عميد الأدب العربي... انحاز للفقراء وأفكاره لا تزال تشتبك مع عصرنا

كتاب ونقاد مصريون يستعيدون طه حسين بعد نصف قرن على رحيله

عميد الأدب العربي... انحاز للفقراء وأفكاره لا تزال تشتبك مع عصرنا
TT

عميد الأدب العربي... انحاز للفقراء وأفكاره لا تزال تشتبك مع عصرنا

عميد الأدب العربي... انحاز للفقراء وأفكاره لا تزال تشتبك مع عصرنا

ماذا تبقى من طه حسين، بعد نحو نصف قرن من رحيله عن عالمنا؟ الرجل الذي شغل عصره وزمانه، وأرسى ركائز الاستنارة والعقلانية في التعامل مع قضايا الأدب والتاريخ والمجتمع، وتعرض للمحاكمة بسبب كتابه «في الشعر الجاهلي» عام 1926، في واحدة من أشهر القضايا والمعارك الثقافية التي شهدتها مصر والعالم. بهذه المناسبة تستطلع «الشرق الأوسط» في هذا التحقيق آراء نقاد وكتاب مصريين، حول تراث «عميد الأدب العربي»، وما الذي نأخذ منه لدعم مستقبلنا وثقافتنا الراهنة.

د. جابر عصفور: «معلم الفقراء»
كان طه حسين معلماً للفقراء، وهو أول من تحمس لهم، وحرص على أن ينالوا من التعليم ما لم يصل له في صباه. وعلى هذا عندما تولى مهام وزارة التعليم في 12 يناير (كانون الثاني) 1950، أصدر قراراً في 1951 بمجانية التعليم الثانوي، اتساقاً مع فكرة أن التعليم متاح ومشاع كالماء والهواء. وقد ظل مؤمناً بما كتبه في مؤلفه المهم: «مستقبل الثقافة في مصر» الذي أصدره عام 1938، والذي قام بتأليفه بعد توقيع معاهدة 1936 مع إنجلترا، ووضع فيه تصوره لما يجب أن تكون عليه مصر من الناحية التعليمية والقدرة على التأثير.
ركز «العميد» على نقطتين مهمتين جداً فيما يتصل بتعليم الفقراء، أولاهما نوعية التعليم الذي يجب أن يقدم لهم؛ لكن للأسف الآن أصبحت العملية التعليمية تدار دون أن يكون لها مضمون حقيقي. وقد قرأت طه حسين جيداً، ولدي كتاب يناقش مؤلفاته وأفكاره، وأرى أن أهم ما نادى به طه حسين هو تعليم الفقراء بلا مقابل، بحيث لا تحمِّلهم الدولة أي أعباء؛ خصوصاً المتفوقين منهم، والآن لا تزال مجانية التعليم قضية مشكوكاً فيها، أما عن نوعية التعليم التي دعا إليها فلم تتحقق في عديد من الدول باستثناء الدول الغنية التي تمتلك ثروة نفطية؛ لكن بقية الدول غير قادرة على تحقيق نوعية التعليم التي دعا لها «العميد» وحلم بها.
أما القضية الأخطر التي دعا لها فهي إلغاء ثنائية التعليم. كان يرفض وجود نوعين من التعليم (مدني وديني) ويرى أن التعليم لكي يؤتي ثماره ويحقق أهدافه في بناء المجتمع، لا بد من أن يكون - حسب معايير الدولة التي تسعي لوجود حكم مدني ديمقراطي حديث - تعليماً مدنياً وليس دينياً. من هنا رفض التعليم المزدوج، وكان يرى أنه سوف يؤدي لانقسامات كبيرة في المجتمع، ويرسخ قيم رفض الآخر، وعدم قبول وجهات النظر المخالفة. وقد خبر «العميد» ذلك عملياً أثناء دراسته في «الأزهر»؛ حيث ناله كثير من التعنت بسبب وجهات نظره التي كان من نتائجها خروجه من هناك دون حصوله على «العالمية»، واضطراره للالتحاق بـ«الجامعة الأهلية» التي حصل منها على درجة الدكتوراه، عن أبي العلاء المعري، ثم سفره إلى فرنسا وحصوله على الدكتوراه من «جامعة مونبلييه»، في فلسفة ابن خلدون. وكان المناخ بالطبع في كلتا الجامعتين مختلفاً تماماً عما لاقاه من شيوخه في «الأزهر».
ورغم مرور كل هذه السنوات على دعوته إلى تحقيق تعليم متجانس؛ فإنها ما زالت حتى الآن لا تجد إرادة قادرة على تفعيلها ووضعها موضع التنفيذ، ولا أظن ذلك سيتحقق، فنحن خاضعون لضغط الجماعات الإرهابية، والتيارات السلفية. من هنا لن يتحقق التعليم المدني المستدام الذي قال عنه طه حسين إنه واجب مستمر لا بد من إعطائه للمثقف على مدى حياته. وقد كان يرى المدارس مراكز حضارية مشعة، وليست أماكن لتلقي الدروس فقط؛ بل لديها دورها المهم في المجتمعات التي حولها.

