أحداث العام 2014: مهرجانات دولية وتظاهرات ثقافية وجوائز.. ورحيل رموز في الفكر والفن

أحداث ثقافية طبعت 2014 في المغرب

من حفل تكريم خديجة العلمي وزكريا العلوي
من حفل تكريم خديجة العلمي وزكريا العلوي
TT

أحداث العام 2014: مهرجانات دولية وتظاهرات ثقافية وجوائز.. ورحيل رموز في الفكر والفن

من حفل تكريم خديجة العلمي وزكريا العلوي
من حفل تكريم خديجة العلمي وزكريا العلوي

يعد افتتاح أول متحف للفن المعاصر في الرباط من أبرز الأحداث الثقافية التي عرفها المغرب خلال 2014، وذلك بالنظر إلى أن «متحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر بالرباط»، الذي رأى النور في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، هو أول مؤسسة متحفية أنشئت في البلاد منذ الاستقلال، مخصصة للفن الحديث والمعاصر، وتستجيب للمعايير الدولية. ورأى عدد من الفاعلين الثقافيين في البلد في هذا المتحف، الذي كلف 23 مليون دولار، مشروعا ثقافيا رائدا سيسهم في صيانة وإشعاع موروث المملكة المغربية الفني والحضاري.
وأنجز المتحف، الذي افتتحه العاهل المغربي الملك محمد السادس، ليكون مخصصا، ليس فقط لحفظ التحف، بل لتشجيع وتعريف الجمهور بالإبداع الفني المعاصر، والمساهمة في الحياة الثقافية للبلاد عبر تحفيز التفاعل بين الجمهور والفنانين والانفتاح على عالم الإبداع الدولي.
واحتضن المتحف، بمناسبة تدشينه، معرضا لا يزال مفتوحا أمام الجمهور، يحمل عنوان «1914 - 2014: 100 سنة من الإبداع»، ويؤرخ لمختلف مراحل تطور الفن بالمغرب.
وينتظر أن يساهم المتحف المميز ببنائه المعماري التقليدي، في تعزيز الطابع الثقافي لمدينة الرباط التي تحفل بالمعالم والمنشآت التاريخية التي صنفت من لدن اليونيسكو تراثا عالميا، سنة 2012.

* «المغرب المعاصر» و«المغرب الوسيط» في باريس
كان للمغرب خلال 2014 حضور ثقافي بارز خارج البلاد من خلال افتتاح معرضين بباريس، هما معرض «المغرب المعاصر»، الذي نظمه معهد العالم العربي بشراكة مع المؤسسة الوطنية (المغربية) للمتاحف، ومعرض «المغرب الوسيط: إمبراطورية من أفريقيا إلى إسبانيا»، الذي نظمه متحف اللوفر بشراكة مع المؤسسة الوطنية (المغربية) للمتاحف.
وعد المعرض الأول حدثا ثقافيا وفنيا غير مسبوق، جرى افتتاحه من قبل الأميرة للا مريم، شقيقة العاهل المغربي، والرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، في 14 أكتوبر الماضي، ويستمر حتى مطلع 2015. ونظم المعرض، الذي احتضنه معهد العالم العربي، على مساحة 2500 متر مربع، وهو يستعرض أعمال أكثر من 80 فنانا مغربيا، بينهم فنانون تشكيليون ومصممون ومخرجو أشرطة مصورة ومهندسون معماريون ومصممو أزياء، وغيرهم، يمثلون تعدد التيارات الفنية والتنوع الثقافي واللغوي والعرقي المغربي. وعد المعرض أحد أهم المعارض المخصصة للمشهد الفني المعاصر لبلد أجنبي، أقيمت في فرنسا.
أما المعرض الثاني فيستمر حتى 19 يناير (كانون الثاني) المقبل، ويضم أكثر من 300 عمل وتحفة فنية، تعكس الإنجازات التي حققها المغرب في عهد المرابطين (1056 - 1147) والموحدين (1121 - 1269) والمرينيين (1244 - 1465)، في مجالات الهندسة المعمارية والخزف والنسيج وفن الخط وإنتاج الكتب، كما يبرز الاختراعات التي أنجزت في مختلف العلوم والتقنيات، ويذكر بأثرها على النهضة الأوروبية. ويدعو المعرض إلى اكتشاف مسار الفترة ما بين القرن الحادي عشر والقرن الخامس عشر مرحلة ازدهار الغرب الإسلامي، التي تعاقب على الحكم فيها كل من المرابطين والموحدين والمرينيين، ووحدوا منطقة واسعة تضم أجزاء من أفريقيا جنوب الصحراء والأندلس وشمال أفريقيا. ومن المقرر أن يقام المعرض، في مرحلة ثانية، بمتحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر بالرباط، خلال الفترة ما بين 2 مارس (آذار) وأول يونيو (حزيران) المقبلين.

