تلوث الهواء في البلدان العربية يتجاوز 10 أضعاف الحدود العالمية

تلوث الهواء في البلدان العربية يتجاوز 10 أضعاف الحدود العالمية
TT

تلوث الهواء في البلدان العربية يتجاوز 10 أضعاف الحدود العالمية

تلوث الهواء في البلدان العربية يتجاوز 10 أضعاف الحدود العالمية

تنشر صفحة البيئة في «الشرق الأوسط» ابتداءً من هذا الأسبوع سلسلة مقالات عن التحديات البيئية ذات الانعكاسات الصحية في البلدان العربية، وذلك استناداً إلى فصول التقرير عن «الصحة والبيئة» الذي صدر أخيراً عن المنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد). ويتضمن التقرير أحدث المعلومات عن قضايا الهواء والمياه والنفايات والبيئة البحرية وتغير المناخ. الحلقة الأولى عن تلوث الهواء، وهي تستند في معلوماتها إلى الفصل الذي كتبه الدكتور حسن الدهيني، أستاذ علم السموم وتقييم المخاطر الصحية في الجامعة الأميركية في بيروت، والدكتور شربل عفيف، الباحث في تلوث الهواء وتغير المناخ والأستاذ في جامعة القديس يوسف في لبنان وفي مركز أبحاث المناخ والغلاف الجوي في قبرص.

