تقرير: خسر ترمب وليس «الترمبية»

خبيرة استراتيجية ترى أن الرئيس لا يزال يحقق نجاحاً على المسرح السياسي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض ويرتدي قبعة عليها شعار حملته «نجعل أميركا عظيمة مرة أخرى» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض ويرتدي قبعة عليها شعار حملته «نجعل أميركا عظيمة مرة أخرى» (رويترز)
TT

تقرير: خسر ترمب وليس «الترمبية»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض ويرتدي قبعة عليها شعار حملته «نجعل أميركا عظيمة مرة أخرى» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض ويرتدي قبعة عليها شعار حملته «نجعل أميركا عظيمة مرة أخرى» (رويترز)

خسر الرئيس الأميركي دونالد ترمب الانتخابات، لكنّ تيار «الترمبية» لم يخسر؛ لأنه ورغم تلك الخسارة، فقد فاز الرئيس ترمب في أجزاء من البلاد ومع الناخبين الذين اهتمّ بهم ترمب لأكثر من أربع سنوات، بحسب تقرير لوكالة «رويترز».
وقال الرئيس دونالد ترمب وهو يختتم حملته الانتخابية بسلسلة من اللقاءات الجماهيرية الصاخبة للحاضرين وسط هتافاتهم، إنهم سيُثبتون لكل الخبراء أنهم أخطأوا مرة أخرى تماماً مثلما أخطأوا عندما فاز على غير المتوقع بالرئاسة الأميركية في 2016.
وفي أحد هذه اللقاءات يوم 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي في ولاية بنسلفانيا قال ترمب: «موجة حمراء عالية قادمة»، متوقعاً بذلك زيادة كبيرة في التأييد الجمهوري تدفع به للفوز بفترة رئاسة ثانية. وأضاف: «ما من شيء يستطيعون أن يفعلوه حيال ذلك».

* تصريحات مثيرة للجدل
وذكرت وسائل إعلام أن ترمب خسر السباق الذي سعى فيه للاحتفاظ بالبيت الأبيض وفاز منافسه الديمقراطي جو بايدن نائب الرئيس السابق. ومع ذلك فقد كان أداء ترمب أفضل كثيراً من عشرات الاستطلاعات التي أشارت إلى أنه قد يخسر بفارق كبير، وأثبت أن قاعدة أنصاره أكبر وأكثر ولاءً مما كان مراقبون كثيرون يدركون.
وكان الديمقراطيون يأملون أن يتبرأ الناخبون من ترمب بسبب الفوضى التي اتسمت بها فترة رئاسته وتصريحاته الداعية للانقسام في الحملة الانتخابية. وبدلاً من ذلك حصل ترمب على نحو 7.3 مليون صوت زيادة على الأصوات التي فاز بها في 2016، وفقاً لما تبيّنه النتائج الأولية.
فقد وقف كثيرون من أعضاء الكونغرس الجمهوريين المقبلين على الانتخابات في دوائرهم مع ترمب خلال محاكمته في الكونغرس العام الماضي وفي العام الحالي خلال إدارته لجائحة «كورونا» التي لقيت انتقادات واسعة وكذلك خلال الاضطرابات المدنية بسبب حوادث إطلاق الشرطة النار على عدد من السود.

