فرنسا تشدد على «الشراكة الاستراتيجية» مع مصر

الملف الليبي يحتل مكانة خاصة في محادثات السيسي في باريس

TT

فرنسا تشدد على «الشراكة الاستراتيجية» مع مصر

برنامج مكثف أُعدّ للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في زيارة الدولة التي يقوم بها إلى فرنسا من الأحد إلى الثلاثاء، ليس فقط في جوانبها البروتوكولية ولكن أيضاً من جهة المحادثات التي سيجريها السيسي مع نظيره الرئيس إيمانويل ماكرون ولقاءاته مع رؤساء الحكومة ومجلسي النواب والشيوخ والوزراء المعنيين. ويصل السيسي إلى باريس بعد ظهر غد (الأحد) ويبقى في العاصمة الفرنسية حتى يوم الثلاثاء، وتتخلل الزيارة جولة محادثات مع الرئيس ماكرون صباح الاثنين وعشاءً رسمياً في قصر الإليزيه، وهناك اجتماع مع رئيس البرلمان ريشار فران، وآخر مع عمدة باريس أن هيدالغو. ويوم الثلاثاء يضع السيسي باقة ورد على قبر الجندي المجهول، تحت قوس النصر الشهير في ساحة «إيتوال»، ويستضيفه رئيس الحكومة جان كاستكس، على غداء عمل، وآخِر لقاءاته سيتم مع رئيس مجلس الشيوخ جيرار لارشيه. وبين هذه المواعيد، يتوجه الرئيس المصري إلى المدينة الدولية الجامعية لوضع حجر الأساس لـ«بيت مصر» المخصص ليكون مسكناً للطلبة المصريين الذين يدرسون في المعاهد والكليات الباريسية. وأفادت مصادر الإليزيه بأن هناك مواعيد إضافية يتم العمل على ترتيبها بشكل نهائي والمتوقع أن تتناول الجوانب الاقتصادية والدفاعية والعلاقات الجامعية. وترى المصادر الرئاسية الفرنسية أن الزيارة التي تأتي عقب زيارة ماكرون للقاهرة في يناير (كانون الثاني) 2019 «تبرز أهمية الشراكة الاستراتيجية» مع مصر التي ينظر إليها الطرفان على أنها ليست ظرفية بل هي «شراكة بعيدة المدى وغرضها الأول العمل على ترسيخ الاستقرار في المنطقة. بيد أن لها جانباً آخر مردّه توقيتها، إذ إنها تحصل في ظل متغيرات أبرز عناصرها الأزمة الصحية العالمية (كوفيد – 19) وتبعاتها الكبرى والتوترات في الإقليم وانتخاب رئيس ديمقراطي (جو بايدن) في الولايات المتحدة الأميركية... ولذا، فإن المحادثات المرتقبة التي تم الترتيب لها في الأسابيع الأخيرة ستنصبّ، إلى جانب العلاقات الثنائية، على ملفات بالغة الأهمية وللطرفين دور فيها مثل تطورات الوضع في ليبيا وبلدان الساحل والحرب على الإرهاب والتوتر المتزايد في مياه المتوسط الشرقي والدور التركي إضافةً إلى الملفات السورية واللبنانية والنزاع الفلسطيني - الإسرائيلي والإسلام السياسي. وأشارت المصادر الرئاسية إلى أن من بين المواضيع التي سيثيرها الطرف الفرنسي ملف حقوق الإنسان في مصر مع الإشارة إلى أن الإفراج عن ثلاثة ناشطين مؤخراً من «المبادرة المصرية»، «أثار الارتياح في فرنسا». وبغضّ النظر عن التحولات التي يمكن أن تنتج عن وصول الرئيس الأميركي المنتخب إلى البيت الأبيض وتغير السياسة الأميركية إزاء القاهرة، فإن باريس، وفق مصادرها، «مستمرة في شراكتها مع مصر» لأنها ترى فيها «تحقيقاً لمصلحة البلدين وعنصراً مهماً لاستقرار المنطقة». أما بالنسبة للمبيعات الدفاعية، فإن باريس «متمسكة» بعلاقاتها مع مصر، مشيرةً إلى أن بين البلدين «تاريخاً طويلاً من التعاون» وهو «سيستمر».