د. أشرف راضي: «سيرته الذاتية»
أهم ما في مشروع طه حسين الفكري هو سيرته الذاتية التي دونها في رواية «الأيام»، وظلت مقررة على طلاب الثانوية العامة في مصر لسنوات طويلة، وشكَّلت وجدانهم، وكانت نبراساً لمسيرتهم في الحياة، وهي أهم وأعظم ما تركه «العميد»، وتقدم سيرته الذاتية والأفكار التي طرحها في موضوعات شتى. في تقديري، فإن عدداً من الرسائل لا تزال صالحة: أولها السعي للتحرر من القيود التي فرضها العجز الجسدي؛ حيث تغلب على فقدان البصر بتقوية البصيرة، والقيود التي فرضتها نشأته في قرية نائية، والتي فرضها «الأزهر»، وقد تحداها بانتقاله للدراسة في «الجامعة المصرية» الوليدة، لاكتشاف معارف جديدة وعلوم أحدث، وأخيراً القيود التي تضعها أفكار الأولين، والتي تحداها بكتابه «في الشعر الجاهلي» عام 1926 الذي أحدث ضجة سياسية وفكرية.
يروي لنا طه حسين في «الأيام» عن الخرافات والأساطير التي كانت شائعة في قريته الصغيرة؛ لكنه لم يسلم عقله الصغير لهذه المرويات. كان يحركه الشغف بالمعرفة والعلم، ولم ينتهِ شغفه بحصوله على الدكتوراه في الأدب العربي وأرفع الجوائز الأدبية، فراح يغوص في تراثنا الأدبي متعلماً قبل أن يكون عالماً.

الروائي أشرف الصباغ:
«منظومة كاملة»
بعد حوالي نصف قرن على رحيله، وما يقرب من 84 عاماً (1889– 1973) عاشها، قدم طه حسين منظومة كاملة من الأفكار والرؤى، من الصعب أن نتعامل معه على أنه ماكينة أفكار فقط، إنما يجب التعامل مع ما قدمه باعتباره نسقاً فكرياً متكاملاً، ومنهجاً ورؤية شاملة للتقدم. لكن من جهة أخرى، لا يمكن القول إن كل ما تركه طه حسين يصلح الآن لحياة المجتمع المصري أو المجتمعات العربية عموماً. لقد مر على ما طرحه وقدمه نحو نصف قرن. جرت خلال تلك الفترة تحولات جذرية في العالم، وحدثت طفرات في الفكر والفلسفة والأدب والنقد، ودخلت البشرية عصر التقدم العلمي التقني ما بعد الحداثي والعالم الافتراضي. تكمن أهمية طه حسين وطروحاته في قيمة أخرى تتعلق حصراً بتحوله إلى نسق معرفي، وقوة دفع لإطلاق أفكار جديدة نحو المستقبل الذي كان يؤمن به ويعمل ويغامر بحياته من أجله. ربما يكون الواقع نفسه، وبحكم الزمن، قد تجاوز أفكاره؛ لكن من حيث الجوهر، فإن أفكاره في الفلسفة والمجتمع والتعليم، ومن حيث الرؤية الاجتماعية للتاريخ، تتحول إلى شكل من أشكال رأس المال الرمزي في حقلَي الثقافة والمعرفة، وهذا هو الأهم الذي يُكسبها قيمة متجددة.

