«فوكسكاتشر» فيلم جيد عن ملياردير قاتل

عين المخرج ميلر على العلاقات النفسية

ستيف كاريل..  أفضل أدواره
ستيف كاريل.. أفضل أدواره
TT

«فوكسكاتشر» فيلم جيد عن ملياردير قاتل

ستيف كاريل..  أفضل أدواره
ستيف كاريل.. أفضل أدواره

قبل نهاية عام 2014 بيوم واحد كتب مارك شولتز على فيسبوك وتويتر مهاجما المخرج بَنِت ميلر وفيلمه الجديد «فوكسكاتشر». السبب هو أن الفيلم يوحي بأن بطل العالم الحائز على ميداليتين ذهبيتين في المصارعة الحرّة كانت له علاقة جنسية مثلية مع الملياردير جون إ. دو بونت أيام ما قام الملياردير باحتواء مارك شولتز في فريق سمّاه «فوكسكاتشر تيم» ورغب منه أن يربح الميداليات الذهب وأن يحقق لأميركا ريادتها السابقة في هذه الرياضة.
كان ذلك في منتصف الثمانينات، وسواء ارتبط بطل العالم بعلاقة مثلية مع الملياردير، الذي كان يرأس الفريق ويضم في راحات ممتلكاته الشاسعة أفرادها، أم لم يرتبط، فإن الفيلم يوحي بأن شيئا ما كان تحت رادار تلك العلاقة. هذا الشيء قد يكون الدافع الخفي لقيام جون إ. دو بونت بقتل شقيق مارك، وهو ديف شولتز، في عام 1996، الجريمة التي حوكم عليها بالسجن من 13 سنة إلى 30 سنة. في عام 2010 مات جون إ. دو بونت في السجن فعلا.

* تحسين صورة
* الدافع الخفي الذي يوحي به الفيلم هو أمر، والغلاف الخارجي هو أمر آخر.
«فوكسكاتشر» من أفضل أفلام العام الماضي ولا عجب أن مخرجه بَنِت حصل على جائزة أفضل مخرج من مهرجان «كان» السينمائي. لجنة التحكيم (التي رأستها النيوزلندية جين كامبيون) منحت الذهبية لفيلم «سبات شتوي» للتركي نوري بيلج شيلان، وإن سألت الكثير من النقاد عمّن كان يستحق السعفة فعلا لانقسموا لـ3 فئات واحدة تحبّذ فيلم شيلان، والأخرى فيلم بَنِت والثالثة الفيلم الروسي «حوت» لأندريه زفياغنتسيف.
الغلاف الخارجي المذكور هو أن الفيلم إنما يصوّر البارون دو بونت رجلا ذا مثاليات وطموحات ضلّت طريقها فارتطمت بالوهم. حين تبنّى مارك شولتز أراد بالفعل الخير له ولنفسه ولأميركا كوطن. قال له: «السوفيات يساندون لاعبيهم» (ويعني بذلك الدولة ذاتها) ثم أكمل: «أريد العزّة لأميركا وأتوسم فيك هذا النجاح».
لكن دو بونت (كما يؤديه بإجادة فريدة ستيف كاريل) أخذ يخلط بين الحقيقة والوهم تحت ضغوط نفسية. يظهره الفيلم على أنه كان يحاول دوما الفوز برضا والدته (دور قصير بارع جدا لفينسيا ردغراف) التي كانت ترى في المصارعة «رياضة وضيعة». حبّها «الرياضي» كان للجياد التي كانت تملك منها ما تعتبره أفضل الأنسال. مع هذا الرد منها تلقّى الابن صفعة عاطفية، ثم صفعة أقوى عندما دخلت أمّه المقعدة (تجرّها إحدى المشرفات) عليه أثناء تدريبه الفريق. حين يلاحظها، ينصرف لمحاولة التأثير إيجابا عليها. تحسين صورته في عينيها. كان يحتاج إلى حنانها وهي لم تكن تملك ما تهبه له وقد غدا في منتصف العمر. تخرج من القاعة وينطفئ الأمل من عينيه.
أول ما ماتت، دخل الاصطبل حيث تلك الخيول الجميلة وأطلقها.. لم يعد يريد أن يراها.
المخرج بَنِت ميلر يسرد الوضع النفسي بالموجز من اللقطات والأعين. لا حاجة لأكثر من ذلك صوتا أو صورة. والنتائج المترتّبة هي على النحو ذاته. في أحد مشاهد الفيلم الدالة، يتابع دو بونت فيلما تم تسجيله قبل سنوات قليلة عندما استقبل مارك شولتز (شانينغ تاتوم) في قصره. بذلك عاد إلى أحلامه. وتبعا للإحباط الذي واجهه مع والدته، رأى في مارك شولتز ذلك الحلم الذي لم يتحقق. لكن عدم تحقيقه بالنسبة إليه لم يكن سببه والدته بل شقيق مارك الأكبر ديف شولتز (مارك روفالو) فهذا صد هيمنة دو بونت على شقيقه وحافظ على المسافة بينه وبين دو بونت عندما عرض عليه العمل مدرّبا في فريقه فلم يخنع له كشقيقه مارك. جون دو بونت أحال فشله إلى ديف الذي ساعد شقيقه على الخروج من حلم دو بونت ورؤيته وعالمه. عليه قاد سيّارته إلى حيث كان ديف مشغولا بتصليح سيارته. هناك، وأمام عيني زوجته (سيينا ميلر) أطلق عليه ما لا يقل عن 3 رصاصات قاتلة.

