تراجع كبير لحرية التعبير في الهند

في ظل استقطاب الحكومة اليمينية لوسائل الإعلام

تراجع كبير لحرية التعبير في الهند
TT

تراجع كبير لحرية التعبير في الهند

تراجع كبير لحرية التعبير في الهند

قالت المحكمة العليا في الهند، أخيراً، أثناء سماعها التماساً بشأن تظلم برنامج تلفزيوني «إن الطريقة التي تدير بها بعض وسائل الإعلام النقاش أصبحت مثيرة للقلق بعدما دأبت على تكرار عبارات الإساءة والتشهير»، مطالبة مختلف وسائل الإعلام بفرض نوع من الرقابة الذاتية. وبعدما كانت الهند في الماضي تفتخر باحتضانها صحافة نابضة بالحياة ومتنوعة، بات المحللون يرون أن الصحافة في أكبر الدول الديمقراطية في العالم تواجه اليوم مشكلة جدية بعدما اتخذت اتجاهاً معاكساً تماماً في السنوات القليلة الماضية.

أكثر من 100 ألف مطبوعة
توسّعت صناعة الإعلام الهندية، بشكل كبير منذ التسعينيات، ويوجد الآن أكثر من 100 ألف صحيفة ومجلة مسجلة، بالإضافة إلى أكثر من 400 قناة إخبارية بلغات مختلفة، وحوالي 150 قناة إخبارية في انتظار الموافقة من الحكومة. إلا أن المنتقدين من المعلقين والمتابعين في عموم الهند يسجلون تراجع جودة الخطاب ومستواه في وسائل الإعلام خلال السنوات الأخيرة، لا سيما، بعدما أدى التوسع الإعلامي إلى تقلّص الحرية في المجال العام، وانتشار القيَم النخبوية والوجّهات المحافظة اجتماعياً.
كيف ولماذا إذن أصبح أداء الهند - وهي دولة تتمتع بصحافة حرة وقضاء مستقل - سيئاً للغاية في المؤشرات العالمية لقياس حرية الإعلام؟ وكيف يمكننا التوفيق بين حقيقة أن هناك دستوراً وقوانين تضمن حرية الصحافة ومنصات إعلامية تقوم بعملها بضراوة في ظل تراجع مرتبة الهند؟
في عام 2019، تراجعت الهند مرتبتين إلى 140 من أصل 180 (بين 180 دولة) في «مؤشر حرية الصحافة العالمي» الذي تصدره منظمة «مراسلون بلا حدود». وما حدث خلال السنوات القليلة الماضية هو أن جزءاً كبيراً من وسائل الإعلام قد عبر إلى الجانب المظلم. وأدى الظهور واسع النطاق لمنصّات إعلامية متعدّدة، بما في ذلك وسائل التواصل الاجتماعي، إلى إعادة تعريف دور وسائل الإعلام في السياسة والحكومة، وكذلك تعريف العلاقة بين الإعلام والسياسة.

