تونس تحتفل اليوم بالذكرى الرابعة لسقوط بن علي في ظل تذمر من الأوضاع المعيشية

جدل حاد حول مشاركة «النهضة» في الحكومة المقبلة

صورة أرشيفية لتونسيين مؤيدين للرئيس السابق المنصف المرزوقي الشهر الماضي (رويترز)
صورة أرشيفية لتونسيين مؤيدين للرئيس السابق المنصف المرزوقي الشهر الماضي (رويترز)
TT

تونس تحتفل اليوم بالذكرى الرابعة لسقوط بن علي في ظل تذمر من الأوضاع المعيشية

صورة أرشيفية لتونسيين مؤيدين للرئيس السابق المنصف المرزوقي الشهر الماضي (رويترز)
صورة أرشيفية لتونسيين مؤيدين للرئيس السابق المنصف المرزوقي الشهر الماضي (رويترز)

لم تكن المظاهر التي تدل على أن التونسيين يقبلون على الاحتفال بالذكرى الرابعة لسقوط نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي في الـ14 من يناير (كانون الثاني) سنة 2011 كثيرة في الشارع التونسي إلى غاية يوم أمس الثلاثاء.. بل إن مشاعر الغضب هي التي سيطرت على الناس أمس والأول من أمس بسبب إضراب شركات النقل العمومي (حافلات وقطارات) بشكل مفاجئ مما جعل الكثير من التونسيين يجدون صعوبة كبرى في العودة إلى منازلهم أول من أمس الاثنين أو في التوجه إلى مقرات عملهم صباح أمس الثلاثاء وهو ما تسبب بغياب الكثير من الموظفين والأجراء عن العمل وتعطلت بالتالي مصالح الناس في الكثير من الإدارات الحيوية. وبسبب هذا الوضع عمدت مجموعات من الشباب في حي الانطلاقة غرب العاصمة التونسية إلى إشعال العجلات المطاطية وقطع الحركة عن بعض الطرق ومنها الطريق المؤدية إلى مدينة بنزرت (60 كلم شمال العاصمة التونسية)، وكذلك رشق السيارات الخاصة بالحجارة احتجاجا على إضراب شركات النقل العمومي.
وتحتفل تونس اليوم بالذكرى الرابعة لثورة 14 يناير في ظل ترقب متواصل لتشكيلة الحكومة عن تشكيلة الحكومة التونسية الجديدة برئاسة الحبيب الصيد وزير الداخلية التونسية السابق. ورجحت عدة مصادر متطابقة إرجاء الإعلان عن الحكومة إلى وقت لاحق بسبب خلافات عميقة بين الأحزاب المتحالفة مع حركة النهضة حول توزيع الحقائب الوزارية. ولن يتم الإعلان اليوم عن الحكومة الجديدة كما جرى التحضير لذلك من قبل قيادات حركة نداء تونس عقب الإعلان عن النتائج النهائية للدور الثاني من الانتخابات الرئاسية.
وخلافا لما تم الإعلان عنه يوم 31 من الشهر الماضي خلال موكب تسلم الباجي قائد السبسي لمنصب الرئاسة من المنصف المرزوقي، فإن الاحتفال بالذكرى الرابعة للثورة سيكون بسيطا ولن تحضره شخصيات عربية ودولية كما كان مقررا. وأعلنت رئاسة الجمهورية عن تنظيم موكب رسمي اليوم في القصر الرئاسي بإشراف الباجي قائد السبسي وبحضور محمد الناصر رئيس مجلس نواب الشعب (البرلمان) ومهدي جمعة رئيس الحكومة الحالية. كما يحضر اللقاء أعضاء الحكومة ورؤساء الهيئات الدستورية والمنظمات والجمعيات الوطنية وعدد من أهالي الشهداء وممثلي الأحزاب السياسية.
على صعيد آخر، يتواصل مسلسل التسريبات حول وزراء الحكومة المقبلة التي يقودها الحبيب الصيد دون التوصل إلى التشكيلة الحكومية النهائية. ويواجه تشكيل الحكومة صعوبات متعددة على رأسها ملفا تحييد وزارات السيادة وإشراك «النهضة» في الحكومة. وأكدت مصادر حزبية لوكالة تونس أفريقيا للأنباء أن الحكومة التونسية الجديدة ستضم 35 عضوا بين كتاب دولة ووزراء بينهم 10 نساء.
وفي لقاء جمع الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي براشد الغنوشي زعيم حركة النهضة الليلة قبل الماضية، اتفق الطرفان على ضرورة جمع الحكومة المقبلة لأكبر عدد ممكن من الحساسيات السياسية في تطابق كبير لوجهات النظر. وأظهرت نتائج اللقاء الذي لم يقع الإعلان عنه مسبقا أن الطرفين بحثا مبدأ «تكريس روح الوفاق في تشكيل الفريق الحكومي» برئاسة الحبيب الصيد وكذلك داخل مجلس نواب الشعب (البرلمان) في خطوة هدفها التسريع في الإجراءات الإصلاحية بعيدا عن حالة التجاذب السياسي.
وأبدت حركة النهضة استعدادها المبدئي للمشاركة في الحكومة التونسية الجديدة إذا ما «تلقت عرضا رسميا وإذا أفضت المشاورات إلى توافق حول برنامج الحكومة وأولوياتها» وهو ما رجح مشاركة حركة النهضة التي باتت «شبه مؤكدة».
ونادت قيادات من الصف الأول في حركة نداء تونس بطي صفحة الترويكا وصرحت عبر منابر إعلامية متنوعة أنه «لا داعي لتشريك النهضة في الحكم». وترددت أنباء عن وقوف نحو 20 نائبا برلماني على الأقل من حركة نداء تونس (الفائزة بـ86 مقعدا برلمانيا) مدعومين بقيادات من الحزب نفسه، ضد مشاركة حركة النهضة في الحكومة المقبلة وهو نفس العدد من البرلمانيين الذي صوت ضد منح «النهضة» منصب نائب رئيس أول للبرلمان عند انتخاب عبد الفتاح مورو.
ولتجاوز هذا الخلاف الحاد، تعقد الهيئة التأسيسية لحزب النداء اجتماعا حاسما بحضور كافة أعضائها وعددهم 11 عضوا لتجاوز انقسام الآراء داخل الحركة الفائزة في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشأن مشاركة حركة النهضة من عدمها في الحكومة المقبلة. ويحضر الاجتماع الذي يتواصل على مدى يومين محمد الناصر رئيس حركة نداء تونس بالنيابة المؤيد لتوسيع المشاركة في الحكومة، والطيب البكوش الأمين العام للحركة المؤيد لإبقاء «النهضة» في صفوف المعارضة، وذلك في محاولة لتقريب وجهات النظر بين شق داعم لمشاركة النهضة وشق ثان رافض لتلك المشاركة رفضا قاطعا.
وفي هذا الشأن، قال عبد العزيز القطي القيادي في النداء في تصريح إعلامي «لن نسمح بعودة النهضة إلى الحكم من الشباك بعد طردها من الباب مهما كان الثمن» على حد تعبيره.
واشترطت حركة النهضة تحييد وزارات السيادة الـ4 (الداخلية والدفاع والعدل والخارجية) وتشكيل حكومة وحدة وطنية موسعة للمشاركة في الحكومة المقبلة.
وقال العجمي الوريمي القيادي في حركة النهضة إن حزبه لا ينوي السيطرة بطريقة غير مباشرة على وزارات السيادة عبر المطالبة بتحييدها، بل إنه يسعى إلى إسناد حقائبها إلى شخصيات محايدة تقف على نفس المسافة من كل الأحزاب السياسية.
ولكن زياد العذاري المتحدث باسم حركة النهضة رد على هذا الأمر بالقول إن أطرافا ترفض وجود حزبه في الحكومة وتسعى إلى توتير الأجواء على حد تعبيره. وقال إن موقفهم من المشاركة في الحكومة موقف مبدئي وإن المشاورات لم تصل إلى حد الحديث عن مشاركة «النهضة» في الحكومة.
ورغم مشاعر الغضب التي يعبر عنها الكثير من التونسيين هذه الأيام والتي تأخذ طابع اللوم على الحكومات المتعاقبة والاحتجاج بسبب الأحوال المعيشية الصعبة فإن أغلب التونسيين يرفضون أن يؤخذ هذا العزوف عن الاحتفال على أنه «ندم على ما حصل يوم 14 يناير» مثلما أكد سفيان برك الله - طالب جامعي - لـ«لشرق الوسط»، مضيفا «رغم المصاعب التي تتخبط فيها فئات واسعة من شعبنا على المستوى المعيشي.. فإنه على المستوى السياسي لا تزال التجربة التونسية تحافظ على كامل بريقها وتميزها كنموذج.. كذلك فإن الحرية التي نعيشها اليوم لا تقدر بثمن.. وهذه الحرية ستكون سلاحنا للدفع نحو إصلاح هذه الأوضاع الصعبة والاعتناء أكثر بالمناطق المحرومة إذ لم يعد هناك مبرر لتتواصل الأحوال على ما هي عليه في المستقبل على المستوى الاقتصادي بعد استكمال المرحلة الانتقالية وبناء المؤسسات الدائمة».
السمة اللافتة الأخرى لاحتفال التونسيين بهذه الذكرى التي بدأت تتأكد سنة بعد أخرى هي تركيز كل جهة على الاحتفال بشكل أساسي باليوم الذي سقط فيه شهداء تلك الجهة.. فقد أقامت محافظة القصرين (300 كلم جنوب غربي العاصمة) احتفالا خاصا يوم 8 يناير الماضي وهو اليوم الذي سقط فيه الكثير من أبناء المحافظة والمناطق التابعة لها مثل «تالة» و«فريانة»، وكذلك احتفلت مدينة «دوز» من محافظة قبلي أقصى الجنوب التونسي يوم 12 يناير وكذا مدينة «دقاش» من محافظة توزر جنوبي تونس. وقد أخذت بعض هذه الاحتفالات أبعادا احتجاجية بسبب «عدم تحقق التنمية وكذلك عدم الرضا على بطء محاكمة المتسببين في سقوط هؤلاء الشهداء» على حد قول أبناء تلك الجهات وخاصة عائلاتهم وكذلك الجرحى الذين لا يزال الكثير منهم يعانون من تبعات إصاباتهم الخطيرة ولم يتم علاجهم بشكل جيد. أما أهالي مدينة سيدي بوزيد فلا يزالون يصرون على أن التاريخ الطبيعي حسب رأيهم للاحتفال بالثورة التونسية هو يوم 17 ديسمبر (كانون الأول) وهو اليوم الذي قام فيه محمد البوعزيزي بإضرام النار في جسده سنة 2010. وقد أقامت المدينة احتفالا يوم 17 ديسمبر الماضي طغت عليه بدوره المطالبة بالتنمية وتوفير أسباب العيش الكريم ووجهت فيه انتقادات لاذعة للحكومات المتعاقبة.



الجيش اليمني... صمود بمحيط مدينة تعز وتقدم في الجوف

مقاتلون من الجيش اليمني في الجبهة الغربية لمدينة تعز المحاصرة من الحوثيين (أ.ف.ب)
مقاتلون من الجيش اليمني في الجبهة الغربية لمدينة تعز المحاصرة من الحوثيين (أ.ف.ب)
TT

الجيش اليمني... صمود بمحيط مدينة تعز وتقدم في الجوف

مقاتلون من الجيش اليمني في الجبهة الغربية لمدينة تعز المحاصرة من الحوثيين (أ.ف.ب)
مقاتلون من الجيش اليمني في الجبهة الغربية لمدينة تعز المحاصرة من الحوثيين (أ.ف.ب)

حافظت القوات الحكومية اليمنية على مواقعها في جبهات مدينة تعز المحاصرة، وتمكنت، بمساندة المقاومة الشعبية، من كسر هجوم حوثي عنيف في جبهة الأقروض جنوب شرقي المدينة، بالتزامن مع استعادة مواقع عسكرية ومرتفعات استراتيجية شرق مدينة الحزم، مركز محافظة الجوف، في تطور ميداني يهدف إلى التقدم نحو المدينة.

وفي مقابل هذا الثبات في تعز والتقدم في الجوف، وسّع الحوثيون تحركاتهم العسكرية باتجاه مديرية المقاطرة شمال محافظة لحج، وتمكنوا، رغم الغارات الجوية والخسائر التي تكبدوها، من السيطرة على قلعة المقاطرة التاريخية والتوغل في مناطق ومرتفعات مهمة، بينها منطقة النفق ومواقع مطلّة على عقبة هيجة العبد، بعد مواجهات ضارية مع القوات الحكومية.

وحسب مصادر محلية، لا تزال القوات الحكومية، بمساندة «قوات العمالقة» و«درع الوطن»، تسيطر على أجزاء واسعة من المديرية، وتمكنت من صد هجمات وتدمير أرتال تعزيزات حوثية في أسفل العقبة وسائلة سوق الربوع، بينما تواصل شن هجمات مضادة لاستعادة المواقع التي سيطرت عليها الجماعة وسط الدفع بتعزيزات ومقاتلين قبليين لمواجهة التمدد الحوثي.

جبهات مدينة تعز صامدة أمام حصار الحوثيين وهجماتهم منذ نحو 4 أسابيع (أ.ف.ب)

وتتركز المواجهات في جنوب مدينة تعز وجنوبها الشرقي على جبهات الأقروض وكحلان وفي الضباب غرب المدينة، حيث تمكنت القوات المسلحة، بمساندة المقاومة الشعبية، من كسر هجوم حوثي عنيف في جبهة الأقروض، وسط استمرار المواجهات والغارات الجوية التي استهدفت تجمعات للجماعة في هذه الجبهات.

وامتدت الغارات الجوية، الأحد، إلى مناطق في محافظتي ذمار والحديدة، بينها مديرية باجل، كما استهدفت مواقع حوثية في هيجة العبد وطريق الصحى جنوب غربي تعز، في إطار العمليات الجوية المرافقة للمعارك البرية.

وفي المقابل، تركز الهجوم الحوثي على مديرية المقاطرة شمال لحج، حيث سيطرت الجماعة على قلعة المقاطرة التاريخية، وتوغلت في منطقة النفق وعدد من المرتفعات المطلة على عقبة هيجة العبد.

أهمية المقاطرة

تكتسب هذه التطورات أهمية عسكرية بالنظر إلى موقع جبال المقاطرة وقلعتها المشرفة على طريق نقيل هيجة العبد وطريق الكربة، وهما من المسارات الحيوية التي تربط تعز بالمناطق الجنوبية.

وتتيح السيطرة على القلعة مراقبة التحركات في محيط هذه الممرات وتهديد حركة المرور عبرها، مما يثير مخاوف من اتساع القيود العسكرية على الطرق المؤدية إلى تعز، وتعميق عزل المدينة التي تعاني أصلاً من الحصار الحوثي.

في الصورة تظهر قلعة المقاطرة التاريخية شمالي محافظة لحج (إعلام محلي)

ولا تقتصر أهمية المرتفعات على تأمين الطرق المحلية؛ إذ تفتح السيطرة عليها مجالاً للتقدم باتجاه مديرية طور الباحة، كما تمنح إشرافاً جغرافياً على قاعدة العند العسكرية في محافظة لحج.

وتشكل المقاطرة، بحكم موقعها الجبلي، عمقاً للممرات المتصلة بالساحل الغربي وباب المندب، كما أن السيطرة على مرتفعاتها تتيح تأمين خطوط التقدم والحد من فرص الالتفاف العسكري، فضلاً عن التأثير على حركة القوات والإمدادات في المنطقة الممتدة باتجاه رأس العارة جنوبي مضيق باب المندب.

تقدم ميداني في الجوف

وفي تطور ميداني موازٍ، أعلنت القوات المسلحة اليمنية، ممثلةً بالفرقة الأولى طوارئ، استعادة مواقع عسكرية ومرتفعات استراتيجية شرق مدينة الحزم، عقب معارك عنيفة انتهت بفرار عناصر الحوثيين من مواقعهم في محيط جبال دحيضة.

