الفارابي والتنوير العربي

معرفته كانت موسوعية شملت كل العلوم المتوافرة في عصره

نصب الفارابي في بغداد
نصب الفارابي في بغداد
TT

الفارابي والتنوير العربي

نصب الفارابي في بغداد
نصب الفارابي في بغداد

يعد الفارابي الفيلسوف الكبير الثاني في اللغة العربية بعد الكندي، وقبل ابن سينا الذي يجيء في المرتبة الثالثة من حيث التسلسل الزمني. وبعد أن درس في فاراب وبخارى، انتقل إلى بغداد لإكمال تعليمه. وبغداد آنذاك كانت عاصمة الدنيا، وبالتالي فكل النوابغ -أو من يريدون أن يصبحوا نوابغ- ينبغي أن يحجوا إليها، تماماً كباريس أو لندن أو نيويورك حالياً. وهناك، درس واشتغل لفترة طويلة إلى حد أنه أصبح عراقياً تقريباً. وربما لهذا السبب توجد حالياً جامعة أهلية في بغداد باسم: كلية الفارابي الجامعية. وفي أثناء هذه الفترة المديدة، اكتسب الفارابي معرفة عدة لغات، وتعمق في شتى فروع المعرفة، من علمية أو فلسفية. وقد شهد تعاقب ستة خلفاء عباسيين على الحكم. ثم استقر لاحقاً في حلب، حيث أصبح مقرباً من أميرها الشهير سيف الدولة الحمداني. وحتماً تعرف على المتنبي هناك، فبلاط سيف الدولة كان مليئاً بالعباقرة. ثم عاد إلى دمشق في أواخر عمره، وفيها مات عام 950، عن ثمانين عاماً تقريباً. وهو عمر طويل جداً بالنسبة لذلك الزمان، ويعادل المائة سنة حالياً. وفي أثناء حياته الطويلة هذه، عاش الفارابي حياة التقشف والزهد في الحياة الدنيا، فلم يتزوج، ولم يركض وراء المال والوجاهات، كما يفعل كثير من المثقفين العرب وغير العرب. ويقال إنه ما كان يطلب من سيف الدولة إلا أربعة دراهم يومية كافية لسد الرمق فقط، ويرفض كل ما عدا ذلك. ولو شاء لاكتنز الذهب والفضة، واقتنى الضياع والإقطاع. ومن صفاته الجميلة أنه كان يقضي معظم أوقاته في البساتين وعلى شواطئ الأنهار. وهل هناك حياة أجمل من هذه؟ كان يؤثر العزلة والوحدة لكي يخلو كلياً للتأمل والتفكير، وتدبيج المؤلفات التي أنارت العالم العربي والإسلامي كله.

