرض، خلال محاولتهم تحديد احتياطيات الغاز المحتملة تحت البحر المتوسط، ملامح لتضاريس مدفونة تشبه القنوات، وتعود إلى أكثر من 5 ملايين عام مضت عندما جفت أجزاء كبيرة من البحر، وهو حدث يعرف باسم «أزمة الملوحة الميسينية». وخلصوا إلى أن نهرين منفصلين، وهما سلفا نهري قره صو ومراد الموجودين حالياً في تركيا، كانا يتدفقان عبر منطقة تمتد بين تركيا وسوريا، ويصبان في حوض البحر المتوسط.

قارب صيد على ضفاف أحد فروع نهر الفرات في ضواحي الحلة وسط العراق (أ.ف.ب)

ويعتقد العلماء أن النشاط التكتوني في هذه المنطقة المعرضة للزلازل تسبب في تحويل مسار سلف نهر مراد نحو الخليج، بينما انضم إليه لاحقاً سلف نهر قره صو، وقالوا إن هذا شكّل نظاماً نهرياً واحداً قوياً وهو نهر الفرات.

وكانت إحدى الأدوات الرئيسية التي استخدمها العلماء هي التصوير الزلزالي، وهي تقنية تنشئ خرائط مفصلة ثنائية وثلاثية الأبعاد لباطن الأرض من خلال تسجيل كيفية انتقال الموجات الصوتية عبر طبقات الصخور الجوفية وارتدادها عنها. ومن خلال هذا التصوير الزلزالي، تمكنوا من اكتشاف ملامح قنوات نهرية قديمة تختفي تحت قاع البحر.

وقال سيمون لانج الجيولوجي بجامعة وسترن أستراليا الذي ساعد في الدراسة المنشورة بدورية «نيتشر جيوساينس» برفقة الجيولوجي آندرو مادوف من شيفرون: «هذه التقنية تعادل استخدام الموجات فوق الصوتية لتصوير التفاصيل الدقيقة لجنين في طور النمو، أو لركبة مصابة بالتهاب في المفاصل، لكن في هذه الحالة نستخدمها لتصوير (عناصر) الحصى والرمال والطين والحجر الجيري والملح المدفونة التي تعرضت للضغط، وتحولت إلى صخور».

سكان يسيرون وسط أراضٍ زراعية غمرتها مياه نهر الفرات قرب دير الزور السورية، 29 مايو 2026. (أسوشيتد برس)

وتوصل العلماء، من خلال صنع نماذج للمعالم الجوفية، إلى أن هذين النهرين القديمين كانا يتمتعان بمعدلات تدفق تفوق معدلات تدفق أنهار النيل ودجلة والفرات في العصر الحديث.

وبالرجوع إلى الوراء، تتبع العلماء مسار النهرين القديمين إلى الأراضي التركية. ومن خلال فحص البيانات الجيولوجية من الرواسب في الوديان ورواسب الفحم التي ارتفعت الآن لتشكل جبال طوروس، توصلوا إلى أن نهري قره صو ومراد الحاليين كانا على الأرجح المصدرين الأصليين لتلك القنوات المدفونة.

وقال لانج: «لكن بطريقة ما انقطعا عن وديانهما الغربية السفلية، واندمجا معاً لتشكيل ما يُعْرف اليوم بنهر الفرات. وتلك الطريقة هي، بالطبع، النشاط التكتوني عبر شرق الأناضول».

وأضاف: «اليوم، تتحد مياه نهري الفرات ودجلة بالقرب من البصرة لتشكل دلتا ضخمة عند مصب الخليج. وغمرت هذه المياه مساحة كبيرة من سهل بلاد ما بين النهرين الذي تطورت فيه الزراعة المبكرة، بما في ذلك المدن المستقلة القديمة، وتطورت الكتابة المسمارية التي كانت حيوية للغاية لتطور البشرية في المراحل المبكرة».

ويمكن أن يتغير مجرى حتى أقوى الأنهار بفعل أحداث جيولوجية قوية. وقال لانج: «كان أكبر نهر على كوكب الأرض، نهر الأمازون، يتدفق غرباً نحو كولومبيا وبيرو حالياً باتجاه ساحل دلتا المحيط الهادي القديم قبل ظهور جبال الأنديز. ومع ارتفاع جبال الأنديز بفعل ارتفاعات ضخمة في القشرة الأرضية، انعكس اتجاه جميع الروافد السابقة على مدى ملايين السنين، والآن يتدفق نهر الأمازون إلى المحيط الأطلسي».