اتفاق السودان وإسرائيل يوجه ضربة أخرى لـ«حماس»

نظام البشير تعاون مع الحركة سياسياً وأمنياً لسنوات طويلة

تظاهرة مؤيدة للفلسطينيين عام 2014 في الخرطوم التي كانت تربطها علاقة وثيقة بحركة «حماس» (أ.ف.ب)
تظاهرة مؤيدة للفلسطينيين عام 2014 في الخرطوم التي كانت تربطها علاقة وثيقة بحركة «حماس» (أ.ف.ب)
TT

اتفاق السودان وإسرائيل يوجه ضربة أخرى لـ«حماس»

تظاهرة مؤيدة للفلسطينيين عام 2014 في الخرطوم التي كانت تربطها علاقة وثيقة بحركة «حماس» (أ.ف.ب)
تظاهرة مؤيدة للفلسطينيين عام 2014 في الخرطوم التي كانت تربطها علاقة وثيقة بحركة «حماس» (أ.ف.ب)

أثار اتفاق التطبيع بين السودان وإسرائيل غضباً متنامياً بين الفلسطينيين الذين يرون الدول العربية والإسلامية تسير في طريق لطالما أراد الفلسطينيون أن يكون لاحقاً لإقامة دولتهم المستقلة وليس قبل ذلك. لكن الاتفاق شكل أيضاً ضربة إضافية لحركة «حماس» التي كانت تربطها بالسودان علاقات خاصة سياسية وأمنية حتى وقت قريب، بل كانت تعتبر السودان واحدة من «دول الملاذ».
وكتبت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية أن أهمية الاتفاق مع السودان تكمن في أنه جاء مع بلد لطالما وُصف بأنه «معاد»، بخلاف الوصف الذي كان يُطلق على الإمارات والبحرين، كما أنه شكل ضربة خاصة لـ«حماس»، بحسب التقرير.
وترى الصحيفة أن اتفاق السودان شكل ضربة قاسية للحركة التي كانت تتعامل مع السودان كمحطة مهمة لنقل الأسلحة إلى قطاع غزة. وأكدت أن السودان عمل إلى جانب إيران، وكان بمثابة قناة لنقل الأسلحة إلى «حماس»، وهو ما يفسر لماذا نفذت إسرائيل عمليات سرية وعلنية داخل السودان وعلى حدوده وقصفت أهدافاً هناك.
وبحسب «يديعوت أحرونوت» لم يتعاون السودان مع إيران فقط، بل تعاون أيضاً في تسعينات القرن الماضي مع تنظيم «القاعدة» واستضاف زعيمه أسامة بن لادن ودعم تنفيذ هجمات ضد سفارتي أميركا في كينيا وتنزانيا، بحسب التقرير ذاته.
لكن السودان بدأ أخيراً في تغيير سياساته وقلبها رأساً على عقب، وكانت «حماس»، كما يبدو، واحدة من أكثر الخاسرين.
وليس سراً أن الحركة كانت تتمتع بعلاقات خاصة مع السودان بما في ذلك تأمين الخرطوم ملاذاً للحركة وقادتها، ويوماً ما فكرت «حماس» بالاستقرار هناك أو على الأقل بإرسال بعض قادتها إلى السودان من أجل إقامة دائمة على أراضيه.
وعملت «حماس» بالفعل من الأراضي السودانية لوقت طويل بما في ذلك استخدامها لنقل الأسلحة.
ورصدت «يديعوت» سلسلة من العمليات الإسرائيلية العلنية والسرية على أرض السودان، من بينها الضربة الكبيرة عام 2009 والتي دمرت خلالها تل أبيب قافلة أسلحة من 17 شاحنة شمال غربي مدينة بورتسودان، كانت متجهة إلى سيناء ومنها إلى غزة، وقتل في الضربة سودانيون وإريتريون.
وبعد أشهر في نفس العام تم إغراق سفينة إيرانية تحمل أسلحة متجهة لغزة عبر السودان، وفي 2012 تم قصف مصنع أسلحة وصواريخ في السودان.
وقاتلت «حماس» حتى اللحظة الأخيرة من أجل منع السودان من التوقيع مع إسرائيل.
وفي مايو (أيار) الماضي أرسل الرئيس السابق للمكتب السياسي لحركة «حماس»، خالد مشعل، رسالة إلى الحكومة السودانية، قال فيها: «رسالتي للنظام السوداني، أنت حر في سياستك الداخلية والخارجية، ونحن لا نملي على أحد شيئاً، التطبيع مع إسرائيل من حيث البعد المصلحي، سراب زائف». وأضاف: «الخرطوم في الذاكرة الفلسطينية لها مكانة عظيمة، فلا نريد أن تفجعونا بأي تنازلات»، معرباً عن جاهزية «حماس» لتطوير العلاقة مع نظام الحكم الجديد في السودان، من دون تدخل في شؤونه الداخلية أو شؤون أي دولة عربية.
ووجهت الحركة بعد التوقيع انتقادات حادة للسودان. وقال سامي أبو زهري، القيادي في «حماس»، «إن هذا الاتفاق لا يتفق مع تاريخ السودان المناصر للقضية الفلسطينية».
وجاء في بيان وزعته الحركة: «تلقى شعبنا الفلسطيني البطل، ومعه كل شعوب الأمتين العربية والإسلامية وأحرار العالم، خبر موافقة حكومة السودان على تطبيع العلاقات مع العدو ببالغ الصدمة والإدانة والاستنكار». ودعت «حماس» شعب السودان إلى رفض هذا الاتفاق، قائلة إنه لن يجلب للسودان استقراراً ولا انفراجاً، بل سيأخذه نحو المزيد من التشتت والتضييق والضياع. واعتبرت الحركة أيضاً أن التطبيع «لا يليق بالسودان شعباً وتاريخاً ومكانةً ودوراً كدولة عمق داعمة لفلسطين وقضيتها ومقاومتها».
ولجأت حركة «الجهاد الإسلامي» بدورها إلى التوجه للشعب السوداني، قائلة إن «النظام السوداني يسجل بذلك كتاباً أسود في تاريخ السودان بلد اللاءات الثلاث». وأضافت أن «السودان بلد كبير وقدم تضحيات كبيرة من أجل فلسطين والسودانيين أكثر وعياً بطبيعة المخطط الصهيو-أميركي الهادف لتمزيق الشمل العربي وحصار البلاد الإسلامية».
ورفض «حماس» و«الجهاد» لاتفاق السودان وإسرائيل جزء من رفض وغضب فلسطيني واسع عبرت عنه الرئاسة الفلسطينية وحركة «فتح» وبقية الفصائل.
وكان بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، قد وصف الإعلان عن تطبيع العلاقات مع السودان بمثابة اختراق دراماتيكي للسلام، واصفاً الاتفاق بأنه تحول هائل. وأضاف: «الخرطوم اليوم تقول نعم للسلام مع إسرائيل، نعم للاعتراف بإسرائيل، هذه حقبة جديدة، يا لها من إثارة». ولفت نتنياهو إلى بيان مؤتمر الخرطوم عام 1967 بمعارضة أي سلام أو تفاوض مع إسرائيل، مقدماً شكره لرئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، ورئيس الوزراء عبد الله حمدوك، والرئيس الأميركي دونالد ترمب وطاقمه الذين عملوا جميعاً «من أجل هذا التحول الكبير».



