الفارابي والتنوير العربي

معرفته كانت موسوعية شملت كل العلوم المتوافرة في عصره

نصب الفارابي في بغداد
نصب الفارابي في بغداد
TT

الفارابي والتنوير العربي

نصب الفارابي في بغداد
نصب الفارابي في بغداد

يعد الفارابي الفيلسوف الكبير الثاني في اللغة العربية بعد الكندي، وقبل ابن سينا الذي يجيء في المرتبة الثالثة من حيث التسلسل الزمني. وبعد أن درس في فاراب وبخارى، انتقل إلى بغداد لإكمال تعليمه. وبغداد آنذاك كانت عاصمة الدنيا، وبالتالي فكل النوابغ -أو من يريدون أن يصبحوا نوابغ- ينبغي أن يحجوا إليها، تماماً كباريس أو لندن أو نيويورك حالياً. وهناك، درس واشتغل لفترة طويلة إلى حد أنه أصبح عراقياً تقريباً. وربما لهذا السبب توجد حالياً جامعة أهلية في بغداد باسم: كلية الفارابي الجامعية. وفي أثناء هذه الفترة المديدة، اكتسب الفارابي معرفة عدة لغات، وتعمق في شتى فروع المعرفة، من علمية أو فلسفية. وقد شهد تعاقب ستة خلفاء عباسيين على الحكم. ثم استقر لاحقاً في حلب، حيث أصبح مقرباً من أميرها الشهير سيف الدولة الحمداني. وحتماً تعرف على المتنبي هناك، فبلاط سيف الدولة كان مليئاً بالعباقرة. ثم عاد إلى دمشق في أواخر عمره، وفيها مات عام 950، عن ثمانين عاماً تقريباً. وهو عمر طويل جداً بالنسبة لذلك الزمان، ويعادل المائة سنة حالياً. وفي أثناء حياته الطويلة هذه، عاش الفارابي حياة التقشف والزهد في الحياة الدنيا، فلم يتزوج، ولم يركض وراء المال والوجاهات، كما يفعل كثير من المثقفين العرب وغير العرب. ويقال إنه ما كان يطلب من سيف الدولة إلا أربعة دراهم يومية كافية لسد الرمق فقط، ويرفض كل ما عدا ذلك. ولو شاء لاكتنز الذهب والفضة، واقتنى الضياع والإقطاع. ومن صفاته الجميلة أنه كان يقضي معظم أوقاته في البساتين وعلى شواطئ الأنهار. وهل هناك حياة أجمل من هذه؟ كان يؤثر العزلة والوحدة لكي يخلو كلياً للتأمل والتفكير، وتدبيج المؤلفات التي أنارت العالم العربي والإسلامي كله.