الجمع بين العلم والإيمان
كانت معرفة الفارابي موسوعية، تشمل كل العلوم المتوافرة في عصره؛ انظر كتابه «إحصاء العلوم». ولذلك لقبوه بالمعلم الثاني، بعد أرسطو. وما كان أحد يضاهيه في هذا المجال، ربما ما عدا ابن سينا الذي جاء بعده بقرن أو يزيد. ولكن ابن سينا لم يعش أكثر من 57 سنة. ومع ذلك، فقد أضاء الكون بوجوده وعبقريته المشتعلة. أما الفارابي، فقد عاش عمراً مديداً أتاح له أن يطلع على معارف ومصنفات كثيرة جداً. وبالمختصر المفيد، يمكن القول إن الفارابي كان فيلسوفاً متأثراً بالفكر الإغريقي قبل كل شيء؛ أي فكر أفلاطون وأرسطو. وكان يعد أنهما كشفا الحقيقة المطلقة مرة واحدة، وإلى الأبد. وبالتالي فكل من جاء بعدهما ينبغي أن يحذو حذوهما. وكان يجمع بين الدين الإسلامي والعقلانية الإغريقية؛ أي بين العلم والإيمان، كما نقول نحن حالياً. وهنا تكمن عظمته. بل وصل الأمر به إلى حد تقديم الحقيقة الفلسفية على الحقيقة المذهبية أو العقائدية؛ وهذا شيء مدهش جداً بالنسبة لذلك الزمان. هذا يعني أنه سبق فولتير وكانط إلى التنوير. ونحن نعتقد عموماً أن ابن رشد هو أكبر فيلسوف عقلاني في تاريخ الإسلام، ولكن هذا غير صحيح على الإطلاق، فالفارابي هو الفيلسوف العقلاني الأول والأكبر في تاريخنا. يضاف إلى ذلك أنه كان منفتحاً على العقائد والأديان كافة، بالإضافة إلى الإسلام. وهنا يكمن اختلافه عن الفقهاء المنغلقين داخل مذاهبهم وطوائفهم. والواقع أن ميزته الأساسية تكمن هنا، وهي التي تميزه عن ابن رشد الذي ظل فقيهاً متشدداً في أعماقه، رغم ألمعيته وانفتاحه على الفلسفة اليونانية. فالفارابي -المسلم- كان منفتحاً على الأديان الأخرى، ولم يكن يكفر أتباعها، على عكس ابن رشد. وكان يعتقد بإمكانية وجود عدة أديان صحيحة فاضلة في العالم، لا ديناً واحداً. فالناس الطيبون المستقيمون أخلاقياً موجودون في كل الأديان والمجتمعات، وكذلك الناس السيئون المنحرفون. وقد يكون بعض أبناء ديننا أو جماعتنا من أحقر الناس. وبالتالي، فقد أعطانا الفارابي درساً في التسامح الديني والانفتاح الفكري قلّ نظيره. وليتنا نهتم بهذا الدرس الآن ونستعيده لكي نواجه به حركات التعصب والانغلاق. لقد أثبت الفارابي إمكانية المصالحة بين العقل والنقل، أو بين الفلسفة والدين. وقال لنا إننا إذا ما فهمنا الدين جيداً -أي بشكل عقلاني- فإن التعصب سوف ينتهي من المجتمع، ولن تعود هناك مشكلات بين الأديان والطوائف؛ هذا هو الدرس الأساسي الذي خلفه لنا الفارابي من خلال أعماله ومؤلفاته الفلسفية والسياسية الكثيرة. لقد قدم تفسيراً عقلانياً مستنيراً للدين الإسلامي. ومشى بذلك على خطى سلفه الكبير الكندي الذي كان فيلسوف العرب الأول الذي طالما هاجم المتاجرين بالدين.