* موسم أصيلة الثقافي
خلال 2014، نظمت في عدد من المدن المغربية مهرجانات ذات سمعة عالمية، ففي أصيلة واصل موسم أصيلة الثقافي الدولي فعالياته، وهو أقدم مهرجان مغربي، انطلقت فعالياته عام 1978، حيث نظمت دورته الـ36، ما بين 8 و22 أغسطس (آب) الماضي، وسبقها، كالعادة، نشاط في أوراش الفنون التشكيلية والحفر والنحت والرسم على جداريات المدينة القديمة، بشكل يحول أصيلة سنويا إلى مدينة مرسومة باليد. واحتفت الدورة بمملكة البحرين «ضيف شرف الموسم»، كما تميزت الدورة بتنظيم ندوات تناولت مواضيع متنوعة من قبيل «الدولة الوطنية والاتحادات الإقليمية في عالم الجنوب»، و«التنمية المستدامة والتغير المناخي: دور المنظمات المتعددة الأطراف»، و«قضايا الفن العربي بين حرية الإبداع والمبدع ودور المؤسسات الوسيطة»، و«العرب غدا: التوقعات والمآل». أما جائزة تشيكيا أوتامسي للشعر الأفريقي فذهبت، في دورتها العاشرة، إلى الشاعر الإيفواري جوزي غيبو، عن ديوانه «حلم في لامبيدوزا».
واحتضنت مراكش فعاليات الدورة الـ14 من المهرجان الدولي للفيلم، خلال الفترة ما بين 5 و13 ديسمبر (كانون الأول)، وفاز بـ«النجمة الذهبية» (الجائزة الكبرى) للمسابقة الرسمية للتظاهرة الفيلم الروسي «قسم إعادة الإدماج» للمخرج إيفان تفيردوفسكي، بينما ذهبت جائزة لجنة التحكيم إلى الفيلم السويسري «حرب» للمخرج سيمون جاكميت، بينما فاز الفيلم الهندي «شغيل الحب» لأديتيا فيكرام سينغوبتا بجائزة أفضل إخراج، وحازت الممثلة الفرنسية كلوتيلد هيسم جائزة أفضل ممثلة، عن دورها في فيلم «آخر ضربة بالمطرقة» لأليكس دولابرت، بينما ذهبت جائزة أفضل ممثل للسويسري بنجامين لوزيكي عن دوره في فيلم «حرب».
وعرفت التظاهرة عرض 87 فيلما من 22 دولة، وتميزت ببرنامج فني متنوع، ما بين عروض أفلام «المسابقة الرسمية» و«خارج المسابقة» و«خفة قلب» و«ساحة جامع الفنا»، ولقاءات مع مخرجين عالميين في إطار دروس للسينما ضمن فقرة «ماستر كلاس»، نشطها المخرج الدنماركي بيل أوغست، والمخرج السينمائي والمسرحي وكاتب السيناريو الفرنسي بونوا جاكو، والمخرج وكاتب السيناريو والمنتج الإسباني أليكس دي لا إغليسيا، وأمسيات تكريمية للسينما اليابانية، ولنجم السينما العربية الممثل المصري عادل إمام، ونجمي هوليوود، الممثل البريطاني جيرمي آيرونز والممثل والمخرج الأميركي فيغو مورتنسون، فضلا عن المنتجين المغربيين خديجة العلمي وزكرياء العلوي، المشتغلين منذ سنوات في تنفيذ عدد من الإنتاجات السينمائية الأجنبية الضخمة التي تصور في المغرب، فضلا عن فعاليات موازية أبرزها عرض 7 أفلام لفائدة المكفوفين وضعاف البصر عبر تقنية «الوصف السمعي».
وواصلت الصويرة احتضانها لمهرجاناتها الثلاثة: «كناوة وموسيقى العالم» و«أندلسيات أطلسية» و«ربيع الإليزيه». وأكدت فعاليات مهرجان «كناوة وموسيقى العالم»، الذي تحتضنه الصويرة منذ 1998، والذي وصل هذه السنة إلى دورته الـ17، التي نظمت ما بين 12 و15 يونيو، نجاح المنظمين في جمع متعة ومضمون موسيقى «كناوة» من خلال برمجة تتوزعها 6 فضاءات للعرض، إلى فضيلة النقاش والحوار الثقافي من خلال «ملتقى أفريقيا المستقبل».