الجمع بين العلم والإيمان
كانت معرفة الفارابي موسوعية، تشمل كل العلوم المتوافرة في عصره؛ انظر كتابه «إحصاء العلوم». ولذلك لقبوه بالمعلم الثاني، بعد أرسطو. وما كان أحد يضاهيه في هذا المجال، ربما ما عدا ابن سينا الذي جاء بعده بقرن أو يزيد. ولكن ابن سينا لم يعش أكثر من 57 سنة. ومع ذلك، فقد أضاء الكون بوجوده وعبقريته المشتعلة. أما الفارابي، فقد عاش عمراً مديداً أتاح له أن يطلع على معارف ومصنفات كثيرة جداً. وبالمختصر المفيد، يمكن القول إن الفارابي كان فيلسوفاً متأثراً بالفكر الإغريقي قبل كل شيء؛ أي فكر أفلاطون وأرسطو. وكان يعد أنهما كشفا الحقيقة المطلقة مرة واحدة، وإلى الأبد. وبالتالي فكل من جاء بعدهما ينبغي أن يحذو حذوهما. وكان يجمع بين الدين الإسلامي والعقلانية الإغريقية؛ أي بين العلم والإيمان، كما نقول نحن حالياً. وهنا تكمن عظمته. بل وصل الأمر به إلى حد تقديم الحقيقة الفلسفية على الحقيقة المذهبية أو العقائدية؛ وهذا شيء مدهش جداً بالنسبة لذلك الزمان. هذا يعني أنه سبق فولتير وكانط إلى التنوير. ونحن نعتقد عموماً أن ابن رشد هو أكبر فيلسوف عقلاني في تاريخ الإسلام، ولكن هذا غير صحيح على الإطلاق، فالفارابي هو الفيلسوف العقلاني الأول والأكبر في تاريخنا. يضاف إلى ذلك أنه كان منفتحاً على العقائد والأديان كافة، بالإضافة إلى الإسلام. وهنا يكمن اختلافه عن الفقهاء المنغلقين داخل مذاهبهم وطوائفهم. والواقع أن ميزته الأساسية تكمن هنا، وهي التي تميزه عن ابن رشد الذي ظل فقيهاً متشدداً في أعماقه، رغم ألمعيته وانفتاحه على الفلسفة اليونانية. فالفارابي -المسلم- كان منفتحاً على الأديان الأخرى، ولم يكن يكفر أتباعها، على عكس ابن رشد. وكان يعتقد بإمكانية وجود عدة أديان صحيحة فاضلة في العالم، لا ديناً واحداً. فالناس الطيبون المستقيمون أخلاقياً موجودون في كل الأديان والمجتمعات، وكذلك الناس السيئون المنحرفون. وقد يكون بعض أبناء ديننا أو جماعتنا من أحقر الناس. وبالتالي، فقد أعطانا الفارابي درساً في التسامح الديني والانفتاح الفكري قلّ نظيره. وليتنا نهتم بهذا الدرس الآن ونستعيده لكي نواجه به حركات التعصب والانغلاق. لقد أثبت الفارابي إمكانية المصالحة بين العقل والنقل، أو بين الفلسفة والدين. وقال لنا إننا إذا ما فهمنا الدين جيداً -أي بشكل عقلاني- فإن التعصب سوف ينتهي من المجتمع، ولن تعود هناك مشكلات بين الأديان والطوائف؛ هذا هو الدرس الأساسي الذي خلفه لنا الفارابي من خلال أعماله ومؤلفاته الفلسفية والسياسية الكثيرة. لقد قدم تفسيراً عقلانياً مستنيراً للدين الإسلامي. ومشى بذلك على خطى سلفه الكبير الكندي الذي كان فيلسوف العرب الأول الذي طالما هاجم المتاجرين بالدين.