* لعبة الهيمنة
* النقاد الغربيون هم الذين حمّلوا الفيلم ما لم يحمله. الفيلم لا يُشير إلى علاقة مثلية، حتى ولو أن مسارات العلاقة النفسية قد تشي بانجذاب ذكوري بين الاثنين دو بونت ومارك شولتز. المخرج ميلر يغزل الفيلم بعناية، ولو أنه أراد قول ذلك بوضوح لما منعه شيء. لم يمنعه شيء من تقديم شخصية مثلية في فيلمه الأسبق (والأول له مخرجا) «كابوتي» (عن الصحافي والكاتب المعروف) ولو أن مثليته لم تكن موضع عرض أو تداول. يبدأ ميلر تقديم شخصية مارك الذي كان نال الميدالية العالمية في المصارعة الحرّة قبل 3 سنوات من بدء حكاية الفيلم، لكنه لم يحقق بعد ذلك إنجازا يُذكر. يعيش في شقة فوق دكان، ويقف في الصف في الملاجئ الخيرية. لديه شقيق رياضي بدوره يقوم بالتدريب (وسبق له أن فاز بالميدالية الذهبية ذاتها أيضا) ومتزوّج وأكثر استقرارا. أيام حالكة لا إضاءة فيها والممثل شانينغ تاتوم يعايشها بصعوبة. فجأة يأتيه هاتف من سكرتير دو بونت ومارك يستجيب. يطير إلى ذلك المكان الشاسع المحاط بممتلكات العائلة التي جنت ثروتها بصنع الكيماويات. دو بونت يستقبله ويمنحه الأمل والطموح ويحذّره من أخيه: «يريدك أن تبقى تحت إبطه. عليك أن تستقل».
ومارك يستقل من تحت إبط شقيقه لكنه يقع تحت إبط دو بونت. يرفض الحديث لأخيه ويقابله بجفاء قبل أن يكتشف أنه كان مموها بأكثر من الكوكايين الذي وفّره له دو بونت. لا عجب أن دو بونت قتل ديف لأنه لم يعتد أن يخسر أحدا، فما البال بحلمه بأسره؟