الباحث نبيل عبد الفتاح:
«منهج مغاير»
السؤال المعرفي والإشكالي حول أثر طه حسين في تطور نظم الأفكار الحداثية، يبدو لي جزءاً من خطاب البداهات؛ لأن المقارنات المنهجية والبحثية الفعالة انتهت بما يشبه الإجماع على الأثر الفعال لدوره، وكتاباته التأسيسية في عديد من المجالات، وطرحه الأسئلة المختلفة، والمنهج التاريخي النقدي المغاير الذي أحدث قطيعة مع الفكر الموروث والتقليدي، والبلاغة الكلاسيكية والذائقة اللغوية المسيطرة. لطه حسين حضوره الباهر في قلب الكتابة العربية كلها بلا نزاع، وذلك منذ كتابه «في الشعر الجاهلي»، وما طرحه من مقاربة تاريخية صادمة للعقل النقلي الأدبي والديني معاً، وهي ممارسة تاريخية شكلت قطعاً منهجياً ومعرفياً مع السائد والمسيطر الذي يعيد في ملل تكرار مقولات لا تاريخية، ثم كتابه «الفتنة الكبرى»، وغيرها من الكتب التي لا تزال تمثل جذوراً مرجعية أولية في مقاربة الموروثات التاريخية، فالمقاربة التي أسس لها «العميد» شكَّلت الموجِّه التاريخي لعديد من الكتابات التي مارسها بعض كبار الباحثين العرب. من هنا يمكن القول إن «العميد» سيبقى جزءاً من تاريخ الفكر العربي الحديث والمعاصر.

د. كمال مغيث: «قيمة كبرى»
كان طه حسين صاحب أكمل مشروع نهضوي، بدءاً من حديثه عن التعليم ودوره، والجامعة ودورها، وعن الديمقراطية والدستور، وحتى كتاباته في التراث والدين والثقافة والعلاقة مع الغرب، والترجمة. ولا يمكن النظر إلى كتاباته بعيداً عن هموم مجتمعه. وقد اختبر كل ما قدم من اجتهادات في الواقع في مرحلة ما قبل «ثورة 1919» وأثناءها، وخلال علاقته بحزب «الأحرار الدستوريين»، و«الوفد»، ثم مع «ثورة يوليو» (تموز) 1952 حتى وفاته. كل هذا يجعل لطه حسين ولأفكاره قيمة كبرى ونحن نتصدى لمشكلاتنا، وقد كان لديه ثلاث قضايا رئيسية: أولها الإيمان بحرية النقد وحرية العقل، وبالديمقراطية، وبالعدالة الاجتماعية. وكان يعتقد أن الانطلاق لتحقيقها لا بد من أن يكون من خلال تراثنا، كما اختبر أفكاره في التعليم في مواقع كثيرة، فضلاً عن ممارستها في الجامعة، وقد كان لديه إيمان مطلق بمجانية التعليم.

د. محمد بدوي: «النظرة النقدية»
في تقديري أن طه حسين نموذج للمفكر الحداثي. بل هو أهم مفكر منذ «عصر النهضة» إلى اليوم، ونحن ما زلنا في حاجة إلى مشروعه وأفكاره. نحتاج إلى تعميم منهجه العلمي في دراسة الأدب والثقافة والعلوم الإنسانية، وهو المنهج الذي يقوم على النظرة النقدية، كما ظهر في كتبه عن ابن خلدون والشعر الجاهلي والفتنة الكبرى. نحتاجه أيضاً في تعميق رؤيتنا للعلاقة بالآخر، كما صاغها في كتابه «مستقبل الثقافة في مصر»، وهو أكثر الرؤى الحديثة كمالاً وعمقاً. كما نحتاجه في فهم مسألة الهوية، فقد كان يضع قدماً في التراث العربي وأخرى في الثقافة الحديثة.
وأخيراً يحتاج المثقف العربي إلى إرادة طه حسين الحديدية وجرأته في اقتحام القضايا المتعلقة بالتقدم والعدالة، وقدرته على تفكيك البديهيات والمسلمات.