مدينة الفارابي الفاضلة
كان الفارابي يعتقد أن الحقائق الفلسفية كونية؛ أي تنطبق على جميع البشر أياً تكن أديانهم ومذاهبهم، وذلك بخلاف الأديان التي لا تنطبق حقائقها إلا على أتباعها فقط. وهنا يكمن الفرق الأساسي بين الحقيقة الفلسفية والحقيقة الدينية. فتعاليم الفلسفة العقلانية والمنطقية تنطبق على المسلم والمسيحي واليهودي دون أي تمييز لأن آلتها العقل، والعقل مشترك بين الناس، وليس محصوراً بأبناء طائفة واحدة أو دين واحد. وهذا الكلام يذكرنا بعبارة ديكارت الشهيرة: إن العقل هو أعدل الأشياء قسمة بين البشر. وبالتالي، فقد سبق الفارابي ديكارت إلى هذه الفكرة الأساسية. ولذلك نقول إن التنوير العربي سبق التنوير الأوروبي بعدة قرون، بل ومهد له الطريق. ولكن هناك فرق بين من يشغل عقله ويطور العلوم والاكتشافات كافة، وآخر يلغي عقله ويستسلم للشعوذات والخرافات، كما حصل لنا في عصر الانحطاط، حيث انطفأت أنوار العالم الإسلامي كلياً. وعندئذ، ساد الشعار الشهير: من تمنطق فقد تزندق، أو كان يتفلسف لعنه الله... إلخ، بل لا يزال هذا الانحطاط سائداً حتى الآن في عصر الإخوان الدواعش وبقية الظلاميين. ولكن لحسن الحظ فهناك بقع ضوء كثيرة في أقطار هذه الأمة، والمصابيح ابتدأت تشتعل من جديد هنا أو هناك. والنهضة العربية آتية لا ريب فيها. أتوقف هنا لحظة لكي أشيد بالقرارات الأخيرة المتخذة في المملكة العربية السعودية لصالح تعليم الفلسفة والفكر النقدي، وكذلك ترسيخ قيم التسامح والتفاهم في الأوساط الطلابية والجامعية. ولهذا السبب سحبت وزارة التعليم من التداول كتب التطرف والتعصب لحسن البنا وسيد قطب والمودودي وبقية أقطاب الإخوان. من هنا نبدأ: أما إسلام الأنوار وإما إسلام الظلمات. قلناها ألف مرة!
وأما فيما يخص الفكر السياسي، فيمكن أن نقول ما يلي: عندما نقرأ الأفكار والآراء الواردة في كتاب أفلاطون المعروف باسم الجمهورية، فإننا ندرك مدى تأثر الفارابي بها من خلال كتابه المشهور أيضاً: أراء أهل المدينة الفاضلة. والمدينة الفاضلة هي تلك التي يحكمها الفيلسوف العاقل تماماً، كما هو الحال في جمهورية أفلاطون. الفرق الوحيد بينهما هو أن الأولى مؤمنة، تجمع بين النبوة والوحي من جهة، وبين العقل والحكمة الفلسفية من جهة أخرى. أما الثانية فهي وثنية، وبالتالي ينقصها الإيمان بالله والتعالي الرباني. ولكن قوانين جمهورية أفلاطون يمكن أن تنطبق مع بعض التعديل على الجمهورية الإسلامية الفاضلة للفارابي.
هذا وقد تحدث الفارابي عن الدين الكوني بصفته مثلاً أعلى. وهو دين يتجاوز كل الأديان الخصوصية فيما يحتضنها ويستوعبها؛ إنه دين ينطبق على البشرية جمعاء كما ذكرنا سابقاً. وذلك لأنه يجمع بين النبوة والمنطق والحكمة الفلسفية في آن معاً. وبالتالي، فهو يشمل الإسلام والمسيحية واليهودية وبقية الأديان الأخرى. هكذا، نلاحظ أن فكر الفارابي يساعدنا على تجاوز حروب الأديان والمذاهب التي تهدد عالم اليوم. لقد سبق المفكر السويسري المعاصر هانز كونغ إلى الشعار الشهير: لا سلام في العالم من دون سلام بين الأديان. واسمحوا لي أن أشيد هنا أيضاً بـ«بيت العائلة الإبراهيمية» المقام في أبوظبي، عاصمة الإمارات العربية المتحدة. وهو مشروع إيماني تنويري ضخم سوف يساهم في نشر فكرة التسامح وترسيخها في العالم العربي لأول مرة بهذا الشكل. وسوف يغير الصورة الداعشية السوداء التي شكلها العالم عنا مؤخراً، وشوهت وجهنا الأخلاقي والإنساني العريق: «كنتم خير أمة أخرجت للناس» أو «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». أين راح كل ذلك؟ هل ذهب أدراج الرياح؟ مستحيل. ينبغي أن يعود. والسياسة التنويرية المتبعة حالياً في السعودية والإمارات والبحرين سوف تساهم في هذه العودة إلى جادة الصواب حتماً.
وأخيراً، يمكن القول إن كتاب «آراء أهل المدينة الفاضلة» هو عبارة عن مساهمة كبرى في بلورة العلوم السياسية، بالإضافة إلى علم الاجتماع. وذلك قبل أن يظهر ابن خلدون بزمن طويل، هذا ناهيك من دوركهايم وماكس فيبر. ويمكن القول أيضاً إن الفارابي هو أول فيلسوف مسلم يولي للشؤون السياسية كل هذه الأهمية، ويدعو إلى تشكيل الحكومة المدنية الفاضلة، وعلى رأسها الحكيم الفيلسوف، وليس الولي الفقيه أو رجال الدين كما يزعمون. فللدين مجاله وللسياسة مجالها، ولا ينبغي الخلط بينهما في كل شاردة وواردة، كما تفعل حركات الإسلام السياسي أو المسيس حالياً. وهنا، نلاحظ مدى تأثره الواضح بأفلاطون كما ذكرنا. والمقصود بالحكومة الفاضلة هنا الحكم الرشيد في لغتنا الحالية.



«ملتقى نالا للسرد» يحتفي برائد القصة السعودية محمد علي علوان

الأديب الراحل محمد علوان
الأديب الراحل محمد علوان
TT

«ملتقى نالا للسرد» يحتفي برائد القصة السعودية محمد علي علوان

الأديب الراحل محمد علوان
الأديب الراحل محمد علوان

تنطلق اليوم (الأربعاء) في الرياض الدورة الأولى من «ملتقى نالا للسرد»، بمشاركة عدد من الأدباء والنقاد والباحثين والمبدعين. وتنظّم جمعية آداب وفنون السرد «نالا» الملتقى على مدى يومين.