* مصارع روسي!
* تستطيع أن تتحدّث عن هذا الفيلم طويلا. عن الإخراج وتوظيفه المفردات البصرية وكيفية ذلك. عن الخلفية وما اختاره المخرج منها. وعن النهاية التي تصوّر مارك وقد استمر في توهانه بعد فقدانه شقيقه فأصبح مجرد لاعب في المباريات المفبركة يتم تقديمه على أنه «بطل روسي». يسقط أرضا ويتلقى نصيبه من الأجر.
لكن أبرز ما تستطيع الحديث فيه هو التمثيل.
هناك غرابة لا تحد في أن ترى الكوميدي ستيف كاريل في دور جون دو بونت بأنف كبير ونظرات مات التعبير فيها وبقامة تعاند للوقوف في وجه ما تتصدّى له. يزيح كلا من مارك روفالو وشانينغ تاتوم. شخصيّته هي الأعمق وستيف كاريل يوفّر ما تحتاجه شكلا ومضمونا. حين يأتي الأمر إلى مارك وشانينغ هناك غرابة أخرى: هل كان هذان الممثلان مصارعين قبل أن يصبحا ممثلين؟ طبعا لا. لكنهما يقبلان على إتقان المطلوب لدرجة أنهما الشخصيّتان فعليا. لكن ستيف كاريل يبقى جوهرة الفيلم. يجسّد الرجل الثري الذي يحاول أن يتصرّف كما لو كان جارك العادي. هنا تكمن المفارقة لأنه كما يخفق الفقير في التصرّف كثري، يخفق الثري في التصرّف كفقير. دو بونت كان غريب الأطوار من دون هذا التصرّف، لكنه يصبح أكثر غرابة كلما حاول أن يدخل حياة الآخرين قبل أن ينتهي مهزوما من قبل والدته وخيولها ونظرتها إلى ما يحاول أن يقدم عليه ومن قبل أحلامه ومارك وشقيقه ديف.
* 3 أفلام واتجاه واحد

* هذا هو ثالث فيلم للمخرج بَنِت ميلر بعد «كابوتي» (2005) و«مونيبول» (2011). الأول يتعاطى مع الصحافي الذي يستثمر مأساة قاتل لأجل مصلحته الخاصّة. الثاني دار حول ملاعب الكرة. الفيلم الحالي، يتحدّث عن ذلك الاستثمار وينتهي بجريمة قتل ويتعامل مع رياضة أخرى.



أسباب «باراماونت» الفعلية لاحتواء «وورنر»

«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)
«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)
TT

أسباب «باراماونت» الفعلية لاحتواء «وورنر»

«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)
«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)

اشتهر أحد رؤساء شركة «مترو - غولدوين - ماير» المعروفة بـ«M.G.M» في الثمانينات بأنه كان يملك دُرجَين في مكتبه؛ أحدهما لعقود البيع، والآخر لعقود الشراء. وكان يفتح الدُّرج الأول لبيع أقسام من الشركة وأملاكها في يوم، ويستردها في يوم آخر، ويقبض نسبته من العقود في كلتا الحالتين.

هذا الوضع يبدو اليوم أقل أهمية مما كان عليه آنذاك، وما انكشف عنه يومها من فضيحة لم يؤذِ أحداً، وغلَّفه التاريخ بالنسيان. وبالمقارنة مع ما يحدث في «هوليوود» اليوم من عمليات شراء بين المؤسسات وعمليات دمج يصعب تتبّعها، تبدو عمليات الأمس طبيعية؛ لأنها لم تقع في فخاخ الأوضاع الاقتصادية المتعثرة التي سادت خلال السنوات العشر الأخيرة.

رؤوس متعددة

قبل 3 أيام، رفعت شركة «باراماونت» السعر الذي عرضته للاستحواذ على شركة «وورنر»، التي كانت على وشك الموافقة النهائية على عرض قدَّمته «نتفليكس» في الشهر الأخير من العام الماضي. وما إن علمت «باراماونت» أن «وورنر برذرز» تدرس جدياً عرض «نتفليكس»، حتى عرضت شراءها بمبلغ تجاوز 100 مليار دولار، مقابل مبلغ 87.2 مليار دولار عرضته منصة «نتفليكس».

السعر الجديد الذي تُواجِهُ به «باراماونت» تردّدَ «وورنر» في القبول هو الآن 108 مليارات و500 مليون دولار.

