إدوار الخراط... الجذور الفكرية التي شكلت هويته

نبيل فرج يستعيد ملامح عالمه في كتاب جديد عنه

إدوار الخراط... الجذور الفكرية التي شكلت هويته
TT

إدوار الخراط... الجذور الفكرية التي شكلت هويته

إدوار الخراط... الجذور الفكرية التي شكلت هويته

عن العالم المتنوع للكاتب المصري إدوار الخراط الذي رحل عن عالمنا قبل خمس سنوات، ودوره الرائد في احتضان التيارات الجديدة في الأدب والفن والنقد، وتركيزه على مغامرة التجريب عبر مصطلحي «الكتابة عبر النوعية» و«الحساسية الجدية» اللذين ينسبان له، يدور كتاب الباحث نبيل فرج «إدوار الخراط... أشواق المعرفة والجمال» الصادر حديثاً عن الهيئة المصرية للكتاب.
يكتسب الكتاب أهمية خاصة؛ فمؤلفه كان مقرباً من الخراط على مدار قرابة خمسين عاماً، عايش من خلالها أجواء أعماله، وما طرأ عليها من تحولات على مستويي الرؤية والتشكيل الفني. ويذكر أن الخراط تمتع بحس نقدي منذ شبابه، فرغم أنه ينتمي إلى جيل الخمسينات لم يكن يتردد في نقد أسماء راسخة أدبياً، كاشفاً عن عيوب فنية تعتري أعمالها وهي في قمة مجدها مثل نجيب محفوظ ويوسف إدريس، وغيرهما من الكتاب من الذين يتهيب كبار النقاد من الاقتراب منهم إلا بالتبجيل والتكريس بعدما تحولوا إلى سلطة ثقافية. وحول إنجاز الخراط في القصة القصيرة المصرية، يرى المؤلف أنه مثل اتجاهاً متميزاً تتردد أصداؤه حتى الآن في كثير من المغامرات الجديدة لقصص الشباب، حيث كانت مجموعته القصصية الأولى «حيطان عالية» التي صدرت في القاهرة سنة 1959، بمثابة إيقاع جديد في الحركة الأدبية، اقتحم بها الكاتب هوامش العالم الداخلي للشخصيات خلف حيطانها العالية عبر لغة شعرية حارة تقدم رؤية خاصة للإنسان في أشواقه وعذاباته مستلهمة واقعاً محلياً، يتنقل ما بين مناخي الإسكندرية والصعيد المصري معاً.

الأرض مهد الجذور
ويتحدث الخراط ضمن الحوارات التي تضمنها الكتاب حول الجذور الفكرية التي شكّلت هويته الأدبية أديباً وناقداً، مشيراً إلى فكرة «الأرض» التي تمتد بجذورها في قلبه كمصري؛ فهي «تنطوي على ثروة شديدة الخصوبة عميقة الغور، أرض عريقة يجد فيها عراقة الجنس البشري كله، بل عراقة الحياة ذاتها»، مؤكداً أن «الفكر فيها ليس مصاغاً في قوالب النظم الفلسفية بقدر ما يجيش في حياة الناس البسطاء في كل (حدوتة) سمعها من جدته الفلاحة العجوز، وفي كل فعل من الجيران والقسس والشيوخ والعوالم والصبا، فكل ذلك يكوّن تربة الأرض الفكرية التي تمتاح منها الجذور ماءها وعصارة حياتها».
وحول الهدف من ممارسته الكتابة الأدبية، يقول الخراط «لست أهدف إلى وضع قصة محكمة الصنع فيها حبكة ومفارقة ومفاجأة ولحظة تنوير كما يقال، أو قصة مسلية أو مثيرة للتفكير أو تدعو إلى موقف اجتماعي معين أو تصور واقعاً معيناً، أو حتى قصة تتخذ لنفسها موقفاً فلسفياً أو ميتافيزيقياً معيناً. لست أهدف إلى ذلك وحده، بل أطمح إلى أن يكون في قصتي شيء من ذلك كله، وشيء آخر يغير ذلك ويحوله لمستوى آخر، أو جوهر آخر مغاير تماماً قد يعتمد على هذه العناصر أو يشتمل عليها بشكل ما، لكنه ينطلق منها إلى هدف آخر، ولعل هذا الهدف هو أن يشاركني القارئ مشاركة حميمية تتجاوز الأنا إلى تواصل جمعي ما على مستوى التجربة أو الخبرة الفنية، مشاركة في معرفة من نوع خاص، معرفة للنفس وللعالم منصهرة في وحدة واحدة، أن نذهب معاً أنا وقارئي على هذا الطريق نلتمس حقيقة مشتركة«.
ورغم ذلك، يكشف الخراط عن لحظات يشعر فيها بعدم جدوى الكتابة فيتساءل «ماذا يمكن أن يفعل العمل الفني في عصر تتحول فيه الإنسانية إلى مرحلة جديدة شاسعة الأبعاد، هائلة الإمكانات؟ عصر يملك فيه شخص ما في مكان ما يمكن أن يدمر كرتنا الأرضية الصغيرة الضئيلة؟ عصر تتحرك فيه جيوش لتقضي على الحياة وينطلق فيه ناس إلى حواف الكون يكسرون ثقباً في القشرة الكونية التي لطالما حمت الإنسان؟ عصر تحتشد فيه إرادة الملايين من البشر وتؤكد ذاتها في موجات كاسحة، كما تقهر فيه أيضاً إرادة الملايين من الأفراد ويصبحون بالفعل فتاتاً مسحوقاً لا قيمة له».
ويخلص صاحب روايتي «رامة والتنين» و«ترابها زعفران» إلى أن هذا التناقض بين تحولات الواقع ومحدودية تأثير النص الأدبي يصيبه أحياناً بالإحباط، فثمة تطورات تتزلزل فيها الأرض كل يوم لا تحسب حساباً بأي حال لقصة قصيرة أو طويلة مهما كانت قوتها وجمالها.

