الأردن: إجراءات استثنائية... ونتائج تقليدية

تراجع التمثيلين النسائي والحزبي وإقبال متواضع على الاقتراع

الأردن: إجراءات استثنائية... ونتائج تقليدية
TT

الأردن: إجراءات استثنائية... ونتائج تقليدية

الأردن: إجراءات استثنائية... ونتائج تقليدية

لم يحظَ أي مجلس نيابي أردني سابق بحصة النقد التي نالها مجلس النواب الأردني التاسع عشر المنتخب، وذلك عشية صدور نتائج الانتخابات، الثلاثاء والأربعاء الماضيين، التي تبعها تجمعات جماهيرية واسعة لأنصار مرشحين لم يحالفهم الحظ، ونواب ظفروا بالمقعد البرلماني.
مؤشر الثقة بالمجالس النيابية الأردنية لدى جمهور الرأي العام، بحسب استطلاعات الرأي، ما زال يتراوح عند حاجز 17 في المائة. وهي نسبة شكلت تحدياً للمجالس النيابية أمام تراجع منحنى الأداء التشريعي والرقابي، وسط غياب ملحوظ لأطر العمل الكتلوي - البرامجي الملزم للمنضوين تحت ألوائه، كعنوان ناظم للعمل الجماعي. وأيضاً، مع بروز ظاهرة النائب - الحزب التي أفرزتها قوانين الانتخاب على مدى العقود الثلاثة الأخيرة، وغياب الإرادة السياسية في دعم برامج إصلاح تمثيل السلطة التشريعية في مهمتها الدستورية.
ووسط مخالفة نواب فائزين لأوامر الدفاع التي منعت التجمّعات، طالت سهام النقد صفقات شراء الأصوات التي بثّتها فيديوهات تم إحالتها للقضاء. وللعلم، كانت الهيئة المستقلة للانتخاب، التي تشرف على إجراء الانتخابات حصريا منذ 2013 بموجب تعديلات دستورية، قد ذكرت بأن التجاوزات قد طالت أعدادا قليلة من المرشحين. وذكرت أيضاَ أن معظمهم التزم تقاليد التنافس خلال مراحل العملية الانتخابية، مع الأخذ في الاعتبار زيادة نسبة الترشح للانتخابات لهذه المرة بواقع 1674 مرشحاً، فاز منهم 130 نائباً، بينهم 15 مقعداً مخصصة للكوتا النسائية. من ناحية أخرى، ولد المجلس النيابي والأردن في حالة وبائية مركبة، ليفجر بعد ولادته قفزات صادمة، في سلسلة إصابات فيروس «كوفيد- 19» في البلاد.