أما على الصعيد الثنائي، سيجهد الطرفان على تعزيز التعاون في ملفات الطاقة والنقل والصحة والعلاقات الجامعية، والمسائل الدفاعية المتينة بين باريس والقاهرة في الميدانين الجوي والبحري. وقد اشترت مصر سرباً من طائرات «رافال» كما حصلت على فرقاطتين حديثتين. وأشارت المصادر الفرنسية إلى وجود «آليات» للتمويل يمكن اللجوء إليها نظراً إلى الأوضاع الصعبة التي يعاني منها الكثير من البلدان ومن بينها مصر، لكن لا يتعين توقع الإعلان عن عقود دفاعية كبرى خلال الزيارة. وفي المقابل، فإنه من المنتظر الإعلان عن اتفاقات وعقود «مدنية» ستوقَّع بمناسبة الاجتماع بين الرئيس السيسي ورئيس الحكومة الفرنسية جان كاستكس، ومنها حول التعاون الجامعي، وتأهيل الجسم الصحي. ومن المقرر الإعلان عن مساعدة قيمتها خمسون مليون يورو من «الوكالة الفرنسية للتنمية» لمصر من أجل الرعاية الاجتماعية.
ويبدو واضحاً من العرض الفرنسي للزيارة أن الملف الليبي سيحتل مكانة خاصة في المحادثات المرتقبة، وبين الطرفين تقارب في وجهات النظر. وأشارت باريس والقاهرة إلى أنهما «تعملان في إطار تعزيز جهود الأمم المتحدة من أجل عودة الاستقرار ورحيل القوات الأجنبية بدءاً بالروس والأتراك وجميع المرتزقة والمقاتلين الموجودين في ليبيا». ويرى الطرفان أن وقف النار والمحادثات المتواصلة في إطار المنتدى السياسي الليبي الداخلي الذي شجّعت باريس والقاهرة خصوصاً المشير خليفة حفتر على المشاركة فيه، «مشجعة» ويتعين الاستمرار بها ودعمها. ولمحت المصادر الرئاسية إلى نوع من تعديل الموقف الفرنسي بإعلانها أن حفتر هو «طرف ولكنّ هناك أطرافاً أخرى نعمل معها». وفي أي حال، ترى العاصمتان اللتان تتشاوران باستمرار بشأن الملف الليبي، أن المحادثات الليبية - الليبية تشكل «فرصة ويمكن التعويل عليها لمزيد من النتائج»، وأن الهدف الرئيسي هو «التوصل إلى حل دائم». واتُّهمت باريس في السنوات الأخيرة بدعم حفتر، وقد بررت ذلك سابقاً بـ«محاربة الإرهاب». إلا أن موقفها تعدل لاحقاً بعد أن سعت لدفع حفتر، ورئيس الحكومة الانتقالية إلى التفاهم خلال اجتماعين رعاهما ماكرون في 2018 و2019، وما يجمع الطرفين اليوم هي الرغبة في الدفع باتجاه الحل السياسي الذي يبرز اليوم أنه الوحيد الممكن بعد استحالة الحسم العسكري. أما بخصوص المعلومات التي تتحدث عن بدء انسحابات لقوات الأجنبية من ليبيا، فقد أشارت باريس إلى أنها «لم تلحظ وجود انسحابات ذات معنى». وهناك ثمة تقارب كبير بين باريس والقاهرة في ملف المتوسط الشرقي «كما في الملف الليبي» خصوصاً لجهة الأداء التركي. ووصفت المصادر الرئاسية سياسة أنقرة في مياه المتوسط الشرقي كما في ليبيا بـ«العدوانية». ورغم «وحدة الرؤية» بين العاصمتين، فإن هذه الأوساط لا تنفي وجود «تمايزات» أحياناً بينهما دون المزيد من الإفصاح عما تشير إليه. وتجدر الإشارة إلى أن العلاقات الفرنسية - التركية تدهورت منذ نحو عامين، أي منذ بدء «المغامرات» التركية في سوريا، وتحديداً في المناطق الكردية وتفاعلت بسبب ليبيا، ومياه المتوسط وأخيراً بسبب الحرب في ناغورني قره باغ. كما أن العلاقات المصرية - التركية تعاني من احتضان أنقره لـ«الإخوان» المسلمين منذ عدة سنوات ولدورها في ليبيا ومياه المتوسط.