وكوفئ بعض هؤلاء الحلفاء بالانتصار في انتخابات الكونغرس بما قد يسمح للحزب الجمهوري بالحفاظ على أغلبية ضئيلة. كما كسب الجمهوريون خمسة مقاعد جديدة في مجلس النواب الذي يسيطر عليه الديمقراطيون.
وقد تحقق الأداء القوي الذي أبداه الحزب الجمهوري، خلافا لتوقعات المنتقدين والخبراء، رغم الفارق الهائل الذي تمتع به الديمقراطيون في جمع التبرعات في أواخر حملة الدعاية الانتخابية ورغم التحول الحاد في التأييد لصالح الديمقراطيين بين سكان ضواحي المدن الأميركية.
وبلغ السباق المتقارب النتائج ذروته في الأصوات البريدية التي بدأ فرزها في وقت متأخر من عمليات الفرز بولايتي جورجيا وبنسلفانيا، الأمر الذي رجح الكفة لصالح بايدن. غير أن ترمب لم يسلِّم بالهزيمة. فقد سعى الرئيس الذي حصل على أصوات أكثر من أي مرشح جمهوري آخر في التاريخ لنزع صفة الشرعية عن النتيجة بإعلانه، دون أي دليل، أنه تعرض للغش. وعلى الأرجح ستشهد عدة ولايات عمليات إعادة فرز للأصوات كما أن ترمب لا يزال يخوض معارك قانونية لإلغاء النتائج.
وحتى في أثناء فرز آخر الأصوات في الولايات حطمت النتائج آمال الديمقراطيين في انتهاء التيار الترمبوي. وإذا أصبح فوز بايدن رسمياً واحتفظ الجمهوريون بالسيطرة على مجلس الشيوخ ربما يجد الرئيس الجديد نفسه مكبلاً في مساعيه لسن التشريعات والفوز بتصديق الكونغرس على تعيينات القضاة والمسؤولين في الإدارة.

* طبقات صوّتت لترمب
وأياً كان مستقبل ترمب نفسه، فقد قال ديمقراطيون وجمهوريون، على حدٍّ سواء، إنه سيتعين عليهم أن يأخذوا في حسبانهم استمرار الجاذبية المتمثلة في أسلوبه المثير للجدل على مسرح السياسة الشعبوية.
وقال جو غروترز، رئيس الحزب الجمهوري في فلوريدا، إن رسالة ترمب عن الحرية الاقتصادية حتى خلال الجائحة كسبت أصوات عدد كبير من الناخبين. وأضاف: «صوّت الناس لرئيس الولايات المتحدة بفضل رسائله الإيجابية عن المستقبل وخروجه عن الطرق المألوفة لكي يضع أميركا في المقدمة».

وقال ستو روزنبرغ، المحلل السياسي المستقل، إن السباق الانتخابي أكد سهولة التكيف عند ترمب الذي حرّك أعداداً كبيرة من أنصاره في قاعدة مؤيديه من البيض وهم في كثير من الأحيان من ناخبي الطبقة العاملة وحقق مكتسبات جديدة بين الناخبين ذوي الأصول اللاتينية وهم من الناخبين الأساسيين للتحالف الديمقراطي.
وقال روزنبرغ إن الانتخابات لم تسفر عن «الهزيمة الساحقة» التي كان الديمقراطيون والجمهوريون المعارضون لترمب يريدونها. وأضاف متحدثاً عن ترمب: «من بعض الجوانب لم تكن تلك النتيجة مختلفة عمّا تحقق قبل أربع سنوات رغم فشله في التعامل مع فيروس (كورونا) والاقتصاد».
وقالت كارين فيني، المخططة الاستراتيجية صاحبة الخبرة الطويلة في المعسكر الديمقراطي التي كانت متحدثة باسم حملة هيلاري كلينتون في انتخابات 2016 الرئاسية، إن ترمب لا يزال يحقق نجاحاً على المسرح السياسي باستخدام عبارات مهيجة للجماهير لتأجيج التوتر العرقي والثقافي. وقالت إن تقارب النتائج الانتخابية يثبت «أننا بلد لا يزال منقسماً جداً جداً».

* مخالفة توقعات الخبراء
وأكدت النتيجة الأولية للانتخابات عمق الانقسام الحزبي الذي تعاني منه البلاد. فبعد عام شهد الجائحة وانهياراً اقتصادياً واضطرابات اجتماعية واسعة الانتشار على حوادث قتل السود برصاص الشرطة، أظهرت استطلاعات الخروج لآراء مَن أدلوا بأصواتهم أن قلة قليلة من الناس غيّرت مواقفها الحزبية. فقد بيّنت الاستطلاعات التي أجراها مركز «إديسون للأبحاث» أن ترمب احتفظ بتأييد أغلبية قوية من الناخبين البيض تبلغ نحو 55% بانخفاض بسيط عما حققه في 2016.
وأيّد البيض غير الجامعيين الذين يمثّلون قلب قاعدة ترمب الشعبية الرئيس بفارق يتجاوز 20 نقطة عن التأييد الذي حصل عليه بايدن من هذه الفئة. غير أن البيانات أوضحت أن هامشه في تلك الفئة انكمش بنحو أربع نقاط.

