تونس تحتفل اليوم بالذكرى الرابعة لسقوط بن علي في ظل تذمر من الأوضاع المعيشية

جدل حاد حول مشاركة «النهضة» في الحكومة المقبلة

صورة أرشيفية لتونسيين مؤيدين للرئيس السابق المنصف المرزوقي الشهر الماضي (رويترز)
صورة أرشيفية لتونسيين مؤيدين للرئيس السابق المنصف المرزوقي الشهر الماضي (رويترز)
TT

تونس تحتفل اليوم بالذكرى الرابعة لسقوط بن علي في ظل تذمر من الأوضاع المعيشية

صورة أرشيفية لتونسيين مؤيدين للرئيس السابق المنصف المرزوقي الشهر الماضي (رويترز)
صورة أرشيفية لتونسيين مؤيدين للرئيس السابق المنصف المرزوقي الشهر الماضي (رويترز)

لم تكن المظاهر التي تدل على أن التونسيين يقبلون على الاحتفال بالذكرى الرابعة لسقوط نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي في الـ14 من يناير (كانون الثاني) سنة 2011 كثيرة في الشارع التونسي إلى غاية يوم أمس الثلاثاء.. بل إن مشاعر الغضب هي التي سيطرت على الناس أمس والأول من أمس بسبب إضراب شركات النقل العمومي (حافلات وقطارات) بشكل مفاجئ مما جعل الكثير من التونسيين يجدون صعوبة كبرى في العودة إلى منازلهم أول من أمس الاثنين أو في التوجه إلى مقرات عملهم صباح أمس الثلاثاء وهو ما تسبب بغياب الكثير من الموظفين والأجراء عن العمل وتعطلت بالتالي مصالح الناس في الكثير من الإدارات الحيوية. وبسبب هذا الوضع عمدت مجموعات من الشباب في حي الانطلاقة غرب العاصمة التونسية إلى إشعال العجلات المطاطية وقطع الحركة عن بعض الطرق ومنها الطريق المؤدية إلى مدينة بنزرت (60 كلم شمال العاصمة التونسية)، وكذلك رشق السيارات الخاصة بالحجارة احتجاجا على إضراب شركات النقل العمومي.
وتحتفل تونس اليوم بالذكرى الرابعة لثورة 14 يناير في ظل ترقب متواصل لتشكيلة الحكومة عن تشكيلة الحكومة التونسية الجديدة برئاسة الحبيب الصيد وزير الداخلية التونسية السابق. ورجحت عدة مصادر متطابقة إرجاء الإعلان عن الحكومة إلى وقت لاحق بسبب خلافات عميقة بين الأحزاب المتحالفة مع حركة النهضة حول توزيع الحقائب الوزارية. ولن يتم الإعلان اليوم عن الحكومة الجديدة كما جرى التحضير لذلك من قبل قيادات حركة نداء تونس عقب الإعلان عن النتائج النهائية للدور الثاني من الانتخابات الرئاسية.
وخلافا لما تم الإعلان عنه يوم 31 من الشهر الماضي خلال موكب تسلم الباجي قائد السبسي لمنصب الرئاسة من المنصف المرزوقي، فإن الاحتفال بالذكرى الرابعة للثورة سيكون بسيطا ولن تحضره شخصيات عربية ودولية كما كان مقررا. وأعلنت رئاسة الجمهورية عن تنظيم موكب رسمي اليوم في القصر الرئاسي بإشراف الباجي قائد السبسي وبحضور محمد الناصر رئيس مجلس نواب الشعب (البرلمان) ومهدي جمعة رئيس الحكومة الحالية. كما يحضر اللقاء أعضاء الحكومة ورؤساء الهيئات الدستورية والمنظمات والجمعيات الوطنية وعدد من أهالي الشهداء وممثلي الأحزاب السياسية.
على صعيد آخر، يتواصل مسلسل التسريبات حول وزراء الحكومة المقبلة التي يقودها الحبيب الصيد دون التوصل إلى التشكيلة الحكومية النهائية. ويواجه تشكيل الحكومة صعوبات متعددة على رأسها ملفا تحييد وزارات السيادة وإشراك «النهضة» في الحكومة. وأكدت مصادر حزبية لوكالة تونس أفريقيا للأنباء أن الحكومة التونسية الجديدة ستضم 35 عضوا بين كتاب دولة ووزراء بينهم 10 نساء.
وفي لقاء جمع الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي براشد الغنوشي زعيم حركة النهضة الليلة قبل الماضية، اتفق الطرفان على ضرورة جمع الحكومة المقبلة لأكبر عدد ممكن من الحساسيات السياسية في تطابق كبير لوجهات النظر. وأظهرت نتائج اللقاء الذي لم يقع الإعلان عنه مسبقا أن الطرفين بحثا مبدأ «تكريس روح الوفاق في تشكيل الفريق الحكومي» برئاسة الحبيب الصيد وكذلك داخل مجلس نواب الشعب (البرلمان) في خطوة هدفها التسريع في الإجراءات الإصلاحية بعيدا عن حالة التجاذب السياسي.
وأبدت حركة النهضة استعدادها المبدئي للمشاركة في الحكومة التونسية الجديدة إذا ما «تلقت عرضا رسميا وإذا أفضت المشاورات إلى توافق حول برنامج الحكومة وأولوياتها» وهو ما رجح مشاركة حركة النهضة التي باتت «شبه مؤكدة».