مدير أمن مأرب لـ«الشرق الأوسط»: ضبطنا عشرات الخلايا الحوثية

اللواء يحيى حميد مدير أمن محافظة مأرب (إدارة أمن مأرب)
اللواء يحيى حميد مدير أمن محافظة مأرب (إدارة أمن مأرب)
TT

مدير أمن مأرب لـ«الشرق الأوسط»: ضبطنا عشرات الخلايا الحوثية

اللواء يحيى حميد مدير أمن محافظة مأرب (إدارة أمن مأرب)
اللواء يحيى حميد مدير أمن محافظة مأرب (إدارة أمن مأرب)

رغم استضافتها أكبر تجمع للنازحين في اليمن، وقربها من الخطوط الأمامية للمواجهة مع الحوثيين، فإن محافظة مأرب نجحت في ترسيخ نفسها واحدة من أقل المحافظات تسجيلاً للجريمة، وأكبرها استقراراً من الناحية الأمنية.

ويعزو مدير أمن المحافظة، اللواء يحيى حميد، في حوار مع «الشرق الأوسط»، هذا الإنجاز إلى منظومة متكاملة جمعت بين جهود الأجهزة الأمنية والسلطة المحلية والقبائل والمجتمع، إلى جانب نجاح العمليات الأمنية في تفكيك عشرات الخلايا الحوثية وإحباط محاولات التسلل والاختراق.

وكشف اللواء حميد عن أن الإجراءات الأمنية والاستباقية التي نُفذت خلال السنوات الماضية «أسهمت في الحد من نشاط العناصر المعادية بنسبة تصل إلى 80 في المائة»، مؤكداً أن «المحافظة استطاعت الحفاظ على أمنها واستقرارها رغم استقبالها ملايين النازحين، والتحديات التي فرضتها الحرب».

وقال مدير أمن مأرب إن الجماعات الإرهابية لا تشكل حضوراً منظماً داخل المحافظة، مؤكداً أن «الأجهزة الأمنية تراقب أي محاولات تسلل أو نشاط مشبوه؛ عبر منظومة مختصة تعمل ليل نهار لرصد العناصر المتطرفة وتعقب تحركاتها».

استقرار أمني

أكد اللواء حميد أن الوضع الأمني في مأرب مستقر، مرجعاً ذلك إلى «الجهود التي تبذلها الوحدات الأمنية، بدعم مستمر من السلطة المحلية بقيادة نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي محافظ مأرب اللواء سلطان العرادة».

وأوضح أن رجال الأمن نجحوا في الحد من الجرائم بمختلف أنواعها؛ سواء الجرائم العفوية والمخططة، «خصوصاً تلك المرتبطة بالميليشيات الحوثية المدعومة من إيران»، مضيفاً أن المحافظة «تنعم اليوم بدرجة عالية من الأمن والسكينة؛ نتيجة العمل المتواصل والتضحيات الكبيرة التي قدمتها الأجهزة الأمنية خلال السنوات الماضية».

3 ملايين نازح

التعامل الأمني مع التوسع السكاني الكبير الذي شهدته المحافظة يمثل أحد التحديات في المحافظة. وحيال ذلك، أشار مدير الأمن إلى استقبال مأرب ملايين اليمنيين الفارين من مناطق سيطرة الحوثيين، ونوه بأن السلطة المحلية وأبناء المحافظة تعاملوا مع هذا التحدي بوصفه واجباً وطنياً وإنسانياً.

الصعوبات الأولى تمثلت في تنظيم المخيمات واستيعاب الأعداد المتنامية من النازحين، وفقاً لمدير الأمن، «بيد أن التعاون مع الوحدة التنفيذية لإدارة المخيمات أسهم في تجاوز تلك التحديات وترتيب أوضاعها»، على حد تعبيره.

ووفق اللواء حميد، فإن أكثر من 3 ملايين نازح لم يشكلوا عبئاً أمنياً كما كان متوقعاً، بل تحولوا عاملاً مساعداً في ترسيخ الاستقرار، قائلاً إن كثيراً منهم أصبحوا بمثابة «جنود أمن» من خلال تعاونهم المستمر مع الأجهزة المختصة والإبلاغ عن أي تحركات أو أنشطة مشبوهة.

الأمن المجتمعي

يرى مدير الأمن أن أحد أهم أسباب النجاح الأمني في المحافظة يتمثل في ما يسميه «الأمن المجتمعي»، وهو النموذج الذي جمع السلطة المحلية والأجهزة الأمنية والقبائل في إطار شراكة واحدة.