الإعلام الهندي ومودي
ثم أنه نظراً لتاريخ رئيس الوزراء (القومي اليميني) ناريندرا مودي، مع وسائل الإعلام، بالأخص مع بعض وسائل الإعلام الناطقة باللغة الإنجليزية، استحدثت رئاسة وزرائه نموذجاً جديداً للعلاقات بين وسائل الإعلام والحكومة. وخلال السنوات الخمس لمودي (2014 - 2019)، عمل حزبه الهندوسي المتشدد «بهاراتيا جاناتا» والحكومة التي يقودها على تفعيل صيغة بسيطة جوهرها: انزع الشرعية عن وسائل الإعلام الموجودة، ثم أسس قنوات اتصال خاصة بك مع الناخب والمواطن.
للعلم، انتُخب ناريندرا مودي في مايو (أيار) 2014، وبحلول أغسطس (آب)، كان من الواضح أن وسائل الإعلام الرسمية فقط هي التي سترافق مودي في رحلاته إلى الخارج، وهو ما يختلف عن الحال السابق. وفي سبتمبر (أيلول) 2014، أصدرت نقابة المحررين في الهند بياناً جاء فيه، «نظراً لتأخير إنشاء واجهة إعلامية في مكتب رئيس الوزراء، ونظراً لتقييد التواصل مع الوزراء والبيروقراطيين في المكاتب، والحد من تدفق المعلومات في الداخل والخارج، بات من الواضح أن الحكومة في أيامها الأولى تسير على طريق يتعارض مع معايير الخطاب الديمقراطي والمساءلة».
وحقاً، ذكرت العديد من التقارير الإعلامية أن رئيس الوزراء طلب من كبار البيروقراطيين وزملائهم في مجلس الوزراء الامتناع عن التحدث مع الصحافيين. وقطع مودي بشكل فعال جميع الاتصالات مع وسائل الإعلام بعيد وصوله إلى السلطة، واختار بدلاً من ذلك توجيه رسائله من خلال التغريدات والبرامج الإذاعية مثل «مان كي با» والمقابلات غير الرسمية مع الصحافيين الموالين له. وحسب تعبير أحد الصحافيين، «غيّر مودي بكل بساطة قواعد التعامل مع وسائل الإعلام، بحيث لم تعد هناك مؤتمرات صحافية ولا مقابلات إلا للصحافيين المختارين بعناية، كما أنه حرص على تجنب النقاد، واختارت حكومته مؤسسات إعلامية بأكملها. لقد تبين زيف عبارة أن الحكومة بحاجة إلى وسائل إعلام حقيقية، إذ إن ما تبين كان العكس تماماً. فمع منح الحكومة حصراً حق تنظيم الأحداث الرسمية لدور الإعلام التي ترعى هذه المناسبات كل عام باعتبارها مصدر دخلها الأساسي، ومع ظهور رئيس الوزراء والوزراء للتحدث في مناسباتهم دون غيرهم، غدا إغضاب هؤلاء المسؤولين يعني سحب تلك العائدات».

استغلال وسائل التواصل الاجتماعي
من ناحية ثانية، تزامنت حقبة مودي مع الارتفاع الهائل في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في الهند. وهذه وسيلة استغلتها هذه الحكومة إلى أقصى حد لاستهداف النقاد، وتعبئة الرأي العام، واستخدام شعارات مثل «معاداة القومية» لتشويه سمعة أي شخص ينتقد، ولو تلميحاً، سياسة الدولة. واليوم في الهند وحدها أكثر من 560 مليون مستخدم للإنترنت و34 مليون مستخدم لـ«تويتر»، وأكثر من 350 مليون حساب على «فيسبوك».
وتشير التقديرات إلى أنه بين عامي 2016 و2018 فقط، ارتفع عدد الهنود الذين يستخدمون شبكات التواصل الاجتماعي من 168 مليوناً إلى 326 مليوناً، ما يجعلها أداة سهلة للحزب الحاكم لنشر أنصاف الحقائق والأخبار المزيّفة عبر شبكة الإنترنت من خلال حسابات غير رسمية، وإطلاق العنان لها، وتصيّد الصحافيين الذين يحاولون مواجهتهم. وفي هذا السياق، قال المعلق أجاي شوكلا، «إن السبب الجذري لهذا التدمير لنظامنا الإعلامي البيئي وتعويضه بإطار دعاية هو الناطقون باسم الحكومة والحزب الحاكم. ويساعد الحكومة في ذلك باقتدار خلية تكنولوجيا المعلومات التابعة للحزب، والمتحدثون باسم الحزب، وبالطبع (فيسبوك). هناك الملايين من الحسابات المزيّفة و(المتصيّدين) المدرّبين تدريباً جيداً على الإساءة المتزامنة لأي صوت عاقل، وكلها أساليب تضمن سماع ما تريد الحكومة سماعه فقط. ورغم ذلك، من المفارقات أن المنصّات الرقمية توفر أيضاً المساحة الوحيدة حيث يمكن للمرء سماع بعض الأصوات المستقلة ووجهة نظر مخالفة لما تريد الحكومة سماعه».
على صعيد آخر، من المفترض أن تعكس عملية أو لعبة «تقييم المشاهدات التلفزيونية» إجمالي عدد مشاهدي التلفزيون، لكن في ظل سيطرة الإعلام والمعلنين على جميع وكالات التصنيف والمؤسسات التنظيمية، فإن صدقية البيانات المتعلقة بجودة وعدد المشاهدات التي تقدمها أي منظمة تعتبر مشكوكاً فيها، حيث يجري طمس الأخبار والبيانات الحقيقية في غرف الأخبار. والمثير للدهشة أن أياً من الوكالات المهنية لا توفر نسبة مشاهدة كاملة للقنوات الإخبارية. فوفقاً لتقديرات تقريبية، لا يشاهد أكثر من ثمانية ملايين (أقل من واحد في المائة من إجمالي المشاهدات) أخبار أوقات الذروة في جميع القنوات الإخبارية يومياً، في حين يتصفح حوالي 450 مليون قارئ الصحف يومياً. وفي المقابل، شهدت الفترة بين 2009 - 2019 سباقاً غير مسبوق في عدد المشاهدات، حيث تقوم دور الإعلام الرائدة في الهند بتغطية القضايا وفقاً للانتماء الآيديولوجي الصارم والالتزام الثابت تجاه حزب سياسي (في بعض الحالات العديد من الأحزاب).
وفي هذا السياق، قال المحرر السابق برابهو تشاولا، إن «عبارة الإعلام الهندي تعتبر تسمية خاطئة. فمع عولمة الهند من خلال إصلاحات مدفوعة بشكل ملحوظ، أصبح تعظيم التقييمات وتقليل الأخبار بمثابة شعار مزدوج لنجاح أي مؤسسة إعلامية.

