المقاربات المتباينة للسياسات الخارجية... نجاحات عند ترمب وخبرات لدى بايدن

المقاربات المتباينة للسياسات الخارجية... نجاحات عند ترمب وخبرات لدى بايدن
TT

المقاربات المتباينة للسياسات الخارجية... نجاحات عند ترمب وخبرات لدى بايدن

المقاربات المتباينة للسياسات الخارجية... نجاحات عند ترمب وخبرات لدى بايدن

قبل المناظرة الرئاسية الأخيرة التي أجريت الخميس، ضغط الرئيس دونالد ترمب من أجل أن تكون السياسة الخارجية موضوعاً رئيسياً في مواجهته مع المرشح الديمقراطي جو بايدن. ويعتقد كثيرون أن هذا المجال يمكن أن يقدم فيه المرشح الجمهوري الحجة الأقوى أمام الناخبين للبقاء 4 سنوات إضافية في البيت الأبيض. ويشعر ترمب بأنه يقف على أرض صلبة إذا شاء التحدث عن سياسته الخارجية، بخلاف المسائل الداخلية التي يوجد حولها كثير من الجدل. وينعكس ذلك في قول كبير مستشاري حملة الرئيس لعام 2020، جايسون ميللر، إن «السياسة الخارجية ميزة هائلة لدى ترمب في السباق الانتخابي»، بينما تعد «تجربة جو بايدن في السياسة الخارجية كارثة كاملة». ولهذا السبب، وجه رئيس حملة المرشح، بيل ستيبيين، رسالة إلى لجنة المناظرات الرئاسية طالباً «التركيز على السياسة الخارجية» في المناظرة الأخيرة. لكن هذه المحاولة أخفقت، ولم يدع الديمقراطيون هذه المحاولة تمر، إذ أكد مسؤول الإعلام الوطني في حملة الديمقراطيين، تي جي داكلو، أن «الحملتين اتفقتا مع لجنة المناظرات الرئاسية منذ أشهر على أن تختار مديرة المناظرة المواضيع»، مضيفاً أن «حملة ترمب تكذب بشأن ذلك الآن لأن دونالد ترمب يخشى مواجهة مزيد من الأسئلة حول رده الكارثي على (كوفيد-19)».
وقال خبير السياسة الخارجية الأميركية لدى جامعة تافتس في ماساتشوستس، دانيال دريزنر، إنه «نسبياً، من الأفضل لترمب أن يتحدث عن السياسة الخارجية، بدلاً من الحديث عن وضع البلاد»، مشيراً إلى لائحة يمكن لترمب أن يعتمد عليها، من دون أن يعني ذلك أنها لمصلحته.
وعد أن هناك نقطتي ضعف إضافيتين دفعتا ترمب إلى المطالبة بإجراء نقاش حول السياسة الخارجية، بيد أن ذلك يمكن أن يؤدي إلى نتائج عكسية، موضحاً أن ثمة سببين لذلك: الأول هو أن بايدن أكثر خبرة وحنكة عند الحديث عن السياسة الخارجية فقد تعامل معها طوال عقود من خلال ترؤسه لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، والثاني شغله منصب نائب الرئيس لثماني سنوات.
وفي ظل الخلاف على صورة أميركا في العالم، تقدم «الشرق الأوسط» هنا لمحة عامة عن السياسات الخارجية التي يعتمدها ترمب، ويمكن أن يعتمدها بايدن إذا فاز بالرئاسة.