الاقتصاد اليمني في مواجهة انهيارات كارثية وشيكة

طفل يمني يعاني من سوء التغذية وتتوقع وكالة أممية تفاقم الوضع الإنساني خلال الأشهر المقبلة (الأمم المتحدة)
طفل يمني يعاني من سوء التغذية وتتوقع وكالة أممية تفاقم الوضع الإنساني خلال الأشهر المقبلة (الأمم المتحدة)
TT

الاقتصاد اليمني في مواجهة انهيارات كارثية وشيكة

طفل يمني يعاني من سوء التغذية وتتوقع وكالة أممية تفاقم الوضع الإنساني خلال الأشهر المقبلة (الأمم المتحدة)
طفل يمني يعاني من سوء التغذية وتتوقع وكالة أممية تفاقم الوضع الإنساني خلال الأشهر المقبلة (الأمم المتحدة)

يتضاعف خطر انعدام الأمن الغذائي في اليمن بعد تفاقم الأزمة الاقتصادية، وانهيار سعر العملة المحلية أمام العملات الأجنبية، بفعل الحرب الحوثية على الموارد الرئيسية للبلاد، وتوسيع دائرة الصراع إلى خارج الحدود، في حين تتزايد الدعوات إلى اللجوء للتنمية المستدامة، والبحث عن حلول من الداخل.