وحضرت في مهرجان «أندلسيات أطلسية»، الذي نظم ما بين 30 أكتوبر و2 نوفمبر (تشرين الثاني) كل توابل المتعة الفنية، من خلال وصلات موسيقية أندلسية أداها فنانون مغاربة، مسلمون ويهود، تأكيدا لتنوع وتعايش ميز تاريخ المغرب. وعرفت التظاهرة تقديم عمل فني من خزانة الموسيقى الأندلسية المغربية، يؤرخ له بـ1832، السنة التي قدم فيها جوق موسيقي أندلسي صويري حفلا فنيا أمام السلطان العلوي سيدي عبد الرحمن (1789 - 1859) حين استقباله وفدا فرنسيا، كان ضمنه الرسام الشهير أوجين دولاكروا (1798 - 1863). وترافق نفض الغبار عن «القدام الجديد الصويري» مع استحضار المنظمين للوحة «اليهود الموسيقيون لموغادور»، لدولاكروا.
أما مهرجان «ربيع الإليزيه»، الذي يحتفي بعمالقة الموسيقى الكلاسيكية، فاحتضنته «مدينة الرياح»، في دورته الـ14، ما بين 26 و30 أبريل (نيسان). وعرفت الدورة مشاركة عمالقة الموسيقى الكلاسيكية وموسيقيين تميزوا بالاحتراف وشهرة عالمية.
وفي فاس، واصل مهرجان الموسيقى العالمية العريقة مسيرته، بوصوله إلى دورته الـ20، رافعا شعار «منطق الطير.. عندما تسافر الثقافات». واحتفت دورة 2014 بمختلف التعابير الموسيقية والفنية التي أبدعتها ثقافات العالم منذ فجر التاريخ من خلال عروض فنية أحياها مجموعة من الموسيقيين الرواد، وذلك بعدد من الأماكن التاريخية بالمدينة العتيقة. وكرمت الدورة القارة الأفريقية في شخص الزعيم الأفريقي الراحل نيلسون مانديلا، أيقونة النضال ضد التمييز العنصري. وبرز هذا الاحتفاء والتكريم من خلال مجموعة من العروض الفنية والسهرات الموسيقية، بينها العرض الفني الذي جمع بين فنانين عملاقين هما يوسو ندور وجوني كليغ. كما أتاح «منتدى فاس» الذي عقد هذه السنة تحت شعار «ثقافات وهويات في تحول» للباحثين والمفكرين والأكاديميين وصناع القرار فرصة اللقاء والتفكير في عدد من القضايا ذات الطابع الراهن.
وفي الرباط، واصل مهرجان «موازين.. إيقاعات العالم» استقطاب أبرز نجوم الغناء في العالم، حيث تابع جمهور يفوق مئات الآلاف، ما بين 13 مايو (أيار) و7 يونيو، حفلات فنانين عرب وغربيين، بينهم محمد عبده وأليشيا كيز وريكي مارتن ونوال الكويتية وكارول سماحة وكاظم الساهر وستروماي ونانسي عجرم ووائل جسار. واستضافت العاصمة المغربية نجومها وزوارها بمناسبة هذه التظاهرة التي وصلت إلى دورتها الـ13، تحت شعار «اختلافاتنا تجمعنا»، الذي أطر برمجة غنية ومتنوعة ظلت وفية لأهداف هذا المهرجان، الذي يهدف إلى إرساء فضاء للتبادل والإنصات إلى عبقريات نجوم وشعوب وتجارب فنية مختلفة. ويرى المنظمون أن «موازين» بات «لقاء ثقافيا جديرا بمغرب يطمح إلى العالمية في كل مبادراته وتجلياته، مع تعلقه السرمدي بتراثه الحافل بالمفاخر».