مدينة الفارابي الفاضلة
كان الفارابي يعتقد أن الحقائق الفلسفية كونية؛ أي تنطبق على جميع البشر أياً تكن أديانهم ومذاهبهم، وذلك بخلاف الأديان التي لا تنطبق حقائقها إلا على أتباعها فقط. وهنا يكمن الفرق الأساسي بين الحقيقة الفلسفية والحقيقة الدينية. فتعاليم الفلسفة العقلانية والمنطقية تنطبق على المسلم والمسيحي واليهودي دون أي تمييز لأن آلتها العقل، والعقل مشترك بين الناس، وليس محصوراً بأبناء طائفة واحدة أو دين واحد. وهذا الكلام يذكرنا بعبارة ديكارت الشهيرة: إن العقل هو أعدل الأشياء قسمة بين البشر. وبالتالي، فقد سبق الفارابي ديكارت إلى هذه الفكرة الأساسية. ولذلك نقول إن التنوير العربي سبق التنوير الأوروبي بعدة قرون، بل ومهد له الطريق. ولكن هناك فرق بين من يشغل عقله ويطور العلوم والاكتشافات كافة، وآخر يلغي عقله ويستسلم للشعوذات والخرافات، كما حصل لنا في عصر الانحطاط، حيث انطفأت أنوار العالم الإسلامي كلياً. وعندئذ، ساد الشعار الشهير: من تمنطق فقد تزندق، أو كان يتفلسف لعنه الله... إلخ، بل لا يزال هذا الانحطاط سائداً حتى الآن في عصر الإخوان الدواعش وبقية الظلاميين. ولكن لحسن الحظ فهناك بقع ضوء كثيرة في أقطار هذه الأمة، والمصابيح ابتدأت تشتعل من جديد هنا أو هناك. والنهضة العربية آتية لا ريب فيها. أتوقف هنا لحظة لكي أشيد بالقرارات الأخيرة المتخذة في المملكة العربية السعودية لصالح تعليم الفلسفة والفكر النقدي، وكذلك ترسيخ قيم التسامح والتفاهم في الأوساط الطلابية والجامعية. ولهذا السبب سحبت وزارة التعليم من التداول كتب التطرف والتعصب لحسن البنا وسيد قطب والمودودي وبقية أقطاب الإخوان. من هنا نبدأ: أما إسلام الأنوار وإما إسلام الظلمات. قلناها ألف مرة!
وأما فيما يخص الفكر السياسي، فيمكن أن نقول ما يلي: عندما نقرأ الأفكار والآراء الواردة في كتاب أفلاطون المعروف باسم الجمهورية، فإننا ندرك مدى تأثر الفارابي بها من خلال كتابه المشهور أيضاً: أراء أهل المدينة الفاضلة. والمدينة الفاضلة هي تلك التي يحكمها الفيلسوف العاقل تماماً، كما هو الحال في جمهورية أفلاطون. الفرق الوحيد بينهما هو أن الأولى مؤمنة، تجمع بين النبوة والوحي من جهة، وبين العقل والحكمة الفلسفية من جهة أخرى. أما الثانية فهي وثنية، وبالتالي ينقصها الإيمان بالله والتعالي الرباني. ولكن قوانين جمهورية أفلاطون يمكن أن تنطبق مع بعض التعديل على الجمهورية الإسلامية الفاضلة للفارابي.
هذا وقد تحدث الفارابي عن الدين الكوني بصفته مثلاً أعلى. وهو دين يتجاوز كل الأديان الخصوصية فيما يحتضنها ويستوعبها؛ إنه دين ينطبق على البشرية جمعاء كما ذكرنا سابقاً. وذلك لأنه يجمع بين النبوة والمنطق والحكمة الفلسفية في آن معاً. وبالتالي، فهو يشمل الإسلام والمسيحية واليهودية وبقية الأديان الأخرى. هكذا، نلاحظ أن فكر الفارابي يساعدنا على تجاوز حروب الأديان والمذاهب التي تهدد عالم اليوم. لقد سبق المفكر السويسري المعاصر هانز كونغ إلى الشعار الشهير: لا سلام في العالم من دون سلام بين الأديان. واسمحوا لي أن أشيد هنا أيضاً بـ«بيت العائلة الإبراهيمية» المقام في أبوظبي، عاصمة الإمارات العربية المتحدة. وهو مشروع إيماني تنويري ضخم سوف يساهم في نشر فكرة التسامح وترسيخها في العالم العربي لأول مرة بهذا الشكل. وسوف يغير الصورة الداعشية السوداء التي شكلها العالم عنا مؤخراً، وشوهت وجهنا الأخلاقي والإنساني العريق: «كنتم خير أمة أخرجت للناس» أو «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». أين راح كل ذلك؟ هل ذهب أدراج الرياح؟ مستحيل. ينبغي أن يعود. والسياسة التنويرية المتبعة حالياً في السعودية والإمارات والبحرين سوف تساهم في هذه العودة إلى جادة الصواب حتماً.
وأخيراً، يمكن القول إن كتاب «آراء أهل المدينة الفاضلة» هو عبارة عن مساهمة كبرى في بلورة العلوم السياسية، بالإضافة إلى علم الاجتماع. وذلك قبل أن يظهر ابن خلدون بزمن طويل، هذا ناهيك من دوركهايم وماكس فيبر. ويمكن القول أيضاً إن الفارابي هو أول فيلسوف مسلم يولي للشؤون السياسية كل هذه الأهمية، ويدعو إلى تشكيل الحكومة المدنية الفاضلة، وعلى رأسها الحكيم الفيلسوف، وليس الولي الفقيه أو رجال الدين كما يزعمون. فللدين مجاله وللسياسة مجالها، ولا ينبغي الخلط بينهما في كل شاردة وواردة، كما تفعل حركات الإسلام السياسي أو المسيس حالياً. وهنا، نلاحظ مدى تأثره الواضح بأفلاطون كما ذكرنا. والمقصود بالحكومة الفاضلة هنا الحكم الرشيد في لغتنا الحالية.



«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار
TT

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى. ليست سيرة فرد منعزل، بل سيرة تتشكّل داخل شبكة من العلاقات الأولى، حيث العاطفة لا تنفصل عن النَّسَب، والرغبة لا تنفصل عن الخوف، والذاكرة لا تنفصل عن الجسد. منذ الصفحات الأولى، لا يقدّم نبيل سليمان نفسه بوصفه شاهداً على ماضٍ مكتمل، بل بوصفه كائناً لا يزال يرى، ويختبر، كأن السيرة لا تُكتب بعد انقضاء التجربة، بل في أثناء تشكّلها من جديد.

