إدوار الخراط... الجذور الفكرية التي شكلت هويته

نبيل فرج يستعيد ملامح عالمه في كتاب جديد عنه

إدوار الخراط... الجذور الفكرية التي شكلت هويته
TT

إدوار الخراط... الجذور الفكرية التي شكلت هويته

إدوار الخراط... الجذور الفكرية التي شكلت هويته

عن العالم المتنوع للكاتب المصري إدوار الخراط الذي رحل عن عالمنا قبل خمس سنوات، ودوره الرائد في احتضان التيارات الجديدة في الأدب والفن والنقد، وتركيزه على مغامرة التجريب عبر مصطلحي «الكتابة عبر النوعية» و«الحساسية الجدية» اللذين ينسبان له، يدور كتاب الباحث نبيل فرج «إدوار الخراط... أشواق المعرفة والجمال» الصادر حديثاً عن الهيئة المصرية للكتاب.
يكتسب الكتاب أهمية خاصة؛ فمؤلفه كان مقرباً من الخراط على مدار قرابة خمسين عاماً، عايش من خلالها أجواء أعماله، وما طرأ عليها من تحولات على مستويي الرؤية والتشكيل الفني. ويذكر أن الخراط تمتع بحس نقدي منذ شبابه، فرغم أنه ينتمي إلى جيل الخمسينات لم يكن يتردد في نقد أسماء راسخة أدبياً، كاشفاً عن عيوب فنية تعتري أعمالها وهي في قمة مجدها مثل نجيب محفوظ ويوسف إدريس، وغيرهما من الكتاب من الذين يتهيب كبار النقاد من الاقتراب منهم إلا بالتبجيل والتكريس بعدما تحولوا إلى سلطة ثقافية. وحول إنجاز الخراط في القصة القصيرة المصرية، يرى المؤلف أنه مثل اتجاهاً متميزاً تتردد أصداؤه حتى الآن في كثير من المغامرات الجديدة لقصص الشباب، حيث كانت مجموعته القصصية الأولى «حيطان عالية» التي صدرت في القاهرة سنة 1959، بمثابة إيقاع جديد في الحركة الأدبية، اقتحم بها الكاتب هوامش العالم الداخلي للشخصيات خلف حيطانها العالية عبر لغة شعرية حارة تقدم رؤية خاصة للإنسان في أشواقه وعذاباته مستلهمة واقعاً محلياً، يتنقل ما بين مناخي الإسكندرية والصعيد المصري معاً.

الأرض مهد الجذور
ويتحدث الخراط ضمن الحوارات التي تضمنها الكتاب حول الجذور الفكرية التي شكّلت هويته الأدبية أديباً وناقداً، مشيراً إلى فكرة «الأرض» التي تمتد بجذورها في قلبه كمصري؛ فهي «تنطوي على ثروة شديدة الخصوبة عميقة الغور، أرض عريقة يجد فيها عراقة الجنس البشري كله، بل عراقة الحياة ذاتها»، مؤكداً أن «الفكر فيها ليس مصاغاً في قوالب النظم الفلسفية بقدر ما يجيش في حياة الناس البسطاء في كل (حدوتة) سمعها من جدته الفلاحة العجوز، وفي كل فعل من الجيران والقسس والشيوخ والعوالم والصبا، فكل ذلك يكوّن تربة الأرض الفكرية التي تمتاح منها الجذور ماءها وعصارة حياتها».
وحول الهدف من ممارسته الكتابة الأدبية، يقول الخراط «لست أهدف إلى وضع قصة محكمة الصنع فيها حبكة ومفارقة ومفاجأة ولحظة تنوير كما يقال، أو قصة مسلية أو مثيرة للتفكير أو تدعو إلى موقف اجتماعي معين أو تصور واقعاً معيناً، أو حتى قصة تتخذ لنفسها موقفاً فلسفياً أو ميتافيزيقياً معيناً. لست أهدف إلى ذلك وحده، بل أطمح إلى أن يكون في قصتي شيء من ذلك كله، وشيء آخر يغير ذلك ويحوله لمستوى آخر، أو جوهر آخر مغاير تماماً قد يعتمد على هذه العناصر أو يشتمل عليها بشكل ما، لكنه ينطلق منها إلى هدف آخر، ولعل هذا الهدف هو أن يشاركني القارئ مشاركة حميمية تتجاوز الأنا إلى تواصل جمعي ما على مستوى التجربة أو الخبرة الفنية، مشاركة في معرفة من نوع خاص، معرفة للنفس وللعالم منصهرة في وحدة واحدة، أن نذهب معاً أنا وقارئي على هذا الطريق نلتمس حقيقة مشتركة«.
ورغم ذلك، يكشف الخراط عن لحظات يشعر فيها بعدم جدوى الكتابة فيتساءل «ماذا يمكن أن يفعل العمل الفني في عصر تتحول فيه الإنسانية إلى مرحلة جديدة شاسعة الأبعاد، هائلة الإمكانات؟ عصر يملك فيه شخص ما في مكان ما يمكن أن يدمر كرتنا الأرضية الصغيرة الضئيلة؟ عصر تتحرك فيه جيوش لتقضي على الحياة وينطلق فيه ناس إلى حواف الكون يكسرون ثقباً في القشرة الكونية التي لطالما حمت الإنسان؟ عصر تحتشد فيه إرادة الملايين من البشر وتؤكد ذاتها في موجات كاسحة، كما تقهر فيه أيضاً إرادة الملايين من الأفراد ويصبحون بالفعل فتاتاً مسحوقاً لا قيمة له».
ويخلص صاحب روايتي «رامة والتنين» و«ترابها زعفران» إلى أن هذا التناقض بين تحولات الواقع ومحدودية تأثير النص الأدبي يصيبه أحياناً بالإحباط، فثمة تطورات تتزلزل فيها الأرض كل يوم لا تحسب حساباً بأي حال لقصة قصيرة أو طويلة مهما كانت قوتها وجمالها.