الناقد عبد الناصر حنفي:
«ابن لحظته وواقعه»
لا شك في أن جهود طه حسين كانت خطوة متقدمة ومطلوبة بشدة، في سياق إعادة بناء الثقافة المصرية وتحديد المسارات الرئيسية لعلاقتها بالعالم ورؤيتها لذاتها وللآخر. والأمر هنا لا يتوقف على ما كتبه أو ما حاول إتاحة تداوله من أفكار فحسب، إنما يمتد أيضاً لدوره الأكاديمي والحكومي في صناعة السياسة الثقافية المصرية.
لكن منجزه كان في النهاية مجرد خطوة تمهيدية لا قيمة لها بذاتها، إن لم تكن مقدمة لغيرها، ولا أعتقد أن هذه النقطة كانت غائبة عن رهانات طه حسين نفسه، بالنظر إلى حرصه على هدوء أفكاره (بل تقليم أظافرها إن لزم الأمر) وتدرج الإجراءات التي يقوم بها أو يدعو إليها، ولذلك سيبدو هذا «المفكر» الذي جمع بين سمات المثقف الأكاديمي ورجل الدولة، ابن لحظته وواقعه بصورة مفرطة، وهو واقع يتباعد عنا بسرعات فلكية منذ سبعينات القرن الماضي.

الكاتب حاتم رضوان:
«تجنب ثقافة النقل»
دعا طه حسين إلى تجديد الخطاب الثقافي، وعدم الانسياق وراء الأفكار والقوالب الجامدة والجاهزة، وتجنب ثقافة النقل. وكانت له آراء بخصوص الديمقراطية، أكد فيها أنها السبيل الوحيد إلى تحديث المجتمع وتحرير الوطن وتوحيد الأمة، وأن الديمقراطية والحرية عنصران أساسيان ومتلازمان لأي وجود إنساني. ونادى بتعلم وإتقان اللغات الأجنبية لمعرفة الآخر والانفتاح على الغرب المتحضر؛ لكي نكون أنداداً وشركاء له في الحضارة، وهو صاحب شعار «التعليم كالماء الذي نشربه والهواء الذي نتنفسه». كما كانت لغته سابقة لعصرها تمتاز بالسلاسة والبعد عن التقعر والتعقيد.



اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».


الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط
TT

الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط

في زمن الحرب نحتاج إلى أن نستعيد ما قاله أولئك الطفرات من عظماء المفكرين عنها. هي ليست مجرد حدث سياسي، بل اختبار لطبيعة العقل نفسه. هل يستطيع وضع حداً للعنف، أم أنه لا يكتشف نفسه إلا في العنف؟ هنا يتقابل كانط وهيغل، لا بوصفهما موقفين أخلاقيين فحسب، بل بوصفهما تصورين مختلفين لمعنى التاريخ والدولة والإنسان، تصور يراهن على تجاوز الحرب، وآخر يرى فيها لحظة لا يمكن حذفها من بنية العالم.

كانط ينطلق من قاعدة تبدو بسيطة لكنها تقلب الموقف كله، الإنسان غاية لا وسيلة. هذه العبارة ليست أخلاقية مجردة، بل لها نتائج سياسية مباشرة. لأن الحرب، في جوهرها، تجعل الإنسان وسيلة ضمن صراع بين دول. ولهذا لا يتعامل كانط مع الحرب بوصفها واقعاً ينبغي تفسيره، بل بوصفها مشكلة ينبغي حلّها. في مشروعه «السلام الدائم»، يحاول أن ينقل السياسة من منطق القوة إلى منطق القانون. في هذا الأفق، تصبح الحرب علامة نقص في العقل السياسي.

الدولة التي تدخل الحرب لم تبلغ بعد مستوى النضج الذي يجعلها تخضع لقانون كوني. ولهذا يربط كانط السلام بشروط محددة، قيام أنظمة جمهورية تجعل قرار الحرب خاضعاً لإرادة المواطنين، خضوع العلاقات الدولية لقانون، وقيام اتحاد بين الدول يمنع الانزلاق إلى الصراع. ليست هذه ترتيبات إجرائية فقط، بل إعادة تعريف للسيادة نفسها، بحيث لا تعود مطلقة بل مقيدة بقانون أوسع.