* جوائز في الداخل والخارج
عرفت 2014 حصول عدد من الأدباء المغاربة على جوائز أدبية هامة، خارج المغرب، بينهم فؤاد العروي، الروائي والقاص، الذي توج بباريس بجائزة «جان جيونو» عن روايته «محن آخر سجلماسي»، التي تحكي قصة مهندس مغربي قرر، بين عشية وضحاها، القطع مع أسلوب حياته الغربي، في محاولة للعودة إلى المنابع.
أما جوائز المغرب للكتاب، برسم سنة 2014، ففاز بها في حقل الشعر أحمد بلحاج آيت وارهام عن ديوانه «لأفلاكه رشاقة الرغبة»، وفي حقل السرد والمحكيات يوسف فاضل، عن روايته «طائر أزرق نادر يحلق معي»، وفي حقل الدراسات الأدبية واللغوية والفنية فاز عبد العلي الودغيري، عن كتابه «اللغة العربية في مراحل الضعف والتبعية»، وفي العلوم الاجتماعية فاز عبد الواحد أكمير عن كتابه «الجاليات العربية في إسبانيا»، وفي الترجمة فاز (مناصفة) كل من محمد أعفيف عن ترجمته لكتاب «الاحتجاج والمقاومة في مغرب ما قبل الاستعمار» لكاتبه إدموند بورك، وعمر بوحاشي عن ترجمته لرواية «السيدة بيرفيكتا» لصاحبها بينيتو بيريث غالدوس، بينما جرى حجب جائزة العلوم الإنسانية.
أما جائزة «الأركانة»، التي يمنحها «بيت الشعر في المغرب»، فذهبت إلى الشاعر البرتغالي نونو جوديس. وسبق لكل من الشاعر الفرنسي إيف بونفوا، والشاعر الصيني بي داو، والشاعر المغربي محمد السرغيني، والشاعر الفلسطيني محمود درويش، والشاعر العراقي سعدي يوسف، والشاعر الإسباني أنطونيو غامونيدا، والشاعرة الأميركية مارلين هاكر، والشاعر المغربي الطاهر بن جلون، أن فازوا بالجائزة، في دوراتها الثماني الماضية.

