انتخابات 2020... مكاسب نسائية تصنع التاريخ

«السيد الثاني» يستعد لمهامه في البيت الأبيض

السيناتور كيلي لوفلر التي ستخوض انتخابات جولة الإعادة في جورجيا تتحدث في واشنطن (أ.ف.ب)
السيناتور كيلي لوفلر التي ستخوض انتخابات جولة الإعادة في جورجيا تتحدث في واشنطن (أ.ف.ب)
TT

انتخابات 2020... مكاسب نسائية تصنع التاريخ

السيناتور كيلي لوفلر التي ستخوض انتخابات جولة الإعادة في جورجيا تتحدث في واشنطن (أ.ف.ب)
السيناتور كيلي لوفلر التي ستخوض انتخابات جولة الإعادة في جورجيا تتحدث في واشنطن (أ.ف.ب)

في خضم التجاذب الذي تشهده الساحة السياسية في واشنطن، والانقسامات العميقة بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري، يجمع الطرفان على نقطة واحدة: هذا العام هو عام المرأة في واشنطن.
ولا يتعلق الأمر فقط بكسر كامالا هاريس، نائبة الرئيس المنتخب، للسقف الزجاجي، لتكون بذلك أول امرأة تصل إلى البيت الأبيض، وأول امرأة من أصول أفريقية ستجلس في مقعد نائب الرئيس، بل يمتد ذلك إلى الكونغرس حيث حققت المرشحات مكاسب تاريخية حطمت الأرقام القياسية السابقة، من حيث عدد المقاعد التي تشغلها نساء في المجلس التشريعي.
ورغم أن النتائج لم تحسم كلياً بعد، إلا أنه من المؤكد أنه وعند انعقاد الكونغرس بدورته الجديدة الـ117، فإن 138 امرأة على الأقل سيجلسن في المقاعد التي فزن بها، ليتخطى هذا الرقم أرقام العام 2018 والذي شهد فوز 127 امرأة في الانتخابات.
لكن اللافت للنظر هذا العام هو أن الجمهوريين هم من حطموا الأرقام القياسية، إذ فازت 13 مرشحة جديدة عن الحزب بالانتخابات التشريعية، وهو رقم كبير جداً مقارنة بالمقعد اليتيم الجديد الذي فازت به مرشحة جمهورية واحدة في العام 2018، وهي كارول ميلر عن ولاية ويست فرجينيا. ومع الاستمرار بفرز النتائج يبدو أن الجمهوريين تمكنوا من كسر أرقامهم للعام 2006، عندما انتخبوا 25 نائبة في مجلس النواب، إذا أن الأرقام الأولية اليوم تشير إلى أن عددهن وصل إلى 26 في مجلس النواب الجديد (بين الوجوه الجديدة والقديمة) وهذا العدد سيتزايد مع صدور المزيد من النتائج.
ويعد التمثيل النسائي أمراً في غاية الأهمية بالنسبة للحزب الجمهوري، الذي كان ينازع منذ فترة للخروج من قوقعة التمثيل الرجولي في الكونغرس، وتحسين صورته السابقة على أنه حزب «الرجال البيض». وهذا ما تحدثت عنه النائبة الجمهورية أشلي هينسون التي فازت في سباق ولاية أيوا، وقالت: «ما أراه هو أن هناك رجالا كثرا اسمهم جيم في التكتل الجمهوري وليس هناك ما يكفي من النساء. أعتقد أن عدد النساء مهم لأنه يغير من طبيعة الحوار في البلاد حول صورة الحزب».
- صورة الحزب الجمهوري
وقد بدأ هذه الجهد لتغيير صورة الحزب منذ فترة، وخصص لها الجمهوريون ميزانية كبيرة، إذ ترشحت 227 جمهورية لمجلس النواب و23 جمهورية لمجلس الشيوخ في هذه الدورة الانتخابية، ومن هذا العدد الكبير، تمكنت 23 جمهورية من الوصول إلى مجلس النواب. وقد عملت النائبة الجمهورية إليز ستيفاني جاهدة لوصول هؤلاء المرشحات إلى الكونغرس، وتحدثت عن تجربة العام 2018 عندما فازت امرأة جمهورية واحدة فقط في السباق: «قبل عامين، كان من الواضح أن الجمهوريين يواجهون أزمة متعلقة بعدد النساء في الكونغرس».