يتجلى الأسلوب السردي هنا كأن الروائي ممسك بكرة زجاجية يشوبها الضباب، مثل الساحرات أو البصّارات، لا تزعم رؤية صافية، بل تكتفي بإيماءة مترددة: «أنا أرى... أرى». هذه الرؤية لا تُنتج صوراً حادة ولا مشاهد مغلقة، بل لقطات مغبشة، غير مكتملة، تتبدل ملامحها كلما أُديرت الكرة قليلاً. لذلك لا يستقر الزمن في «أوشام» على فصل محدد أو حالة نهائية: لم يكن شتاءً، ولا صيفاً، لا ليلاً ولا نهاراً كامليْن. الزمن هنا حالة إدراك، وليس تأريخاً وتقويماً. ما يُروى ليس ما حدث وانتهى، بل ما لا يزال يتشكّل في الذاكرة، وما لم يُحسم بعد.

من هنا تبدأ السيرة بالحب، ليس بوصفه قصة مكتملة، بل بوصفه ارتباكاً أول، نظرة من نافذة، جسداً يكتشف جسداً آخر، وخسارة مبكرة تتحوّل إلى أثر دائم. قصص الحب التي يستعيدها نبيل سليمان ليست عظيمة ولا استثنائية، بل بسيطة، مراهِقة، عارية من البلاغة. وهذه البساطة هي ما تمنحها قيمتها. أن يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته، علناً، أمام قرائه، لا ليجمّلها ولا ليسخر منها، بل ليضعها في قلب سيرته، فهو فعل مراجعة نادر. هنا يتبدى أسلوب سردي جديد، أسلوب لا يتكئ على المسافة العمرية ليعلو فوق التجربة، بل ليعيد الدخول إليها بعينها المرتبكة نفسها.

النساء في هذا الكتاب يحضرن بوصفهن نقاط تشكّل في الوعي وهي درجة أقل من شخصيات روائية واضحة متجسدة. سعاد، شفيقة، زلفى، ثم غنوة، لسن صوراً متطابقة، ولا نسخاً متكررة، بل تحولات لجرح واحد، ينتقل من الواقع إلى التخييل، ثم يعود إلى السيرة. زلفى، تحديداً، تكشف عن البنية العميقة للمشروع الروائي كله: امرأة تُفقد في الواقع، فتُستعاد في الرواية، ثم تُسترجع في السيرة بوصفها أصلاً هشّاً لكل ذلك التخييل. لا ينفي الكاتب رواياته السابقة، بل يكشف عن كيف كانت المخيلة تعمل كآلية تعويض، وكيف كانت الشخصيات تحمل آثاراً حقيقية جرى تفكيكها وإعادة تركيبها.

غير أن «أوشام» لا تقف عند الحب الفردي، بل تتسع لتصبح سيرة عائلة. الأب الدركي، التنقل الدائم، المخافر، البيوت المؤقتة، الأم التي تتحمل الفقدان والانتقال والصمت، الجد الذي ينهر، الأطفال النيام في الغرف... كل ذلك يُكتب بلغة نثرية مشبعة بالشعر، غير تجميلية، بل لإبقائه في حالته المعلّقة. استخدام الفعل المضارع في السرد ليس خياراً شكلياً، بل قرار بنيوي. لا يقول الكاتب: كان الضباب، بل يقول: يُظلمُ الضباب. بهذا التحول البسيط، يضع القارئ داخل المشهد، وليس خارجه. الذاكرة لا تُعرض بوصفها ماضياً مكتملاً، بل حادثاً يُبنى أمامنا الآن، لحظة بلحظة، كأن كاميرا تتحرك ببطء، تكشف عن الغرف، والأجساد النائمة، والأصوات المكتومة، والعلاقات كما لو أنها تحدث للمرّة الأولى.

هذا الأسلوب يبلغ ذروته في المقاطع التي تتقاطع فيها السيرة العائلية مع سيرة الكتب. في العلاقة مع الأم، لا يعود الكتاب موضوعاً ثقافياً، وإنما وسيلة حياة. فجأةً يصعُب النطقُ عليك مثل البلع، والطبيب الذي نصح بالاستئصال كالطبيب الذي حذَّر منه، ينذران بالخنق، فيما الأم تبتسم وتتحشرج وتطلب حكاية. هنا تتحول القراءة إلى فعل رعاية، إلى محاولة إنقاذ أخيرة عبر السرد.