وبينما تتوالي التحذيرات من تعاظم احتياجات السكان إلى المساعدات الإنسانية خلال الأشهر المقبلة، تواجه الحكومة اليمنية تحديات صعبة في إدارة الأمن الغذائي، وتوفير الخدمات للسكان في مناطق سيطرتها، خصوصاً بعد تراجع المساعدات الإغاثية الدولية والأممية خلال الأشهر الماضية، ما زاد من التعقيدات التي تعاني منها بفعل توقف عدد من الموارد التي كانت تعتمد عليها في سد الكثير من الفجوات الغذائية والخدمية.

ورجحت شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة حدوث ارتفاع في عدد المحتاجين إلى المساعدات الإنسانية في اليمن في ظل استمرار التدهور الاقتصادي في البلاد، حيث لا تزال العائلات تعاني من التأثيرات طويلة الأجل للصراع المطول، بما في ذلك الظروف الاقتصادية الكلية السيئة للغاية، بينما تستمر بيئة الأعمال في التآكل بسبب نقص العملة في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، وانخفاض قيمة العملة والتضخم في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة.

وبحسب توقعات الأمن الغذائي خلال الستة أشهر المقبلة، فإنه وبفعل الظروف الاقتصادية السيئة، وانخفاض فرص كسب الدخل المحدودة، ستواجه ملايين العائلات، فجوات مستمرة في استهلاك الغذاء وحالة انعدام الأمن الغذائي الحاد واسعة النطاق على مستوى الأزمة (المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي) أو حالة الطوارئ (المرحلة الرابعة) في مناطق نفوذ الحكومة الشرعية.

انهيار العملة المحلية أسهم مع تراجع المساعدات الإغاثية في تراجع الأمن الغذائي باليمن (البنك الدولي)

يشدد الأكاديمي محمد قحطان، أستاذ الاقتصاد في جامعة تعز، على ضرورة وجود إرادة سياسية حازمة لمواجهة أسباب الانهيار الاقتصادي وتهاوي العملة المحلية أمام العملات الأجنبية، منوهاً إلى أن عائدات صادرات النفط والغاز كانت تغطي 70 في المائة من الإنفاق العام في الموازنة العامة، وهو ما يؤكد أهميتها في تشغيل مؤسسات الدولة.

ويضيف قحطان في حديث خص به «الشرق الأوسط» أن وقف هذه الصادرات يضع الحكومة في حالة عجز عن الوفاء بالتزاماتها، بالتضافر مع أسباب أخرى منها الفساد والتسيب الوظيفي في أهم المؤسسات الحكومية، وعدم وصول إيرادات مؤسسات الدولة إلى البنك المركزي، والمضاربة بالعملات الأجنبية وتسريبها إلى الخارج، واستيراد مشتقات الوقود بدلاً من تكرير النفط داخلياً.

أدوات الإصلاح

طبقاً لخبراء اقتصاديين، تنذر الإخفاقات في إدارة الموارد السيادية ورفد خزينة الدولة بها، والفشل في إدارة أسعار صرف العملات الأجنبية، بآثار كارثية على سعر العملة المحلية، والتوجه إلى تمويل النفقات الحكومية من مصادر تضخمية مثل الإصدار النقدي.

توقف تصدير النفط يتسبب في عجز الحكومة اليمنية عن تلبية احتياجات السكان (البنك الدولي)

ويلفت الأكاديمي قحطان إلى أن استيراد مشتقات الوقود من الخارج لتغطية حاجة السوق اليمنية من دون مادة الأسفلت يكلف الدولة أكثر من 3.5 مليار دولار في السنة، بينما في حالة تكرير النفط المنتج محلياً سيتم توفير هذا المبلغ لدعم ميزان المدفوعات، وتوفير احتياجات البلاد من الأسفلت لتعبيد الطرقات عوض استيرادها، وأيضاً تحصيل إيرادات مقابل بيع الوقود داخلياً.

وسيتبع ذلك إمكانية إدارة البنك المركزي لتلك المبالغ لدعم العرض النقدي من العملات الأجنبية، ومواجهة الطلب بأريحية تامة دون ضغوط للطلب عليها، ولن يكون بحاجة إلى بيع دولارات لتغطية الرواتب، كما يحدث حالياً، وسيتمكن من سحب فائض السيولة النقدية، ما سيعيد للاقتصاد توازنه، وتتعافى العملة الوطنية مقابل العملات الأجنبية، وهو ما سيسهم في استعادة جزء من القدرة الشرائية المفقودة للسكان.

ودعا الحكومة إلى خفض نفقاتها الداخلية والخارجية ومواجهة الفساد في الأوعية الإيرادية لإحداث تحول سريع من حالة الركود التضخمي إلى حالة الانتعاش الاقتصادي، ومواجهة البيئة الطاردة للاستثمارات ورجال الأعمال اليمنيين، مع الأهمية القصوى لعودة كل منتسبي الدولة للاستقرار داخل البلاد، وأداء مهاهم من مواقعهم.

الحكومة اليمنية تطالب المجتمع الدولي بالضغط على الحوثيين لوقف حصار تصدير النفط (سبأ)

ويؤكد مصدر حكومي يمني لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة باتت تدرك الأخطاء التي تراكمت خلال السنوات الماضية، مثل تسرب الكثير من أموال المساعدات الدولية والودائع السعودية في البنك المركزي إلى قنوات لإنتاج حلول مؤقتة، بدلاً من استثمارها في مشاريع للتنمية المستدامة، إلا أن معالجة تلك الأخطاء لم تعد سهلة حالياً.

الحل بالتنمية المستدامة

وفقاً للمصدر الذي فضل التحفظ على بياناته، لعدم امتلاكه صلاحية الحديث لوسائل الإعلام، فإن النقاشات الحكومية الحالية تبحث في كيفية الحصول على مساعدات خارجية جديدة لتحقيق تنمية مستدامة، بالشراكة وتحت إشراف الجهات الممولة، لضمان نجاح تلك المشروعات.

إلا أنه اعترف بصعوبة حدوث ذلك، وهو ما يدفع الحكومة إلى المطالبة بإلحاح للضغط من أجل تمكينها من الموارد الرئيسية، ومنها تصدير النفط.

واعترف المصدر أيضاً بصعوبة موافقة المجتمع الدولي على الضغط على الجماعة الحوثية لوقف حصارها المفروض على تصدير النفط، نظراً لتعنتها وشروطها صعبة التنفيذ من جهة، وإمكانية تصعيدها العسكري لفرض تلك الشروط في وقت يتوقع فيه حدوث تقدم في مشاورات السلام، من جهة ثانية.

تحذيرات من مآلات قاتمة لتداعيات الصراع الذي افتعلته الجماعة الحوثية في المياه المحيطة باليمن على الاقتصاد (أ.ف.ب)

وقدمت الحكومة اليمنية، أواخر الشهر الماضي، رؤية شاملة إلى البنك الدولي لإعادة هيكلة المشروعات القائمة لتتوافق مع الاحتياجات الراهنة، مطالبةً في الوقت ذاته بزيادة المخصصات المالية المخصصة للبلاد في الدورة الجديدة.

وكان البنك الدولي توقع في تقرير له هذا الشهر، انكماش إجمالي الناتج المحلي بنسبة واحد في المائة هذا العام، بعد انخفاضه بنسبة 2 في المائة العام الماضي، بما يؤدي إلى المزيد من التدهور في نصيب الفرد من إجمالي الناتج الحقيقي.

ويعاني أكثر من 60 في المائة من السكان من ضعف قدرتهم على الحصول على الغذاء الكافي، وفقاً للبنك الدولي، بسبب استمرار الحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على صادرات النفط، ما أدى إلى انخفاض الإيرادات المالية للحكومة بنسبة 42 في المائة خلال النصف الأول من العام الحالي، وترتب على ذلك عجزها عن تقديم الخدمات الأساسية للسكان.

وأبدى البنك قلقه من مآلات قاتمة لتداعيات الصراع الذي افتعلته الجماعة الحوثية في المياه المحيطة باليمن على الاقتصاد، وتفاقم الأزمات الاجتماعية والإنسانية.