أكد اللواء حميد القبض على عشرات الخلايا الحوثية خلال الفترة الماضية (إدارة أمن مأرب)

ولفت اللواء يحيى حميد إلى أن هذا التعاون لعب دوراً كبيراً في الكشف عن العناصر المندسة التابعة للحوثيين، سواء أكان في المدينة أم المناطق الريفية؛ «الأمر الذي سهل ملاحقتها والحد من نشاطها بصورة كبيرة».

وقال إن «المجتمع المأربي لا يزال حتى اليوم شريكاً أساسياً في حفظ الأمن، ويتحمل مع الأجهزة الأمنية جزءاً مهماً من مسؤولية حماية المحافظة والحفاظ على استقرارها».

تهديدات داخلية وخارجية

عن طبيعة التهديدات التي تواجه مأرب، يوضح اللواء حميد أن هناك تحديات أمنية داخلية وأخرى خارجية، «إلا إن الأجهزة الأمنية وضعت منظومة متكاملة للتعامل معها».

وكشف عن أن الأمن يشارك إلى جانب الجيش الوطني في بعض المهام الميدانية والاستطلاعية، كما جرى إنشاء حزام أمني وخطوط حماية حول المدينة، إضافة إلى نشر الدوريات وتكثيف أعمال التحري والبحث الجنائي.

وأضاف أن «هذه الإجراءات مكّنت الأجهزة الأمنية من تغطية مختلف المنافذ والمسارات المحتملة التي قد تستخدمها العناصر المعادية للتسلل أو تنفيذ أعمال تخريبية».

أوضح مدير الأمن أن أحد أهم أسباب النجاح الأمني في مأرب يتمثل في «الأمن المجتمعي» (الشرق الأوسط)

الخلايا الحوثية وأساليب التمويه

كشف مدير أمن مأرب عن أن الأجهزة الأمنية، بالتنسيق مع الجيش الوطني والاستخبارات العسكرية وجهاز أمن الدولة، ألقت القبض على عدد كبير من الخلايا الحوثية خلال الفترة الماضية.

وشدد على أن هذه العمليات كان لها أثر مباشر في تعزيز حالة الطمأنينة داخل المحافظة، بعدما نجحت في تفكيك شبكات كانت تسعى إلى زعزعة الأمن والاستقرار.

وعن أساليب التمويه، يوضح اللواء حميد أن تلك الخلايا استخدمت وسائل متعددة، «من بينها الدفع بالنساء والأطفال والمتسولين والعمال وبعض الموظفين للقيام بمهام استخباراتية أو تسهيل تحركات العناصر التابعة لها».

وأضاف أن كثيراً من تلك العناصر كانوا يستخدمون أسماء وهويات مزورة أو قصصاً مختلقة لتبرير وجودها، إلا إن «عمليات الرصد والمتابعة المستمرة مكنت الأجهزة الأمنية من الكشف عنها وضبطها».

وأوضح مدير أمن مأرب أن «جميع الإجراءات الأمنية تجري وفق الأطر القانونية، وبالتنسيق مع السلطة القضائية؛ لضمان عدم اتخاذ أي إجراء إلا بناءً على أدلة واضحة ومكتملة».

استخدام تقنيات حديثة

بشأن أولويات المرحلة المقبلة، قال اللواء حميد إن إدارة الأمن تنفذ خططاً سنوية تشمل الجوانب الإدارية والتدريبية والميدانية؛ بهدف رفع كفاءة الضباط والأفراد وتطوير مهاراتهم، مضيفاً أن الإدارة قطعت شوطاً كبيراً في مشروع التحول التقني واستخدام الأنظمة الحديثة في العمل الأمني، بما يسمح بربط مختلف الوحدات والأقسام والمناطق الأمنية ضمن شبكة موحدة تسهل تبادل المعلومات وتسريع الاستجابة.

وبيّن حميد أن هذه المشروعات ستدخل مراحل متقدمة خلال الأشهر المقبلة، بما يسهم في تعزيز كفاءة الأداء الأمني وتطوير الخدمات المقدمة للمواطنين.

نجحت مأرب في ترسيخ نفسها واحدة من أقل المحافظات تسجيلاً للجريمة وأكبرها استقراراً (إدارة أمن مأرب)

دعم سعودي مستمر

ثمّن مدير أمن مأرب مستوى التعاون القائم مع السعودية، مؤكداً أن «الأجهزة الأمنية استفادت من الدعم السعودي في مجالات متعددة، شملت الآليات والتجهيزات والدعم الإداري والميداني».