يبدأ الكاتب من «كان يا ما كان»، لا بوصفها صيغة طفولية، بل بوصفها ما تبقَّى حين يعجز الطب. يستحضر كتباً عن الأم، من غوركي إلى غسان كنفاني، من بيرل باك إلى بريخت، ومن بودلير إلى إيزابيل الليندي، كأن الأدب كلّه يتقاطر في هذه اللحظة ليصير درعاً هشة في مواجهة الفقدان. الأم هنا ليست موضوعاً للرثاء والحنين، بل كيانٌ حيٌّ داخل اللغة، ولذلك يرفض الكاتب صيغة الموت المكتمل. يستحضر كامو وعبارته الشهيرة عن موت الأم، لا ليكرر برود شخصيته الرئيسية «ميرسو»، بل ليقلبه: أنا أردد العبارة لأنني على يقين أن حبيبتي «شفيقة بنت علي نصور لا تموت».

بهذا المعنى، تنتهي السيرة حيث بدأت: عند الحب. حب المرأة الأولى، حب الأم، حب العائلة، حب الكتب، حب الحياة بوصفها حكاية تُروى كي لا تختنق. «أوشام» لا تكتفي بأن تكون سيرة تُغلق الماضي، بل نصاً يتركه مفتوحاً، مغبشاً، قيد التشكّل. الضباب لا ينقشع، لكنه يصير مرئياً. والكرة الزجاجية لا تعطينا يقيناً، لكنها تسمح لنا بأن نرى مع الكاتب، لا بعده، وأن نشاركه اكتشاف ذاكرة لا تزال تحدث الآن.

إلى جانب هذا النسيج العائلي والوجداني، تتسع «أوشام» لتضم ذاكرة الصداقة والرفقة الثقافية، حيث يظهر الكاتب محاطاً بوجوه صنعت زمناً كاملاً من الحياة السورية. في هذا الحقل، تحضر علاقة نبيل سليمان بعمر حجو بوصفها خبرة إنسانية معيشة، علاقة تقوم على القرب اليومي، على الصوت والضحكة والحضور الجسدي، وعلى تفاصيل عابرة اكتسبت مع الزمن وزنها الرمزي. الصداقة هنا تُروى كما تُروى بقية عناصر الذاكرة: مشهد يتحرك، صورة تتكاثف ثم تخفّ، إحساس يمرّ في الجملة من دون أن يُحبس في تعريف. والأسماء السورية التي يستدعيها نبيل سليمان في «أوشام» تدخل النص بالطريقة نفسها، كجزء من نسيج عيش مشترك، من حوارات وسهرات وتقاطعات فكرية وعاطفية، كوّنت ما يشبه عائلة ثانية، عائلة اختارت نفسها عبر التجربة. هكذا تمتد السيرة من فضاء الفرد إلى فضاء الرفقة، ومن الذاكرة الخاصة إلى ذاكرة جيل، حيث تأخذ الصداقة مكانها بوصفها أحد أشكال الحب الهادئة، المستقرة، التي لا تحتاج إلى إعلان لكي تكون حاضرة.

وفي استعادة نبيل سليمان لعلاقته بحجو، تنفتح الذاكرة على طبقة سمعية شديدة الحضور، حيث تتقدّم الأغاني بوصفها لغة مشتركة بين الصديقين. الغناء الذي كان يجمعهما يمرّ كاستذكار عابر، كجزء من نسيج العيش اليومي، من السهرات، ومن لحظات الانفراج القليلة داخل زمن مثقل. عبْر حجو وذكراه، يفتح نبيل سليمان للقارئ باباً على عالمه الموسيقي، على الأغاني التي كانا يتقاسمانها، يرددانها، ويتركانها تملأ الفراغ بين الكلام والكلام. الصوت هنا هو خلفية أساس سردي، وهو أيضاً طريق للدخول إلى حساسية الكاتب، إلى طريقته في الإصغاء قبل الكتابة. الغناء يتحوّل إلى جسر؛ لا بين شخصين فقط، بل بين السرد والنبرة، بين الذاكرة والنص، كأن الموسيقى كانت أحد الوسائط التي عبَرت منها الحياة إلى الكتابة، ومنحت السيرة إيقاعها الداخلي، ذلك الإيقاع الذي سيستمر لاحقاً في الروايات، حيث تتسلل الأغنية إلى الجملة، وتعمل بوصفها ذاكرة موازية لا تقل كثافة عن الصورة والكلمة.

أنْ يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته علناً أمام قرائه لا ليجمّلها ولا ليسخر منها بل ليضعها في قلب سيرته فهو فعل مراجعة نادر

هذا الفصل من «أوشام» يقدّم الغناء بوصفه سيرة سمعية موازية للسيرة الحياتية والروائية، ويكشف عن أن الموسيقى ليست عنصراً مرافقاً في تجربة نبيل سليمان، بل إحدى آليات تشكّل الذاكرة والكتابة معاً. الغناء هنا يتحرك من المشهد الحيّ إلى النص، من سهرة حلبية مع جمال الغيطاني وأصابع أيمن الجسري، إلى غرف الفنادق في القاهرة، إلى مقهى الزوزو في جبلة، إلى البيت العائلي حيث الأب يفتح باب الغناء العراقي بوصفه طقساً يومياً، ثم إلى الرقة التي تتكثف فيها هذه السلالة السمعية، قبل أن تستقر داخل الروايات نفسها مادةً بنيوية.

ما يفعله سليمان في هذا الفصل أنه يثبّت مصدر الصوت في المكان واللحظة، ثم يتركه يهاجر إلى السرد، فيغدو الغناء إيقاعاً داخلياً للجملة، وأحياناً منطقاً كاملاً لبناء الفصول، كما في استخدامه للأهازيج والقدود والموشحات وأغاني الفرات والمدينة بوصفها مفاتيح زمنية ودلالية داخل «مدارات الشرق» وسواها. الجملة السردية تتمدّد مع التقاسيم والارتجال، ثم تنكمش لتلتقط ملاحظة حساسة عن تغيّر المزاج التاريخي للأغنية، كما في قراءته لتحوّل أداء «أهواك» من نعومة رومانسية إلى صرامة تعكس زمناً آخر، فيتحوّل الغناء إلى جهاز رصد دقيق لتحولات الحساسية الاجتماعية والسياسية من دون خطاب مباشر. الفصل يكشف أيضاً عن منطق السلالة: صوت الأب يُورَّث، ثم يُنمّى، ثم يتشابك مع أصدقاء ومثقفين عرب، ثم يُعاد إنتاجه داخل الرواية، بحيث لا يبدو الغناء مستخدماً من الخارج، بل معيشاً من الداخل. صحيح أن كثافة الأسماء والأغاني تخلق فائضاً سمعياً قد يبدو إغراقياً، لكنه فائض مقصود، يشبه سهرة طويلة لا تريد أن تنتهي، ويفرض على القارئ أن يسمع بقدر ما يقرأ. قيمة هذا الفصل أنه يفتح مدخلاً مختلفاً لقراءة مشروع نبيل سليمان الروائي من زاوية الإيقاع، والتراث السمعي بوصفه خلفية للأحداث، وأيضاً بوصفه لحماً لغوياً وآلة توقيت سردية، ويضيف إلى «أوشام» وشماً إضافياً: وشم الصوت، وشم النبرة، وشم ما يدخل من الأذن ليستقر في الجملة.

* كاتب سوري.


تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
TT

تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.

تضمّ بادية الأردن سلسلة من القصور الأموية، أكبرها قصر «المَشتى» في لواء الجيزة. سلّط العلماء المستشرقون الضوء على هذا الموقع في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ونجحت بعثة ألمانية في نقل واجهته الجنوبية الضخمة إلى برلين في مطلع القرن العشرين بعدما أهداها السلطان عبد الحميد إلى حليفه ملك بروسيا غليوم الثاني، فدخلت «متحف القيصر فريديريك» في عام 1903، ثم نُقلت إلى «متحف الفن الإسلامي» في 1932. ويُعد هذا المتحف أقدم وأكبر متحف مخصّص للفن الإسلامي في أوروبا وأميركا. تحتلّ واجهة «المَشتى» الحيز الأكبر في هذا الصرح الأوروبي، وتحضر إلى جوارها مجموعة صغيرة مستقلّة من التماثيل المهشّمة شكّلت في الأصل جزءاً من أثاث هذا القصر. تشهد هذه المجموعة لتقليد نحتي أموي خاص، اتّضحت هوّيته الفنيّة بشكل جليّ من خلال مجموعات مشابهة خرجت من قصور أموية أخرى تمّ استكشافها في ثلاثينات القرن الماضي.