الانفتاح على التراث
ولد الخراط بمدينة الإسكندرية لأسرة قبطية تمتد جذورها إلى صعيد مصر، وكان في حياته يؤكد أنه مصري قبطي، يكتب باللغة العربية، وتراثه كمسيحي لا ينفصل عن التراث المصري الإسلامي العربي والفرعوني، ويعتز بأنه ابن هذه البوتقة التي تنصهر فيها كل هذه الخبرات الإنسانية في سبيكة واحدة.
حول إشكالية التراث والمعاصرة، يرى أن التراث يمكنه أن يمنح الكثير، لكن في غير الاتجاه الذي قد يتبادر إلى الذهن أساساً؛ فهو لا يقصد الحكايات ولا قصص ألف ليلة وليلة ولا مقامات الحريري والهمذاني على ما في هذا كله من كنوز خام وبذور قادرة على الجود والعطاء، وإنما يقصد ما في هذا التراث من ثراء في أداة اللغة. لكن ليس الثراء هنا الطاقة اللفظية الهائلة التي تثقل على التراث وتنوء به. إن ما يقصده تحديداً هو الحس المرهف في التراث العربي بين الدال والمدلول، أي بين الكلمة وظلال المعاني الدقيقة والخفية والتي تستطيع العربية أن تفي بها وفاءً يكاد أن يكون معجزاً، ومع ذلك فهي أداة ما زالت خاماً ومادة حية عضوية مهما كان قد ران عليها نوع من الخمود والموت الوقتيين، وهي ليست على أي حال قوالب مصنوعة ومفروضة، بل للكاتب الحرية في إعادة تشكيلها، لافتاً إلى أن «الحرية هنا مسؤوليتها فادحة ومقلقة في أن يشكل هذه المادة الخام وينفث فيها النفس المعاصر الحار».

وجوه الإسكندرية والصعيد
وحول علاقته بمدينة الإسكندرية التي ولد بها، يقول الخراط إنها مدينة سحرية ترابها زعفران حقاً، وهي شاطئ يقع على حافة بحر الأبد، حافة المطلق، فعندما ينظر منها إلى أفق البحر يعرف، كما علموهم في المدرسة والكتب أن هناك شاطئاً من الناحية الأخرى، ولعله لا يصدق ولا يقتنع بذلك حقيقة أبداً، «ليس هناك وراء هذا الأفق شيء فهذا امتداد لعباب المجهول إلى ما لانهاية كأنني أقف هناك على شاطئ الموت نفسه»، مشيراً إلى أن البحر والموت عنده مرتبطان بروابط انفعالية ورمزية وتجارب لاذعة المرارة لا يمحى طعمها أبداً من على لسانه والإسكندرية هي المحيط السحري اليانع الخضرة على حافة كون ملحي شاسع، بل غير محدود، الإسكندرية عالم ساطع ونقي ونظيف وحي متقلب بروائح خصوبة جديدة دائمة التجدد.
أما عن الصعيد وجنوب مصر منبت جذوره، فيقول: الصعيد عندي هو رسوخ مصر وشموخها وعظمتها السامقة، هو أيضاً بذرة الحب الصلبة التي لا تنكسر، هو الوشيجة الحية التي لا تنقطع أبداً بيني وبين أصل الحياة نفسها وعراقتها الضاربة حتى أعماق الإنسان الأول الخالد. هو أرض الأسطورة الراجعة إلى ألف ألف عام، هو العرش الوطيد للنيل في مطلق جلاله ووداعته والشمس المحرقة المخصبة وحورس في بحثه عن العدل، هو المسيح المصلوب، إيزيس وملاذ الأولياء والرهبان وأبناء الحق، لكنه أيضاً ضراوة العنف الضروري المركّب في صلب نسيج الحياة الكثيف الخشن الذي لا يتفكك ولا يتمزق قط، ومع ذلك فمن يعرف أن الصعايدة أرق الناس قلباً وأحنّهم وأقربهم إلى الدموع؟ نعم، هؤلاء الرجال العتاة وهاته النسوة كأنهن الصخور، أودعتْ في الصعيد أسرار مصر كلها تحت سفوح جباله.



العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.