وأوضح أن المملكة وقفت إلى جانب مؤسسات الدولة اليمنية في مختلف الظروف، وقدمت «دعماً مهماً للجيش الوطني والأجهزة الأمنية؛ الأمر الذي انعكس إيجاباً على مستوى الأداء والجاهزية».

كما أشار إلى وجود برامج دعم إضافية مرتقبة، من بينها مخصصات تشغيلية ستسهم في تعزيز قدرات الأجهزة الأمنية وتساعدها على تنفيذ مهامها بكفاءة أعلى.

الجماعات الإرهابية تحت المراقبة

في رده على سؤال بشأن نشاط الجماعات الإرهابية، قال اللواء يحيى حميد إن هذه الجماعات «لا تمتلك وجوداً منظماً أو ظاهراً داخل محافظة مأرب كما قد يتصور البعض»، مشيراً إلى أن نشاطها «يتركز غالباً في مناطق ومحافظات أخرى، وإن تمكن بعض العناصر من الوصول إلى مأرب، فإنهم يحاولون التسلل والعمل بصورة سرية ومندسة بعيداً عن الأنظار».

وأكد أن الأجهزة الأمنية تتعامل مع جميع التهديدات بالمعايير نفسها، «دون تمييز بين جماعة إرهابية أو أي جهة أخرى خارجة عن القانون»، مضيفاً أن «مختلف العناصر المشبوهة تخضع للرصد والمتابعة المستمرة على مدار الساعة».

وأضاف: «لا نفرق بين أي جهة تخالف النظام أو تهدد الأمن والاستقرار، فجميعها محل متابعة من قبل الأجهزة المختصة، ولدينا كوادر أمنية مختصة تعمل ليل نهار لرصد هذه العناصر وملاحقة تحركاتها، ومنع أي نشاط يمكن أن يهدد أمن المحافظة أو سلامة المواطنين».


الألغام الحوثية تحصد أرواح الأطفال وتعمّق المأساة

اتهامات يمنية ودولية للحوثيين بزرع الألغام في الطرقات والمزارع والمناطق المدنية (إعلام محلي)
اتهامات يمنية ودولية للحوثيين بزرع الألغام في الطرقات والمزارع والمناطق المدنية (إعلام محلي)
TT

الألغام الحوثية تحصد أرواح الأطفال وتعمّق المأساة

اتهامات يمنية ودولية للحوثيين بزرع الألغام في الطرقات والمزارع والمناطق المدنية (إعلام محلي)
اتهامات يمنية ودولية للحوثيين بزرع الألغام في الطرقات والمزارع والمناطق المدنية (إعلام محلي)

أعادت مأساة مقتل خمسة أطفال يمنيين وإصابة سبعة آخرين في محافظة الضالع بسبب انفجار الألغام الحوثية تسليط الضوء على واحدة من أخطر القضايا الإنسانية التي تواجه اليمن، حيث تؤكد الأمم المتحدة أن البلاد لا تزال من أكثر دول العالم تلوثاً بالألغام والذخائر غير المنفجرة بعد سنوات من الحرب التي أشعلتها الجماعة المدعومة من إيران.

وفي وقت عبّر فيه المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ عن حزنه العميق إزاء الحادثة التي وقعت في قرية الربيعي بمحافظة الضالع، حذرت منظمات الأمم المتحدة من استمرار المخاطر التي تهدد ملايين المدنيين نتيجة الانتشار الواسع للألغام ومخلفات الحرب في مناطق مختلفة من البلاد.

وقال غروندبرغ إن مقتل الأطفال وإصابة آخرين بسبب مخلفات الحرب يمثل تذكيراً مؤلماً بحجم التهديد الذي تشكله الألغام والذخائر غير المنفجرة على حياة المدنيين، مؤكداً أن اليمن لا يزال من أكثر البلدان تلوثاً بالمخلفات المتفجرة على مستوى العالم.

تشييع 5 أطفال يمنيين في الضالع بعد مقتلهم بانفجار لغم حوثي (إعلام محلي)

​​وتشير تقارير أممية حديثة إلى أن الأطفال يظلون الفئة الأكثر عرضة لمخاطر الألغام والذخائر غير المنفجرة، إذ تمثل هذه الفئة نسبة كبيرة من الضحايا المسجلين في الحوادث المرتبطة بمخلفات الحرب.