الانفتاح على التراث
ولد الخراط بمدينة الإسكندرية لأسرة قبطية تمتد جذورها إلى صعيد مصر، وكان في حياته يؤكد أنه مصري قبطي، يكتب باللغة العربية، وتراثه كمسيحي لا ينفصل عن التراث المصري الإسلامي العربي والفرعوني، ويعتز بأنه ابن هذه البوتقة التي تنصهر فيها كل هذه الخبرات الإنسانية في سبيكة واحدة.
حول إشكالية التراث والمعاصرة، يرى أن التراث يمكنه أن يمنح الكثير، لكن في غير الاتجاه الذي قد يتبادر إلى الذهن أساساً؛ فهو لا يقصد الحكايات ولا قصص ألف ليلة وليلة ولا مقامات الحريري والهمذاني على ما في هذا كله من كنوز خام وبذور قادرة على الجود والعطاء، وإنما يقصد ما في هذا التراث من ثراء في أداة اللغة. لكن ليس الثراء هنا الطاقة اللفظية الهائلة التي تثقل على التراث وتنوء به. إن ما يقصده تحديداً هو الحس المرهف في التراث العربي بين الدال والمدلول، أي بين الكلمة وظلال المعاني الدقيقة والخفية والتي تستطيع العربية أن تفي بها وفاءً يكاد أن يكون معجزاً، ومع ذلك فهي أداة ما زالت خاماً ومادة حية عضوية مهما كان قد ران عليها نوع من الخمود والموت الوقتيين، وهي ليست على أي حال قوالب مصنوعة ومفروضة، بل للكاتب الحرية في إعادة تشكيلها، لافتاً إلى أن «الحرية هنا مسؤوليتها فادحة ومقلقة في أن يشكل هذه المادة الخام وينفث فيها النفس المعاصر الحار».

وجوه الإسكندرية والصعيد
وحول علاقته بمدينة الإسكندرية التي ولد بها، يقول الخراط إنها مدينة سحرية ترابها زعفران حقاً، وهي شاطئ يقع على حافة بحر الأبد، حافة المطلق، فعندما ينظر منها إلى أفق البحر يعرف، كما علموهم في المدرسة والكتب أن هناك شاطئاً من الناحية الأخرى، ولعله لا يصدق ولا يقتنع بذلك حقيقة أبداً، «ليس هناك وراء هذا الأفق شيء فهذا امتداد لعباب المجهول إلى ما لانهاية كأنني أقف هناك على شاطئ الموت نفسه»، مشيراً إلى أن البحر والموت عنده مرتبطان بروابط انفعالية ورمزية وتجارب لاذعة المرارة لا يمحى طعمها أبداً من على لسانه والإسكندرية هي المحيط السحري اليانع الخضرة على حافة كون ملحي شاسع، بل غير محدود، الإسكندرية عالم ساطع ونقي ونظيف وحي متقلب بروائح خصوبة جديدة دائمة التجدد.
أما عن الصعيد وجنوب مصر منبت جذوره، فيقول: الصعيد عندي هو رسوخ مصر وشموخها وعظمتها السامقة، هو أيضاً بذرة الحب الصلبة التي لا تنكسر، هو الوشيجة الحية التي لا تنقطع أبداً بيني وبين أصل الحياة نفسها وعراقتها الضاربة حتى أعماق الإنسان الأول الخالد. هو أرض الأسطورة الراجعة إلى ألف ألف عام، هو العرش الوطيد للنيل في مطلق جلاله ووداعته والشمس المحرقة المخصبة وحورس في بحثه عن العدل، هو المسيح المصلوب، إيزيس وملاذ الأولياء والرهبان وأبناء الحق، لكنه أيضاً ضراوة العنف الضروري المركّب في صلب نسيج الحياة الكثيف الخشن الذي لا يتفكك ولا يتمزق قط، ومع ذلك فمن يعرف أن الصعايدة أرق الناس قلباً وأحنّهم وأقربهم إلى الدموع؟ نعم، هؤلاء الرجال العتاة وهاته النسوة كأنهن الصخور، أودعتْ في الصعيد أسرار مصر كلها تحت سفوح جباله.



زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.