لقد جرى الاستعاضة عن المالكين غير المرئيين برؤساء تنفيذيين ذوي رواتب عالية حوّلوا المروّجين إلى خبراء في السوق وأصحاب نفوذ. ومع ذلك تمكنت وسائل الإعلام المطبوعة من الاحتفاظ بمصداقيتها وقبولها، لأن المحتوى يحتاج إلى كلمات وليس إلى صوت».
في أي حال، تغيّر المشهد الإعلامي الهندي بشكل ملحوظ خلال العقد الماضي. إذ نجح أولئك الذين تمكنوا من الوصول إلى أروقة السلطة في التأثير على نشر المعلومات، من خلال وسائل الإعلام بامتلاكهم هذه المنافذ جزئياً والتأثير بشكل عرضي على طريقة تقديم الأخبار. إلا أن هذه التبعية باتت إشكالية للغاية عندما تكسب وسائل الإعلام أموالاً إضافية من خلال بث الإعلانات الحكومية على وجه التحديد، مما يساهم في نشر أجندتها.
على صعيد آخر، يعتبر تصيد الساسة وفناني «بوليوود» والصحافيين اليوم سلوكاً سائداً على نطاق واسع. فبالنسبة للناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح «المتصيّدون» - والكثير منهم كيانات مجهولة الهوية - جزءاً من الحياة اليومية. وغالباً ما تتفوق قدرتهم على التعبير على قدرة الآخرين. وغالباً ما تتراوح فكرتهم عن المشاركة عبر وسائل التواصل الاجتماعي ما بين المزاح غير المؤذي والافتراء إلى التهديدات الشرسة وحتى الأذى الجسدي، ثم، هناك أيضاً «المتصيّدون» المدفوعون.



استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.


«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
TT

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج ممن يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وجاء هذا النقاش في جلسة حوارية عقدتها وزارة الإعلام ضمن حفل إطلاق «مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا» يوم الأحد، بعد أشهر من العمل عليها، كانت خلالها المحاكم السورية تتلقى مزيداً من دعاوى التحريض على العنف والاعتداء الناجم عن خطاب الكراهية.

وفي حفل أقيم في فندق «داما روز» وسط العاصمة دمشق حضره عدد من الوزراء والمسؤولين الحكوميين، وممثلين عن وسائل الإعلام المحلي، وعدد كبير من الإعلاميين، أطلقت وزارة الإعلام مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا 2026، تحت عنوان «إعلام مهني... وكلمة مسؤولة».

ووقّع مديرو المؤسسات الإعلامية الرسمية على وثيقة «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، في إعلان عن التزام الإعلام الوطني بالمدونة.

وزير الإعلام حمزة المصطفى يتحدث عن «مدونة السلوك» الأحد (وزارة الإعلام)

وقال وزير الإعلام حمزة المصطفى، في إطلاق المشروع، إن «المدونة جهد إعلامي تعتبر الأهم على مستوى المنطقة، وهي جهد جماعي شارك فيه أكثر من ألف صحافي لمدة تزيد على 5 أشهر».