ووفقاً لتقرير صادر عن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فإن السكان في عدد كبير من المحافظات اليمنية يواجهون مخاطر حماية متشابكة نتيجة استمرار النزاع، والتدهور الاقتصادي، والصدمات المناخية، والنزوح المتكرر، إلى جانب الانتشار الواسع للألغام ومخلفات الحرب.

حوادث مستمرة

رصدت المفوضية الأممية خلال الفترة الأخيرة 16 حادثة مرتبطة بالألغام ومخلفات الحرب في محافظات الحديدة ومأرب وذمار، أسفرت عن مقتل ستة يمنيين بينهم خمسة أطفال، إضافة إلى إصابة 18 آخرين من بينهم ثمانية أطفال.

وأكد التقرير الأممي أن هذه الحوادث تعكس استمرار وجود المتفجرات في مناطق يستخدمها المدنيون بشكل يومي للتنقل والعمل والرعي والزراعة، ما يجعل خطرها قائماً رغم تراجع العمليات العسكرية في بعض الجبهات.

الجهود السعودية نزعت مئات الآلاف من الألغام والقذائف غير المنفجرة من الأراضي اليمنية (مشروع مسام)

وفي محافظة مأرب أدى انفجار أحد المقذوفات غير المنفجرة في منطقة المسيل بمديرية الوادي إلى وفاة طفلة وإصابة ثلاثة فتيان أثناء عبثهم بمخلفات الحرب، في حادثة تعكس حجم المخاطر التي تواجهها الأسر والأطفال في المناطق المتأثرة بالنزاع.

كما أشار التقرير إلى وقوع حادث كبير في محافظة الجوف أسفر عن سقوط عدد من الضحايا، بينما جرى نقل المصابين إلى مستشفيات مأرب لتلقي العلاج، في ظل محدودية الخدمات الصحية والإمكانات الطبية المتاحة.

أما في محافظة الحديدة فقد وثقت الأمم المتحدة 6 حوادث ناجمة عن ألغام أرضية وذخائر غير منفجرة أوقعت 19 ضحية، بينهم خمسة قتلى من الأطفال و14 مصاباً، بينهم أربعة أطفال.

تعميق للأزمة

لا تقتصر آثار الألغام ومخلفات الحرب في اليمن على الخسائر البشرية المباشرة، بل تمتد لتشمل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، إذ تعيق عودة النازحين إلى مناطقهم، وتحد من قدرة السكان على استغلال الأراضي الزراعية ومصادر الرزق.

وترى الأمم المتحدة أن استمرار التلوث بالمتفجرات يزيد من هشاشة المجتمعات المحلية، ويضاعف معاناة الأسر التي تعيش أصلاً تحت وطأة الفقر والنزوح وانهيار الخدمات الأساسية.

كما أن الخوف من الألغام يدفع كثيراً من السكان إلى تجنب مناطق واسعة من الأراضي الزراعية والطرقات الريفية، الأمر الذي ينعكس سلباً على الأمن الغذائي ومستويات الدخل في المجتمعات المتضررة.

وإلى جانب مخاطر الألغام، تواجه الأسر النازحة تحديات كبيرة تتعلق بالسكن والأراضي والممتلكات، حيث أشار التقرير الأممي إلى استمرار النزاعات على الأراضي ومخاطر الإخلاء القسري وانعدام الضمانات القانونية للحيازة، خصوصاً في محافظات تعز ومأرب وذمار.

وأوضح التقرير أن اعتماد أعداد كبيرة من النازحين على أراضٍ خاصة أو ترتيبات استضافة غير رسمية يجعلهم أكثر عرضة للنزوح المتكرر، ويقلل من فرص الوصول إلى حلول سكنية دائمة ومستقرة.

وفي الوقت نفسه، أسهمت الكوارث المناخية في زيادة الضغوط الإنسانية، إذ تسببت الأمطار الغزيرة والسيول والرياح الشديدة - حسب التقرير - في أضرار واسعة بالمساكن والممتلكات في عدد من المحافظات اليمنية، من بينها أبين والجوف والحديدة ومأرب.

كما كشفت الحرائق المتكررة في مخيمات النزوح عن هشاشة أوضاع الأسر النازحة التي تعيش في ملاجئ مؤقتة مشيدة من مواد سريعة الاشتعال، وتفتقر إلى الحد الأدنى من شروط السلامة.

