عميد الأدب العربي... انحاز للفقراء وأفكاره لا تزال تشتبك مع عصرنا

كتاب ونقاد مصريون يستعيدون طه حسين بعد نصف قرن على رحيله

عميد الأدب العربي... انحاز للفقراء وأفكاره لا تزال تشتبك مع عصرنا
TT

عميد الأدب العربي... انحاز للفقراء وأفكاره لا تزال تشتبك مع عصرنا

عميد الأدب العربي... انحاز للفقراء وأفكاره لا تزال تشتبك مع عصرنا

ماذا تبقى من طه حسين، بعد نحو نصف قرن من رحيله عن عالمنا؟ الرجل الذي شغل عصره وزمانه، وأرسى ركائز الاستنارة والعقلانية في التعامل مع قضايا الأدب والتاريخ والمجتمع، وتعرض للمحاكمة بسبب كتابه «في الشعر الجاهلي» عام 1926، في واحدة من أشهر القضايا والمعارك الثقافية التي شهدتها مصر والعالم. بهذه المناسبة تستطلع «الشرق الأوسط» في هذا التحقيق آراء نقاد وكتاب مصريين، حول تراث «عميد الأدب العربي»، وما الذي نأخذ منه لدعم مستقبلنا وثقافتنا الراهنة.

د. جابر عصفور: «معلم الفقراء»
كان طه حسين معلماً للفقراء، وهو أول من تحمس لهم، وحرص على أن ينالوا من التعليم ما لم يصل له في صباه. وعلى هذا عندما تولى مهام وزارة التعليم في 12 يناير (كانون الثاني) 1950، أصدر قراراً في 1951 بمجانية التعليم الثانوي، اتساقاً مع فكرة أن التعليم متاح ومشاع كالماء والهواء. وقد ظل مؤمناً بما كتبه في مؤلفه المهم: «مستقبل الثقافة في مصر» الذي أصدره عام 1938، والذي قام بتأليفه بعد توقيع معاهدة 1936 مع إنجلترا، ووضع فيه تصوره لما يجب أن تكون عليه مصر من الناحية التعليمية والقدرة على التأثير.
ركز «العميد» على نقطتين مهمتين جداً فيما يتصل بتعليم الفقراء، أولاهما نوعية التعليم الذي يجب أن يقدم لهم؛ لكن للأسف الآن أصبحت العملية التعليمية تدار دون أن يكون لها مضمون حقيقي. وقد قرأت طه حسين جيداً، ولدي كتاب يناقش مؤلفاته وأفكاره، وأرى أن أهم ما نادى به طه حسين هو تعليم الفقراء بلا مقابل، بحيث لا تحمِّلهم الدولة أي أعباء؛ خصوصاً المتفوقين منهم، والآن لا تزال مجانية التعليم قضية مشكوكاً فيها، أما عن نوعية التعليم التي دعا إليها فلم تتحقق في عديد من الدول باستثناء الدول الغنية التي تمتلك ثروة نفطية؛ لكن بقية الدول غير قادرة على تحقيق نوعية التعليم التي دعا لها «العميد» وحلم بها.
أما القضية الأخطر التي دعا لها فهي إلغاء ثنائية التعليم. كان يرفض وجود نوعين من التعليم (مدني وديني) ويرى أن التعليم لكي يؤتي ثماره ويحقق أهدافه في بناء المجتمع، لا بد من أن يكون - حسب معايير الدولة التي تسعي لوجود حكم مدني ديمقراطي حديث - تعليماً مدنياً وليس دينياً. من هنا رفض التعليم المزدوج، وكان يرى أنه سوف يؤدي لانقسامات كبيرة في المجتمع، ويرسخ قيم رفض الآخر، وعدم قبول وجهات النظر المخالفة. وقد خبر «العميد» ذلك عملياً أثناء دراسته في «الأزهر»؛ حيث ناله كثير من التعنت بسبب وجهات نظره التي كان من نتائجها خروجه من هناك دون حصوله على «العالمية»، واضطراره للالتحاق بـ«الجامعة الأهلية» التي حصل منها على درجة الدكتوراه، عن أبي العلاء المعري، ثم سفره إلى فرنسا وحصوله على الدكتوراه من «جامعة مونبلييه»، في فلسفة ابن خلدون. وكان المناخ بالطبع في كلتا الجامعتين مختلفاً تماماً عما لاقاه من شيوخه في «الأزهر».
ورغم مرور كل هذه السنوات على دعوته إلى تحقيق تعليم متجانس؛ فإنها ما زالت حتى الآن لا تجد إرادة قادرة على تفعيلها ووضعها موضع التنفيذ، ولا أظن ذلك سيتحقق، فنحن خاضعون لضغط الجماعات الإرهابية، والتيارات السلفية. من هنا لن يتحقق التعليم المدني المستدام الذي قال عنه طه حسين إنه واجب مستمر لا بد من إعطائه للمثقف على مدى حياته. وقد كان يرى المدارس مراكز حضارية مشعة، وليست أماكن لتلقي الدروس فقط؛ بل لديها دورها المهم في المجتمعات التي حولها.