تُعرض تماثيل قصر «المَشتى» على منصّات مستطيلة بيضاء في ركن من أركان القاعة المخصّصة لواجهة القصر الضخمة في «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتبدو للوهلة الأولى أشبه بكتل حجرية مهشّمة على هامش هذه الواجهة المزينة بزخارف محفورة في الحجر الجيري، حافظت على معالمها بشكل شبه كامل. تبرز في هذا الركن قطعة حافظت وحدها على الجزء الأكبر من تكوينها، وتتمثّل بكتلة من حجر كلسيّ منحوت ومصقول، تجسّد أسداً رابضاً على قاعدة بيضاء، يبلغ طوله 72 سنتيمتراً، وعرضه 122 سنتيمتراً. يبدو هذا الأسد جاثياً بثبات على قائمتيه الخلفيتين المطويتين فوق قاعدة مستطيلة رقيقة مجرّدة من أي زخرفة، باسطاً قائمتيه الأماميتيّن، وتبدو معالم تكوينه واضحة وجليّة، على الرغم من ضياع الجزء الأكبر من رأسه وطرفي قائمتيه الأماميتين. سقطت عناصر ملامح الوجه، وبات من الصعب تحديدها، وتشير وضعيّته إلى رأس منتصب وملتصق بالصدر، تحيط به لبدة كثيفة تتكوّن من خصلات شعر متراصّة ومتوازية، تمتدّ وتشمل اللحية، فتشكّل معها عقداً يلتفّ حول كتلة الذقن البيضاوية.

الجسم طويل وأملس، وأعضاؤه محدّدة بشكل جليّ يحاكي المثال الواقعي، كما يشهد التجسيم الدقيق والمحكم لمفاصل البدن. يبرز هذا الأسلوب في تكوين القائمتين الخلفيتين، ويتجلّى في نتوء المخالب الناتئة التي تحدّ طرفيها. تجدر الإشارة هنا إلى وجود قطعة منحوتة صغيرة خرجت من قصر «المَشتى»، تحضر فيها هذه المخالب بشكل مماثل. ولا ندري إن كانت هذه القطعة تعود في الأصل إلى هذا التمثال، أم إلى تمثال مماثل شكّل تأليفاّ ثنائياً معه، وفقاً لتقليد فني ساد في أقاليم الإمبراطورية الساسانية. انقضت هذه الإمبراطورية مع الفتح الإسلامي لبلاد فارس، إلا أنَّ نتاجها الثَّقافي ظلَّ حياً، وطبع مجمل ميادين الفن الأموي، ويشكّل أسد «المَشتى» شاهداً من شواهد هذا التلاقح.

تقابل هذا الليث قطع منحوتة مهشّمة، يشكّل كل منها جزءاً بسيطاً من تمثال أنثوي بات من الصعب تحديد شكل تكوينه الأصلي. تُمثّل إحدى هذه القطع رأساً بقي من ملامحه محجرا العينين الواسعين، والطرف الأسفل للأنف، وشفتا الثغر المطبقتان على ابتسامة خفيّة. الوجنتان عريضتان، وتوحيان بأن هذا الوجه النضر يعود إلى امرأة تعلو رأسها كتلة من الشعر الكثيف، تبلغ مساحتها العليا ضعف مساحة الوجه. في المقابل، تكشف قطعتان منحوتتين عن صدر أنثوي ممتلئ ومكتنز. كما تكشف قطعة ثالثة عن فخذَي ساقين متلاصقتين، تتميّزان كذلك بهذا الطابع المكتنز. حافظت هذه القطعة على قماشتها المصقولة، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طولها 70 سنتيمتراً، وعرضها 50 سنتيمتراً، مما يوحي بأنها تعود لتمثال يحاكي في حجمه المثال الطبيعي. حافظت هذه الكتلة الثلاثية الأبعاد على تفاصيل تكوينها، وتُظهر هذه التفاصيل رداءً رقيقاً ينزاح عن الردفين، بقي طرفه حاضراً عند أعلى الفخذ اليسرى. تظهر على هذه الفخذ بقايا كتابة منقوشة بالخط الكوفي، تتجه من الأعلى إلى الأسفل. للأسف، لم يتمكّن أهل الاختصاص من فكّ نص هذه الكتابة، وترى إحدى القراءات الافتراضية أنها تذكر اسم صاحبة هذا التمثال.

يحتفظ متحف الآثار الأردني بقطعة مشابهة، كشفت عنها أعمال الترميم والتنظيف التي أجرتها دائرة الآثار العامة خلال عام 1962 في قصر «المشتى». صيغت هذه القطعة كذلك وفقاً للقياس الطبيعي، ويبلغ طولها 75 سنتيمتراً، وعرضها 52 سنتيمتراً، وتمثّل الحوض وأعلى الساقين. يظهر هنا الرداء الذي ينسدل على الفخذ اليمنى، كاشفاً عن الفخذ اليسرى، وتظهر ثناياه المحدّدة وفقاً للطراز اليوناني الكلاسيكي. فقد هذا التمثال ذراعيه، غير أن ما بقي من طرفيهما الأسفل يشير إلى يدين تحمل كلّ منهما أداة ما، بات من المستحيل تحديد هوّيتها.