* المعرض الدولي للكتاب
تميزت 2014، في ما يتعلق بالكتاب والنشر، بتنظيم الدورة الـ20 من المعرض الدولي للنشر والكتاب بالدار البيضاء، ما بين 13 و23 فبراير (شباط)، تحت شعار «لنعش المغرب الثقافي»، بمشاركة 54 بلدا يمثلون نحو 270 عارضا مباشرا و522 غير مباشرين، بالإضافة إلى عدد من المؤسسات الثقافية والجمعيات والمراكز والسفارات والملحقيات الثقافية. واستضافت الدورة الدول الـ15 لغرب أفريقيا. وجاء هذا الاختيار، حسب المنظمين، «إدراكا للأهمية الكبيرة التي باتت تكتسبها الدبلوماسية الثقافية على صعيد تقوية العلاقات بين البُلدان وترسيخ مختلف أوجه التعاون بينها».

* في قائمة التراث الإنساني
أدرجت منظمة اليونيسكو المعارف والمهارات المرتبطة بشجرة «أركان» ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية. جاء ذلك في إطار الدورة التاسعة للجنة الحكومية لحماية التراث غير المادي، التي انعقدت، أخيرا، بمقر المنظمة الأممية بباريس. ويأتي تسجيل هذا العنصر التراثي ليضاف إلى 5 عناصر أخرى من الثقافة المغربية جرى إدراجها سابقا على هذه القائمة، حيث يتعلق الأمر بـ«الفضاء الثقافي جامع الفنا»، و«موسم طان طان»، و«فن صيد الصقور»، و«فن الطبخ المتوسطي، مثال شفشاون»، و«موسم (فاكهة) حب الملوك (الكرز) بصفرو».
وتعد شجرة «أركان»، التي ترتبط بها معارف ومهارات كثيرة بحمولة ثقافية، موروثا مغربيا خالصا، إذ إنها تنبث بطريقة طبيعية في المغرب، فقط، في وقت تعمل فيه دول أخرى، مثل إسبانيا وإسرائيل، على استنساخها، عبر زراعتها على أراضيها.

* رحيل مثقفين وفنانين كبار
لم تمر 2014 من دون أن تترك في نفوس مثقفي وفناني وأدباء المغرب، والجمهور المغربي، حزنا كبيرا على رحيل عدد من رموز ومشاهير الفن والثقافة في البلد، بينهم المفكر المهدي المنجرة، والفنان التشكيلي فريد بلكاهية، والممثل محمد البسطاوي.
وشغل المنجرة، الذي رحل يوم 13 يونيو الماضي عن عمر ناهز 81 عاما، والذي تولى مهمة مدير الإذاعة والتلفزيون سنة 1954، مناصب علمية عدة رفيعة، وحاز جوائز علمية وطنية ودولية كبرى. كما تولى رئاسة لجان وضع مخططات تعليمية لعدة دول أوروبية، وشغل عضوية الكثير من المنظمات والأكاديميات الدولية، وعمل مستشارا ببعضها. وهو يعتبر أحد رواد علم الدراسات المستقبلية في العالم، كما يعتبر أول شخص ينحت مصطلح «الحرب الحضارية». وللمنجرة كتب عدة، والمئات من البحوث والدراسات. وقد ترجمت جل كتبه إلى لغات عدة، خصوصا كتابه «الحرب الحضارية الأولى». ومن بين مؤلفاته نجد «من المهد إلى اللحد»، و«حوار التواصل»، و«الإهانة في عهد الميغا إمبريالية»، و«عولمة العولمة»، و«انتفاضات في زمن الذلقراطية».
أما بلكاهية، الذي رحل يوم 25 سبتمبر (أيلول) الماضي عن عمر ناهز 80 عاما، فيعتبر أحد أهم الأسماء الفنية المؤسسة لملامح التجربة التشكيلية الحديثة في المغرب. ومع رحيل بلكاهية يكون الفن المغربي والعربي قد فقدا مبدعا فريدا خلف أعمالا مهمة في آفاقها وطموحها، وأطلق على مدى نصف قرن مبادرات فنية ونقدية كثيرة أسست لتفكير جذري ساءل التجربة التشكيلية المغربية بجرأة وعمق.
أما بسطاوي، الذي رحل يوم أول ديسمبر الماضي، عن عمر 60 سنة، فاعتبرت وفاته «خسارة كبيرة للفن المغربي». وبدأ بسطاوي مشواره الفني بالالتحاق بفرقة «مسرح اليوم»، قبل أن يساهم في تأسيس فرقة «مسرح الشمس»، ليلفت إليه انتباه المخرجين السينمائيين، ما فتح أمامه أبواب الفن السابع، والتألق في عدد من الأفلام والمسلسلات التلفزية، علاوة على المشاركة في الكثير من الأعمال السينمائية الدولية التي صورت في المغرب.



الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.