د. أشرف راضي: «سيرته الذاتية»
أهم ما في مشروع طه حسين الفكري هو سيرته الذاتية التي دونها في رواية «الأيام»، وظلت مقررة على طلاب الثانوية العامة في مصر لسنوات طويلة، وشكَّلت وجدانهم، وكانت نبراساً لمسيرتهم في الحياة، وهي أهم وأعظم ما تركه «العميد»، وتقدم سيرته الذاتية والأفكار التي طرحها في موضوعات شتى. في تقديري، فإن عدداً من الرسائل لا تزال صالحة: أولها السعي للتحرر من القيود التي فرضها العجز الجسدي؛ حيث تغلب على فقدان البصر بتقوية البصيرة، والقيود التي فرضتها نشأته في قرية نائية، والتي فرضها «الأزهر»، وقد تحداها بانتقاله للدراسة في «الجامعة المصرية» الوليدة، لاكتشاف معارف جديدة وعلوم أحدث، وأخيراً القيود التي تضعها أفكار الأولين، والتي تحداها بكتابه «في الشعر الجاهلي» عام 1926 الذي أحدث ضجة سياسية وفكرية.
يروي لنا طه حسين في «الأيام» عن الخرافات والأساطير التي كانت شائعة في قريته الصغيرة؛ لكنه لم يسلم عقله الصغير لهذه المرويات. كان يحركه الشغف بالمعرفة والعلم، ولم ينتهِ شغفه بحصوله على الدكتوراه في الأدب العربي وأرفع الجوائز الأدبية، فراح يغوص في تراثنا الأدبي متعلماً قبل أن يكون عالماً.

الروائي أشرف الصباغ:
«منظومة كاملة»
بعد حوالي نصف قرن على رحيله، وما يقرب من 84 عاماً (1889– 1973) عاشها، قدم طه حسين منظومة كاملة من الأفكار والرؤى، من الصعب أن نتعامل معه على أنه ماكينة أفكار فقط، إنما يجب التعامل مع ما قدمه باعتباره نسقاً فكرياً متكاملاً، ومنهجاً ورؤية شاملة للتقدم. لكن من جهة أخرى، لا يمكن القول إن كل ما تركه طه حسين يصلح الآن لحياة المجتمع المصري أو المجتمعات العربية عموماً. لقد مر على ما طرحه وقدمه نحو نصف قرن. جرت خلال تلك الفترة تحولات جذرية في العالم، وحدثت طفرات في الفكر والفلسفة والأدب والنقد، ودخلت البشرية عصر التقدم العلمي التقني ما بعد الحداثي والعالم الافتراضي. تكمن أهمية طه حسين وطروحاته في قيمة أخرى تتعلق حصراً بتحوله إلى نسق معرفي، وقوة دفع لإطلاق أفكار جديدة نحو المستقبل الذي كان يؤمن به ويعمل ويغامر بحياته من أجله. ربما يكون الواقع نفسه، وبحكم الزمن، قد تجاوز أفكاره؛ لكن من حيث الجوهر، فإن أفكاره في الفلسفة والمجتمع والتعليم، ومن حيث الرؤية الاجتماعية للتاريخ، تتحول إلى شكل من أشكال رأس المال الرمزي في حقلَي الثقافة والمعرفة، وهذا هو الأهم الذي يُكسبها قيمة متجددة.