قوات الجيش اليمني حققت تقدماً شرقي مدينة الحزم مركز محافظة الجوف (إعلام عسكري)

وقالت القوات إنها سيطرت على مخازن أسلحة وذخائر تركتها الجماعة خلفها، ودمرت آليات ومدرعات قتالية، مضيفة أن المواجهات أسفرت عن مقتل وإصابة العشرات من الحوثيين والقبض على آخرين.

وعلى الصعيد الإداري والعسكري، أصدر مجلس القيادة الرئاسي، الأحد، قرارين جمهوريين بتعيين اللواء حسين العجي علي العواضي محافظاً لمحافظة البيضاء، واللواء أمين علي العكيمي محافظاً لمحافظة الجوف، مع تعيين الأخير قائداً لمحور الجوف.


أفراح الزوبة: أمن البحر الأحمر يبدأ باستعادة الدولة اليمنية

وزيرة الخارجية اليمنية خلال مشاركتها في حوار المنامة 2026 (سبأ)
وزيرة الخارجية اليمنية خلال مشاركتها في حوار المنامة 2026 (سبأ)
TT

أفراح الزوبة: أمن البحر الأحمر يبدأ باستعادة الدولة اليمنية

وزيرة الخارجية اليمنية خلال مشاركتها في حوار المنامة 2026 (سبأ)
وزيرة الخارجية اليمنية خلال مشاركتها في حوار المنامة 2026 (سبأ)

ربطت وزيرة الخارجية اليمنية، أفراح الزوبة، أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب باستعادة مؤسسات الدولة اليمنية وإنهاء الانقلاب الحوثي، محذرة من أن استمرار دعم الجماعات المسلحة وتقويض سلطة الحكومات الوطنية يحولان الأزمات الداخلية إلى تهديدات عابرة للحدود، تطال أمن المنطقة والملاحة الدولية والتجارة العالمية.

وقالت الزوبة إن الحديث عن أمن إقليمي مستدام لا يمكن أن ينفصل عن وجود يمن آمن ومستقر، مؤكدة أن تداعيات الانقلاب على الدولة اليمنية تجاوزت حدود البلاد لتطال أمن دول الجوار والممرات البحرية والمصالح الدولية. ودعت إلى ترجمة التضامن الدولي مع اليمن إلى خطوات عملية تعالج مصادر التهديد، وفي مقدمتها وقف تدفق الأسلحة والتمويل والخبرات العسكرية إلى الجماعات المسلحة.

وفي كلمة ألقتها خلال الجلسة العامة الثالثة لحوار المنامة 2026، تحت عنوان «أسس الأمن الإقليمي»، وضعت الوزيرة استعادة الدولة اليمنية في صلب معادلة الأمن الإقليمي، محددة أربعة مرتكزات لتحقيق الاستقرار، تشمل احترام سيادة الدول وتعزيز مؤسساتها الوطنية، وتقديم الدبلوماسية والحوار على المواجهات، وتوسيع مفهوم الأمن ليشمل الاستقرار الاقتصادي وأمن الطاقة والغذاء وحماية المدنيين ومكافحة الإرهاب والتهريب، إلى جانب حماية الممرات البحرية وخطوط التجارة الدولية.

وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة (أ.ف.ب)

وشددت على أن أي تسوية تتعلق باليمن ينبغي أن تقودها الدولة اليمنية وتصون سيادتها ومرجعيات الحل السياسي، وتفضي إلى استعادة مؤسساتها وحصر السلاح وقراري الحرب والسلم بيدها، معتبرة أن دعم الجماعات المسلحة التي تنازع الحكومات سلطتها يقوض فرص الاستقرار ويطيل أمد الصراعات.

مدخل الاستقرار

في رسالتها أمام المشاركين في حوار المنامة، أكدت أفراح الزوبة أن الحكومة اليمنية تمضي في معركة استعادة الدولة، وأنها لا تطلب من أحد القتال نيابة عنها، لكنها تتطلع إلى إسناد شركائها وتعزيز قدرات مؤسساتها وإنفاذ حظر توريد الأسلحة ووقف تدفقها إلى الجماعات المسلحة.