الأهم أن كانط لا يرى السلام حالةً طبيعيةً، بل مشروع يجب بناؤه. الطبيعة، في نظره، لا تقود إلى السلام تلقائياً، بل تدفع البشر إلى الصراع. لذلك يحتاج الإنسان إلى العقل ليضع حداً لهذه الطبيعة. بهذا المعنى، السلام ليس معطى، بل إنجاز تاريخي، لكنه إنجاز ممكن، لا مجرد أمنية.

هيغل

هيغل، من جهته، ينطلق من نقطة مختلفة جذرياً. الدولة عنده ليست أداة لحماية الأفراد، بل هي التجلي الأعلى للحياة الأخلاقية. ومن داخل هذا الفهم، لا يمكن النظر إلى الحرب كخلل فقط. إنها لحظة تظهر فيها حقيقة الدولة، لا بوصفها جهازاً إدارياً، بل بوصفها كلاً يتجاوز الأفراد.

يرى هيغل أن المجتمع، إذا طال عليه السلم، قد ينغلق داخل مصالحه الخاصة، ويتحول إلى شبكة من العلاقات النفعية. في هذه الحالة، يفقد الأفراد إحساسهم بالانتماء إلى الكل. الحرب، هنا، تعمل نوعًا من الصدمة التي تكسر هذا الانغلاق، وتعيد ربط الأفراد بالدولة. ليست قيمة أخلاقية، لكنها لحظة تكشف ما هو أعمق من الأخلاق الفردية.

من هنا أيضاً يرفض هيغل فكرة السلام الدائم. ليس لأنه يفضّل الحرب، بل لأنه يرى أن التاريخ نفسه قائم على الصراع. العلاقات بين الدول ليست علاقات قانونية خالصة، بل علاقات قوة، لأن كل دولة تمثل كلاً مستقلاً لا يعترف بسلطة أعلى منه. لذلك، حين يتعارض هذا الكل مع غيره، لا يكون هناك حكم أعلى يفصل بينهما، بل يُحسم الأمر بالصراع.

الفارق بين الفيلسوفين لا يقتصر على تقييم الحرب، بل يمتد إلى تصور العقل. عند كانط، العقل يضع حدوداً، ويؤسس قانوناً يتجاوز الدول. عند هيغل، العقل لا يقف خارج التاريخ ولا يحاكمه، بل يتحقق داخله، حتى في الصراع نفسه. ولهذا لا يمكن عنده فصل العقل عن العنف كما يفعل كانط.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال كانط في المثالية ولا هيغل في الواقعية الصلبة. كانط يدرك أن الحرب جزء من الواقع، لكنه يرفض أن يمنحها معنى يبررها. وهيغل يدرك قسوة الحرب، لكنه يرى أن تجاهل موقعها في التاريخ لا يلغيها. الفرق أن كانط يريد أن يقيس الواقع بمعيار، بينما هيغل يريد أن يفهم هذا الواقع من داخله.

إذا تأملنا العالم الحديث، نجد أن هذا التوتر لم يُحسم. المؤسسات الدولية، والقانون الدولي، وفكرة حقوق الإنسان، كلها استمرار للأفق الكانطي. لكنها، في كثير من الأحيان، تقف عاجزة أمام منطق القوة. في المقابل، تستمر الدول في التصرف وفق حسابات الصراع، وكأن العالم لم يغادر بعد أفق هيغل.

وهنا تظهر مفارقة، كلما حاولنا بناء نظام عالمي قائم على القانون، عاد الواقع ليذكّرنا بأن القانون نفسه يحتاج إلى قوة تحميه. وكلما سلّمنا بمنطق القوة، برزت الحاجة إلى معيار يقيّدها. بين هذين الحدين، يتحرك العالم دون أن يستقر.

في هذا المعنى، لا يقدم كانط وهيغل إجابتين متناقضتين فقط، بل يكشفان حدود كل إجابة. كانط يمنحنا أفقاً ضرورياً، فمن دون فكرة السلام يتحول العالم إلى صراع مفتوح بلا معنى. وهيغل يمنحنا فهماً ضرورياً، لأن من دون إدراك موقع الصراع نظل نتعامل مع الواقع بأوهام أخلاقية.