الباحث نبيل عبد الفتاح:
«منهج مغاير»
السؤال المعرفي والإشكالي حول أثر طه حسين في تطور نظم الأفكار الحداثية، يبدو لي جزءاً من خطاب البداهات؛ لأن المقارنات المنهجية والبحثية الفعالة انتهت بما يشبه الإجماع على الأثر الفعال لدوره، وكتاباته التأسيسية في عديد من المجالات، وطرحه الأسئلة المختلفة، والمنهج التاريخي النقدي المغاير الذي أحدث قطيعة مع الفكر الموروث والتقليدي، والبلاغة الكلاسيكية والذائقة اللغوية المسيطرة. لطه حسين حضوره الباهر في قلب الكتابة العربية كلها بلا نزاع، وذلك منذ كتابه «في الشعر الجاهلي»، وما طرحه من مقاربة تاريخية صادمة للعقل النقلي الأدبي والديني معاً، وهي ممارسة تاريخية شكلت قطعاً منهجياً ومعرفياً مع السائد والمسيطر الذي يعيد في ملل تكرار مقولات لا تاريخية، ثم كتابه «الفتنة الكبرى»، وغيرها من الكتب التي لا تزال تمثل جذوراً مرجعية أولية في مقاربة الموروثات التاريخية، فالمقاربة التي أسس لها «العميد» شكَّلت الموجِّه التاريخي لعديد من الكتابات التي مارسها بعض كبار الباحثين العرب. من هنا يمكن القول إن «العميد» سيبقى جزءاً من تاريخ الفكر العربي الحديث والمعاصر.

د. كمال مغيث: «قيمة كبرى»
كان طه حسين صاحب أكمل مشروع نهضوي، بدءاً من حديثه عن التعليم ودوره، والجامعة ودورها، وعن الديمقراطية والدستور، وحتى كتاباته في التراث والدين والثقافة والعلاقة مع الغرب، والترجمة. ولا يمكن النظر إلى كتاباته بعيداً عن هموم مجتمعه. وقد اختبر كل ما قدم من اجتهادات في الواقع في مرحلة ما قبل «ثورة 1919» وأثناءها، وخلال علاقته بحزب «الأحرار الدستوريين»، و«الوفد»، ثم مع «ثورة يوليو» (تموز) 1952 حتى وفاته. كل هذا يجعل لطه حسين ولأفكاره قيمة كبرى ونحن نتصدى لمشكلاتنا، وقد كان لديه ثلاث قضايا رئيسية: أولها الإيمان بحرية النقد وحرية العقل، وبالديمقراطية، وبالعدالة الاجتماعية. وكان يعتقد أن الانطلاق لتحقيقها لا بد من أن يكون من خلال تراثنا، كما اختبر أفكاره في التعليم في مواقع كثيرة، فضلاً عن ممارستها في الجامعة، وقد كان لديه إيمان مطلق بمجانية التعليم.

د. محمد بدوي: «النظرة النقدية»
في تقديري أن طه حسين نموذج للمفكر الحداثي. بل هو أهم مفكر منذ «عصر النهضة» إلى اليوم، ونحن ما زلنا في حاجة إلى مشروعه وأفكاره. نحتاج إلى تعميم منهجه العلمي في دراسة الأدب والثقافة والعلوم الإنسانية، وهو المنهج الذي يقوم على النظرة النقدية، كما ظهر في كتبه عن ابن خلدون والشعر الجاهلي والفتنة الكبرى. نحتاجه أيضاً في تعميق رؤيتنا للعلاقة بالآخر، كما صاغها في كتابه «مستقبل الثقافة في مصر»، وهو أكثر الرؤى الحديثة كمالاً وعمقاً. كما نحتاجه في فهم مسألة الهوية، فقد كان يضع قدماً في التراث العربي وأخرى في الثقافة الحديثة.
وأخيراً يحتاج المثقف العربي إلى إرادة طه حسين الحديدية وجرأته في اقتحام القضايا المتعلقة بالتقدم والعدالة، وقدرته على تفكيك البديهيات والمسلمات.