وقال مايك مدريد، الذي شارك في تأسيس «مشروع لينكولن» وهو مجموعة من الساسة الجمهوريين السابقين، إنه يعتقد أن «الترمبية» ستبقى قلب الحزب الجمهوري. وأضاف: «ستستمر الترمبية والنزعة الوطنية الشعبية والسياسة القائمة على شكوى البيض المتعلقة بالهوية»، مشيراً إلى أن الأغلبية الكبيرة من الجمهوريين المنتخَبين ليس لديها استعداد يُذكر لشيء مختلف.

* أصوات غير متوقعة
ومع ذلك تشير الاستطلاعات إلى زيادة التأييد لترمب بنحو أربع نقاط مئوية بين الأميركيين من أصول أفريقية ولاتينية وآسيوية مقارنةً بما كان عليه الحال قبل أربع سنوات. وقد أدلى نحو 39% من ذوي الأصول اللاتينية الأكبر سناً بأصواتهم لصالح ترمب بزيادة 14 نقطة عن عام 2016 في حين أيّد 19% من الناخبين السود بين سن 30 و44 الرئيس، وهو ما يزيد 12 نقطة على الانتخابات السابقة. وفي الوقت نفسه تراجع مستوى تأييد ترمب بنحو نقطتين بين الناخبين البيض الأكبر سناً.
وفي ولاية فلوريدا لعبت زيادة تقدّر بنحو 12 نقطة لصالح ترمب بين الناخبين من أصول لاتينية مقارنةً بعام 2016 دوراً مهماً في تحقيق الفوز له في هذه الولاية التي تشهد تنافساً كبيراً. وأذهلت تلك النتائج خصوم ترمب الذين دأبوا على مهاجمة الرئيس لما يصفونه بتعليقاته العنصرية وسياساته القاسية فيما يتعلق بالهجرة.
وعلى نحو لافت عزز الرئيس التأييد الشعبي له في مناطق يكثر فيها ذوو الأصول اللاتينية في ولاية تكساس فكان أداؤه أفضل بفارق من 11 إلى 27 نقطة في مقاطعات على امتداد الحدود الجنوبية للولاية مع المكسيك.

وفي مقاطعة هيدالغو التي يتجاوز ذوو الأصول اللاتينية 90% من سكانها، حصل ترمب على 40 ألف صوت أكثر مما حصل عليه قبل أربع سنوات، ليرتفع نصيبه من الأصوات من 28% إلى 41%. وقالت أستاذة في العلوم السياسية إن حملة بايدن غير اللافتة التي تجنب فيها اللقاءات الجماهيرية المباشرة على النقيض من ترمب، منحت الرئيس اليد العليا عند بعض الناخبين من أصول لاتينية.
فقد قالت فيكتوريا دي فرانسيسكو سوتو، العميد المساعد بكلية «ليندون بي. جونسون للشؤون العامة» بجامعة تكساس في أوستن: «منطقة ريو غراند فالي، شأنها شأن المناطق الأخرى التي يكثر فيها أصحاب الأصول اللاتينية مثل فلوريدا، مكان شعبي ينتمي بدرجة كبيرة للمدرسة القديمة يحتاج إلى نهج سياسي يقوم على التواصل الوثيق». وقالت إنه ليس من المفاجئ أن يتجاهل الناخبون موقف ترمب من الهجرة لأن كثيرين من ذوي الأصول اللاتينية الذين يعيشون قرب الحدود محافظون إلى حدٍّ ما فيما يتعلق بمشكلات الهجرة.
كما أظهرت استطلاعات على مدار العام أن الناخبين من نساء الضواحي والأكبر سناً حوّلوا ولاءهم عن الرئيس. غير أن ترمب لم يفقد جاذبيته في عيون المتدينين بمن فيهم الإنجيليون والجمهوريون المهتمون بدخلهم الذين أعجبتهم تخفيضاته الضريبية والناخبون البيض في الأغلب من غير الجامعيين والذين كانوا في وقت من الأوقات من أنصار الديمقراطيين.



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.