تمثل الثورة الصناعية التي بدأت في القرن الثامن عشر حقبة جديدة تتعلق بجودة الهواء، حيث أدى التصنيع والنمو السريع لسكان العالم إلى زيادة في استهلاك الوقود الأحفوري من أجل تلبية الطلب المتزايد على الطاقة، ونمو في النشاط الزراعي لضمان الأمن الغذائي العالمي، وتراكم في النفايات، وقطع للغابات، مع ما يعنيه كل ذلك من تأثير على نوعية الهواء والبيئة عموماً.
ويرتبط تلوث الهواء الداخلي والخارجي بطيف واسع من الآثار الصحية الحادة والمزمنة، بما في ذلك أمراض القلب والرئة والسرطان بأنواعه المختلفة. وإلى جانب آثاره الصحية، يمكن لتلوث الهواء أن يتسبب أيضاً في هطول الأمطار الحمضية، وإضعاف مدى الرؤية على الطرقات، وإلحاق ضرر بالنباتات.
وكانت الأمم المتحدة اعتبرت في سنة 2015 تلوث الهواء تحدياً ملحاً، وجعلته مقصداً لاثنين من أهداف التنمية المستدامة حتى سنة 2030. فهي دعت في الهدف 3.9 إلى الحد بشكل كبير من الوفيات والأمراض الناجمة عن المواد الخطرة في الهواء والماء والتربة الملوثة، ونادت في الهدف 11.6 المتعلق بالحد من العوامل الضارة والأثر البيئي للفرد في المدن إلى إيلاء اهتمام خاص بنوعية الهواء.
ويناقش تقرير «الصحة والبيئة»، الذي صدر هذه السنة عن المنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد)، الدوافع البيئية الرئيسية التي لها تأثير كبير على مختلف جوانب صحة الإنسان في الدول العربية، بما فيها تلوث الهواء، ولا سيما أن الدول العربية من بين أكبر المساهمين عالمياً في انبعاثات أول أكسيد الكربون وأكاسيد النيتروجين.
وتعزى الانبعاثات المرتفعة على الطرق في المنطقة العربية إلى قيادة المركبات المتهالكة، والاستخدام غير الفعال للوقود، وضعف التحكم بانبعاثات العادم. وتغيب اللوائح التي تضبط نوعية الهواء على الطرقات في معظم الدول العربية، أو تكون منقوصة غير شاملة. ففي لبنان مثلاً توجد رقابة على ثاني أكسيد الكربون فقط، فيما تعد لوائح الكويت الأكثر اكتمالاً في المنطقة، ولا توجد تشريعات ناظمة في معظم البلدان.
وغالباً ما تتجاوز مؤشرات جودة الهواء في البلدان العربية القيم التوجيهية لمنظمة الصحة العالمية بنحو 5 إلى 10 أضعاف في بعض المناطق. ويعزى هذا التدني في النوعية إلى عوامل طبيعية وبشرية. فمن ناحية تتأثر جودة الهواء المحيط سلباً بجزيئات ملح البحر والغبار، ومن ناحية أخرى ترتبط بالنشاط البشري حيث تتركز الانبعاثات.
ويشير تقرير «أفد» إلى أن الانبعاثات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا زادت بمقدار خمسة أضعاف خلال العقود الثلاثة الماضية، بسبب زيادة الطلب على المياه والطاقة والنقل. وفي السعودية والبحرين والكويت والإمارات ارتفعت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بمعدل 6 في المائة سنوياً بين سنتي 2005 و2014، جنباً إلى جنب مع ارتفاع إجمالي الناتج المحلي وزيادة استهلاك الطاقة.
وتؤدي هيمنة سيارات الركاب الخاصة على وسائط النقل في البلدان الخليجية إلى مضاعفة مشاكل الازدحام المروري وزيادة الانبعاثات. علماً أن المركبات على الطرق العامة في معظم بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مسؤولة عن 59 في المائة من انبعاثات أكاسيد النيتروجين في المنطقة، وهي أيضاً تنتج 90 في المائة من ثاني أكسيد الكربون و75 في المائة من المركبات العضوية المتطايرة.
وتعاني المنطقة العربية من ارتفاع نسبة الجسيمات المعلقة في الهواء. ففي الكويت كان المتوسط السنوي للجسيمات التي يقل حجمها عن 10 ميكرون أكثر بثماني مرات من الحد الأعلى وفق معايير منظمة الصحة العالمية بين سنتي 2014 و2016. وتظهر مراجعة بيانات عدة دول في المنطقة، بما فيها مصر والأردن والكويت وسورية وقطر والإمارات ولبنان، أن تراكيز الجسيمات المعلقة التي يقل حجمها عن 2.5 ميكرون تتجاوز غالباً القيمة التوجيهية المحددة من قبل منظمة الصحة العالمية. ويزداد الضرر الصحي للجسيمات المعلقة كلما صغر حجمها.
وفي مصر على سبيل المثال، تمثل حركة المرور على الطرق مصدراً لنحو 36 في المائة من الجسيمات المعلقة التي يقل حجمها عن 2.5 ميكرون. وفي دول مجلس التعاون الخليجي يعزى ما نسبته 54 في المائة من مستويات هذه الجسيمات إلى الغبار والعواصف الرملية واحتراق النفط في محطات توليد الطاقة.
وفي البلدان غير المنتجة للنفط، مثل لبنان، تعتبر الأنشطة البشرية الأخرى كالصناعة والنقل البري ومواقع البناء مصدراً مهماً للجسيمات المعلقة في الهواء. وتتجاوز تراكيز الجسيمات المعلقة التي يقل حجمها عن 2.5 ميكرون القيمة الإرشادية لمنظمة الصحة العالمية بما يصل إلى خمسة أضعاف، مع تعرض مفرط في مصر والسعودية بسبب العواصف الترابية المتكررة.
ومن ناحية أخرى، شهدت الفترة بين 2005 و2014 زيادة في تراكيز ثاني أكسيد النيتروجين تتراوح بين 3 و12 في المائة، وكذلك في ثاني أكسيد الكبريت بزيادات بين 60 و120 في المائة. ورصدت أعلى مستويات تلوث الهواء فوق موانئ ومصافي تكرير النفط وفي المناطق الحضرية في البحرين والكويت وقطر والإمارات والسعودية.
ومنذ التخلص التدريجي من البنزين الحاوي على الرصاص، أصبحت أكثر من 175 دولة خالية من الرصاص، مما يمثل استئصالاً شبه عالمي. ومع ذلك، لا يزال هذا الوقود يستخدم في بعض الدول العربية مثل العراق والجزائر واليمن. علماً أن تراكيز الرصاص في الدم لدى الأطفال تقترن بتراجع الذكاء والصعوبات السلوكية ومشاكل التعلم.
وتشير العديد من الدراسات التي أجريت في الدول العربية إلى وجود تلوث كبير للهواء الداخلي. ويرتفع تلوث الهواء في الأماكن المغلقة بدرجة كبيرة في دول مجلس التعاون الخليجي بسبب اضطرار المواطنين للبقاء مزيداً من الوقت في الداخل نتيجة الظروف المناخية، واستمرار تشغيل مكيفات الهواء لساعات طويلة، والتدخين في الداخل، والاكتظاظ.
وعلى نحو واسع، تتأثر جودة الهواء الداخلي في البلدان العربية بتدخين التبغ، ولا سيما انتشار تدخين الشيشة في الأماكن المغلقة. ويعد الأطفال أكثر عرضةً للتلوث الداخلي لتواجدهم ساعات طويلة في أماكن غير مهواة كالمدارس التي لا تحتوي على أجهزة تدفئة مناسبة أو لا توفر معالجة لهواء التبريد.
وينوه تقرير «أفد» بالأحداث المستجدة التي تؤثر على نوعية الهواء في العالم العربي، حيث تسبب النزاع في سورية خلال السنوات الماضية في انخفاض مستويات ثاني أكسيد النتروجين في البلاد بنحو 30 إلى 40 في المائة نتيجة انخفاض النشاط البشري بسبب النزوح. وتسببت حالة النزوح إلى لبنان في زيادة الانبعاثات وتلوث الهواء الناتج عن النقل البري والتدفئة والنفايات الصلبة وتوليد الكهرباء.
وفي حين لا توجد أي دراسات حتى الآن تتناول تأثير أزمة «كوفيد - 19» على جودة الهواء والصحة في المنطقة العربية، فقد أظهرت دراسة نوعية الهواء في 27 دولة حول العالم انخفاضاً في مستويات ثاني أكسيد النيتروجين والأوزون الأرضي والجسيمات المعلقة. وتشير تقديرات سنة 2020 إلى أن إجراءات مواجهة انتشار فيروس كورونا ساعدت في تجنب 7400 حالة وفاة مبكرة و6600 حالة ربو لدى الأطفال خلال أسبوعين من بدء الإغلاق. أما من ناحية تأثير نوعية الهواء على الوباء، فقد تبين أن فيروس «كورونا» ينتشر بسرعة في المناطق التي تتمتع بدرجات مرتفعة من تلوث الهواء، كما أن المضاعفات الصحية للإصابة تكون أكثر حدة في هذه المناطق، حيث يصيب الهواء الملوث الجهاز التنفسي بالضعف ويفقده المناعة. وهذا يفسر انتشار الإصابات في المناطق المكتظة في المدن، ذات نوعية الهواء السيئة، أكثر من انتشاره وأثره في الأرياف.
ويرتبط تلوث الهواء الداخلي والخارجي بزيادة المخاطر الصحية مثل الوفاة المبكرة وأمراض القلب والرئة والسرطان. ووفقاً لمقياس عبء المرض العام، الذي يعبر عنه بعدد السنوات الضائعة من العمر بسبب اعتلال الصحة أو الإعاقة أو الوفاة المبكرة، تصل سنوات الحياة الصحية المفقودة لكل 100 ألف مواطن عربي بسبب تلوث الهواء إلى 5 سنوات في العراق، و3 سنوات في ليبيا وجيبوتي، وسنتين في مصر، وإلى ما دون ذلك في باقي الدول.
وتحدث معظم أمراض الجهاز التنفسي بسبب العوامل المحمولة جواً، مثل البكتيريا والفيروسات والمواد الكيميائية والمواد المسببة للحساسية والغازات وجزيئات الغبار. وفي السنوات الأخيرة، اتسع انتشار الربو بشكل عام في العالم العربي مع زيادة التحضر. كما لوحظ أن السكن بالقرب من مصدر لتلوث الهواء هو عامل خطر للإصابة بأمراض القلب والرئة.
وفي دراسة أجريت في لبنان، ارتبط العيش في المناطق الحضرية بالقرب من حركة المرور بسرطان الرئة. كما ارتبط التعرض لتلوث الهواء، خاصةً أكسيد النيتروجين، بأنواع مختلفة من السرطان.
وتتأثر جودة الهواء أيضاً بالاحتباس الحراري، حيث زادت العواصف الترابية المنبعثة من الصحاري الكبيرة في شبه الجزيرة العربية من حيث التكرار والشدة على مدار السنوات الماضية، ويرجح أنها تسببت في زيادة معدلات الوفيات والإصابة بالربو وأمراض الجهاز التنفسي الأخرى.
ويوصي تقرير «أفد» باتخاذ مجموعة من الخطوات لتحسين إدارة جودة الهواء، تشمل تحديث الإطار التشريعي من أجل تحديد المعدلات القصوى المسموحة من مصادر التلوث المحتملة الثابتة والمتنقلة، وإقامة شبكة من المحطات الدائمة لقياس نوعية الهواء، والحزم في إجراءات معاقبة الملوثين عبر تطبيق القوانين بطريقة فعالة، والحفاظ على مراقبة الهواء لضمان الجودة، وإنشاء قوائم جرد عالية الدقة للانبعاثات على الصعيد الوطني، ووضع قوائم أولويات لتقييم المخاطر الصحية على أساس رصد الهواء، واعتماد خطوات إجرائية توازن بين تراكيز الملوثات والاستجابة للمخاطر الصحية.