نجاحات وإخفاقات لترمب

سجل ترمب عدداً من النجاحات في مجالات خارجية كثيرة. وهو يكرر أنه قاد الحملة العسكرية الدولية التي أدت إلى اجتثاث «داعش» في سوريا والعراق، وقتل زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي، وأمر بقتل قائد «فيلق القدس» لدى «الحرس الثوري» الإيراني الجنرال قاسم سليماني، وتوسط في تطبيع تاريخي للعلاقات بين إسرائيل وكل من الإمارات العربية المتحدة والبحرين، ونقل السفارة الأميركية في إسرائيل إلى القدس، فضلاً عن أنه حسن وضع الولايات المتحدة في اتفاق التجارة الحرة لأميركا الشمالية -المعروف باسم نافتا- مع كندا والمكسيك، ووقع المرحلة الأولى من الاتفاق التجاري مع الصين، وأشرف على توقيع الولايات المتحدة و«طالبان» اتفاق سلام يمهد لسحب كل القوات الأميركية تقريباً من أفغانستان، وساعد في تسهيل المفاوضات الدبلوماسية بين صربيا وكوسوفو. ويمكن لترمب أن يدعي أن اجتماعات القمة له مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون جعلت بيونغ يانغ توقف -على الأقل في الوقت الحالي- اختباراتها النووية وعمليات إطلاق الصواريخ التي يمكن أن يصل مداها إلى الأراضي الأميركية. كما أنه لم يبدأ أي حروب جديدة أيضاً.
وفي المقابل، يتجنب بايدن أن يكون حاداً في إجاباته عن التساؤلات الكثيرة في شأن سياسة ترمب الخارجية. وعندما سئل أخيراً عما إذا كانت سياسة ترمب الخارجية تستحق بعض الثناء، فأجاب: «قليلاً، لكن ليس كثيراً»، مضيفاً: «نجد أنفسنا في وضع نشعر فيه بالعزلة في العالم أكثر مما كنا عليه في أي وقت مضى». وعرض في الوقت ذاته لما عده أخطاء ترمب الخارجية: لديك إيران أقرب إلى امتلاك مواد نووية كافية لصنع قنبلة، وكوريا الشمالية لديها مزيد من الرؤوس والقنابل النووية والصواريخ الباليستية، مشيراً إلى أن حلفاء الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي (الناتو) يجاهرون بأنهم لا يستطيعون الاعتماد علينا، مضيفاً أن هناك موقفاً أميركياً صعباً في الشرق الأقصى وغرب المحيط الهادئ، بسبب طموحات الصين، واستمرار الخلافات بين اليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بايدن أشاد بالجهود التي بذلها الرئيس ترمب حيال «اتفاقات إبراهيم» بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة والبحرين.

مواقف ومآخذ لبايدن

ويرتبط طلب ترمب التركيز على السياسة الخارجية بأن في إمكانه مهاجمة مجالات متعددة من السجل الطويل لبايدن في السياسة الخارجية، مما يضع الأخير في وضع دفاعي. ويتيح النقاش حول الشؤون الدولية لترمب أن يهاجم بايدن في قضايا عدة، مثل دعمه لحرب العراق، ومعارضته قتل زعيم تنظيم «القاعدة» أسامة بن لادن، وفشله في كبح عدوانية الصين ضد الولايات المتحدة خلال عهد الرئيس باراك أوباما. ويرى الديمقراطيون أن إجمالي العجز التجاري في الولايات المتحدة الذي سعى ترمب إلى خفضه جزئياً عن طريق تغيير العلاقات التجارية مع الصين يقترب من أعلى مستوى له على الإطلاق، فضلاً عن أنه تغاضى عن اعتقال الصين لنحو مليوني مسلم من الأويغور. ويدعي الديمقراطيون أيضاً أن إيران اقتربت أكثر من القدرة على تطوير سلاح نووي، على الرغم من سياسة «الضغط الأقصى» والعقوبات التي فرضها ترمب على النظام الإيراني، علماً بأنه لم يتمكن من إقناع مجلس الأمن بإعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة تلقائياً على طهران، على الرغم من انتهاكاتها المتواصلة لخطة العمل المشتركة الشاملة، أي الاتفاق النووي. ويأخذ الديمقراطيون على إدارة ترمب أن كوريا الشمالية صارت في عهده قوة نووية أكبر مما كانت عليه قبل 4 سنوات عندما تولى منصبه.

بوتين وشي ثم ترمب

وفي استطلاع مثير أجري في 17 دولة رئيسية عن الثقة بزعماء العالم، حل ترمب في المرتبة الثالثة، بعد الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين، والصيني شي جينبينغ. لذلك كان يمكن للنقاش في شأن السياسية الخارجية أن يؤدي إلى نتائج عكسية بالنسبة إلى ترمب، علماً أيضاً بأن قلة من الناخبين الأميركيين تهتم بالسياسة الخارجية، أو تصوت لمرشح رئاسي دون آخر بناء على السياسات الخارجية التي تعد مسرحاً للنخبة فقط في الولايات المتحدة.
وأفاد خبير السياسة الخارجية الأميركية في الجامعة الكاثوليكية، جاستن لوغان، بأن السياسة الخارجية هي «المعادل السياسي للعبة البولو» بالنسبة إلى الأميركيين، مضيفاً أن فوز ترمب المحتمل في النقاش حول السياسة الخارجية لن يؤدي على الأرجح إلى التقدم على بايدن في استطلاعات الرأي، بل «يمكن أن يجعل الأمور أسوأ» بالنسبة إلى ترمب.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...