كشفت النتائج النهائية لانتخابات مجلس النواب التاسع عشر في الأردن عن نجاح 98 نائباً جديداً، لم يسبق لهم العمل البرلماني. وهذا ما يضاعف من حجم التحديات أمام السلطة الشريكة الحكومة رئيساً ووزراء، ولا سيما في ظل ضعف الخبرة في مراجعة التشريعات وإقرارها على الأقل في الأيام الأولى لدورتهم متأرجحة الانعقاد، أو ربما لصالح تكثيف العمل الرقابي الذي عادة ما يأخذ بُعداً استعراضياً خلال الدورة النيابية الأولى من عمر المجلس الوليد.
بعودة 30 نائباً سبق لهم العمل البرلماني، سواء خلال المجلس السابق أو مجالس سابقة، يبدو أن الأقطاب النيابية قد تجد صعوبة في تشكيل كتل برلمانية على أساس برامجي، باستثناء الكتلة الحزبية الوحيدة، كتلة «الإصلاح»؛ الذراع النيابية لحزب جبهة العمل الإسلامي، المحسوب على جماعة «الإخوان المسلمين» غير المرخصة في البلاد. ولكن الكتلة لن تحظى بالتسجيل لدى المكتب الدائم، لأن نصابها لم يصل لحاجز 13 في المائة كنسبة للتشكيل بحسب النظام الداخلي للمجلس، إذ حازت على 10 مقاعد نيابية تضم حزبيين ومتحالفين، وسط مؤشر عام على تراجع نسبة الأحزاب في عضوية المجلس من 26 في المائة في المجلس السابق إلى نحو 13 في المائة في المجلس الجديد.
من هنا، فتحت تركيبة المجلس المنتخب، بنوابه الجدد غير المؤطرين سياسياً، على عدة قراءات مبكرة تستشرف أداءً مرتبكاً، مع وصول نحو 10 في المائة من النواب إلى قبة البرلمان، من فئة الشباب العمرية بين 30 - 40 سنة، تقابلها حصة وازنة من النواب من المتقاعدين العسكريين (نحو 30 نائباً وبما نسبته 23 في المائة)، ما يدعم تشتيت فرص الانسجام والتناغم في الأداء. من جهة أخرى، تراجعت حصة المرأة من 20 مقعداً في المجلس السابق إلى 15 مقعداً فقط، وهي المقاعد المخصصة للنساء، ما سيترك أثراً على تعميق أزمة في الدراسات البرلمانية الجندرية التي تعكف مؤسسات المجتمع المدني على رصدها.
وسط هذا كله، تبرز تساؤلات آنية عن التحوّلات البنيوية التي طرأت على شكل المجالس النيابية فعلياً وأدائها. إذ طالما نظر إليها جمهور الرأي العام على أنها صورة مستنسخة، بعضها عن بعض، خاصة بعدما غلب الأداء الخدماتي على الرقابي للنواب، وبعدما وجد النائب تحت القبة نفسه محاصراً بين «فكي كماشة» ناخبين يسعون لتحقيق وعود نائبهم، وحكومات لا تمنح النائب أي تسهيلات سوى بشروط التبعية لها بالتصويت والموافقة على قراراتها. وبذا يتضح حجم التأثير السلبي لغياب الحياة الحزبية، واتساع الفجوة بين البرامج الحزبية والاحتياجات الشعبية.
نظرة تاريخية
استؤنفت الحياة الديمقراطية في البلاد عشية اندلاع أحداث «هبّة أبريل - نيسان» من العام 1989 التي تفاعل الناس مع شعاراتها الاقتصادية المعيشية، لتصل حدود المطالبة بالحريات وعودة الحياة النيابية. يومذاك، التقط الراحل الملك الحسين الرسالة، وبادر إلى صناعة برنامج التحول الديمقراطي الذي سمح بإجراء الانتخابات في نهاية العام نفسه، لتفوز بعضوية ذلك المجلس الشهير حصة معتبرة من نواب المعارضة الإسلامية والكتلة المحسوبة على التيار القومي واليساري. القوميون واليسار كانا الكتلتين اللتين تسببتا «بصداع سياسي» لحكومات المملكة الثلاث خلال ذلك المجلس. وعانى من هذا «الصداع» كل من رئيس الوزراء الأسبق مضر بدران، ثم طاهر المصري، الذي استقال قبل جلسة التصويت على سحب الثقة من حكومته، وأخيراً الأمير زيد بن شاكر، قبل أن يتسلم بعده عبد السلام المجالي، الذي جعل من قرار «حل مجلس 89» أيقونة للمجالس النيابية حتى يومنا هذا، في أدائه المؤثر، سياسياً ورقابياً.
بعد «مجلس 89»، التقطت الحكومات إفرازات قانون الانتخاب آنذاك، لتتجه فوراً لإعادة إنتاجه وفق معادلة تحجم التعددية والتمثيل في النظام الانتخابي. وخرج صناع القرار بتوليفة «الصوت الواحد»، لتقليص حصة المعارضة في المجالس النيابية، عبر تفتيت الدوائر الانتخابية من دوائر على مستوى المحافظات، إلى دوائر على مستوى البيئات المحلية التي لا تفرز سوى نواب محسوبين على مناطقهم جغرافياً واجتماعياً. هذا القانون أسهم في إضعاف مخرجات صناديق الاقتراع تباعاً، وبشكل أثّر في صياغة منحنى تراجع أداء البرلمانات حتى يومنا هذا.
استمر العمل بقانون الصوت الواحد طيلة 20 سنة، قبل أن تجرى تعديلات على القانون في فبراير (شباط) من العام 2016. وبعده أقر مجلس النواب السابع عشر صيغة القوائم النسبية المفتوحة على مستوى الدوائر الانتخابية التي نص عليها القانون، بواقع توسيع الدوائر إلى 23 دائرة انتخابية عوضاً عن 45 دائرة، وهو ما أسهم في تفتيت لحمة المجتمعات وتذويب النخب السياسية بعد تحجيم أدوارها.
وأمام تحييد النخب التقليدية وتحجيم دور الحياة الحزبية، لم ينجح القانون الجديد في صناعة برلمانات قوية. ذلك أن التنافس انتقل من المرشحين الفرديين إلى المرشحين داخل القائمة الواحدة وعبر منافسة أقرب إلى التناحر، وسط سعي المرشحين لدعم قوائمهم بأعلى الأصوات، وبدعم مرشح واحد داخل القائمة على حساب شركائه. أيضاً اتسمت آلية الترشح بالفردية دون وجود تقاطعات سياسية بين مرشحي القائمة الواحدة أو حواضن سياسية مشتركة، وذلك لصالح أسس التحالفات المناطقية داخل الدائرة الانتخابية.
وتدريجياً، بين عامي 1989 و2020، أصبحت المؤسسة البرلمانية على المحك، مع تسجيلها نسب رضا متدنية لم تتجاوز 17 في المائة، بحسب أحدث التقديرات أمام قواعد الناخبين وحالة سخط شعبي؛ خصوصاً أمام استذكار كارثة تزوير الانتخابات النيابية عام 2007 والتلاعب بالنتائج عام 2010، بعد العبث الذي قام به مدير المخابرات الأسبق محمد الذهبي وخلفه محمد الرقاد. ومن ثم، تواصل نسب الرضا عن البرلمانات تدني أرقامها، ما أثر في الثقة بكل مخرجات السلطة التشريعية، في ظل تقزيم مقاعد المعارضة وتحجيم الأصوات المرتفعة من خلال نواب الموالاة الذين عادة ما يحظون بدعم الحكومات.
تحوّلات على طريق الانتخابات
لقد انحسرت الخيارات اليوم في حتمية الابتعاد عن المجالس النيابية بعدما فقدت عناصرها المؤثرة في تشكيلها، وتراجع أثر تراكم الخبرة بين أعضائها، وغياب معادلة القطبية النيابية التي شكلت حالة انجذاب للنواب الجدد. وهذا، بعدما كانت المجالس النيابية مصنعاً للنخب السياسية عبر إفرازات الناخبين لقيادات وازنة قوية، وبعد أن لجأ الراحل الحسين لشخصيات نيابية في حل مشكلات مستعصية، واختار منهم شخصيات لتولي مسؤولية تشكيل الحكومات أمثال طاهر المصري وعبد الكريم الكباريتي. وتكرر الأمر في عهد العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني عند اختياره لعبد الرؤوف الروابدة وعلي أبو الراغب وعبد الله النسور، وجرى تشكيل حكومات من طيف عريض من أعضاء المجالس النيابية.
تحديداً في انتخابات مجلس النواب الخامس عشر من العام 2007 طرأ تحول، وُصف بـ«الخطير» في المشهد الانتخابي، وذلك بعد ممارسة أوضح عملية تزوير لنتائج الانتخابات النيابية، التي مورست على مرأى من الناخبين، وتدّخل بعد توجيه مباشر من مدير المخابرات الأردنية (آنذاك) محمد الذهبي، المحكوم حالياً على خلفية قضايا تتعلق باستثمار السلطة. وكانت نتيجة تلك الفضيحة تحييد أقطاب برلمانية ونخب سياسية، ما ترك ثغرات واضحة في الحياة البرلمانية بعدها.
تلك للانتخابات لم تتوقف عند ذلك الحد، بل فتحت مرحلة الترشح خلالها على طرح أسماء من طبقة رجال الأعمال، الذين تورطوا بعمليات ضخمة لشراء الأصوات، وأسسوا «لسابقة» حول المال الأسود الذي يلوث الانتخابات. وساهم هذا الأمر أكثر في تحييد النخب السياسية أمام نفوذ النخب الاقتصادية، واختلال مبدأ المنافسة. ومنذ ذلك الحين شهدت قبة البرلمان هبوطاً حاداً في نوعية التشريع والرقابة، نظراً لتحالف السلطة مع الاقتصاد عبر رجال أعمال، تركوا عنهم تقاليد العمل البرلماني خلف سباق تعظيم الثروة والنفوذ.
لم يدرك صنّاع القرار، يومذاك، حجم الضرر الذي لحق بالسلطة التشريعية، الأهم في الدستور. واستمر العبث حتى مجلس النواب السادس عشر من العام 2010 الذي عادت إلى واجهته الطبقة الاقتصادية التي دفعت الرأي العام لفقدان الثقة بممثليهم وقبتهم التشريعية. ولم يشفع لصنّاع القرار حل المجلسين، من دون أن يكملا مدتيهما، فعصف «الربيع الأردني» الذي بدأت إرهاصاته مطلع العام 2010 من خلال تدشين حراك المعلمين، الذي كان له ما بعده من صناعة حراك شعبي عريض، عابر لمناطق الولاء التقليدية في الجغرافيا الأردنية عند العشائر في مناطق الأطراف.