مقالات ذات صلة

يوم «السعودية الخضراء» يُجسِّد التحول نحو التنمية المستدامة

الخليج يجسد إعادة تأهيل أول مليون هكتار من أراضي الغطاء النباتي التزام السعودية بالاستدامة البيئية (واس)

يوم «السعودية الخضراء» يُجسِّد التحول نحو التنمية المستدامة

يُجسِّد «يوم مبادرة السعودية الخضراء» توجُّه البلاد نحو ترسيخ ثقافة الاستدامة، وتعزيز تكامل الجهود الوطنية في العمل البيئي، وتحفيز مختلف القطاعات للإسهام فيها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)

«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيما تواصل فرق الدفاع المدني السوري الاستجابة للتأثيرات الواسعة للمنخفضات الجوية المتتابعة، التي تشهدها المحافظات السورية تظهر للفرق مخاطر لم تكن في الحسبان.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي صورة نشرتها وكالة «أناضول» لغمر المياه بلدة تل حميس شمال شرقي الحسكة نتيجة الأمطار الغزيرة المتزايدة منذ السبت الماضي

سوريا تحذر من منخفض جوي مصحوب بأمطار غزيرة ورياح قوية

فتح ممرات مائية وسحب مياه الأمطار المتجمعة في المنازل والأقبية والمحلات التجارية، إضافة إلى التعامل مع حالات انهيار في الشوارع والأبنية وحوادث طرق

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
يوميات الشرق صوفي كالكوفسكي بوب ووالدتها جان بوب تغوصان لاستكشاف المستعمرة (منظمة «مواطنو الشعاب المرجانية»)

أم وابنتها تكتشفان أكبر مستعمرة مرجانية في العالم

اكتشف فريق بحث علمي، مؤلف من أم وابنتها، أكبر مستعمرة مرجانية معروفة في العالم، التي تقع في الحاجز المرجاني العظيم قبالة سواحل أستراليا.

«الشرق الأوسط» (كانبرا)
الاقتصاد جانب من تدشين صندوق «نماء» الوقفي (الشرق الأوسط)

السعودية تطلق أول صندوق وقفي لتحقيق الاستدامة البيئية والمائية والزراعية

أطلق وزير البيئة والمياه والزراعة المهندس عبد الرحمن الفضلي الثلاثاء صندوق «نماء» الوقفي بهدف تعزيز استدامة القطاع غير الربحي للمنظومة

«الشرق الأوسط» (الرياض)

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».