«معركة بعد أخرى» أحد أهم نجاحات «وورنر» الأخيرة (وورنر)

الأهداف هنا متعددة؛ فمن ناحية، يحتوي أرشيف «وورنر» آلاف الأفلام التي أنتجتها الشركة، أو أنتجتها شركة «نيولاين سينما» التابعة لها. ومن ناحية أخرى، ستؤدي عملية الشراء إلى تعزيز حجم شركة «باراماونت»، التي تمتلك بدورها أرشيفاً ضخماً من الأفلام. كذلك تسعى «باراماونت» إلى تحسين وضعها بعدما سجَّلت في نهاية العام الماضي أضعف دخل لها، وحلَّت خامسة بين الاستوديوهات السينمائية الخمسة الكبرى («ديزني»، و«وورنر»، و«يونيڤرسال»، و«سوني»، و«باراماونت»)، إذ بلغت عائدات أفلامها ملياراً و419 مليون دولار، بفارق 5 مليارات و161 مليون دولار عن الشركة التي حلّت في المرتبة الأولى؛ «ديزني».

ما تبحث عنه «باراماونت» أيضاً هو ضم إدارة أعلى فاعلية حققت نجاحات تجارية ملحوظة في الأشهر الأخيرة من خلال إنتاج فيلمي «معركة بعد أخرى» و«خاطئون». يضاف إلى ذلك امتلاك «وورنر» حقوق إنتاج أفلام مؤسسة «دي سي (DC)» للكوميكس، التي تضم شخصيتي «سوبرمان» و«باتمان»، وتستعد لإطلاق نسخة جديدة من «سوبرغيرل».

وكان أنجح أفلام «باراماونت» في العام الماضي «مهمة: مستحيلة: الحساب الأخير (Mission: Impossible - The Final Reckoning)»؛ إذ سجّل 598 مليون دولار عالمياً، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تحقيق ربح؛ لأن تكلفة إنتاجه بلغت 400 مليون دولار.

من يد إلى يد

تاريخ «هوليوود»، خصوصاً استوديوهاتها الكبرى، مليء بعمليات الاستحواذ مقابل مبالغ خيالية. فشركة «مترو» نفسها بيعت لـ«أمازون» العام الماضي بـ8 مليارات و500 مليون دولار، وأصبح اسمها الآن «أمازون م.ج.م».

وعبر هذا التاريخ شهدنا عقوداً عدَّة، منها شراء شركة «سوني» اليابانية العملاقة في عام 1990 «كولومبيا» وشريكتيها «تراي - ستار» و«سكرين غمز (Gems)». ولم تكن «كولومبيا» الأولى ولا الأخيرة؛ فمنذ الثلاثينات تم شراء ودمج وبيع كثير من الشركات، توقف كثير منها لاحقاً (مثل «آر كي أو» و«ريبابلك»)، لتبقى المؤسسات السبع الكبرى المعروفة: «كولومبيا»، و«م.ج.م»، و«يونيڤرسال»، و«باراماونت»، و«وورنر»، و«ولت ديزني»، و«فوكس».

لكن هذا التاريخ لم يشهد عقداً بحجم العرض الذي قدَّمته «باراماونت» مؤخراً لشراء «وورنر». فمبلغ 108 مليارات و500 مليون دولار هو سعر مرتفع، ويتضمّن 7 مليارات دولار لتغطية أي تأخير في تنفيذ الصفقة، إضافة إلى رفع قيمة السهم الواحد إلى 31 دولاراً، مع ضمان عدم انخفاض هذا المبلغ تحت أي ظرف.

الأكبر إغراءً أن المبلغ سيُدفع نقداً، وليس عبر ودائع أو تحويلات مصرفية. وفي المقابل، تحصل «باراماونت» على الشركة وقنواتها التلفزيونية (بما فيها «سي إن إن - CNN») ومنصاتها الخاصة. وكانت «وورنر» تميل إلى قبول عرض «نتفليكس» عندما رفعت الأخيرة عرضها إلى 72.2 مليار دولار، لكنها تنظر الآن بعين التقدير إلى العرض الجديد، في حين لا يبدو أن «نتفليكس» ترغب في تجاوز هذا الرقم الخيالي بعرض منافس.

عين «باراماونت» على «سوبرمان» (وورنر)

أفلام ناجحة ولكن...

السؤال الأبرز هو: لماذا تعرض «وورنر» نفسها للبيع على الرغم مما حققته في العامين الماضيين من نتائج تجارية جيدة عبر أفلام مثل «سوبرمان»، و«معركة بعد أخرى»، و«خاطئون»؟

سؤال وجيه لأكثر من سبب؛ منها احتلال الشركة المركز الثاني تجارياً بين شركات «هوليوود»، إذ بلغت عائداتها مع نهاية العام الماضي 4 مليارات و379 مليون دولار، مقابل 6 مليارات و580 مليون دولار لـ«ديزني».