واعتبر وزير الإعلام المدونة «نقطة البداية وليست وثيقة عابرة»، وسيعقد مؤتمر سنوي يجمع الصحافيين السوريين لمناقشتها وتطويرها، مؤكداً على أن العمل الإعلامي دون معايير محددة ضابطة ومسؤولة تنظمه سيتحول قطعاً باتجاه الفوضى.

وجاء إطلاق مدونة السلوك المهني في ظل حالة من الفوضى وتأخر صدور قانون ناظم للعمل الإعلامي، بالإضافة إلى عدم تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد، وما تلاها من انفتاح إعلامي، أفسح المجال لتصدر نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي المشهد والتأثير بالرأي العام. الأمر الذي كانت له ارتدادات سلبية في ظل الاضطرابات السياسية والاستقطاب الحاد، وما رافقتها من موجات عنف وأحداث دامية على الأرض، كما حصل في مناطق الساحل والسويداء العام الماضي.

مصادر قضائية قالت لـ«الشرق الأوسط» إن أعداد الشكاوى المتعلقة بالفتنة والتحريض الطائفي والتجييش والحض على القتل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تزايدت خلال العام الماضي، في حين لا يوجد هناك تفعيل جدي في تحريك الادعاء، لغياب دور فاعل لقسم مكافحة الجرائم الإلكترونية، بالإضافة إلى تأخر تعديل القانون 20، لعام 2022، الخاص بالجرائم الإلكترونية، الذي أصدره النظام المخلوع بهدف كم الأفواه والحد من الحريات.

وأضافت المصادر أن هذه الثغرة وغياب الرادع يسهمان في زيادة الفوضى وتعزيز خطاب الكراهية الذي يهدد السلم والاستقرار المجتمعي. ورأت في صدور مدونة سلوك مهني وأخلاقي مبادرةً تسهم في زيادة الوعي للتمييز بين حرية التعبير والتحريض.

ناشطة تحتج على موجة العنف والهجمات الطائفية في الساحل السوري بمواجهة متظاهر في ساحة المرجة في دمشق 9 مارس 2025 (أ.ب)

الصحافي والناشط السياسي السوري مشعل العدوي، الذي يقدم عبر قناته على «يوتيوب» نقداً سياسياً معنياً بالشأن السوري، علّق على «مدونة السلوك» أن صدورها في هذا التوقيت مهم جداً، ويساعد في هذه المرحلة على تعزيز إحلال السلم الأهلي، ويضبط الخطاب الإعلامي سلوكياً وأخلاقياً، ليتواءم مع الوثائق الدولية ويحترم حقوق الإنسان وحقوق الضحايا، وهذا كله «جيد جداً»، مع الإشارة إلى أن خطاب الكراهية في سوريا يأتي من خارج السياق الإعلامي، وأغلبه قادم من نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي.

جلسة حوارية على هامش إطلاق «مدونة السلوك» الإعلامي في سوريا (وزارة الإعلام)

مدير الشؤون الصحافية في وزارة الإعلام، عمر الحاج أحمد، قال إن «الكلمة هي مسؤولية»، وإن إطلاق المدونة يؤسس لمرحلة جديدة في مسار إعلام وطني يستند إلى «الحرية المسؤولة، ويعلي من شأن الكلمة الدقيقة».

من جانبه، قال ممثل اللجنة الوطنية المستقلة لمدونة السلوك المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، علي عيد، إن «التحديات تضاعفت مع الثورة الرقمية، وتضخم دور الذكاء الاصطناعي. وأصبح أثر الكلمة أسرع وأخطر، والمدونة ليست بديلاً عن القانون أو نصاً أخلاقياً جامداً، بل هي إطار للتنظيم الذاتي، وهو أعلى درجات حماية الحرية».

من حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

وفي جلسة حوارية حول المدونة، اعترض وزير العدل السوري مظهر الويس، على ما طرحه ميسر الجلسة خلدون الزعبي حول استفحال خطاب الكراهية بين السوريين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقال وزير العدل ليس هناك خطاب كراهية، وإنما هناك «عشوائية»، مؤكداً على أنه خطاب دخيل على سوريا، في حين قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى، إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وبحسب وزير العدل مظهر الويس، فإن مدونة السلوك المهني «تمثل أداة تنظيمية مهمة ترسم الخط الفاصل بين حرية التعبير واحترام حقوق الآخرين، وتسهم في الحد من التجاوزات التي تتحول في كثير من الأحيان إلى نزاعات قضائية». مشيراً إلى أن وزارة العدل والمحاكم تواجه اليوم أعباء كبيرة، ووجود مدونة سلوك مهنية يسهم في خفض هذه النزاعات، ويخفف الضغط عن القضاء.