وتُخصَّص باكورة دورات الملتقى للقصة القصيرة، التي تحمل اسم «دورة القاص محمد علي علوان»، للاحتفاء بتجربة أحد رواد القصة السعودية، وما قدَّمه من منجز أدبي أسهم في إثراء المشهد السردي المحلي.

وقال يوسف المحيميد، رئيس مجلس إدارة الجمعية والمشرف العام على الملتقى، إن الدورة الأولى تجمع عدداً من الأدباء والأكاديميين والكتّاب والمهتمين بالسرد، مشيراً إلى أن اختيار تجربة القاص علوان يأتي وفاءً لمنجزه الإبداعي وإسهاماته في تطور القصة السعودية. وأكد أن الملتقى يسعى إلى فتح مساحات للحوار والنقد في التحولات التي يشهدها هذا الفن الأدبي، وقضاياه الفنية والجمالية.

ويحتفي الملتقى في برنامجه بالأديب السعودي محمد علي علوان، أحد أبرز كتّاب القصة القصيرة في السعودية، الذي توفي في أغسطس (آب) 2024 عن عمر ناهز 73 عاماً.

وُلد محمد علوان في أبها عام 1950، وحصل على درجة البكالوريوس في الأدب العربي من كلية الآداب بجامعة الملك سعود عام 1974. وعمل في وزارة الإعلام منذ تخرجه، وتولى الإشراف الثقافي في عدد من الصحف والمجلات، كما شغل منصب وكيل الوزارة لشؤون الإعلام الداخلي.

نشر الراحل 6 مجموعات قصصية، وأشرف على الصفحات الثقافية في كل من مجلة «اليمامة» وصحيفة «الرياض» لسنوات عدّة. كما شارك في أمسيات قصصية نظَّمتها الأندية الأدبية وجمعية الثقافة والفنون، وكان عضواً مؤسساً في «مؤسسة عسير للصحافة والنشر».

ويتضمن الملتقى عرضاً مرئياً يتناول جوانب من سيرة القاص الأدبية، إلى جانب تكريمه وتدشين أعماله الكاملة، بما يسهم في توثيق تجربته وإبراز أثرها في مسيرة القصة السعودية.

وإلى جانب الاحتفاء بمسيرة الأديب السعودي علوان، يشتمل البرنامج العلمي في يومه الأول على قراءات نقدية تتناول تجربته، وجلسات تبحث الخصائص الفنية للقصة المعاصرة والثيمات البارزة في القصة القصيرة، إضافة إلى تقديم عدد من الشهادات والتجارب الإبداعية في مجال الكتابة القصصية.

ويبحث المشاركون في اليوم الثاني أثر التحولات المجتمعية والثقافية في القصة القصيرة، وحضور المدينة في السرد القصصي السعودي المعاصر، من خلال أوراق ومداخلات يقدّمها عدد من النقاد والباحثين والمبدعين، بينما تُختتم أعمال الدورة بإعلان التوصيات.

وأنهت اللجان التنظيمية والفنية والإعلامية استعداداتها لانطلاق الملتقى واستقبال المشاركين والضيوف، في خطوة تسعى الجمعية من خلالها إلى ترسيخه منصةً للحوار في فنون السرد، ودعم حضور القصة السعودية ومبدعيها في المشهد الثقافي.


من يتذكر كلية التربية اللبنانية؟

إلياس خوري
إلياس خوري
TT

من يتذكر كلية التربية اللبنانية؟

إلياس خوري
إلياس خوري

إذا كان مقدّراً لكل جيل من الأجيال أن يواجه نصيبه من التحديات، وأن يحمل من السمات الثقافية والفكرية والاجتماعية، ما يمكن أن يصبح إنجازه الخاص وعلامته الفارقة، فإن الجيل الذي سمّي بجيل السبعينات في لبنان هو أحد أكثر الأجيال تميزاً في الدور، وثراءً في التجربة، وتمزقاً بين الخيارات.

على أن الطالع الدراماتيكي لأبناء ذلك الجيل، قد شاء لهم وهم في أوج التفتح أن يشهدوا بأمّ أعينهم هزيمة يونيو (حزيران) عام 1967، وقصف مطار بيروت بعدها بعام واحد، ومظاهرات أبريل (نيسان) الصاخبة بعدها بعامين، وأن يواكبوا في الآن ذاته صعود المقاومة الفلسطينية وحركة اليسار الجديد، بما جعلهم يقفون على التخوم الفاصلة بين لبنانين متبايني الهوية والدور، قبل أن يقضي الاثنان معاً على مذبح التناحر الأهلي.