دعوات لتعزيز الحماية

أكدت الأمم المتحدة أن النساء والفتيات في اليمن يواجهن مخاطر مرتفعة مرتبطة بالعنف القائم على النوع الاجتماعي والاستغلال والانتهاكات المختلفة، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنزوح وضعف شبكات الحماية المجتمعية.

وحذرت من أن غياب خدمات متكاملة لمساعدة ضحايا الألغام في بعض المحافظات، وفي مقدمتها الجوف، يثير مخاوف بشأن حرمان الناجين من الدعم اللازم لإعادة التأهيل والاندماج في المجتمع.

وشددت المنظمات الأممية على أن مواجهة هذه التحديات في اليمن تتطلب استجابة شاملة تجمع بين إزالة الألغام ومخلفات الحرب، وتوسيع برامج مساعدة الضحايا، وتعزيز خدمات الحماية والدعم القانوني، وتحسين إجراءات الحد من مخاطر الكوارث الطبيعية.

وترى الأمم المتحدة أن تعزيز قدرة المجتمعات المحلية على الصمود، وتوسيع الخدمات الأساسية في المناطق الأكثر تضرراً يمثلان أولوية ملحة للحد من آثار الأزمة الإنسانية المستمرة، وحماية المدنيين من المخاطر الكبيرة التي تهدد حياتهم ومستقبلهم.


اغتيال مراسل تلفزيوني في المكلا يهز الأوساط اليمنية

صورة للضحية مراسل قناتَي «العربية» و«الحدث» في حضرموت (إكس)
صورة للضحية مراسل قناتَي «العربية» و«الحدث» في حضرموت (إكس)
TT

اغتيال مراسل تلفزيوني في المكلا يهز الأوساط اليمنية

صورة للضحية مراسل قناتَي «العربية» و«الحدث» في حضرموت (إكس)
صورة للضحية مراسل قناتَي «العربية» و«الحدث» في حضرموت (إكس)

اغتال مجهولون الصحافي اليمني محمد عيضة، مراسل قناتَي «العربية» و«الحدث» في محافظة حضرموت، الأربعاء، عبر تفجير عبوة ناسفة استهدفت سيارته في مدينة المكلا شرق اليمن، في حادثة هزَّت الوسط الإعلامي اليمني، وأثارت إدانات رسمية وقبلية واسعة، ومطالبات بكشف الجناة.

وذكرت مصادر محلية أنَّ عيضة فارق الحياة في المستشفى متأثراً بجروح بالغة أُصيب بها إثر انفجار عبوة ناسفة استهدفت سيارته في أثناء مروره بشارع الستين بمدينة المكلا، كبرى مدن محافظة حضرموت.

آثار التفجير الذي تعرَّضت له سيارة الصحافي اليمني الفقيد محمد عيضة (إكس)

وفي حين لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن العملية حتى الآن، فإنَّ الحادث أثار ردود فعل واسعة على المستويين الرسمي والشعبي، حيث وجَّه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، بتشكيل لجنة عليا مشتركة من وزارة الداخلية، وجهاز أمن الدولة، والاستخبارات العسكرية، بالتنسيق مع اللجنة المُشكَّلة من قيادة السلطة المحلية بمحافظة حضرموت؛ للتحقيق في ملابسات واقعة الاغتيال.

وبدوره، وجَّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، الأجهزة الأمنية المختصة بسرعة فتح تحقيق شامل وعاجل لكشف ملابسات الجريمة، وتحديد المتورطين فيها.

وشدَّد الخنبشي على أهمية اتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة بحق كل مَن يثبت تورطه في هذا العمل، مؤكداً أنَّ حماية الصحافيين والإعلاميين، وتمكينهم من أداء رسالتهم المهنية في بيئة آمنة، يمثِّلان أولويةً لا يمكن التهاون فيها.

وأكد أنَّ مثل هذه الجرائم تستهدف الأمن والاستقرار، وتقوِّض الجهود المبذولة لترسيخ سيادة القانون، داعياً إلى تكاتف مختلف الأجهزة المختصة للوصول إلى الجناة وتقديمهم للعدالة.

كما قدَّم الخنبشي تعازيه إلى أسرة الفقيد وزملائه في الوسط الإعلامي، مشيداً بما عُرف عنه من نشاط مهني وإعلامي خلال سنوات عمله الصحافي.