ويمكن إضافة بُعد آخر للفارق بينهما، يتعلق بتصور الإنسان نفسه. عند كانط، الإنسان كائن عاقل قبل أن يكون سياسياً، ولذلك تُقاس السياسة على الأخلاق. أما عند هيغل، فالإنسان لا يُفهم إلا داخل الدولة والتاريخ، ولذلك تُفهم الأخلاق من داخل السياسة. هذا القلب في العلاقة هو ما يجعل الحرب عند كانط انحرافاً، وعند هيغل لحظة من لحظات المعنى. كما أن كانط يفترض إمكانية قيام قانون فوق الدول، بينما يشكك هيغل في إمكان قيام سلطة حقيقية تعلو على الدولة. هذا الشك ليس تقنياً، بل فلسفي، لأن الدولة عنده هي أعلى تجلٍ للروح، فلا يمكن أن تخضع لسلطة خارجها. ومن هنا يتضح لماذا يظل السلام عند كانط مشروعاً، وعند هيغل أفقاً غير قابل للتحقق النهائي.

في ضوء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، يبدو أن الواقع يميل إلى منطق هيغل، حيث تُحسم العلاقات عبر توازن القوة والصراع، بينما يُحيل أفق كانط إلى قانون دولي يمنع الانزلاق إلى الحرب، وسيبقى حاضراً كمعيار يُستدعى لكنه لا يتحقق.

* كاتب سعودي


«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر
TT

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة، تُواجه المرء في يومياته، وتستدرج من داخله مستويات متفاوتة من التأمل والتعاطف، وصولاً إلى التهميش والانسحاب، وهو ما يتغاضى الكاتب عن مقدماته أو مسبباته، في مقابل تتبعه لبواطن اللغة وإيماءاتها التي تُعادل الأحجيات.

صدرت المجموعة أخيراً عن دار الكتب خان بالقاهرة، وفي أجوائها يستعيد الكاتب مشاعر الوحدة على نحو متقطع، عبر نصوص تكشف نزوعاً واضحاً لتفكيكها إلى تمثيلات متعددة، تعكس ورطة التعايش معها ومحاولة تقاسمها مع الآخر.

يظهر البحر في المجموعة ككيان موازٍ للذات الوحيدة، يحمل تقلباتها ويعيد تشكيلها. فمنذ البداية، يلتفت أحد الأبطال إلى طبيعته المتحوّلة قائلاً: «بحر الليل لا يُشبه بحر النهار في شيء»، ليغدو البحر فضاءً متعدد الأوجه، وصولاً إلى أحشائه، حيث يتكثف السرد، وتصبح غواية الاستسلام له موازية لغواية الحياة، يقول بطل «أن تنتظر»: «لم أمتلك أبداً الجرأة لتنفيذ قراري بالخوض في بطن البحر».

في هذه القصة، يسعى البطل إلى أن ينفض عن نفسه «غبار الوحدة»، متلمّساً بحسّ انفعالي في نسمات الريح ونجمات السماء إمكانية للصحبة، بينما تتسم علاقته بالغرباء بقدر من التعقيد، لا يخلو من تعاطف يصل إلى حد جارف.

في المقابل، يجد أبطال آخرون أنفسهم مدفوعين إلى خلق سيناريوهات حذرة للتعامل مع الغرباء، والدفاع عن حدود وحدتهم ومكتسباتها، حتى لو كان ذلك في صورة «مقعد على البحر»، يظل الصياد العجوز، بطل قصة «أن ترحل»، متشبثاً به، «سيخبرهما أن هذا المقعد يحتل رقعة تمكنه من متابعة زوارق الصيد في الأفق، والتواصل عبر الأثير مع زملائه الصيادين الذين طالما غادروا المرفأ معاً بحثاً عن أسماك فضية بلون الحلم، بيضاء بلون الزّبد».

تتحرك قصص المجموعة عبر مستويات «طوبوغرافية» تتلمس جماليات المكان وطبقاته؛ من اليابس بسطحه وضوضائه، إلى تخوم الماء، ويمتد هذا الأفق ليأخذ بعداً أسطورياً، حيث يستعيد الأبطال علاقة قديمة مع البحر بوصفه كائناً حياً، أو قوة عليا تُخاطب وتُسترضى، فأحد الأبطال يقطع عهداً لـ«إله البحر» أن يعود إليه في الغد، متوسلاً إلى أعماقه العجائبية، ليغدو البحر منبع الأسطورة ومنتهاها أيضاً.