تشهد هذه المنحوتات لمثال أنثوي أموي، ظهرت خصائصه تشكيلياً عند دراسة جداريات موقع أموي من مواقع البادية الأردنية يُعرف بقصير عمرة، كشف عنه العالم التشيكي ألوييس موزيل في مؤلف ضخم نُشر في جزأين عام 1907. وتأكّدت هذه الخصائص في مجال النحت مع ظهور منحوتات أنثوية مشابهة، خرجت من قصر أموي يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، خلال أعمال التنقيب التي أجرتها بعثة تابعة لدائرة الآثار البريطانية في منتصف الثلاثينات.

يتميّز هذا المثال بجسد مكتنز وممتلئ، يميل إلى شيء من البدانة، كما يتميّز بوجوه تعكس هذا الطابع. يتكرّر هذا الطراز في قوالب مختلفة، تكشف دراسة هذه القوالب عن اعتماد تسريحات شعر وحلل زينية متعدّدة الأشكال، شكّلت مفردات لقاموس فني يوازي القاموس الأدبي الذي عُرف به هذا العصر الزاخر بالعطاء.


رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه
TT

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه»، وهو من تأليف الشاعر والمسرحي الإسباني فديريكو غارثيا لوركا، وترجمه عن الإسبانية المترجم والشاعر حسين نهابة.

يقول المترجم إن هذا الكتاب «هو عبارة عن مجموعة من المراسلات الشخصية التي كتبها لوركا إلى عائلته وأصدقائه من الفنانين والأدباء»، مضيفاً أن هذه الرسائل تكشف جوانب عميقة من شخصية لوركا، ولا سيما ما يتعلق بأقرب المقرّبين إليه، وما كان يتمتع به من روابط إنسانية وفنية مهمة ووثيقة.

ويسلط الكتاب الضوء، كما يضيف، «على العلاقات العائلية والصراعات الشخصية، إذ يكتب لوركا لوالديه عن رحلاته إلى الأديرة، مثل دير سانتو دومينغو دي سيلوس، واستمتاعه بالهدوء والفن المعماري، كما يعبّر في رسائله عن رغبته في الاستقلال، ولا سيما في مخاطبته لوالده، حيث يدافع بشدة عن خياره الفني، مطالباً بتركه في مدريد لمتابعة عمله الأدبي بدلاً من العودة إلى غرناطة، معتبراً أن الفن هو معركته الحقيقية.

وبعض الرسائل خُصصت لتوضيح علاقاته بالوسط الفني ومجايليه، حيث يشير الكتاب إلى العلاقة القوية التي جمعته بالفنان السوريالي سلفادور دالي، وانتظاره لزيارة دالي إلى منزله، وتخطيطه لإقامة حفلة غجرية على شرفه، فضلاً عن رسائل أخرى وجّهها إلى شخصيات بارزة مثل أدريانو ديل فايي، وأنخيل باريوس، وأدولفو سالاثار، يناقش فيها مشاريعه الموسيقية، وقصائده، وتطلعاته الفنية.

وتبين الرسائل تأمّلات لوركا في فلسفة الشعر، حيث يصف نفسه بأنه «شاب فقير، شغوف وصامت»، يحمل في داخله زنبقة مستحيلة الري، ويعبّر عن حزنه الدائم الذي يشكّل جوهر شعره، معتبراً أن الشعر هو «مملكة الكآبة». فضلاً عن تأمّلاته في الفن والواقع، إذ ناقش لوركا رسوماته الفنية، مؤكداً ضرورة ربط التجريد بالواقع، وواصفاً عملية الرسم بأنها تمنحه شعوراً بالحرية والنقاء. وبين أن الرسائل تكشف عن شغفه الكبير بالموسيقى، ولا سيما الموسيقى الشعبية الغرناطية، وتعاونه مع الموسيقي مانويل دي فايا في مشاريع فنية، من بينها «مسرح الدمى». وتطرّق لوركا أيضاً إلى تجاربه في السفر، حيث تناول رحلته الشهيرة إلى أميركا الشمالية، واصفاً حياته على متن السفينة العابرة للمحيطات، وتأثره بالأشخاص الذين التقاهم، مثل الطفل المجري الذي ألهمه إحدى قصائده.