عقل العويط

وحيث كان من الطبيعي أن تحتضن الجامعة اللبنانية في تلك الفترة الكثرة الكاثرة من أبناء الفقراء والبورجوازية الصغيرة، وفق التصنيف الماركسي التقليدي، وأن تتحول بالتالي إلى بؤرة للتغيير وحركات الاحتجاج على ما اعتُبر آنذاك فساد السلطة وخنوعها ومواقفها السياسية المتخاذلة، فإن كلية التربية بالذات كانت «درة» التاج الجامعي، وواسطة عقده الأثمن.

ولا يعني ذلك أن كل المنتسبين إلى الكلية، كانت لديهم الأهداف ذاتها والطموح إياه، حيث إن بعض الملتحقين بها لم يروا فيها سوى المحطة التي لا بد من اجتيازها، للالتحاق بسلك التعليم الثانوي، الذي يوفر لهم الحد المقبول من الاستقرار والأمن المعيشي. إلا أن البعض الآخر راهنوا من خلالها على ما يتعدى الجانب الدراسي التقليدي، مؤثرين تحويلها إلى واحة متنوعة للتحصيل المعرفي، وإلى مساحة لتلاقح الأفكار، وإلى حاضنة مثلى لمغامرة التجديد وتيارات الحداثة الوافدة.

علوية صبح

على أن الدور الذي أنيط بالكلية، لم يأت من الفراغ المحض ولم يكن وليد الصدفة المجردة، بل تضافرت على تحقيقه عوامل عدة، بينها الامتحانات الجدية والنزيهة، التي كان على الطلاب المتبارين خوضها، لكي يحظوا بفرصة الالتحاق بالكلية. وبينها أن المقبولين من الطلاب كانوا قادمين من كافة مدن البلاد وقراها، ومن مناطقها الزراعية وأطرافها النائية، بما حوّل الكلية إلى وطن مصغر، تتفاعل بين ظهرانيه صفوة منتقاة من الطلبة المتفوقين، وأصحاب المواهب الفتية، والمخيلات الباحثة عن التفتح.

كما أن المنحة المالية التي كان يتقاضاها الطلبة المنتسبون للكلية، قد لعبت دوراً غير قليل في جعلها تتبوأ دورها الريادي بين كليات الجامعة الأخرى. ليس فقط لأنها تمنح هؤلاء مكافأة مادية لا توفرها أي مؤسسة أكاديمية مماثلة، بل لأن إعفاء الطلاب من مشقة البحث عن وظيفة أو مهنة توفر لهم سبل العيش، هو ما أتاح لهم التفرغ الكلي للدراسة، بقدر ما أتاح للكلية أن تتحول إلى ورشة دائمة للتفاعل الثقافي والفكري بين مكوناتها المختلفة.

حسن داود

لم تعد الكلية بهذا المعنى مجرد مؤسسة رسمية لتدريب الطلاب وتهيئتهم لمهنة التعليم، وهي التي حملت عند تأسيسها عام 1951 اسم «دار المعلمين العليا»، بل تمكنت بعد ذلك بسنوات من أن تتجاوز دورها الأساسي، لتتحول إلى منارة ثقافية حقيقية، وإلى مشروع فريد للتغيير وصناعة المستقبل. اللافت بهذا الخصوص أن ما حدث في بيروت الستينات والسبعينات، قد حدث ما يشبهه تماماً في بغداد الأربعينات، إذ كانت دار مماثلة لإعداد المعلمين، تضم بين جنباتها كلاً من بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي ولميعة عباس عمارة، وتهيئ لهم الفرصة النموذجية والنادرة لإطلاق مشروع الحداثة الرائد، الذي لم يشهد الشعر العربي مثيلاً له عبر تاريخه.