وتكشف صحيفة «لوس أنجليس تايمز» عن أن أحد أهم الأسباب يعود إلى بضع عمليات اندماج نفذتها الشركة خلال السنوات الماضية؛ مما حمَّلها أعباءً مالية كبيرة، بعدما جاءت النتائج دون التوقعات. ومن بين هذه العمليات شراء مؤسسة «تايم» الإعلامية عام 1990، والأسوأ منها شراء شركة «إيه أو إل (AOL)» عام 2001، وهي صفقة وُصفت بأنها من أسوأ عمليات الدمج في تاريخ «هوليوود».

كما استحوذت «وورنر» على محطات غير ربحية مثل «تي إن تي (TNT)»، و«تي بي إس (TBS)»، و«تي سي إم (TCM)». وفي عام 2016 اشترت الشركة العملاقة «إيه تي آند تي (AT&T)» شركة «وورنر»، لكن ذلك لم يحل الأزمة، إذ لا تزال الشركة تعاني من ديون تبلغ 53 مليار دولار منذ عام 2022.

وعند إضافة هذه العمليات الخاسرة والديون المتراكمة إلى حقيقة أن «هوليوود» بأسرها تمرُّ بأزمة سببها منافسة المنصات الكبرى («أمازون»، و«نتفليكس»، و«أبل»)، التي تمارس ضغوطاً متصاعدة على استوديوهات «هوليوود» التقليدية، (كما حدث عندما اشترت «أمازون» «م.ج.م»)، ومع غياب خطة فعلية لمواجهة هذه المنصات التي استحوذت على نحو 50 في المائة من جمهور السينما، يصبح السبب النهائي واضحاً: تخلُّص «وورنر» من أعبائها عبر بيع أصولها لمن يرغب.


شاشة الناقد: أبناء الذاكرة الثقيلة... وجوه إنسانية في عالمين متباعدين

«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)
«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)
TT

شاشة الناقد: أبناء الذاكرة الثقيلة... وجوه إنسانية في عالمين متباعدين

«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)
«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)

SENTIMENTAL VALUE

★★★

إخراج:‫ يواكيم تراير‬

النرويج - ألمانيا - الدنمارك (2025)

دراما عائلية مرشّحة لأكثر من جائزة «أوسكار»

قرب مطلع الفيلم، تنتفض «نورا» (رينايت راينسڤ) خائفة. تُصاب، وهي على بُعد دقائق من الظهور أمام الجمهور، بما يُعرف بـ«الخوف من الخشبة». تحاول تمزيق ردائها الذي ستظهر به قبل أن يردعها المحيطون بها. تبدو كأنها استسلمت وبدأت تستعد لصعود المسرح، لكنها فجأة تركض بشكل هستيري نحو باب الخروج هاربة. يلحق بها الجميع ويدفعونها إلى المسرح قسراً. تترصَّدها الكاميرا لتسجِّل حالتها وقد أدركت أن عليها مواجهة الجمهور المنتظر. وما إن تفعل ذلك، حتى تستعيد ثباتها وتقدّم عرضاً ناجحاً، يكتفي المخرج يواكيم تراير بعرض نموذج قصير منه، يعقبه تصفيق حادٌّ من الجمهور.

إنها بداية موفّقة للتعريف بالممثلة داخل الفيلم، وكذلك بأسلوب المخرج تراير المتمكِّن في سرد الحكاية بالحيوية المطلوبة. لكن العلاقة بين هذه المقدِّمة وما يليها تبقى في حدود التعريف؛ إذ يتحوَّل المشهد إلى تمهيد للدخول في عالم فني متكامل تتطور حكايته مباشرة بعد ذلك.