متابعة حكومية... واستنكار قبلي

تابع رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني تطورات الحادثة، وأجرى اتصالات مع وزير الداخلية والجهات المختصة للاطلاع على سير التحقيقات والإجراءات المتخذة.

ووجَّه الزنداني وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية بتقديم الدعم الكامل لفرق التحقيق، وتسخير الإمكانات اللازمة لكشف المتورطين في الجريمة وملاحقتهم قضائياً.

وأكد رئيس الوزراء اليمني أنَّ استهداف الصحافيين والإعلاميين يُمثِّل اعتداءً مباشراً على حرية العمل الإعلامي، وعلى قيم المجتمع وسيادة القانون، مشدِّداً على حرص الحكومة على توفير بيئة آمنة تُمكِّن العاملين في وسائل الإعلام من أداء واجباتهم المهنية.

وفي السياق ذاته، أصدر «حلف قبائل حضرموت»، و«مؤتمر حضرموت الجامع» بياناً مشتركاً أدانا فيه الجريمة، ووصفاها بأنَّها «إرهابية وغادرة»، مؤكدَين أنَّ استهداف شخصية إعلامية معروفة يُمثِّل اعتداءً خطيراً على أمن واستقرار حضرموت، وعلى حرية العمل الصحافي.

وطالب البيان بفتح تحقيق شفاف وسريع يكشف جميع ملابسات الحادثة، ويحدِّد الجهات المتورطة فيها، مع ضمان تقديم المسؤولين عنها إلى العدالة لمنع تكرار مثل هذه الجرائم.

وقال صبري سالمين بن مخاشن، رئيس دائرة الإعلام والعلاقات العامة بـ«حلف قبائل حضرموت» لـ«الشرق الأوسط»: «إن جريمة اغتيال محمد عيضة، تُمثِّل عملاً إجرامياً جباناً يستهدف أمن حضرموت واستقرارها، ويُشكِّل اعتداءً خطيراً على حرية العمل الإعلامي».

وأضاف بن مخاشن أن هذه الحادثة المؤلمة «تستوجب تحقيقاً عاجلاً وشفافاً لكشف الجناة وتقديمهم للعدالة، كما تفرض إعادة تقييم شاملة للمنظومة الأمنية والعسكرية في حضرموت، وتعزيز قدراتها، وتأهيل كوادرها، وتمكين الكفاءات الحضرمية من القيام بدورها في حماية المحافظة، والحفاظ على أمنها واستقرارها».

اتحاد صحافيي آسيا: جريمة بشعة

أدان «اتحاد صحافيي غرب آسيا» بأشد العبارات الجريمة التي وصفها بـ«الغادرة والنكراء». وأوضح الاتحاد، في بيان، أنَّ الحادثة «الصادمة والمروعة تمثل اعتداءً سافراً على حرية الصحافة، وانتهاكاً صارخاً للحق الإنساني في التعبير ومعرفة الحقيقة». وشدَّد الاتحاد على أنه «يرى في هذه الجريمة البشعة استهدافاً ممنهجاً للعمل الصحافي والإعلامي في المنطقة برمتها، وليس في اليمن وحسب، وتكشف عن تصاعد خطير في مستوى التهديدات الموجَّهة ضد صنَّاع الرأي والكلمة، الأمر الذي يضع سلامة الصحافيين في اليمن على المحك، ويثير قلقاً إقليمياً ودولياً بالغاً».

وحذَّر الاتحاد من سياسة «الإفلات من العقاب» وعدَّها «الوقود الذي يغذي تكرار هذه الجرائم البشعة، ويهدِّد بيئة العمل الإعلامي في المنطقة، ويضرب بعرض الحائط القوانين الوطنية والمواثيق والعهود الدولية الضامنة لحماية الصحافيين في أثناء النزاعات».

وطالب الاتحاد السلطات الأمنية والقضائية في محافظة حضرموت، والجهات المختصة في الحكومة اليمنية «بالتحرُّك الفوري لفتح تحقيق عاجل وشفاف لكشف ملابسات هذه الجريمة، والوصول إلى الجناة والمخطِّطين والمحرِّضين، وتقديمهم للعدالة؛ لينالوا جزاءهم الرادع، خصوصاً بعد التهديدات التي تلقاها الزميل قبل أسابيع وفقاً للمصادر الأمنية».