ومع أن الفضل في ما أصبحت عليه الكلية، بنسختها اللبنانية، كان عائداً من بعض وجوهه إلى النخبة المنتقاة من أساتذتها، بينهم أدونيس وخليل حاوي وخالدة سعيد وأنطون غطاس كرم وأنيس فريحة والمطران جورج خضر ويمنى العيد وعلي شلق وريمون جبارة وميشال عاصي وغيرهم، فإنه كان عائداً من وجوه أخرى لنضالات الحركة الطلابية اللبنانية، كما للصفوة المختارة من الطلاب، الذين كان كلٌّ منهم يرسم للكلية دوراً يتجاوز دورها الأكاديمي، ويجعل منها صورة مصغرة عن الوطن الآخر، الذي كان يطمح لبنائه على مقاس أحلامه. ولن يعود من المستغرب تبعاً لذلك، أن يعمد العديد من الطلاب الناشطين والقياديين إلى الامتناع عن المشاركة في امتحانات نهاية العام، بهدف تمديد سنوات الدراسة لأقصى مدة ممكنة.

بول شاؤول

على أن سحر كلية التربية الفريد لم يكن متأتياً من قاعاتها الدراسية فحسب، بل كان منبثقاً بشكل خاص من ردهة الكافتيريا الواسعة، والواقعة أسفل المبنى الغربي، التي شهدت طاولاتها ومقاعدها أعمق النقاشات الفكرية والسياسية، وشهدت زواياها النائية ولادة الكثير من القصائد والنصوص النثرية، فيما شكلت من ناحية أخرى مسرحاً مناسباً لنشوء الصداقات وقصص الحب. اللافت في تلك الحقبة أن النجاح أو الفشل في نسج العلاقات العاطفية بين الطلاب والطالبات لم تكن معاييره متصلة بمنسوب الوسامة أو الثروة أو توفر السيارة والشقة السكنية، بل كان الطالب الأكثر صلة بالقراءة، والأكثراكتنازاً بالمعرفة، هو الأقدر من سواه على الفوز بقلوب الفتيات.

أما المهرجان الشعري السنوي الذي كان ينظمه ويشرف عليه بول شاوول، وآثر إعطاءه شكل المباراة بين الشعراء الشبان، فقد تحول من خلال مستوى المشاركين فيه، ولجنته التحكيمية المؤلفة من كبار الشعراء والنقاد اللبنانيين، إلى مناسبة دورية استثنائية، ينتظر انعقادها الكثيرون، ويقطع الفائز بجائزتها الخطوة الأولى على طريق الكتابة الشائك.

كلية التربية التي أُفرغت من الجدوى وتحولت إلى أطلال ما كانته قبل 50 عاماً لم تكن سوى صورة مصغرة عن الحلم الذي أضعناه

وإلى الشعراء والروائيين والمسرحيين والرسامين، كان ثمة نخبة واعدة موازية من القادة الطلابيين والمفكرين السياسيين والمناضلين من أجل التغيير. وإذا لم يكن بالمستطاع تسمية كل أولئك الذين تضافرت جهودهم لتضييق المسافة بين واقع وطنهم المتردي، وصورته المقابلة في نصوصهم ومخيلاتهم، والذين ما زال بعضهم يتصدر المشهدين الثقافي والسياسي في لبنان حتى يومنا هذا، يمكنني أن أسمي من بينهم، على سبيل المثال لا الحصر، عصام خليفة وأنور الفطايري وأنطوان سيف وبول شاوول ونصير الأسعد وإلياس عطالله وغسان شربل وجورج سمعان وإلياس خوري ورشيد الضعيف ومحمد العبدالله وعقل العويط وهاشم الأيوبي وحمزة عبود وعلوية صبح وهدى بركات وجودت فخر الدين وحسن داود وشربل داغر.

ولن تفوتني الإشارة في هذا الصدد إلى أن دور الكلية الثقافي لم يقتصر على الأنشطة الخاصة بأساتذتها وطلابها وحدهم، بل هي تعدت ذلك الدور لتجعل من قاعاتها المختلفة مساحة للثقافة والتنوير، يقف على منصاتها عشرات المبدعين اللبنانيين والعرب. وإذا كان البعض قد رأوا في وقفتهم تلك جواز مرورهم باتجاه التكريس، كما اعترف شاعر المحكية أسعد جوان، فقد استضافت الكلية سعيد عقل ومحمد الفيتوري وموريس عواد، إضافة إلى محمود درويش، الذي لم يتوان عن القول في الأمسية التي دعي لإقامتها، بأنه يشعر بالرهبة والخوف، لأنه يقف على المنبر الأكثر اتصالاً بمغامرة التجديد، معتبراً أن الأمسية تلك هي الامتحان الشعري الأصعب الذي يخوضه في حياته.

على أن ذلك الحلم الوردي لم يدم طويلاً، ليس فقط لأن الحرب الأهلية وما تلاها من كوارث قد أطاحت بجزء كبير منه، بل لأن السلطات المتعاقبة لم تستطع ابتلاع تلك الجرعة الفائضة من الحرية، وذلك المناخ غير المسبوق من الاندماج الوطني، فعملت على إجهاض التجربة من أساسها، لتقتصر مهمتها على تهيئة القادمين من الكليات الأخرى، للانخراط في مهنة التعليم، ولسنة واحدة لا أكثر، وليتوزع ما تبقى من المبنيين اللذين تشغلهما الكلية على مؤسسات جامعية أخرى. ومع ذلك فقد يبدو الأمر من بعض وجوهه، كما لو أن كلية التربية، التي أُفرغت من الجدوى، وتحولت إلى أطلال ما كانته قبل خمسين عاماً، لم تكن سوى صورة مصغرة عن الحلم الذي أضعناه، وعن الكيان الواعد الذي تعامل معه القائمون على مقدراته كغنيمة حرب، ولم يترددوا بعد ذلك في تحويله إلى حطام.


3 قامات مدرّعة من «قصر هشام» في شمال أريحا

ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية، مصدرها موقع خربة المفجر في شمال أريحا
ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية، مصدرها موقع خربة المفجر في شمال أريحا
TT

3 قامات مدرّعة من «قصر هشام» في شمال أريحا

ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية، مصدرها موقع خربة المفجر في شمال أريحا
ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية، مصدرها موقع خربة المفجر في شمال أريحا

تبنّى الأمويون فن النحت، واعتمدوه بشكل خاص في ميدان العمارة المدنية، كما تشهد مجموعة من القطع الأثرية، أهمّها تلك التي خرجت من بين أطلال قصر يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، على الضفة الشمالية لوادي النعيمة. بدأ استكشاف هذا الموقع في نهاية القرن التاسع عشر، وجرت أعمال المسح فيه خلال ثلاثينات القرن الماضي، وتبيّن أنه بُني في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك. أسفرت أعمال التنقيب عن العثور على عدد كبير من التماثيل المتنوّعة، منها 3 قطع يمثل كلّ منها رجلاً مدرعاً. ويوحي هذا الزي المشترك بأن هذه الأنصاب تجسّد قامات متنوّعة من العسكر، أي من «مجتمع الجيش» كما جاء في تعريف «لسان العرب».

لم يصل أيٌّ من هذه التماثيل الثلاثة بشكل كامل للأسف، غير أن ما تبقّى منها يسمح بتحديد تكوينها الأول، واللافت أنها تمثّل اختلافاً كبيراً في بنيتها كما في أسلوبها الفني. تحضر إحدى هذه القطع على شكل قامة منتصبة فقدت رأسها. وتقابلها قامة أخرى فقدت كذلك رأسها، وبقيت منها كتلتان مهشّمتان. تمثّل القطعة الثالثة نموذجاً مغايراً، وهي على شكل تمثال نصفي يضمّ الرأس والصدر. تحاكي هذه المجسّمات من حيث الحجم المقياس الطبيعي للإنسان، ويتبنّى كلٌّ منها طرازاً فنياً خاصاً يتجلّى في الشكل الخارجي كما في الصياغة المتبعة في النقش والنحت. تتميّز القطعة الأولى بقامتها المنتصبة، وتتبنّى الطراز الكلاسيكي الروماني بشكل لا لبس فيه، ويتجلّى هذا الطراز في البنية التشريحية الخاصة بها، كما في زيّها التقليدي.

تمثّل هذه القامة رجلاً يقف بثبات، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، شاهراً بيده سيفاً سقط القسم الأعلى منه وضاع. تتدلّى الذراع اليسرى وتبدو ملتصقة بالصدر، وتمسك اليد بترس دائري زُيّن بشبكة من النقوش الزخرفية، تتكوّن من سلسلة دوائر ملتفة حول ذاتها، أكبرها شريط مزيّن بالزخارف اللولبية، يليه شريطان نحيلان مجرّدان. وتحضر في الوسط كتلة ناتئة على شكل قبّة، تعلوها سلسلة من الخطوط العمودية المرصوصة على شكل أسنان المشط. يرتدي هذا العسكري اللباس الروماني التقليدي، ومقوّماته سترة مدرّعة تنسدل وتحجب أعلى الساقين، مع حزام معقود حول الخصر. تزيّن هذه السترة 4 سلاسل من المساحات البيضاوية المرصوصة، تحاكي ما يُعرف بـ«لبوس الحديد» في «لسان العرب»، وتعلو هذه اللبوس منصات الكتف التقليدية المزيّنة بمساحات مماثلة، تنعقد على شكل سوارين عريضين حول أعلى الذراعين. يبدو هذا التمثال رومانياً من حيث الأسلوب، ويعكس نموذجاً شاع في تدمر كما في البتراء خلال القرون التي سبقت ظهور الإسلام.