ونادت قيادات من الصف الأول في حركة نداء تونس بطي صفحة الترويكا وصرحت عبر منابر إعلامية متنوعة أنه «لا داعي لتشريك النهضة في الحكم». وترددت أنباء عن وقوف نحو 20 نائبا برلماني على الأقل من حركة نداء تونس (الفائزة بـ86 مقعدا برلمانيا) مدعومين بقيادات من الحزب نفسه، ضد مشاركة حركة النهضة في الحكومة المقبلة وهو نفس العدد من البرلمانيين الذي صوت ضد منح «النهضة» منصب نائب رئيس أول للبرلمان عند انتخاب عبد الفتاح مورو.
ولتجاوز هذا الخلاف الحاد، تعقد الهيئة التأسيسية لحزب النداء اجتماعا حاسما بحضور كافة أعضائها وعددهم 11 عضوا لتجاوز انقسام الآراء داخل الحركة الفائزة في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشأن مشاركة حركة النهضة من عدمها في الحكومة المقبلة. ويحضر الاجتماع الذي يتواصل على مدى يومين محمد الناصر رئيس حركة نداء تونس بالنيابة المؤيد لتوسيع المشاركة في الحكومة، والطيب البكوش الأمين العام للحركة المؤيد لإبقاء «النهضة» في صفوف المعارضة، وذلك في محاولة لتقريب وجهات النظر بين شق داعم لمشاركة النهضة وشق ثان رافض لتلك المشاركة رفضا قاطعا.
وفي هذا الشأن، قال عبد العزيز القطي القيادي في النداء في تصريح إعلامي «لن نسمح بعودة النهضة إلى الحكم من الشباك بعد طردها من الباب مهما كان الثمن» على حد تعبيره.
واشترطت حركة النهضة تحييد وزارات السيادة الـ4 (الداخلية والدفاع والعدل والخارجية) وتشكيل حكومة وحدة وطنية موسعة للمشاركة في الحكومة المقبلة.
وقال العجمي الوريمي القيادي في حركة النهضة إن حزبه لا ينوي السيطرة بطريقة غير مباشرة على وزارات السيادة عبر المطالبة بتحييدها، بل إنه يسعى إلى إسناد حقائبها إلى شخصيات محايدة تقف على نفس المسافة من كل الأحزاب السياسية.
ولكن زياد العذاري المتحدث باسم حركة النهضة رد على هذا الأمر بالقول إن أطرافا ترفض وجود حزبه في الحكومة وتسعى إلى توتير الأجواء على حد تعبيره. وقال إن موقفهم من المشاركة في الحكومة موقف مبدئي وإن المشاورات لم تصل إلى حد الحديث عن مشاركة «النهضة» في الحكومة.
ورغم مشاعر الغضب التي يعبر عنها الكثير من التونسيين هذه الأيام والتي تأخذ طابع اللوم على الحكومات المتعاقبة والاحتجاج بسبب الأحوال المعيشية الصعبة فإن أغلب التونسيين يرفضون أن يؤخذ هذا العزوف عن الاحتفال على أنه «ندم على ما حصل يوم 14 يناير» مثلما أكد سفيان برك الله - طالب جامعي - لـ«لشرق الوسط»، مضيفا «رغم المصاعب التي تتخبط فيها فئات واسعة من شعبنا على المستوى المعيشي.. فإنه على المستوى السياسي لا تزال التجربة التونسية تحافظ على كامل بريقها وتميزها كنموذج.. كذلك فإن الحرية التي نعيشها اليوم لا تقدر بثمن.. وهذه الحرية ستكون سلاحنا للدفع نحو إصلاح هذه الأوضاع الصعبة والاعتناء أكثر بالمناطق المحرومة إذ لم يعد هناك مبرر لتتواصل الأحوال على ما هي عليه في المستقبل على المستوى الاقتصادي بعد استكمال المرحلة الانتقالية وبناء المؤسسات الدائمة».
السمة اللافتة الأخرى لاحتفال التونسيين بهذه الذكرى التي بدأت تتأكد سنة بعد أخرى هي تركيز كل جهة على الاحتفال بشكل أساسي باليوم الذي سقط فيه شهداء تلك الجهة.. فقد أقامت محافظة القصرين (300 كلم جنوب غربي العاصمة) احتفالا خاصا يوم 8 يناير الماضي وهو اليوم الذي سقط فيه الكثير من أبناء المحافظة والمناطق التابعة لها مثل «تالة» و«فريانة»، وكذلك احتفلت مدينة «دوز» من محافظة قبلي أقصى الجنوب التونسي يوم 12 يناير وكذا مدينة «دقاش» من محافظة توزر جنوبي تونس. وقد أخذت بعض هذه الاحتفالات أبعادا احتجاجية بسبب «عدم تحقق التنمية وكذلك عدم الرضا على بطء محاكمة المتسببين في سقوط هؤلاء الشهداء» على حد قول أبناء تلك الجهات وخاصة عائلاتهم وكذلك الجرحى الذين لا يزال الكثير منهم يعانون من تبعات إصاباتهم الخطيرة ولم يتم علاجهم بشكل جيد. أما أهالي مدينة سيدي بوزيد فلا يزالون يصرون على أن التاريخ الطبيعي حسب رأيهم للاحتفال بالثورة التونسية هو يوم 17 ديسمبر (كانون الأول) وهو اليوم الذي قام فيه محمد البوعزيزي بإضرام النار في جسده سنة 2010. وقد أقامت المدينة احتفالا يوم 17 ديسمبر الماضي طغت عليه بدوره المطالبة بالتنمية وتوفير أسباب العيش الكريم ووجهت فيه انتقادات لاذعة للحكومات المتعاقبة.



ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
TT

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

في خطوة أثارت موجة واسعة من الرفض والاستياء، فرضت الجماعة الحوثية إجراءات جديدة على طلاب المدارس الحكومية في محافظتَيْ إب وذمار (جنوب صنعاء)، ربطت بموجبها تسليم نتائج الامتحانات واستكمال إجراءات التسجيل للعام الدراسي المقبل بالمشاركة في معسكراتها الصيفية، في مسار عدّه تربويون وأولياء أمور ضغطاً مباشراً على الأسر والطلاب.

ووفق مصادر تربوية متطابقة، فإن إدارات المدارس تلقت تعليمات واضحة تقضي بعدم تسليم نتائج نهاية العام الماضي أو قبول تسجيل الطلاب للعام الجديد، إلا بعد تقديم ما يثبت مشاركة الطالب في تلك المعسكرات. هذه الإجراءات وضعت آلاف الأسر أمام معادلة صعبة، بين الحفاظ على حق أبنائهم في التعليم، والرضوخ لشروط لا تتصل بالعملية التعليمية.

ويشير عاملون في القطاع التربوي إلى أن هذا التوجه جاء في ظل تراجع إقبال الأسر على تسجيل أبنائهم في الأنشطة الصيفية؛ مما دفع بالجهات القائمة عليها إلى البحث عن وسائل بديلة لفرض المشاركة. ويؤكد هؤلاء أن المدارس باتت في موقف حرج، بين تنفيذ التعليمات المفروضة عليها، ومسؤوليتها تجاه الطلاب ومستقبلهم الدراسي.

أحد أولياء الأمور في محافظة إب قال إن إدارة المدرسة رفضت تسليم نتيجة نجله، وأبلغته بشكل غير مباشر ضرورة الالتحاق بالمركز الصيفي أولاً. وأضاف أن هذا الشرط لا يمكن قبوله؛ «لأنه يحول التعليم إلى أداة ضغط، بدلاً من أن يكون حقاً مكفولاً للجميع».

فتيات في صنعاء يجري تلقينهن أفكار الجماعة الحوثية (إعلام حوثي)

من جانبه، عبّر طالب في المرحلة الأساسية من محافظة ذمار عن قلقه من هذه الإجراءات، موضحاً أن اشتراط الحصول على شهادة مشاركة في المعسكرات الصيفية للتسجيل في العام المقبل يضعه أمام خيارين... «كلاهما صعب». وأكد أنه يخشى فقدان مستقبله الدراسي إذا لم يلتزم، رغم عدم رغبته في الانخراط بتلك الأنشطة.