وشددت على ضرورة إنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة وبسط سلطتها على كامل أراضيها، وفق المرجعيات الثلاث المتمثلة في المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني، وقرارات مجلس الأمن، وفي مقدمتها القرار 2216.

وقالت إن اليمن المستقر قادر على استعادة دوره في محيطيه العربي والإقليمي، ليكون شريكاً في حماية أمن المنطقة وممراتها البحرية والتجارة الدولية، معتبرة أن اليمنيين وهم يدافعون عن دولتهم يدافعون، في الوقت نفسه، عن أمن المنطقة ومصالح العالم.

وزيرة الخارجية اليمنية مع نظيرها البحريني (سبأ)

وفي سياق تحذيرها من امتداد التهديدات إلى المجال البحري، استشهدت الزوبة بتقارير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة، مشيرة إلى ما أورده تقرير عام 2024 بشأن تلقي الحوثيين أسلحة ومساعدة تقنية وتدريباً ودعماً مالياً من إيران وجماعات مسلحة عراقية و«حزب الله».

كما لفتت إلى ما تضمنه تقرير الفريق لعام 2025 من معلومات عن تنامي التعاون بين الحوثيين وحركة الشباب الصومالية في مجالات تهريب الأسلحة والتدريب وتبادل الخبرات العسكرية، محذرة من خطورة تشابك الجماعات المسلحة مع شبكات الجريمة المنظمة، وداعية إلى تعزيز تبادل المعلومات وتجفيف مصادر التمويل ومراقبة مسارات انتقال السلاح والخبرات عبر الحدود.

وأكدت أن أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب لا ينفصل عن استقرار اليمن، وأن حماية الساحل والممرات البحرية تبدأ بمعالجة مصادر التهديد على اليابسة، ووقف تدفق السلاح والتمويل، ومكافحة شبكات التهريب، وتعزيز قدرات الدول الساحلية مع احترام سيادتها.

تركيز على الدعم الدولي

على هامش حوار المنامة، نقلت الزوبة هذه الملفات إلى مباحثاتها الثنائية مع مسؤولين بريطانيين وكنديين ومصريين وأميركيين وخليجيين وأتراك، في تحرك ركز على تعزيز الدعم الدولي لمؤسسات الدولة اليمنية وتوسيع التعاون الأمني والبحري ومواجهة مصادر تسليح الحوثيين.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزيرة بحثت مع وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ستيفن دوتي، تطورات الأوضاع الميدانية والإنسانية، واستعرضت استمرار الحصار الحوثي على تعز وتدهور الخدمات الأساسية، إلى جانب الانتهاكات التي يتعرض لها موظفو الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المحتجزون لدى الجماعة.

أفراح الزوبة خلال لقائها مع وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (سبأ)

وتوقف اللقاء عند وفاة الموظف الأممي محمد الشامي أثناء احتجازه لدى الحوثيين، بعد أكثر من عامين على اختطافه، في واقعة أعادت تسليط الضوء على المخاطر التي تواجه العاملين الدوليين في مناطق سيطرة الجماعة.

كما تناول الجانبان التعاون الأمني والبحري، بما في ذلك بناء قدرات خفر السواحل وحماية المنشآت الحيوية، وتكثيف الجهود الدولية لمواجهة مصادر تسليح الحوثيين والحد من تدفق الأسلحة إليهم. وأكد الوزير البريطاني استمرار دعم بلاده للحكومة اليمنية ومؤسسات الدولة، وأهمية تبادل المعلومات والتنسيق مع الشركاء الدوليين.

وفي مباحثاتها مع وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين في الخارج، بدر عبد العاطي، ركزت أفراح الزوبة على التطورات في البحر الأحمر ومخاطر التصعيد الحوثي على أمن الملاحة، مستعرضة استمرار حصار تعز واستهداف المطارات في اليمن والمملكة العربية السعودية، وما تمثله هذه الاعتداءات من تهديد للمدنيين والطيران المدني والأمن الإقليمي.

وأكد الجانبان أهمية صون أمن الممرات البحرية الدولية وتكثيف الجهود الإقليمية والدولية لاحتواء التوترات، بينما جدد الوزير المصري موقف بلاده الداعم لوحدة اليمن وسيادته وسلامة أراضيه، ومساندة الجهود الرامية إلى استعادة الأمن والاستقرار.


نقص حاد في الوقود والمياه والأدوية يهدد سكان تعز

أزمة مياه خانقة يواجهها سكان تعز بسبب الحصار المفروض على المدينة (رويترز)
أزمة مياه خانقة يواجهها سكان تعز بسبب الحصار المفروض على المدينة (رويترز)
TT

نقص حاد في الوقود والمياه والأدوية يهدد سكان تعز

أزمة مياه خانقة يواجهها سكان تعز بسبب الحصار المفروض على المدينة (رويترز)
أزمة مياه خانقة يواجهها سكان تعز بسبب الحصار المفروض على المدينة (رويترز)

دخل الحصار الحوثي المفروض على مدينة تعز اليمنية أسبوعه الرابع، وسط ازدياد القيود على وصول المساعدات الإنسانية والإمدادات التجارية، وإغلاق الطرق المؤدية إلى المدينة، في وقت تواجه فيه المرافق الصحية نقصاً حاداً في الوقود والمياه والأدوية، بينما تتسع موجات النزوح وتتراجع قدرة المنظمات الإغاثية على تلبية الاحتياجات المتصاعدة للسكان.

وتواجه شاحنات المساعدات الإنسانية عراقيل حوثية متكررة عند نقاط التفتيش، رغم حصولها على التصاريح اللازمة، في ظل إغلاق الجماعة معظم الطرق التي تربط المحافظة بالمناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، حيث توجد مخازن الإمدادات في عدن.

ولم تسلم الطرق الالتفافية الواقعة في مناطق التماس من القيود، فيما أسهمت الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطرق في إبطاء حركة النقل وتأخير وصول الإمدادات إلى المحتاجين.

وتشير بيانات المنظمات الإنسانية إلى تجاوز عدد النازحين 300 ألف شخص، فرّ معظمهم من جراء القتال في تعز وعلى امتداد الساحل الغربي. كما تنذر موجة النزوح الجديدة التي بدأت من محافظة لحج في منتصف أكتوبر (تشرين الأول) الماضي باستمرار اتساع نطاق الأزمة الإنسانية وارتفاع أعداد المتضررين.

مظاهرة حاشدة من سكان مدينة تعز تنديداً بالحصار الحوثي (إعلام محلي)

وتتفاقم الأوضاع داخل مدينة تعز ومحيطها مع استمرار استهداف الأحياء السكنية بالقذائف المدفعية، وفرض قيود مشددة على الوصول إلى عدد من المناطق. وفي موازاة ذلك، تواجه المرافق الصحية نقصاً حاداً في الوقود والمياه والأدوية، فيما لا تزال إمدادات إنسانية مخصصة للمدينة عالقة في انتظار السماح بوصولها، بالتزامن مع صعوبات متصاعدة تواجه الأسر النازحة الراغبة في مغادرة المحافظة.

وفي أحدث مؤشر على التكلفة البشرية للقتال، قالت «مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان» إنها وثقت 263 ضحية مدنية، بين قتيل وجريح، حتى 27 أكتوبر الماضي، بينهم 67 قتيلاً. وبلغ عدد الأطفال بين الضحايا 97، أي نحو نصف إجمالي القتلى، في مؤشر على حجم المخاطر التي يتعرض لها القُصّر من جراء استمرار الأعمال القتالية.

استجابة محدودة

على صعيد الاستجابة الإنسانية، استهدفت المرحلة الأولى من المساعدات، عبر «آلية الاستجابة السريعة»، 207 آلاف و480 نازحاً، تسلمت غالبية الأسر منهم حصصها الإغاثية. ومع ذلك، فلا يزال نحو 9 آلاف أسرة مسجلة تنتظر الحصول على المساعدات؛ بسبب اضطراب سلاسل الإمداد وإجراءات التصاريح وتدهور الوضع الأمني، وهي عوامل تعرقل عمليات النقل والتوزيع.