ويبدو أهل البحر في المجموعة أكثر التصاقاً بأسراره التي لا تخلو من طابع سِحري، إذ «الكل هنا يعرف أن تلك النوارس هي أرواح لبحارة غرقى قضوا في عرض البحر» في هذا العالم، يغلب الجمالي على التأويل، فلا تكون النوارس مجرد طيور، ولا البرق مجرد ضوء، بينما تتحول زوارق الصيد إلى «ألعاب أطفال تطفو في حوض ماء هائل».

مِخيال مفتوح

تتكرّس هذه الرؤية عبر ما يمكن تسميته بـ«اللغة البحرية»، حيث تتحوّل عناصر الطبيعة إلى أدوات قراءة؛ فالسحاب يُقرأ، والنوارس تحمل توتر المشهد، والرياح تمارس ألاعيبها، والنوّات نبوءات يتقصّاها حكماء البحر. وتظل الكائنات البحرية، التي لم يرها أحد سوى الصيادين، جزءاً من هذا المِخيال المفتوح، حتى تكاد التفاصيل الإنسانية تذوب داخله؛ كما في اللحظة التي يعجز فيها أحد الأبطال عن التمييز بين «ملح البحر» و«مُرّ الدمع»، أو حين يخشى آخر أن يلقى مصير «سمكة بقيت وحيدة تتلوى على الشاطئ بعد أن تركها الجزر مغدورة لتلفظ أنفاسها الأخيرة»، في صورة تختزل قسوة العزلة بوصفها انكشافاً كاملاً.

يبدو للبحر هنا معجم دلالي، تتقاطع فيه الحواس مع الأسطورة؛ فالجسد يُشبه في لحظة حب «محارة مرتبكة»، ويُختزل الحضور الأنثوي في «حبة لؤلؤ»، أو يتجلى في صورة «أفروديت» كما تراها عين رسّام، لتتجاور مفردات البحر مع إرث الأسطورة الإغريقية، وتعيد صياغة الجسد والرغبة في لغة تتأرجح بين البراءة والإغواء.

في هذا السياق، يمنح الكاتب صوته لكائن بحري في قصة «أن تجنح»، حيث يتقمص السرد صوت «حوت» يخرج طوعاً إلى اليابسة ليلفظ أنفاسه الأخيرة، متحدثاً بضمير المتكلم، ما يكشف عن هاجس وجودي يتجاوز منطق الإنسان، يقول: «لن يفهم بنو الإنسان مطلقاً معنى أن تموت طوعاً عند امتلاء نفسك من الحياة، فهم لا يعرفون الاكتفاء، ولا يحرّك الامتلاء لديهم سوى الرغبة في المزيد».

ويواصل الرزاز تفكيك الوحدة عبر بناء ثنائيات متقابلة تتبادل فيها المواقع وتكشف عن تماثلات كامنة وراء الاختلاف، ففي قصة «أن تهرب» تتجلى هذه المفارقة من خلال تكليف فنان برسم أيقونة للعذراء بوجه غانية تزور مرسمه، ليجد نفسه ممزقاً بين إغراء المال الذي يتقاضاه نظير هذا العمل، وتأنيب داخلي يتكثّف ليبلغ ذروته في مفارقة أخلاقية: «هل باستطاعة المال أن يجعل من الغانية قديسة؟».

تتخذ هذه الثنائيات بعداً سردياً أكثر تعقيداً في قصة «أن تُفتن»، حيث يمنح الكاتب بطليه صوت الراوي، فتتشكل حكايتهما عبر زاويتي نظر متقابلتين لا تلغي إحداهما الأخرى، بل تتكاملان في بناء أقرب إلى موزاييك لا يكتمل إلا بتجاور شظاياه.

فهكذا، يضع الكاتب أبطاله على مسافة واحدة من فعل التواصل ذاته؛ رسّامين أو مرسومين، صيادين أو كائنات بحرية، مُرسلي رسائل أو مُتلقيها، حيث تتبدل المواقع باستمرار دون أن يحتفظ أحد بسيادة حقيقية، فيغدو الجميع واقعين في شِباك الفعل نفسه، ولا يعفيهم ذلك من وطأة الوحدة.