وفي خضم تصاعد «الربيع العربي» وحراك الشارع الأردني، جرت الموافقة على تعديل 42 مادة دستورية، وأنشئت هيئة مستقلة للانتخاب للحد من عمليات العبث وشراء الأصوات. كذلك جرى تعديل قانون الانتخاب ليحتوي عنصراً جديداً لم يحدث فارقاً يذكر، هو تخصيص 27 مقعداً لما عُرفت وقتها بـ«القائمة الوطنية» (صوت لنائب وطن)، من دون أن يسجل لها أي حضور استثنائي في مجلس النواب السابع عشر.
احتمالات الصمود
وسط احتمالات متعددة بعد صدمة مراكز القرار بنتائج الانتخابات النيابية ونسبة الاقتراع التي سجلت 29.9 في المائة من مجموع الناخبين، وإفرازاتها التي أخلت بمعايير التمثيل للمجاميع الجغرافية والحضرية، التبس قرار موعد عقد أولى الدورات لمجلس الأمة التي تتزامن قبل الأول من ديسمبر (كانون الأول) المقبل. إذ أفتى قانونيون بأحقية تأجيل موعد الدورة بسقف زمني لا يتجاوز 27 يناير (كانون الثاني) ليدخل المجلس في دورة غير عادية، ما يزيد الفرصة لحسم اسم رئيس المجلس النيابي، من بين المتنافسين على الرئاسة اليوم في ظل غياب وجوه سياسية فاعلة.
هذا، وتتجسد أهمية شخصية رئيس مجلس النواب، في قدرته على التجسير الحذر بين مواقف الأردن الرسمية واستحقاقات إنجاز التشريعات بأقل صخب برلماني ممكن، وبين الموقف النيابي الذي يستند على مخاطبة ود الشارع الذي قلما يستحسن مواقف النواب من قضاياه.
وهنا تجدر الإشارة إلى أنه يستمر موقع رئاسة المجلس ضمن استحقاق الدورة العادية لعامين متتالين. وفي استحقاق الدورة غير العادية سيكون لعام واحد فقط، في ظل النصوص الدستورية الملزمة في هذا المبدأ. إذ تزداد التوقعات بشأن الذهاب إلى الدورة غير العادية، لغايات اختبار الفائز ومدى انسجامه مع مراكز القرار، لكون المترشحين للرئاسة - باستثناء القطب البرلماني المخضرم الذي سبقت له رئاسة مجلس النواب السادس عشر في دورة يتيمة، عبد الكريم الدغمي - سيكونون أمام تجربة هي الأولى لهم. وفي هذا السياق، تنحصر المنافسة على الموقع بين الدغمي، والنواب أحمد الصفدي ونصار القيسي وأيمن المجالي، في حين ترددت فيه أنباء عن نية النائب خليل عطية - ثاني أقدم أعضاء مجالس النواب - الترشح. والمتوقع أن يحجم النواب الآخرون عن طرح ترشيحاتهم لرئاسة المجلس، إلى حين اكتساب الخبرات اللازمة في المنافسة على المواقع المتقدمة في المكتب الدائم الذي يضم الرئيس ونائبيه الأول والثاني ومساعدين اثنين.
وعلى ضوء ما تقدم، ستجد حكومة بشر الخصاونة - في أولى مواجهاتها مع المجلس الجديد ببيان طلب الثقة - أن الدورة البرلمانية الأولى عادة ما تشهد خطابات نارية بسقف مرتفع، وذلك في أول ظهور للنواب الجدد أمام الشارع والإعلام، وهو عادة يقتبس عناوين حادة لخطابات النواب الغاضبة. وستدخل الحكومة خلال ذلك بحسابات معقدة، للبحث عن ثقة مريحة تمكنها من العمل بأقل الكلف، إلا أنها ستخضع لابتزاز عبورها امتحان الثقة الذي قد ينقلب في أكثر من مناسبة ولأكثر من سبب. وهذا ما قد يجبر الحكومة على إجراء حسابات دقيقة لمعايير المزاج النيابي الفاقد لقيم العمل الجماعي تحت شعار برامج الكتل الملزمة لأعضائها، وسيطرة الفرد على سلوك الأعضاء، باستثناء محدود تمارسه كتلة الإصلاح النيابية المحسوبة على حزب جبهة العمل الإسلامي.
وعليه، ستبقى الخريطة أمام تكهنات المشهد البرلماني الأردني خلال الفترة المقبلة غير مكتملة، ومساحات تراجع المشاركة السياسية متأثرة بضعف الحياة الحزبية، وغياب النخب القادرة على التأثير بوعي الرأي العام وإعادة جذب اهتمامه إلى ما كان بوصلة العمل السياسي العام للطامحين. وكل هذا، في ظل ظروف استثنائية تمر بها البلاد اقتصادياً وصحياً بسبب جائحة «كوفيد 19» التي تشهد أسوأ مراحلها.
إحصائيات وأرقام انتخابية