وتتكون مدونة السلوك المهني من 82 صفحة و10 مواد تشمل المعايير الأخلاقية والمهنية وحماية الخصوصية والبيانات والمتابعة والمساءلة، إضافة إلى ميثاق شرف وملحق صنّاع المحتوى، وقد صدرت بـ3 لغات؛ العربية والإنجليزية والكردية.


«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
TT

«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)

وسط عالم تتساقط فيه الصحف العريقة واحدةً تلو الأخرى تحت ضغط الثورة الرقمية وتغيّر أنماط الاستهلاك الإعلامي، يبرز احتفال صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية بمرور مائتي سنة على تأسيسها بوصفه حدثاً يتجاوز البعد الرمزي، ليطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لمؤسسة صحافية وُلدت في القرن التاسع عشر أن تظل فاعلة، مؤثرة، ومربحة في القرن الحادي والعشرين؟

اسم عريق

أسّست «لو فيغارو» عام 1826 في مناخ سياسي شديد القسوة، إذ كانت حرية الصحافة مقّيدة، والرقابة أداة مركزية في حكم الملك شارل العاشر. ولقد أطلق عليها اسمها نسبة لشخصية «لوفيغارو» التي ابتكرها بيار-أوغوستان بومارشيه، الموسوعي الفرنسي الشهير، في مسرحه... والتي جسّدت الذكاء الشعبي والتمرّد الناعم على السلطة، وهذا ما سعت الصحيفة إلى ترجمته صحافياً.

وبالفعل، مرّت الصحيفة الفرنسية العريقة في عقودها الأولى بمراحل انقطاع وعودة، قبل أن تجد استقرارها الحقيقي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين تحوّلت من نشرة أدبية ساخرة إلى صحيفة يومية مؤثرة بفضل هيبوليت دو فيلميسان، واضعةً الأساس لما سيصبح لاحقاً أحد أعمدة الصحافة الفرنسية.

قرنان تاريخيان من دريفوس إلى العولمة

لم تكن «لوفيغارو»، في الواقع، شاهداً محايداً على التاريخ الفرنسي، بل فاعلاً داخله. إذ لعبت دوراً محورياً في قضية الضابط ألفريد دريفوس، التي كشفت انقسامات المجتمع الفرنسي حول العدالة والهويّة والجمهورية.

كذلك واكبت الحربين العالميتين، وسقوط أنظمة، وقيام أخرى. وإبّان الاحتلال النازي، اتخذت الصحيفة قراراً مفصلياً بتعليق صدورها بدل الخضوع للرقابة، وهو خيار رسّخ سمعتها كصحيفة تضع الحرية فوق الاستمرارية الشكلية. ومن ثم، صار هذا الموقف جزءاً من سرديتها المؤسِّسة، ومن رأس مالها الرمزي حتى اليوم.

من الورق إلى المنصّات

مع دخول الألفية الجديدة، أدركت الصحيفة الفرنسية العريقة مبكراً أن البقاء لن يكون ممكناً من دون تحوّل جذري. ولذا أطلقت موقعها الإلكتروني في حين كانت صحف كبرى تتعامل مع «الإنترنت» كتهديد لا كفرصة. وبالتالي، نرى الآن أن «لوفيغارو» ليست مجرد صحيفة ورقية، بل مجموعة إعلامية متكاملة تضم موقعاً إلكترونياً رائداً، وقناة تلفزيونية (لو فيغارو تي في)، ومجلات متخصّصة، بالإضافة إلى حضور قويِّ على منصّات التواصل الاجتماعي بأكثر من 38 مليون متابع.

هذا التحوّل لم يكن شكلياً، بل جاء مسنوداً باستثمار تقني داخلي مكّن المجموعة من التحكم في البيانات والاشتراكات والإعلانات.

مبنى "لوفيغارو" في قلب العاصمة الفرنسية باريس (ويكيميديا)

النجاح الاقتصادي: استثناء في زمن الأزمات

اليوم، تبرز تجربة «لوفيغارو» بوصفها استثناءً لافتاً في المشهد الإعلامي العالمي. إذ بينما يعاني هذا القطاع من تراجع الإيرادات وانحسار الجمهور، واصلت الصحيفة الفرنسية العريقة تسجيل نتائج مالية قوية تؤكّد أن الأزمة ليست حتمية، بل مرتبطة بخيارات استراتيجية وإدارية محددة.

وفي صلب هذا النجاح، يبرز التحوّل الرقمي رافعةً مركزيةً. فلقد واصل الموقع الإلكتروني «لوفيغارو بوان إف إر» في 2025 تسجيل مستويات غير مسبوقة من التفاعل، بأكثر من 210 ملايين زيارة شهرية، واحتلاله مراراً صدارة مواقع الأخبار الفرنسية من حيث عدد الزوار.

ومن جهة ثانية، يصل عدد المستخدمين اليوميين، عبر الموقع والتطبيقات، إلى نحو 3.4 مليون مستخدم، ما يعكس رسوخ العلامة الرقمية للصحيفة. لكن الأهم لا ينحصر في حجم الزيارات فحسب، بل يشمل قدرة المنصة على تحويل هذا التدفّق الجماهيري إلى قيمة اقتصادية ملموسة. ذلك أن الاشتراكات الرقمية شهدت عام 2025 استمراراً للمنحى التصاعدي، بعدما تجاوز عدد المشتركين الرقميين 295 ألفاً. وهذا التطوّر النوعي جعل الإيرادات الرقمية تمثّل أكثر من نصف إجمالي عائدات الصحيفة، في سابقة تاريخية تعكس نضج نموذج الاشتراك المدفوع.

بذا، انتقلت الصحيفة العريقة، المعروفة بتوجهها اليميني، من منطق الاعتماد على الإعلان إلى اقتصاد قائم على القارئ. وبات الجمهور يساهم بنحو 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مقارنة بـ50 في المائة فقط قبل سنة واحدة، وهذا تحوّل استراتيجي يمنح الصحيفة هامش استقلالية أوسع في قراراتها التحريرية.

صمود غير متوقع

بالتوازي، ورغم السّردية السائدة حول «موت الورق»، واصلت النسخة المطبوعة للصحيفة أداءً يفوق التوقعات في عام 2025. إذ حافظت نسخة «لوفيغارو» الورقية على توزيع يقارب 400 ألف نسخة، وهو ما يضعها في المرتبة الثانية بعد صحيفة «لوموند» الشهيرة التي سجلت توزيع أكثر من 500 ألف نسخة، وهو رقم نادر في السياق الأوروبي الحالي. بل إن العائدات المرتبطة بالنسخة الورقية لصحيفة «لوفيغارو» سجّلت تحسناً ملحوظاً، مستفيدةً من سياسة تسعير مدروسة، ومن الطلب المرتفع خلال فترات سياسية ورياضية مكثّفة.

هذا الأداء يؤكد أن الورق لا يزال قادراً على تحقيق قيمة اقتصادية ورمزية، حين يكون جزءاً من منظومة متكاملة لا أعباء عليها.

هوية تحريرية واضحة

أخيراً، إن ما يميّز تجربة «لوفيغارو» بالفعل ليس فقط حجم الإيرادات، بل أيضاً طبيعتها. فلقد نجحت الصحيفة في بناء علاقة طويلة الأمد مع قرائها، تقوم على الثقة والهوية التحريرية الواضحة، لا على الاستهلاك السريع للمحتوى المجاني.

وهذا الولاء هو ما سمح للمجموعة بتحقيق توازن نادر بين الانتشار والربحية. وتتجلّى هذه السياسة في نموذج «الاشتراكات المدفوعة» الذي طبّقته الصحيفة ببراعة. حيث بدلاً من إغراق القارئ بمئات الأخبار المجّانية المعتمدة على العناوين الصادمة (Clickbait)، ركّزت «لوفيغارو» على تقديم تقارير استقصائية وتحليلات جيوسياسية حصرية. ثم إنه إبان الأزمات الكبرى، مثل التدخلات العسكرية الأخيرة أو الانتخابات، تبتعد الصحيفة عن «النقل الحرفي» للبيانات الرسمية، لتقدم ملفّات تحليلية يكتبها خبراء ومفكّرون، ما يجعل المشترك يشعر بأنه يدفع مقابل «قيمة مُضافة» وليس مقابل معلومات متاحة للجميع.