الكتابة «بالقَفْز والوَثْب» تكرس نوعاً من الانفتاح المتواصل

الكتابة «بالقَفْز والوَثْب» تكرس نوعاً من الانفتاح المتواصل

الأربعاء - 3 شهر ربيع الثاني 1442 هـ - 18 نوفمبر 2020 مـ رقم العدد [ 15331]

عن منشورات المتوسط بإيطاليا، صدر للمفكر المغربي عبد السلام بنعبد العالي كتاب جديد بعنوان «الكتابة بالقَفْز والوَثْب»، استهله بمقولة تضعُ القارئ في محلِّ تساؤل عن طبيعة هذه الكتابة: «لا يمكننا التفكير في المتعدِّد من غير إقامة جسور بين الاختلافات، من غير أن نؤكِّد الاختلافات في علائقها المُتبادلة». أما بالنسبة للناشر، فإن «الكتابة (بالقَفْز والوَثْب) لا تستهدف خلاصة خطاب و(زبدة) فكر»، ورغم ذلك، فهي «ليست نظرة (خاطفة)، ولا هي توقُّف وعدم حراك. إنها (حاضر) متحرِّك، حتَّى لا نقول هارباً، فهي تُومِئ إلى وجهة، من غير أن تدلَّ على طريق». وينطلق الكاتب، في مقدِّمة كتابه الفلسفي، من تفكيكِ عبارة العنوان التي هي اقتباس عن الناقد المغربي عبد الفتاح كيليطو الذي اقتبسها بدوره عن الفرنسي مونتيني، ضمن محاضرة تحدَّث فيها عن مساره وطريقته في الكتابة، مشيراً إلى أن رولان بارت يربط الكتابة المتقطِّعة، في كتابه عن نفسه (رولان بارت بقلم رولان بارت)، بأمرَيْن اثنَيْن: «الموسيقى، وموسيقى فيبرن على الخصوص، ثمَّ رياضة الكاتش»، حيث «يُقرِّب بارت التكثيف في الكتابة المتقطِّعة من التكثيف الموسيقي، ليُبيِّن أن الكتابة المتقطِّعة تضبطها موسيقى مغايرة، وأن كثافتها أقرب إلى التكثيف الموسيقي الذي (يضع) النغمة محل (الاسترسال)... فيُومِئ إلى وجهة، كما يتجلَّى هذا في المقطوعات الموجزة لفيبرن: غياب للإيقاع، وجلال ومهارة في سرعة التخلُّص». ويتساءل بنعبد العالي عن علاقة الكتابة المتقطّعة برياضة الكاتش، فيقول: «نعلم أن صاحب (أسطوريات) كان قد سَبَقَ له أن عقد مقارنة مطوَّلة بين مباراة الكاتش ومباراة الملاكمة، فاستنتج أن الأخيرة عبارة عن حكاية تُبنَى تحت مراقبة أعين المشاهد. أمَّا في الكاتش، فالمعنى يُستمَدُّ من اللحظة، وليس من الدوام والاستمرار».
ويشدد بنعبد العالي على أنه لم يتوقَّف طويلاً عند هذه المقارنة كي يستنتج أن الجاحظ أقرب إلى الكاتش منه إلى الملاكمة، وإنما ليتبيَّن معنا أنه «لا يكفينا تحديد طبيعة الكتابة (بالقَفْز والوَثْب) بِرَدِّها إلى حالة نفسية، وتفسيرها بمَلَل القارئ أو حتَّى مَلَل الكاتب، لا يكفينا التأويل السيكلوجيّ، وإنما لا بدَّ من التأويل (الشِّعْرِيّ) الذي يُمكِّننا من أن نذهب حتَّى القول إنه مَلَل الكتابة ذاتها». وتوضيحاً لذلك، يضيف بنعبد العالي: «ربَّما ينبغي تقصِّي الزَّمانيَّة التي تفترضها هذه الكتابة. فالظاهر أنها تكرِّس مفهوماً مغايراً عن الزمان».
هكذا، وعلى عكس هذا السعي نحو الغايات واستخلاص النتيجة، وعلى عكس هذه الكتابة التي تكون فيها المعاني غاياتٍ، كما يتَّضح من دلالة اللفظ الفرنسي (معنى) الذي يجمع بين المعنى والسعي والاتِّجاه والغاية، تُكرِّس الكتابة «بالقَفْز والوَثْب»، بحسب بنعبد العالي، نوعاً من «الانفتاح المتواصل»، لعلَّه ما يعنيه أصحاب البلاغة والنَّقْد الأدبي بـ«الاستطراد» الذي يقول عنه «إنه خُرُوج لا ينفكُّ يتمُّ». نقرأ على ظهر غلاف الكتاب الذي جاء في 136 صفحة من القطع الوسط مقولة لمارتن هايدغر: «ما دام هذا الكتاب باقياً أمامنا من غير أن يُقرأ، فإنه يكون تجميعاً لمقالات ومحاضرات. أما بالنسبة لمن يقرأه، فإن بإمكانه أن يغدو كتاباً جامعاً، أي احتضاناً واستجماعاً لا يكون في حاجة لأن ينشغل بتشتت الأجزاء وانفصالها عن بعضها... إن كان المؤلف محظوظاً، فإنه سيقع على قارئ يُعمل الفكر فيما لم يُفكر فيه بعد».
- من صفحات الكتاب:
«... كون الفيروس قادراً على الانتقال، في أي لحظة، من جسد إلى آخر، يجعل كلَّ جسد من أجساد الجماعة مجرَّد حلقة عضوية ضمن سلسلة، تمتدُّ بين (الأفراد)، وهي حلقة لا خارج لها. ها هنا لا تكفي الفرادة المعنوية للشخص، كي تفصله عن الآخرين، وتُميِّزه عنهم، فيصبح مضطرَّاً إلى (صناعة) مسافات تُبعده عمَّا عداه، و(تعزله) عن (الآخرين) الذين لم يعودوا، في الحقيقة، آخرين بالمعنى المعهود، وإنما غدوا امتداداً للذات. من هنا هذا الشعور الغريب الذي اجتاح الجميع منذُ انتشار الوباء بأن الفرد لم يعد مسؤولاً عمَّا يظهر عليه من أعراض. لم يعد الأفراد مسؤولين، كلٌّ عن جسده، وإنما عن جسدٍ غريب، لا يخصُّ شخصه، وإنما هو جسد ممتدٌّ عبر كلِّ الآخرين، موصول إليهم».
ولبنعبد العالي مؤلفات كثيرة، بينها: «الفلسفة السياسية عند الفارابي»، و«أسس الفكر الفلسفي المعاصر»، و«حوار مع الفكر الفرنسي»، و«لا أملك إلَّا المسافات التي تُبعدني»، و«في الترجمة»، و«ضيافة الغريب»، و«جرح الكائن»، و«القراءة رافعة رأسها»، و«ضد الراهن»، وغيرها. وله في الترجمة: «الكتابة والتناسخ» و«أتكلم جميع اللغات لكن بالعربية» لعبد الفتاح كيليطو، و«درس السيميولوجيا» لرولان بارت، و«الرمز والسلطة» لبيير بورديو.


المغرب كتب

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة