ترمب وبايدن يقدمان عرضاً متزناً رغم تبادل الاتهامات حول الوباء والضرائب والفساد

انقسام في استطلاعات الرأي حول الفائز في المناظرة الأخيرة قبل أيام من إجراء الانتخابات

كريستين ويلكر منسقة المناظرة تتوسط ترمب وبايدن خلال المواجهة الأخيرة المباشرة بينهما قبل الانتخابات (أ.ب)
كريستين ويلكر منسقة المناظرة تتوسط ترمب وبايدن خلال المواجهة الأخيرة المباشرة بينهما قبل الانتخابات (أ.ب)
TT

ترمب وبايدن يقدمان عرضاً متزناً رغم تبادل الاتهامات حول الوباء والضرائب والفساد

كريستين ويلكر منسقة المناظرة تتوسط ترمب وبايدن خلال المواجهة الأخيرة المباشرة بينهما قبل الانتخابات (أ.ب)
كريستين ويلكر منسقة المناظرة تتوسط ترمب وبايدن خلال المواجهة الأخيرة المباشرة بينهما قبل الانتخابات (أ.ب)

تقابل الرئيس دونالد ترمب المرشح الجمهوري ومنافسه الديمقراطي جو بايدن لمدة 90 دقيقة، لعرض نهجهما في التعامل مع وباء «كوفيد- 19»، ومستقبل نظام التأمين الصحي، وقضية التوترات العرقية والاقتصاد والطاقة والتغير المناخي، ومن يستطيع منهما تهدئة التوترات النووية مع كوريا الشمالية ومواجهة طموحات الصين.
وشهدت المناظرة الرئاسية الأخيرة مساء الخميس في مدينة ناشفيل بولاية تينيسي، اشتباكات حامية، وشن المرشحان هجمات شخصية بعضهما على بعض؛ لكنها في رأي كل المحللين كانت أقل غضباً وصراخاً، وأفضل كثيراً من المناظرة الرئاسية الأولى التي جرت في 29 سبتمبر (أيلول) الماضي، وشابها كثير من المقاطعة والاشتباك غير المنظم والفوضى.
ويستمر الرئيس ترمب في حشد الناخبين لإعادة انتخابه؛ حيث يشارك في مسيرتين انتخابيتين في فلوريدا مساء الجمعة، بينما يلقي بايدن خطاباً في مدينة ويلمنغتون في ولاية ديلاوير محل إقامته. ومع العد التنازلي ليوم التصويت في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) لتحديد من سيكون الرئيس القادم، سعى ترمب إلى تصوير نفسه بأنه رجل خارج دوائر السياسيين، وهي الصورة التي قدمها للناخبين قبل أربع سنوات. وكرر مساء الخميس أنه نجح في الانتخابات وأصبح رئيساً؛ لأنه ليس سياسياً، وأن إخفاقات السياسيين في واشنطن مثل أوباما وبايدن، هي ما أوصلته إلى السلطة في 2016.
في المقابل أصر بايدن على أن ترمب رئيس غير كفء لبلد يواجه أزمات متعددة، منها: الوباء، وفقدان الوظائف، والظلم العنصري، وحاول ربط إخفاقات ترمب بما يعانيه الأميركيون في حياتهم اليومية.
وكرس ترمب جانباً كبيراً من أدائه خلال المناظرة لإطلاق سهام اتهامات تورط مالي وفساد سياسي، مدعياً أن هانتر بايدن نجل نائب الرئيس السابق كان متورطاً في معاملات تجارية في الخارج بمساعدة والده، مشيراً إلى رسائل إلكترونية وصفقات بملايين الدولارات. وقد واجه بايدن تلك الاتهامات بالدفاع عن نفسه بأنه لم يتلقَّ أي أموال من أي دولة أجنبية، وأن رسائل البريد الإلكتروني لا تقدم أي دليل على ارتكاب أي مخالفات، واصفاً الاتهامات بأنه «قمامة». وحاول بايدن دفع كرة الاتهامات إلى ترمب، متهماً محاميه رودي جولياني بالعمل مع جاسوس روسي لشن حملة تشويه متعلقة بأوكرانيا. وأشار نائب الرئيس السابق إلى قيامه بإعلان إقراراته الضريبية للرأي العام، متهماً ترمب بالاستمرار في رفض الإفراج عن إقراراته الضريبية. وقال بايدن متحدياً ترمب: «أعلن إقراراتك الضريبية، أو توقف عن الحديث عن الفساد»، بينما كرر ترمب دفاعاته بأنها قيد التدقيق، وبأنه دفع ضرائب تقدر بملايين الدولارات مقدماً.
ويقول المحللون إن ترمب لم ينجح في تركيز الأضواء على إنجازاته الاقتصادية بشكل واضح، ولم يسلط الضوء على أرقام البطالة المنخفضة، واعتمد بشكل كبير على تكرار اتهام بايدن بأنه قضى ثماني سنوات في منصب نائب الرئيس ولم ينجز شيئاً ملموساً.

وباء «كورونا»

كان وباء «كورونا» من القضايا الرئيسية التي أخذت مساحة كبيرة من النقاش خلال المناظرة، وتمسك كل مرشح بسياساته حول مواجهة الفيروس. كرر الرئيس ترمب تصريحاته السابقة بضرورة فتح الاقتصاد. وقال إنه من الخطأ إلحاق مزيد من الضرر بالاقتصاد بسبب خوف العدوى من «كوفيد- 19» الذي يتعافى منه معظم المصابين. وشدد على أن لقاحاً سيكون جاهزاً بحلول نهاية العام؛ بينما قال بايدن إن البلاد تتجه نحو «شتاء مظلم» بسبب مساعي ترمب لإلغاء قيود التباعد الاجتماعي، على الرغم من ارتفاع حصيلة الوفيات الناجمة عن الوباء إلى أكثر من ربع مليون أميركي. واتهم بايدن خصمه ترمب بأنه لا يملك خطة أو سياسة واضحة لمكافحة الوباء. وقال ترمب لأول مرة إنه يتحمل المسؤولية الكاملة عن تداعيات الوباء؛ لكنه سرعان ما تجنب اللوم قائلاً: «إنه ليس ذنبي أن ينتشر الوباء، إنه خطأ الصين».

الرعاية الصحية والهجرة

وفي قضية متصلة، تجادل المرشحان حول سياستهما فيما يتعلق ببرامج الرعاية الصحية، وهي القضية المهمة التي تشغل الرأي العام الأميركي، مع توقعات تنصيب القاضية إيمي باريت في المحكمة العليا، واتجاهها إلى الحكم بعدم دستورية برنامج «أوباما كير» للرعاية الصحية، وبالتالي فقدان الملايين من الأميركيين لتلك البرامج. وقال ترمب إنه سيأتي بـ«خطة رعاية صحية جميلة وجديدة تماماً»؛ لكنه لم يقدم أي تفاصيل حول الشكل الذي ستبدو عليه خطة الاستبدال ببرنامج «أوباما كير». وقال بايدن إن خطته ستخفض أسعار الأدوية وأقساطها، من خلال السماح للمرضى من خلال برنامج الرعاية الطبية بالتفاوض على أسعار الأدوية مع شركات التأمين.
وفي قضية الهجرة والمهاجرين، اتهم المرشح الديمقراطي جو بايدن إدارة ترمب بفصل الأطفال عن أسرهم عند الحدود، مشيراً إلى وجود أكثر من 500 طفل يمكن تحديد مكان آبائهم. وأعلن بايدن أنه سيوفر مساراً للمهاجرين غير الشرعيين - ممن ولدوا في الولايات المتحدة ويقدر عددهم بنحو 11 مليون مهاجر - للحصول على الجنسية الأميركية. ودافع ترمب عن سياساته المقيدة للهجرة، متهماً إدارة أوباما بأنها هي التي وضعت سياسة الفصل وبناء أقفاص احتجاز الأطفال.

الطاقة والتغير المناخي

أشار المرشح الديمقراطي جو بايدن إلى أنه سيبتعد عن الطاقة التقليدية إلى الطاقة المتجددة، وسيعمل على خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بحلول 2050، وأشار إلى أنه سينهي الدعم الفيدرالي لصناعة النفط والغاز، وأنه يملك خطة لمكافحة تغير المناخ والاستثمار بشكل مكثف في مصادر الطاقة المتجددة كالرياح، معترضاً على رفض ترمب النتائج العلمية لمشكلة التغير المناخي. وقال بايدن: «إن أربع سنوات أخرى من رئاسة ترمب معناها مواجهة ورطة حقيقية». وهاجم ترمب هذه التصريحات مشيراً إلى أنها ستأتي بانتكاسة سياسية للشركات المنتجة للنفط، وقال لمنافسه: «أنا أعرف الرياح أكثر منك. إنها مكلفة للغاية وتقتل الطيور»، وهو ما دفع بايدن إلى الضحك.

كوريا الشمالية والصين

في الجزء الثاني من النقاش، تحول التركيز إلى التدخل الأجنبي في الانتخابات الأميركية. وحذر بايدن من أن دولاً مثل روسيا وإيران «ستدفع ثمناً» للتلاعب والتدخل في الانتخابات الأميركية.
بينما زعم ترمب أن إدارة أوباما تركت لها تركة مثقلة بالمشكلات مع كوريا الشمالية. وقال إنه نجح في تلطيف العلاقات وتجنب نشوب حرب. وهاجم بايدن علاقة ترمب مع الزعيم الكوري كيم جونغ أون، ومنحه الشرعية رغم قيام بيونغ يانع بأربعة تجارب نووية، وعدم تخليها عن ترسانتها النووية.

هل تغيّرت توجهات الناخبين؟

> من غير الواضح أن هذه المناظرة قد أحدثت فارقاً كبيراً في توجهات الناخبين وميول التصويت. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن معظم الأميركيين قد اتخذوا قراراتهم بالفعل بشأن المرشح الذي يدعمونه. ووفقاً للإحصاءات حول التصويت المبكر والتصويت عبر البريد، فقد قام أكثر من 47 مليون شخص بالتصويت بالفعل. ويقول المحللون إن الناخبين المؤيدين لترمب كانوا منزعجين من سلوكه المتوتر والعدواني في المناظرة الأولى، وشعروا بالارتياح لأدائه المتزن ليلية الخميس.
وازداد المؤيدون لبايدن طمأنينة بأنه لديه الصحة والطاقة لأداء مهام منصب الرئيس رغم سنه الكبير.

لغة الجسد وتكتيكات الدفاع

> طبقت لجنة الإشراف على المناظرات الرئاسية قاعدة إيقاف تشغيل الميكروفونات لأحد المرشحين بينما يتكلم الآخر، وهو ما جعل المناظرة أكثر هدوءاً واتزاناً؛ إلا أن تعبيرات الوجه والجسد كانت واضحة لدى كل من بايدن وترمب في الاعتراض والهجوم والدفاع. فقد استخدم بايدن ابتسامات السخرية والضحك كتكتيك هجومي عدة مرات، خلال إجابات ترمب حول التوصل إلى لقاح بحلول نهاية العام. وكرر ابتسامته الساخرة حينما قال ترمب إنه لا يوجد رئيس كان قاسياً على روسيا أكثر من دونالد ترمب. وأعرب بايدن عن دهشة مبالغ فيها وضحكة ساخرة حينما قال ترمب إنه لم يحصل على أموال من أعماله في الصين وروسيا، وإنه دفع ملايين الدورات كضرائب. وضحك بايدن ساخراً من اتهام ترمب بأنه يملك ملايين الدولارات ويعيش حياة مرفهة ويملك كثيراً من المنازل. وضحك ساخراً حينما قال ترمب إنه يدعم حق المرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة في الحصول على الرعاية الصحية. واستطاع بايدن مقاطعة ترمب أثناء حديثه عن إيميلات هانتر بايدن قائلاً: «هذا ليس صحيحاً» وكررها مرة أخرى حينما كان يتحدث ترمب عن دفع مساعدات للمزارعين الأميركيين في مواجهة تحديات الصين التجارية.
وبينما استخدم ترمب الاسم الأول لخصمه في توجيه الحديث له والانتقادات استخدم بايدن لفظ «هذا الشخص» مستخدماً ذراعه في الإشارة إلى ترمب، بما يعتبره علماء النفس وتحليل لغة الجسد أسلوباً للتقليل والتحقير من الخصوم. وبعد تراشق متبادل استخدم بايدن استراتيجية الحديث المباشر عبر شاشة التلفزيون إلى الناخبين قائلاً: «الأمر لا يتعلق بعائلتي وعائلته، الأمر يتعلق بأسرتك أنت». ويبدو أن الرئيس ترمب استطاع السيطرة على انفعالاته بشكل كبير خلال المناظرة، ومحاولاته المقاطعة، إلا أنه اكتفى بهز رأسه حينما وجَّه بايدن إليه الاتهامات بدفع ضرائب للصين، وعدم الكشف عن إقراراته الضريبية. وهز رأسه نافياً الاتهامات المتعلقة بالاتصال التليفوني مع رئيس أوكرانيا، ودفاع بايدن عن ابنه. واستخدم ترمب كلتا يديه مراراً في إجابته عن الأسئلة في أسلوب دفاعي يعبر عنه جسده بصورة دائمة. وكان واضحاً حرص كل مرشح على ارتداء رابطة عنق تمثل اللون الرسمي للحزب الذي ينتمي إليه؛ حيث ارتدى الرئيس ترمب رابطة عنق حمراء، وارتدى بايدن رابطة عنق زرقاء.