«نورا» ممثلة ناجحة، لكن حياتها الخاصة مضطربة. لديها شقيقة أصغر (إنغا إبسدوتر) متزوجة، وعلاقة الشقيقتين بوالدهما «غوستاف» (ستيلان سكارسغارد) تبدو كوترٍ مشدود يكاد ينقطع. يتضح ذلك حين يصارح الأب «نورا» برغبته في أن تؤدي الدور الرئيسي في فيلمه المقبل: «كتبت السيناريو وأنت في البال». لكنها ترفض، مذكِّرة إياه بأنه لم يتابع مسيرتها المهنية، وأنه غاب طويلاً قبل أن يعود الآن بدافع حاجته إليها فقط. يؤكد لها أن الأمر ليس كذلك، لكنها تُصرُّ على الرفض، فيلجأ إلى ممثلة أخرى؛ مما يجعل علاقته بابنته أعلى حدَّة وتوتراً.

هذه هي عتبة الفيلم نحو وضع أعلى سخونة. فالفيلم الذي يود «غوستاف» العودة به إلى السينما بعد انقطاع طويل مبني على قصة حياته منذ شبابه، لا سيما حادثة انتحار والدته. وهذا ما يزيد التوتر؛ لأن الشقيقتين تريان عودتَه بعد غياب طويل عنهما نابعةً من مصلحة شخصية.

الحكاية ليست العنصر الجاذب الأول؛ فهي حبكة جيدة لكنها محدودة التأثير في حد ذاتها. يمنح الفيلم مشاهديه موقع المتابعة وليس المشاركة؛ لأن المسائل العاطفية المطروحة ليست جديدة ولا حاسمة تماماً. ما يمنح الفيلم قيمته الفعلية هو الأداء التمثيلي الجماعي، إضافة إلى قدرة المخرج على توظيف الكاميرا والصوت لالتقاط تفاصيل المشاهد بقوة.

WOLFRAM

★★★

إخراج:‫ وورويك ثورنتون‬

أستراليا (2026)

من أفلام «مسابقة برلين» وأحد الأعمال الجديرة بالاهتمام

هو نوع من أفلام الويسترن الأسترالي؛ نظراً إلى طبيعة المكان والأجواء، لكن مع رسالة واضحة وتنفيذ جيد إلى حدٍّ مقبول. تدور أحداثه في ثلاثينات القرن الماضي فوق أرض صحراوية قاحلة، مع ما يلزم من شخصيات طيبة وأخرى شريرة. خلال تلك الفترة شهدت المناطق الأسترالية البعيدة تنافساً على استخراج حجر التنغستن (الاسم الآخر: وولفرام)، الذي يُقال إنه نافس الذهب في قيمته. شريران يسعيان إلى اكتشافه طمعاً في ثروة كبيرة، لكن أسلوبهما يبدأ خشناً وينتهي عنيفاً، فيما يكون الضحايا غالباً من السكان الأصليين لأستراليا.

«وولفرام» (دارك ماتر دستربيوشن»)

في الوقت نفسه، تبحث أمٌّ من السكان الأصليين (ديبرا مايلمن) عن ولديها اللذين اختفيا، كما اختفى غيرهما من أطفال السكان الأصليين. فقد خُطِف هؤلاء لتشغيلهم في المناجم دون أجر، حيث تصبح حياتهم رهينة الاستغلال، ويمكن التخلّص منهم بالقتل في أي وقت. نتعرَّف إلى الولدين وهما يعملان في منجم يديره رجل قاسٍ. ومع وصول الشريرين إلى المكان، ينقلب حال صاحب المنجم بعدما يدرك أنه أمام منافسة شرسة.

غاية الفيلم نبيلة؛ إذ يسلِّط الضوء على معاناة السكان الأصليين في أستراليا واستغلالهم على يد البيض بوصفهم عبيداً قبل التخلّص منهم. وكان وورويك ثورنتون قد قدَّم قبل 8 سنوات فيلماً آخر عن هذا الشعب المقهور بعنوان «سويت كنتري (Sweet Country)»، في ما يبدو أنه الجزء الأول من ثلاثية قد تكتمل مستقبلاً بالانتقال إلى أربعينات أو خمسينات القرن الماضي.

جماليات الفيلم لافتة، وملتقطة بعناية، ويلعب المكان وألوان الطبيعة دوراً مهماً في ترسيخ القسوة التي يتحدث عنها العمل.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.