أما المرحلة الثانية من الاستجابة، فلا تزال بعيدة عن تلبية الاحتياجات الفعلية. فعلى الرغم من وصول المساعدات النقدية الطارئة إلى معظم الأسر التي استكملت عملية التحقق من بياناتها، فإن تغطية المساعدات الغذائية لم تصل إلا لما يزيد قليلاً على نصف تلك الأسر، في حين ظلت خدمات المأوى والمياه والإصحاح محدودة للغاية مقارنة بأعداد المحتاجين.

الحوثيون يستهدفون بشكل متكرر أحياء مدينة تعز بالقذائف المدفعية (إعلام محلي)

وبدورها، لم تصل خدمات التغذية العلاجية إلا إلى جزء ضئيل من الفئات المستهدفة؛ مما يزيد هشاشة الأسر المقيمة في مواقع النزوح المكتظة، ويرفع تعرضها للمخاطر الصحية، خصوصاً مع تفشي وباء الكوليرا وتدهور ظروف الإيواء والصرف الصحي.

ولا تقتصر التداعيات على نقص الغذاء والخدمات الأساسية؛ إذ تشير تقارير الشركاء الإنسانيين إلى ازدياد حالات انفصال أفراد الأسر، والمخاطر المرتبطة بمخلفات الحرب والمتفجرات، فضلاً عن ارتفاع التهديدات المتعلقة بالطرد والعنف القائم على النوع الاجتماعي. كما أدى إغلاق 5 مساحات آمنة مخصصة للنساء والفتيات إلى تقليص فرص حصولهن على خدمات الحماية والدعم.

ورغم القيود الأمنية وصعوبات الوصول، فإن منظمات وطنية ودولية تواصل تقديم الخدمات الأساسية في المناطق المتضررة، بما يشمل الرعاية الصحية والمياه والمأوى والمساعدات النقدية، إلى جانب أنشطة التعامل مع الألغام ومخلفات الحرب في مناطق الساحل الغربي.

تعليق الدراسة

في امتداد لتداعيات الوضع الأمني على الحياة اليومية، جددت «لجنة الطوارئ» بمحافظة تعز تأكيد استمرار قرار تعليق الدراسة ومنح إجازات مؤقتة في المديريات الخاضعة لسيطرة الحوثيين، حتى صدور إشعار رسمي آخر، محذرة من أي محاولات لاستئناف العملية التعليمية خارج التوجيهات المعتمدة.

وقالت «اللجنة» إن أي دعوة لاستئناف الدراسة، أو إلزام الطلاب والكوادر التعليمية والإدارية الحضور، خلافاً لقراراتها السابقة، يمثلان مخالفة صريحة للتعليمات الرامية إلى حماية الأرواح وصون الحقوق.

سكان في تعز المحاصرة خلال تشييع مدنيين وعسكريين قتلوا بقصف حوثي (رويترز)

وأبدت «اللجنة» قلقها إزاء معلومات عن ضغوط تمارسها الجماعة الحوثية على مديري المدارس والمعاهد وقيادات فروع الجامعات والكليات لاستئناف الدراسة، رغم استمرار المخاطر الأمنية، محذرة من استغلال المؤسسات التعليمية في عمليات التجنيد والاستقطاب والتعبئة الطائفية.

وحمّلت «اللجنة» الحوثيين وكل من يتواطأ معهم المسؤولية عن هذه الضغوط وما قد ينجم عنها من تعريض الطلاب والموظفين للخطر، مؤكدة أن تعليق الدراسة لا يمس الحقوق التعليمية للطلاب أو الحقوق القانونية والوظيفية والمالية للعاملين في القطاع.

كما حذرت بأن تشغيل المؤسسات التعليمية خارج الأطر المعتمدة قد يعرض المسؤولين للمساءلة القانونية والإدارية، بما في ذلك تعليق صرف المستحقات المالية للمتورطين في مخالفة التعليمات. ودعت القياداتِ التعليميةَ إلى التزام القرار والإبلاغ عبر وسائل آمنة عن أي ضغوط أو تهديدات.