إشادات بكريستين ويلكر منسّقة المناظرة

> اشتبك المحللون والناخبون عبر وسائل التواصل الاجتماعي حول الفائز في المناظرة؛ لكنهم اتفقوا على فائز واضح في المناظرة، وهي كريستين ويلكر، مذيعة أخبار شبكة «إن بي سي» التي أدارت المناظرة بكفاءة وموضوعية. وأشادت عدة منظمات إعلامية وسياسية ونسائية بسيطرتها على المناظرة. وقالت إحدى المنظمات: «لقد أثبتت كريستين ويلكر أنه إذا أردت أن تنجز العمل بصورة جيدة فاعهد به إلى امرأة».
وقد نشأت كريستين في مدينة فيلادلفيا بولاية بنسلفانيا، وتخرجت في جامعة «هارفارد» عام 1998، وتعد ثاني امرأة سوداء تدير مناظرة رئاسية منذ 28 عاماً، بعد كارول سيمبسون التي استضافت المناظرة الرئاسية في عام 1992. ووصفت كيلي أودونيل من محطة «إن بي سي نيوز» زميلتها بأنها طرحت أسئلة مدروسة، وكانت صارمة في إدارة المناظرة بما يقدم للناخبين رؤية واضحة وإجابات مباشرة من المرشحين.

مَن الفائز؟

> كالعادة، تنافس كل معسكر في إعلان الفوز في المناظرة، وسارع ترمب إلى نشر وإعادة نشر عديد من التغريدات لاستطلاعات رأي تظهر فوزه في المناظرة بفارق كبير، ونشر استطلاع للرأي أجرته صحيفة «لاس فيجاس ريفيو» أعطى ترمب 92 في المائة من الأصوات. ونشر ترمب أيضاً استطلاع من موقع «ذي ديلي واير» الإخباري منحه الفوز بنسبة 95 في المائة. إلا أن المحللين قللوا من تلك الاستطلاعات غير الدقيقة والتي يمكن التلاعب بها.
وأعلنت حملة ترمب في بيان أن الرئيس ترمب استطاع كشف جو بايدن كسياسي من واشنطن يتحدث كثيراً ولا يتخذ أي إجراء. وقالت الحملة إن ترمب قام بتفكيك سجل بايدن، وعرض قضية واضحة مفادها أنه أنجز في 47 شهراً ما حققه بايدن في 47 عاماً.
في المقابل، أعلنت حملة بايدن أن مرشحها الديمقراطي فاز في المناظرة الأولى وفي المناظرة الأخيرة ليلة الخميس، واتهمت المنافس الجمهوري دونالد ترمب بأنه أهدر فرصته الأخيرة في تقديم أي مبررات للناخب الأميركي ليعيد انتخابه لأربع سنوات أخرى. وقالت الحملة إن بايدن كان المرشح الوحيد الذي يتمتع بالحكمة والخبرة والقدرة على التغلب على الأزمات التي أخفق فيها ترمب، وإن بايدن قادر على توحيد البلاد مرة أخرى. ونشرت شبكة «سي إن إن» استطلاعاً أشارت فيه إلى أن 52 في المائة ممن تابعوا المناظرة يعتقدون أن بايدن فاز بها مقابل 41 في المائة لترمب. وجاءت نتائج استطلاع للرأي أجرته شبكة «سي بي إس نيوز» مشابهة؛ حيث أشارت إلى أن 54 في المائة ممن تابعوا المناظرة يرون أن بايدن هو الفائز، وأشار 35 في المائة إلى أن ترمب هو الفائز. بينما أظهر استطلاع للرأي لمشاهدي قناة «فوكس نيوز» أن 74 في المائة من المشاهدين يعتقدون فوز الرئيس على بايدن، مقابل 24 في المائة يعتقدون فوز بايدن. وأشار بعض المحللين إلى أن ترمب لم يوجه ضربة قاضية لخصمه؛ لكنه بالتأكيد سجَّل بعض التقدم.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...