> كشفت دراسة لمركز الحياة (راصد) الأردني المتخصص في الدراسات البرلمانية (مؤسسة مجتمع مدني)، أن عدد البرلمانيين والبرلمانيات الجدد الذين أصبحوا أعضاءً في مجلس النواب التاسع عشر وصل إلى 98 برلمانياً وبرلمانية، بينما وصل 23 برلمانياً وبرلمانية من المجلس السابق الثامن عشر إلى المجلس التاسع عشر، كما وصل 9 برلمانيين سابقين قبيل المجلس الثامن عشر إلى المجلس التاسع عشر. وعلى صعيد تمثيل الأحزاب والتيارات السياسية في البرلمان التاسع عشر، بيّنت الدراسة أن 17 برلمانية وبرلمانياً من الأحزاب والتيارات السياسية وصلوا إلى مجلس النواب التاسع عشر، منهم 13 حزبياً مسجلين في قوائم الأحزاب، و5 منهم ضمن التيارات السياسية المتحالفة مع الأحزاب. كذلك بيّنت النتائج أن 4 أحزاب فقط وصلت إلى البرلمان التاسع عشر، وهي حزب جبهة العمل الإسلامي، بواقع 5 برلمانيين وبرلمانيات حزبيين، وحزب الوسط الإسلامي بـ5 برلمانيين وبرلمانيات، وحزب الجبهة الأردنية الموحدة ببرلماني واحد، وحزب الوفاء الأردني ببرلماني واحد. يذكر أن الأصوات التي حصلت عليها قوائم الأحزاب الفائزة بلغ عددها إلى 145386 من أصل 1387711 مقترعاً ومقترعة في الانتخابات.
وعن توزيع البرلمانيين والبرلمانيات حسب الفئات العُمرية، تبين أن معدل أعمار مجلس النواب التاسع عشر وصل إلى 51.8 سنة، فيما كان عدد البرلمانيين والبرلمانيات ضمن الفئة العُمرية 41 – 50 قد وصل إلى 43 برلمانياً وبرلمانية، وكان 51 برلمانياً وبرلمانية ضمن الفئة العمرية 51 – 60، ووصل عدسد الذين تجاوزوا 61 سنة إلى 21 برلمانياً وبرلمانية.
وبخصوص مجموع الأصوات التي نالتها القوائم التي حصلت على مقاعد في المجلس التاسع عشر، وصل عدد الأصوات إلى 1060151 من أصل 1387711 مقترعاً ومقترعة في الانتخابات، وبنسبة 76.4 في المائة من المقترعين، وبنسبة 22.8 في المائة من مجموع من يحق له الاقتراع على مستوى المملكة. أما فيما يتعلق بمجموع الأصوات التي حصل عليها البرلمانيون والبرلمانيات الذين حصدوا مقاعد المجلس التاسع عشر فقد وصل عدد أصواتهم إلى 604126 مقترعاً ومقترعة، ووصلت نسبة الأصوات التي حصل عليها الفائزون إلى 43.3 في المائة ممن اقترعوا في الانتخابات، فيما وصلت نسبة الأصوات التي حصل عليها الفائزون من مجموع من يحق له الاقتراع إلى 13 في المائة.


مقالات ذات صلة

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

حصاد الأسبوع مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي

صبحي أمهز (بيروت)
حصاد الأسبوع يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج

فتحية الدخاخني ( القاهرة)
حصاد الأسبوع ابراهيم محلب (رويترز)

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
حصاد الأسبوع الناشط الأيود الراخل خلال لقائه بالمغفور له الملك فيصل بن عبد العزيز عام 1964 (آ ب)

ترمب يحاول «تبييض» صفحات أميركا

ودّعت الولايات المتحدة أخيراً القس جيسي جاكسون، أحد أهم الشخصيات السوداء في تاريخ البلاد، والقيادي الجماهيري الذي لعب دوراً محورياً في تجييش الناخب الأسود

علي بردى (واشنطن)
حصاد الأسبوع ترمب مع مغنية "الراب" الترينيدادية نيكي ميناج (آ ب)

ترمب... و«أصدقاؤه السود»

> في موازاة السياسات التي تعيد الاعتبار لزعماء كانوا مسؤولين عن بعض أسوأ مراحل الرق، يرفض الرئيس دونالد ترمب الاتهامات التي توجه إليه بأنه «عنصري»، مكرّراً


بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.