الناقد عبد الناصر حنفي:
«ابن لحظته وواقعه»
لا شك في أن جهود طه حسين كانت خطوة متقدمة ومطلوبة بشدة، في سياق إعادة بناء الثقافة المصرية وتحديد المسارات الرئيسية لعلاقتها بالعالم ورؤيتها لذاتها وللآخر. والأمر هنا لا يتوقف على ما كتبه أو ما حاول إتاحة تداوله من أفكار فحسب، إنما يمتد أيضاً لدوره الأكاديمي والحكومي في صناعة السياسة الثقافية المصرية.
لكن منجزه كان في النهاية مجرد خطوة تمهيدية لا قيمة لها بذاتها، إن لم تكن مقدمة لغيرها، ولا أعتقد أن هذه النقطة كانت غائبة عن رهانات طه حسين نفسه، بالنظر إلى حرصه على هدوء أفكاره (بل تقليم أظافرها إن لزم الأمر) وتدرج الإجراءات التي يقوم بها أو يدعو إليها، ولذلك سيبدو هذا «المفكر» الذي جمع بين سمات المثقف الأكاديمي ورجل الدولة، ابن لحظته وواقعه بصورة مفرطة، وهو واقع يتباعد عنا بسرعات فلكية منذ سبعينات القرن الماضي.

الكاتب حاتم رضوان:
«تجنب ثقافة النقل»
دعا طه حسين إلى تجديد الخطاب الثقافي، وعدم الانسياق وراء الأفكار والقوالب الجامدة والجاهزة، وتجنب ثقافة النقل. وكانت له آراء بخصوص الديمقراطية، أكد فيها أنها السبيل الوحيد إلى تحديث المجتمع وتحرير الوطن وتوحيد الأمة، وأن الديمقراطية والحرية عنصران أساسيان ومتلازمان لأي وجود إنساني. ونادى بتعلم وإتقان اللغات الأجنبية لمعرفة الآخر والانفتاح على الغرب المتحضر؛ لكي نكون أنداداً وشركاء له في الحضارة، وهو صاحب شعار «التعليم كالماء الذي نشربه والهواء الذي نتنفسه». كما كانت لغته سابقة لعصرها تمتاز بالسلاسة والبعد عن التقعر والتعقيد.



رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي
TT

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

نعى اتحاد الأدباء والكتاب في العراق الشاعر والناقد مالك المطلبي، صبح هذا اليوم (الخميس)، عن عمر ناهز 85 عاماً في أحد مستشفيات بغداد.

وُلد المطلبي عام 1941 في ناحية المشرح، التابعة لمدينة العمارة، محافة ميسان، جنوب العراق، ونشأ في بيئة علمية وأدبية عُرفت بإسهاماتها في مجالات الشعر، والنقد، والترجمة، والقصة.

عمل في بداية شبابه مدرساً في محافظة ميسان، بعد حصوله على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من جامعة بغداد، قبل أن ينتقل للعمل في الإذاعة والتلفزيون عام 1969، ثم مديراً لدائرة ثقافة الأطفال، ورئيساً لتحرير «مجلتي» و«المزمار».

حصل على شهادة الماجستير في علم اللغة من جامعة القاهرة، وبعد حصوله على الدكتوراه عمل مدرساً في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، حتى إحالته على التقاعد، ليعمل بعدها مدرساً في قسم الإعلام بجامعة الإسراء حتى وفاته.

وللمطلبي العديد من الكتب والأبحاث، من ضمنها...

«الزمن واللغة»، و«السياب ونازك والبياتي - دراسة لغوية، و«شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك» (تحقيق مشترك، و«الثوب الجسد» (تحليل لشعر السياب)، و«وهم الحدس في النظرية الشعرية» و«مرآة السرد» (مشترك) دراسة في أدب محمد خضير القصصي.

ومن مجموعاته الشعرية...

* سواحل الليل - بغداد (مجموعة شعرية) 1965.

* الذي يأتي بعد الموت (مجموعة شعرية) 1979.

* جبال الثلاثاء (مجموعة شعرية) بغداد 1981.

* ذاكرة الكتابة

* حفريات في الوعي اللامهمل (نصوص).

* جمادات متوعكة (مجموعة شعرية).

وكان آخر مؤلفاته «رباعية المشروع البصرياثي لمحمد خضير»، الصادر عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق 2026.

ومن أشهر أعماله كتابة سيناريو «مسلسل المتنبي» الذي أنتجه تلفزيون بغداد، وقام ببطولته النجم المصري أحمد مرعي، كما قام بتأليف «مسلسل أشهى الموائد في مدينة القواعد» عام 1999 مع المخرج عماد عبد الهادي.


العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.