اتخذ هذا النمط طابعاً محلياً نتيجة لهذا الانتشار، ويحفل الميراث الأدبي بالشواهد التي تؤكّد ذلك، منها قول أبو الأخزر الحماني: «مقلصاً بالدرع ذي التغضن/ يمشي العرضنى في الحديد المتقن». وقول عمرو بن معديكرب الزبيدي: «إن تلقَ عمراً فقد لاقيت مدرعاً/ وليس من همه إبل ولا شاء».

تأتي القطعة الثانية على شكل كتلتين منفصلتين لم يتمّ جمعهما كما يبدو. تمثّل إحدى هاتين الكتلتين الصدر، وتمثّل الأخرى الساقين، وفيهما يبدو اللباس على شكل عباءة تمتدّ حتى حدود الركبتين، كاشفة عن سروال فضفاض. يتبنّى هذا اللباس الطراز الساساني، ويعلوه شريط مضفور بسلسلة من الدوائر ينسدل حول العنق، وحزام مماثل ينعقد حول الخصر. تزين السروال شبكة متجانسة من المربّعات الملتوية تُعرف باسم «المُعين»، وتزيّن العباءة سلسلة تحاكي التعزيزات القشرية، ممّا يجعل منها قميصاً مدرّعاً، أي «قميص من حديد يلبس وقاية من السلاح»، كما يقول «لسان العرب».

نصل إلى المجسّم الثالث، وهو كما أشرنا على شكل تمثال نصفي، يجسّد كما يبدو جندياً مدرّعاً يعتمر خوذة عريضة تعلوها قبة مزيّنة بشبكة من الخطوط العمودية. فقد هذا الجندي ذراعه اليمنى، وبدت ذراعه اليسرى مرفوعة في اتجاه صدره، غير أن يده تساقطت وبات من الصعب تحديد حركتها الأصلية. الوجه دائري ومكتنز، مع شاربين مقوّسين ولحية قصيرة تلتف حول ذقنه. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان، والعينان شاخصتان، وهما لوزيتان، ويتوسّط كلاً منهما بؤبؤ دائري عريض، يعلوه ثقب دائري غائر. الأنف قصير وناتئ، والثغر صغير، مع شق أفقي بسيط يفصل بين شفتيه. يماثل هذا الوجه في تكوينه الوجوه العديدة التي خرجت من قصر هشام في خربة المفجر، ويعكس نسقاً محلياً طبع النتاج الفني الأموي الخاص بميدان النحت.

تؤلّف هذه القطع المنحوتة مجموعة صغيرة تعكس صورة مختزلة لـ«مجتمع الجيش» في العالم الأموي، وتقابلها صورتان تفصيليتان من جداريات قصير عمرة في الأردن، تظهر في كلّ منها صورة عسكري يعتمر كذلك خوذة عريضة مقبّبة. يتكرّر هذا النموذج في لوح مستطيل منجز بتقنية الجص الجيري المنحوت، مصدره موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية في البادية السورية. تعلو هذا اللوح صورة فارس يظهر معتمراً خوذة مشابهة، ملتحفاً لباساً مدرّعاً، تعلوه شبكة من التعزيزات القشرية.

من ناحية أخرى، تشكّل هذه المجموعة الصغيرة رافداً من مجموعة كبيرة من الصور المنحوتة خرجت من موقع خربة المفجر في البادية الفلسطينية، وتقابل هذه المجموعة أخرى مشابهة خرجت من قصر الحير الغربي في البادية السورية. تشكل هذه الصور المنحوتة دليلاً حياً على استمرارية هذا الفن في بلاد الشام في ظل الحكم الأموي، بعد تراجعه في العهد البيزنطي، كما تؤكّد تبنّي السلطة الحاكمة لهذا التقليد في ميدان العمارة المدنية تحديداً.