ويكشف تربويون عن أن «بعض الطلاب تعرضوا لتهديدات غير مباشرة بالرسوب أو إسقاط أسمائهم من قوائم الناجحين، في مقابل تقديم وعود لآخرين متعثرين بالنجاح في حال مشاركتهم». ويرون أن «هذه الممارسات تضعف الثقة بالعملية التعليمية، وتحوّلها وسيلةً لتحقيق أهداف غير تربوية».

في المقابل، عبّر أولياء أمور عن رفضهم هذه السياسات، عادين أنها «تمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الأطفال، وتدفع بهم إلى مسارات لا تخدم تعليمهم أو نموهم الطبيعي». وطالبوا بضرورة «تدخل الجهات المعنية والمنظمات الدولية لحماية حق الطلاب في التعليم بعيداً عن أي ضغوط أو اشتراطات».

آثار عميقة

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات الحوثية تحمل آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال؛ «إذ تضعهم تحت ضغط مستمر، وتزرع لديهم الخوف من فقدان مستقبلهم الدراسي. كما أنها تعكس توجهاً أوسع لاستغلال هشاشة قطاع التعليم في ظل الأوضاع الراهنة، واستقطاب النشء ضمن برامج ذات طابع تعبوي».

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد حملات استهداف طالت تربويين وأولياء أمور في عدد من المناطق، على خلفية رفضهم الانخراط في تلك الأنشطة. وشملت هذه الحملات حالات اعتقال واختطاف، من بينها توقيف مدير مدرسة في ذمار، إضافة إلى احتجاز معلمين وأولياء أمور في مناطق متفرقة من إب.

عامل يجهز مناهج حوثية تمهيداً لتوزيعها (إكس)

يأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع التعليم باليمن تحديات متراكمة، تشمل تدهور البنية التحتية للمدارس، وانقطاع رواتب المعلمين، وارتفاع معدلات التسرب من التعليم. وتشير تقديرات أممية إلى أن ملايين الأطفال لا يزالون خارج المدارس؛ مما يزيد من تعقيد المشهد التربوي ويهدد مستقبل جيل كامل.

ورغم هذه الظروف، فإن المنظمات الدولية تواصل تنفيذ برامج لدعم التعليم، من خلال إعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير مستلزمات دراسية، وتأهيل المعلمين. غير أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة على الأرض، في ظل استمرار الممارسات التي تقوض استقرار العملية التعليمية.


تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
TT

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

في ظل استمرار الصراع الذي فجَّره الحوثيون في اليمن، اتهمت تقارير حديثة الجماعة المدعومة من إيران بالتورُّط في أنشطة مرتبطة بالمخدرات، سواء عبر التهريب أو الترويج أو استخدام هذه المواد داخل صفوف مقاتليها، وذلك في سياق ما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»، حيث يلجأ الحوثيون إلى مصادر تمويل غير تقليدية لتعزيز نفوذهم واستمرار عملياتهم العسكرية.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة صادرة عن «مركز المخا للدراسات الاستراتيجية» عن تصاعد ملحوظ في نشاط تجارة المخدرات داخل مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، في تطوّر وصفته الدراسة بـ«التحول النوعي» الذي يعكس انتقال هذه التجارة من أنشطة تهريب محدودة إلى منظومة متكاملة ذات أبعاد اقتصادية وأمنية واجتماعية معقدة.

وبحسب الدراسة، لم تعد تجارة المخدرات مجرد مصدر تمويل ثانوي، بل تحولت إلى رافد رئيس، ضمن ما يُعرف بـ«الاقتصاد الأسود»، الذي تعتمد عليه الجماعة لتعزيز مواردها المالية خارج الأطر الرسمية، في ظل تراجع الإيرادات التقليدية وتصاعد الضغوط الاقتصادية.

مخدرات ضُبطت خلال تهريبها عبر البحر الأحمر إلى الحوثيين (المقاومة الوطنية)

وشهدت مناطق سيطرة الحوثيين خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، حيث انتقلت من كونها ممرات عبور لشحنات المخدرات إلى مراكز نشطة لإعادة التصنيع والخلط والتغليف، تمهيداً لإعادة التوزيع محليّاً وإقليمياً. ويُعزى هذا التحول إلى حالة الانفلات الأمني وضعف الرقابة، إضافة إلى استغلال البنية الجغرافية الوعرة التي تسهّل عمليات التهريب.

وكشفت الدراسة عن وجود شبكات منظمة تعمل بتنسيق عالٍ، مستفيدة من تداخل المصالح بين أطراف محلية وإقليمية؛ ما أسهم في توسيع نطاق هذه التجارة وتعقيد مسارات مكافحتها، مؤكدة أن حالة الانفلات الأمني وتراجع مؤسسات الدولة أسهما في خلق بيئة ملائمة لنمو هذا النشاط، خصوصاً في ظل سيطرة الجماعة على عدد من المنافذ الحيوية؛ ما أتاح توسيع نطاق العمليات المرتبطة بالاتجار غير المشروع.

نشاط ممنهج

وأوضحت الدراسة أن إدارة تجارة وتهريب المخدرات في مناطق السيطرة الحوثية تتم بسرية عالية، وتحت إشراف مباشر من قيادات الصف الأول؛ ما يعكس تحولها إلى نشاط منظّم ومركزي مرتبط ببنية القيادة العليا للجماعة ومصالحها الاستراتيجية، مشيرة إلى أن العائدات الناتجة عن تجارة المخدرات تُستخدم في دعم الأنشطة العسكرية، بما في ذلك تمويل العمليات وشراء الأسلحة، في إطار ما وصفه بـ«الاقتصاد الموازي» الذي تعمل من خلاله الجماعة خارج أي رقابة رسمية. ​

عناصر حوثيون في أحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

وترى الدراسة أن هذا النمط من التمويل يساهم في إطالة أمد الصراع، ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سياسية، نظراً لاعتماد بعض الأطراف على مصادر دخل غير مشروعة يصعب تفكيكها.

وفي جانب آخر، لفتت الدراسة إلى استخدام المخدرات وسيلة للتأثير على المقاتلين في صفوف الحوثيين، خصوصاً من فئة الشباب، من خلال تقليل مستوى الوعي وتعزيز قابلية الانقياد؛ ما يسهم في إحكام السيطرة داخل صفوف الجماعة.

تفكيك المجتمع

وحذرت الدراسة على الصعيد الاجتماعي، من تنامي معدلات تعاطي المخدرات، خصوصاً بين فئة الشباب بمناطق سيطرة الحوثيين، معتبرة أن انتشار هذه الظاهرة يشكل تهديداً مباشراً للنسيج المجتمعي. كما أشارت إلى استخدام المخدرات وسيلةً لتسهيل عمليات التجنيد، بما في ذلك استهداف القُصّر، من خلال تقليل الوعي وزيادة القابلية للانخراط في الأنشطة التعبوية والقتالية.

وأضافت أن هذا التوجه يمثل ما وصفته بـ«التفكيك الناعم» للمجتمع، حيث يتم إضعاف البنية الاجتماعية من الداخل، عبر نشر الإدمان وتآكل القيم؛ ما يفاقم من التحديات التي يواجهها اليمن على المدى الطويل.

وأكدت الدراسة أن نشاط تجارة المخدرات المرتبط بالحوثيين لا يقتصر على الداخل اليمني، بل يرتبط بشبكات تهريب عابرة للحدود؛ ما يضاعف من خطورته، ويجعله تهديداً للأمن الإقليمي.

جانب من عملية إتلاف مواد مخدرة ضُبطت سابقاً على الحدود اليمنية - السعودية (سبأ)

ودعت إلى ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها ملفاً استراتيجياً يتطلب تعزيز الجهود الأمنية والتعاون الإقليمي، إلى جانب إطلاق برامج توعية للحد من انتشار المخدرات وآثارها على المجتمع.

ويرى مراقبون أن استمرار تنامي تجارة المخدرات في مناطق سيطرة الحوثيين لا يهدد اليمن فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الأمن الإقليمي؛ ما يستدعي تحركاً عاجلاً ومنسقاً للحد من هذه الظاهرة التي باتت تمثل أحد أخطر تداعيات الحرب المستمرة في البلاد.

ويشير هؤلاء إلى أن تحول المخدرات إلى أداة تمويل رئيسة يعكس نمطاً متكرراً في مناطق النزاعات، حيث تلجأ الجماعات المسلحة كالحوثيين إلى أنشطة غير مشروعة لتعويض نقص الموارد؛ ما يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد الحرب وإطالة أمده.

كما يحذر المراقبون من أن تداعيات هذه الظاهرة لن تظل محصورة داخل اليمن، بل قد تمتد إلى دول الجوار، في ظل وجود شبكات تهريب عابرة للحدود؛ الأمر الذي يشكل تهديداً متزايداً للأمن الإقليمي، خصوصاً مع تزايد كميات المواد المخدرة المتداولة وتطور أساليب نقلها.


بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.