وستيفاني هي من الوجوه البارزة التي لمع نجمها خلال مساعي عزل الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وظهرت كمدافعة شرسة له خلال جلسات العزل. وقد اعتمد عليها الجمهوريون بشكل أساسي لأنها مثلت بالنسبة لهم الصوت النسائي الجمهوري في مجلس النواب. وهي تريد ضم المزيد من الأصوات النسائية لها. ويعتمد الجمهوريون بشكل كبير على أصوات «نساء الضواحي» للفوز، لهذا فهم يعتقدون أن العنصر النسائي سيساعدهم في الانتخابات المستقبلية. وهذا ما تتحدث عنه النائبة هينسون التي فازت في ولاية أيوا، وتقول هينسون: «الكثير من حملتي الانتخابية تمحور حول أنني أنا أيضاً لدي عائلة. أنا امرأة عاملة، وأم، وزوجي يملك شركة صغيرة، إذا نحن نشعر بالتحديات التي تشعر بها الكثير من العائلات». وتابعت هينسون: «أعتقد أن الأميركيين يريدون أحد يشبههم لتمثيلهم في الكونغرس».
وتتزامن هذه المكاسب النسائية مع الذكرى المئوية للسماح للنساء بالتصويت في الولايات المتحدة، وتقول مديرة مركز النساء الأميركيات والسياسة ديبي والش: «العام 2018 حكى قصة النجاح الديمقراطي. هذا العام نرى مكاسب كبيرة من قبل الجمهوريين. إن مكاسب النساء يجب أن تأتي من الحزبين لتحقيق تمثيل عادل في الكونغرس».
كلمات تعكس الواقع في الكونغرس، فرغم كل هذه المكاسب النسائية من الجانبين الديمقراطي والجمهوري، إلا أن تمثيل النساء في الكونغرس المؤلف من 535 مقعداً لا يزال أقل من الربع، وتمثل الجمهوريات 13 في المائة فقط من نسبة التمثيل الجمهوري هناك، فيما أن النساء الديمقراطيات يتمتعن بـ104 مقاعد في المجلسين. وتعكس هذه الأرقام الفارق الكبير في تمثيل النساء في الحزبين.
وقد كان هذا الفارق واضحاً عندما تسلمت نانسي بيلوسي مقعد رئاسة مجلس النواب في العام 2006 لتكون بذلك المرأة الأولى التي تتسلم هذا المنصب.
وفي حال تمكنت بيلوسي من الحفاظ على مقعدها في رئاسة المجلس في دورة الكونغرس الجديدة، فإن الضوء سيسلط بشكل كبير على إنجازات الحزب الديمقراطي في التمثيل النسائي، خاصة في خطابات حال الاتحاد. إذ أنه ولأول مرة في التاريخ ستجلس امرأتان وراء الرئيس، الأولى كامالا هاريس في مقعد رئيس مجلس الشيوخ، وإلى جانبها ستجلس بيلوسي في مقعد رئيس مجلس النواب.
- «السيد الثاني»
لأول مرة في التاريخ الأميركي، سيشغل رجل منصب «السيد الثاني». زوج نائبة الرئيس المنتخبة كامالا هاريس، دوغلاس ايمهوف البالغ من العمر 56 عاماً سيكون الرجل الأول في هذا المنصب في البيت الأبيض الذي تشغله حالياً كارين بنس، زوجة نائب الرئيس الأميركي مايك بنس. ايمهوف هو محام سابق وقد أعلن عن استقالته من منصبه في شركة المحاماة التي يعمل بها «ليتفرغ لدوره في البيت الأبيض». وقال ايمهوف عن دوره الجديد: «إنه لشرف عظيم… آمل أن أبدأ بالعمل على ملفات العدالة والفرص لتحقيق الحلم الأميركي». وقال بايدن لايمهوف عن دوره الجديد: «دوغ، اعلم أنك أنت أيضاً قد صنعت التاريخ في العمل الذي ستبدأ به».



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended