أربعة إيرانيين بينهم دبلوماسي متهمون أمام القضاء البلجيكي بتدبير محاولة إرهابية

خططوا لتفجير اجتماع لـ«مجاهدي خلق» حضره 25 ألفاً من ضمنهم شخصيات عالمية والخطة وضعت في طهران

أسد الله أسدي
أسد الله أسدي
TT

أربعة إيرانيين بينهم دبلوماسي متهمون أمام القضاء البلجيكي بتدبير محاولة إرهابية

أسد الله أسدي
أسد الله أسدي

من المنتظر أن تنطلق نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، في مدينة أنفرس البلجيكية، محاكمة المجموعة الإيرانية المتهمة بالمحاولة الإرهابية التي كانت تستهدف اجتماعاً كبيراً للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية (مجاهدي خلق)، الذي ترأسته مريم رجوي، نهاية يونيو (حزيران) عام 2018 في مدينة فيلبانت الواقعة شمال باريس، على مقربة من مطار رواسي - شارل ديغول الدولي. ووفق تقارير استخبارية فرنسية وأوروبية، فإن القنبلة شديدة الانفجار التي كان من المخطط لها أن توضع داخل أو قريباً من مكان التجمع الذي ضم ما لا يقل عن 25 ألف شخص بينهم شخصيات عالمية معروفة، كان يمكن أن يثير تفجيرها الرعب ويفضي إلى مقتل المئات، إن بسبب الانفجار أو بسبب التدافع والهلع.
من بين المتهمين الأربعة الذين سيمثلون أمام المحكمة الفيدرالية في أنفرس، تبرز شخصية أسد الله أسدي، وهو دبلوماسي إيراني معتمد في سفارة إيران في فيينا، وقد قبض عليه في ألمانيا بعد عدة أيام من المحاولة الإرهابية، حيث ادعى أنه كان يمضي عطلة. وأسدي، وفق التحقيقات التي قامت بها الأجهزة الاستخبارية للدول الأوروبية الثلاث المعنية مباشرة بالمحاولة (بلجيكا، وفرنسا، وألمانيا)، التي تعاونت في هذه القضية، فإن مهمة أسدي لم تكن أبداً دبلوماسية، إذ إنه كان يعمل لصالح المخابرات الإيرانية وكانت تتركز على ملاحقة المعارضين والمنشقين الإيرانيين في جنوب أوروبا. وبحسب هذه التقارير، فإن السفارة الإيرانية في فيينا كانت تعد مركزاً رئيسياً لهذه المهمة.
إذا ثبتت التهم على الإيرانيين الأربعة، فإن العقوبة ستكون السجن المؤبد. وبين التحقيق، وفق تصريحات جاك راس، رئيس جهاز المخابرات البلجيكية، في 20 فبراير (شباط) الماضي، أن «الخطة الإرهابية لم تكن بمبادرة (شخصية) من أسد الله أسدي، بل تم تصورها في إيران وبدفع منها». وبحسب التقارير المتوافرة، فإن التحقيق الذي قامت به المخابرات البلجيكية يتطابق تماماً مع التحقيق القضائي الذي سيفضي إلى المحاكمة نهاية الشهر المقبل.
كان مقرراً، وفق ما تكشف عن الخطة، أن تنفجر القنبلة المصنوعة من مادة «تـي آي تي بي» شديدة الانفجار التي اكتشفتها الشرطة البلجيكية مع صاعقها في سيارة مواطنين إيرانيين؛ هما رجل وزوجته، وهي تزن 500 غرام خلال انعقاد مؤتمر المعارضة الإيرانية. وبحسب المعلومات المتوافرة، فإن هذه القنبلة التي تنفجر عن بعد، بالغة التعقيد ويتطلب تحضيرها مهارات خاصة. واللافت أن تعطيل العملية تم صباح 30 يونيو (حزيران)، أي قبل ساعات قليلة من موعد التفجير. ووفق مكتب الادعاء في مدينة بامبيرغ الألمانية، في مقاطعة بافاريا، فإن أسدي مسؤول كبير في المخابرات الإيرانية، وهو من سلم القنبلة إلى الزوج الإيراني أمير سعدوني وزوجته نسيمة ناعمي في مطعم بيتزا، في عاصمة دوقية لوكسمبورغ.
وقد قبض على أسدي في ألمانيا، قريباً من الحدود النمساوية، لدى محاولته العودة إلى النمسا، حيث يتمتع بالحصانة الدبلوماسية. وقد طالبت إيران التي نفت أساساً المحاولة الإرهابية بإخلاء سبيله، بحجة تمتعه بالحصانة المذكورة. وكان الرد الألماني أنه قد قبض عليه في بلد غير البلد المعتمد لديه وخارج مهماته الدبلوماسية، وعمدت برلين لاحقاً إلى تسليمه إلى السلطات البلجيكية. كذلك فعلت فرنسا بتسليمها مواطناً إيرانياً من بين ثلاثة أشخاص قبضت عليهم إلى السلطات نفسها، والأربعة هم الذين سيمثلون أمام المحكمة.
يبلغ أسدي من العمر 49 عاماً، وسبق له أن عمل في العراق بين عامي 2003 و2008، ونقل إلى فيينا في عام 2014. وبحسب جهاز أمن الدولة البلجيكي، فإن أسدي تابع لـ«المكتب 312»، ولجهاز المخابرات في وزارة الاستعلام والأمن التي يصنفها الاتحاد الأوروبي من بين المنظمات الإرهابية وفق لائحته الخاصة. وخلال تدريباته العسكرية، درب أسدي على فبركة المتفجرات وتركزت مهمته في فيينا على جمع المعلومات عن المعارضين بالتعاون مع وزارة الخارجية الإيرانية.
وفيما خص محاولة الاعتداء على تجمع «مجاهدي خلق»، فإن التحقيق بيّن أن أسدي حضر له خلال عام كامل، إذ ثبت مجيئه إلى مدينة أوفير سيور واز الواقعة شمال باريس التي كان يتخذها «مجاهدو خلق» مقراً لهم في أوروبا، وكذلك في مقر المعارضة في فيلبانت وفي الفنادق القريبة التي تنزل فيها عادة كبار الشخصيات.
ومن الذين حضروا تجمع 30 يونيو (حزيران) 2018؛ رودي جولياني، رئيس بلدية نيويورك السابق ومحامي ومستشار الرئيس دونالد ترمب، ونيوت غينغريش، رئيس مجلس النواب الأميركي الجمهوري السابق، وإيف بونيه، مدير المخابرات الفرنسية السابق، ونواب في البرلمان الأوروبي ومسؤولون سابقون من بريطانيا وفرنسا وبلجيكا وغيرهم كثيرون... وأظهر التحقيق أن أسدي تلقى مبالغ مالية كبيرة وقام بعدة سفريات إلى إيران، واجتمع مع الزوجين الإيرانيين في مدن عديدة آخرها في لوكسمبورغ.
وفي تقرير لها نشر أمس، أشارت صحيفة «لوموند» الفرنسية المستقلة، إلى أن أسدي رفض التعاون مع التحقيق البلجيكي، لا بل إنه ذهب إلى تهديد بلجيكا بأفدح العواقب في حال الحكم عليه. وهدد أسدي المحققين البلجيكيين بالانتقام من خلال مجموعات موجودة في العراق ولبنان وسوريا واليمن، وحتى من إيران نفسها، لا بل أيضاً في بلجيكا، في حال تم الحكم عليه ورفض إخلاء سبيله. ونفى محامي أسد الله، ديميتري دي بيكو، أن يكون موكله قد وجه تهديدات. وقال لـ«رويترز»: «هذا قطعاً ليس تهديداً بالانتقام، وإذا تم فهمنا بهذه الطريقة فهذا سوء تفسير». وأضاف أن موكله «سيشرح معنى تعليقاته للمحكمة».
وبيّن التحقيق، وفق «لوموند»، أن الشرطة البلجيكية عثرت في سيارة المرسيدس العائدة للمواطنين الإيرانيين، إضافة إلى القنبلة التي تسلماها من أسدي، على 35 ألف يورو وعلى ثلاثة هواتف جوالة. ويبدو أن أمير سعدوني كشف كثيراً مما يعرفه، ومن ذلك أنه كان يعمل مع أسدي منذ عام 2007. إلا أنه سعى للتخفيف من أهمية دوره وأكد جهله بأن ما كان ينقله كان قنبلة يمكن أن توقع مئات الضحايا. أما الشخص الرابع فهو مهراد عارفاني وقد قبض عليه قريباً من موقع تجمع المعارضة الإيرانية وتم تسليمه إلى بلجيكا. ورغم نفيه معرفته بأسدي، فإن التحقيق بيّن أن الرجلين كانا على تواصل دائم، وأن مهمة عارفاني هي جمع المعلومات عن المعارضة الإيرانية.
وفي شهر أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2018، أصدرت وزارات الداخلية والخارجية والاقتصاد الفرنسية بياناً وجهت فيه صراحة اتهامات واضحة للسلطات الإيرانية بالمسؤولية عن المحاولة الإرهابية، وتحديداً وزارة المخابرات والأمن التي فرضت عليها عقوبات وعمدت إلى تجميد حساباتها وحسابات المسؤول عنها سعيد هاشمي مقدم. وسعت طهران لدى باريس لتحييد نفسها، نافية أي علاقة لها بالعملية المذكورة ووعدتها بتوفير معلومات «موضوعية» تبعد عنها الشبهات ومتهمة المعارضة الإيرانية باختلاقها. بيد أن هذه المعلومات لم تصل أبداً. ورغم ذلك، «تساهلت» باريس مع السلطات الإيرانية لسببين؛ الأول، اقتناعها بأن المؤامرة دبرتها المخابرات، وأن الحكومة والرئيس روحاني ليسا بالضرورة على اطلاع عليها. والثاني رغبتها في الحصول على إخلاء سبيل الباحثة الفرنسية - الإيرانية فريبا عادل خواه التي قبض عليها وعلى رفيق دربها رولان مارشال في يونيو (حزيران) من عام 2019، وبالتالي تلافي إغضاب طهران. ورغم ذلك، فإن الاتحاد الأوروبي أصدر بياناً باسم أعضائه الـ28 في شهر فبراير (شباط) من العام الماضي، ندد فيه بأعمال وصفها بالإرهابية وتعود مسوؤليتها لإيران، وحصلت في ألمانيا والدنمارك وهولندا وألبانيا.
وقبل ذلك، وفي أواخر 2018، أعلنت الحكومة الهولندية أن إيران تقف وراء اغتيال اثنين من المواطنين الهولنديين من أصل إيراني في هولندا في السنوات الأخيرة؛ أحدهما القيادي الأهوازي أحمد مولى، والثاني المعارض الإيراني محمد رضا صمدي كلاهي، المقرب من منظمة «مجاهدي خلق». وقد فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على قسم الشؤون الداخلية بوزارة الاستخبارات الإيرانية، وصنف كلاً من نائب وزير الاستخبارات الإيراني سعيد هاشمي مقدم، بالإضافة إلى أسد الله أسدي على قائمة العقوبات. وسيواجه الإيرانيون الأربعة تهم محاولة القتل على علاقة بتنظيم إرهابي إلى جانب تهم أخرى. وإضافة إلى الادعاء البلجيكي العام، فإن ما لا يقل عن 15 شخصاً من الذين حضروا تجمع المعارضة الإيرانية تقدموا بادعاءات شخصية. وستكون المحاكمة المرتقبة موضع متابعة واسعة بالنظر للظروف التي تتم فيها، وأحدها أنها ستحصل قبل ثلاثة أيام من الانتخابات الرئاسية الأميركية.


مقالات ذات صلة

نيجيريا: مقتل 20 مدنياً على يد «بوكو حرام»

أفريقيا عناصر من جماعة «بوكو حرام» الإرهابية في نيجيريا (متداولة)

نيجيريا: مقتل 20 مدنياً على يد «بوكو حرام»

هدد تنظيم «بوكو حرام» الإرهابي بتصفية 416 رهينة لديه إذا لم تستجب الحكومة لمطالبه المتمثلة في دفع مبلغ 3.7 مليون دولار أميركي...

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا رئيس أركان الجيش خلال اجتماع حماية المنشآت من التهديدات (وزارة الدفاع)

الجزائر: قائد الجيش يبحث حماية المنشآت الحيوية من «تهديدات جديدة»

الفريق سعيد شنقريحة يؤكد أن وقاية المنشآت الحيوية والبنى التحتية «تعد خياراً استراتيجياً وعقلانياً وجزءاً أساسياً في منظومة الدفاع الوطني»

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شؤون إقليمية أفراد من الشرطة يفتشون سيارة بموقع حادث بعد سماع دوي إطلاق نار بالقرب من مبنى القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول 7 أبريل 2026 (رويترز)

تركيا توقف 90 شخصاً تشتبه بارتباطهم بـ«داعش»

أعلنت وزارة الداخلية التركية، الاثنين، توقيف 90 شخصاً للاشتباه بارتباطهم بـ«داعش»، وذلك بعد أسبوعين من عملية إطلاق نار خارج القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
شمال افريقيا اجتماع محافظ مصرف ليبيا المركزي مع مسؤولين في البنك الدولي... الجمعة (المصرف المركزي الليبي)

ليبيا تكثّف تحركاتها دولياً لمكافحة «غسل الأموال»

كثَّفت ليبيا تحركاتها ونقاشاتها مع مسؤولين بصندوق النقد والبنك الدوليَّين أخيراً بشأن متطلبات «مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
المشرق العربي صورة نشرتها وكالة «سانا» السورية الرسمية للجيش عند تسلّمه القاعدة (سانا)

دمشق تؤكد تسلّمها كل القواعد التي شغلها الجيش الأميركي في سوريا

أكدت الحكومة السورية، الخميس، أنها تسلّمت كل القواعد العسكرية التي كانت تشغلها قوات أميركية انتشرت في البلاد منذ أعوام في إطار التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش».

«الشرق الأوسط» (دمشق)

ترمب: سنهاجم أي قارب يضع ألغاماً في مضيق هرمز

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

ترمب: سنهاجم أي قارب يضع ألغاماً في مضيق هرمز

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ‌اليوم ‌(الخميس)، أنه ‌أمر ⁠البحرية ​الأميركية بـ«إطلاق النار على ⁠أي قارب» يضع ⁠ألغاماً ‌في ‌مضيق ​هرمز. وأضاف ‌أن ‌كاسحات الألغام الأميركية ‌تعمل «بثلاثة أمثال مستواها» لإزالة ⁠أي ألغام ⁠من المياه بعدما وجّه إليها أمراً بهذا الخصوص.

وكتب عبر منصته «تروث سوشال»: «أمرتُ البحرية الأميركية بإطلاق النار وتدمير أي قارب، مهما كان صغيرا يزرع ألغاما في مياه مضيق هرمز»، مضيفا «يجب ألا يكون هناك أي تردد. كما أنّ كاسحات الألغام التابعة لنا تعمل حاليا على تطهير المضيق».

كانت طهران قد أكدت أن مضيق هرمز سيبقى مغلقاً ما دام الحصار البحري الأميركي على موانئها قائماً، فيما أعلنت واشنطن أنْ لا مهلة محدّدة لتمديد وقف إطلاق النار، وأنها لن توقف حصارها في مياه الخليج، الأمر الذي يثير مخاوف من تصعيد جديد هذه المرة في البحر.


مسؤول إيراني: طهران بدأت تتلقى رسوماً على عبور مضيق هرمز

سفينة حاويات تحاول عبور مضيق هرمز (رويترز)
سفينة حاويات تحاول عبور مضيق هرمز (رويترز)
TT

مسؤول إيراني: طهران بدأت تتلقى رسوماً على عبور مضيق هرمز

سفينة حاويات تحاول عبور مضيق هرمز (رويترز)
سفينة حاويات تحاول عبور مضيق هرمز (رويترز)

أعلن نائب رئيس مجلس الشورى الإيراني حميد رضا حاجي بابائي اليوم (الخميس) أن طهران حصلت على أول عائداتها من رسوم العبور التي فرضتها في مضيق هرمز الاستراتيجي.

ونقلت وكالة الأنباء «تسنيم» عن بابائي قوله: «أولى العائدات الناتجة عن رسوم عبور مضيق هرمز أُودِعَت في حساب البنك المركزي».

وأوردت وسائل إعلام أخرى التصريح نفسه من دون أي تفاصيل إضافية، وفقاً لما ذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

حول هذا الممر المائي الحيوي للطاقة الذي أغلقته إيران بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) إثر هجوم أميركي إسرائيلي على إيران.

وسمحت إيران بمرور عدد محدود من السفن في المضيق الذي يعبره في زمن السلم خُمس تدفقات النفط والغاز العالمية، وسلع حيوية أخرى.

وقبل الإعلان عن عائدات رسوم العبور، كان البرلمان الإيراني يدرس مسألة فرضها على الملاحة البحرية عبر المضيق، فيما حذّر مسؤولون إيرانيون من أن حركة الملاحة البحرية عبر المضيق «لن تعود إلى وضعها قبل الحرب».

وفي 30 مارس (آذار) ذكرت وسائل إعلام إيرانية رسمية أن لجنة الأمن في البرلمان وافقت على خطط لفرض رسوم عبور، لكن لم يتضح ما إذا كان تمّ التصويت النهائي على المقترح في البرلمان.

ويضغط الرئيس الأميركي دونالد ترمب على إيران لفتح المضيق.

وتفرض الولايات المتحدة حصاراً بحرياً بدورها على الموانئ الإيرانية تعتبره طهران خرقاً لوقف إطلاق النار المعمول به منذ الثامن من أبريل (نيسان).


تقرير: ترمب يتطلع إلى اتفاق مع إيران يشمل تنازلات انتقد بسببها أوباما

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

تقرير: ترمب يتطلع إلى اتفاق مع إيران يشمل تنازلات انتقد بسببها أوباما

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

يتطلع الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى اتفاق مع إيران يتضمن العديد من التنازلات التي انتَقَد بسببها الرئيسُ الحالي الرئيسَ الأسبق باراك أوباما واتفاقه النووي المُبرم مع إيران في عام 2015.

وقال ترمب مؤخراً إن «الصفقة» التي يعمل عليها حالياً مع إيران ستكون أفضل من اتفاق 2015، واصفاً اتفاق أوباما بأنه «واحدة من أسوأ الصفقات التي أُبرمت على الإطلاق».

وذكرت صحيفة «واشنطن بوست» أنه، وفق الاتفاق الجديد، قد تُعاد مليارات الدولارات من الأصول المجمدة إلى إيران، وقد تنتهي صلاحية الاتفاقيات التي تحد من البرنامج النووي الإيراني في نهاية المطاف، وقد يجد بعض «القادة المتشددين الذين قمعوا الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد في يناير (كانون الثاني)» أنفسهم يتمتعون بـ«موارد أفضل» مما كانوا عليه قبل أن يشن ترمب الحرب ضد إيران، قبل أكثر من سبعة أسابيع.

وبعد نحو عقدٍ من هجومه الشرس على اتفاق أوباما مع إيران، يسعى ترمب (في محاولة للخروج من حربٍ أشعلها بنفسه) إلى تفويض المفاوضين الأميركيين للنظر في صفقة تتضمن العديد من التنازلات نفسها التي واجهها أوباما.

ورغم توقف المحادثات مؤقتاً بعد قرار ترمب، يوم الثلاثاء، تمديد وقف إطلاق النار إلى أجلٍ غير مسمى، ريثما تُقدّم إيران «رداً موحداً» بشأن مقترحات واشنطن للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب؛ فمن المرجح أن يواجه الرئيس التحديات نفسها بغض النظر عن موعد جلوس المفاوضين إلى طاولة المفاوضات.

ومع توقف الصراع، قد تترسخ الهدنة الهشة. إلا أن حركة الملاحة عبر مضيق هرمز لم تعد إلى مستوياتها الطبيعية، في ظل استمرار الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية، وإصرار إيران على سيطرتها على الممرات الملاحية.

وقد أدى ذلك إلى تباطؤ أسواق الطاقة العالمية. ولا تزال إيران تسيطر على مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، وهو ما سبق أن وصفه ترمب بأنه غير مقبول.

20 مليار مقابل اليورانيوم

ووفق «واشنطن بوست»، فإن الجمهوريون الذين انتقدوا اتفاق عام 2015، لأن إدارة أوباما وافقت حينها على إرسال 1.7 مليار دولار إلى طهران، لتسوية نزاع تجاري دام عقوداً، يجدون أنفسهم الآن أمام إدارة تطرح إمكانية الإفراج عن 20 مليار دولار، جزء منها عائدات مبيعات النفط الإيراني التي جمّدتها العقوبات في بنوك حول العالم.

وسيُستخدم هذا المبلغ كورقة ضغط لإجبار إيران على تسليم مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب. لكن لا تزال بنود أخرى من الاتفاق محل تساؤل، بما في ذلك نقاط تُثير قلق بعض منتقدي الاتفاق السابق.

وقالت سوزان مالوني، نائبة رئيس معهد «بروكينغز» الخبيرة في الشؤون الإيرانية: «إنهم (الأميركيين) يواجهون نفس العقبة الأساسية التي شكلت أساس المفاوضات الطويلة التي استمرت لأكثر من عقد من الزمن، والتي أفضت في النهاية إلى الاتفاق النووي (عام 2015)، وهي أن الإيرانيين متشبثون تماماً بموقفهم بشأن مسألة تخصيب الوقود النووي».

ولطالما نفت إيران سعيها لامتلاك سلاح نووي، لكنها تقول إن لها الحق بموجب القانون الدولي في تخصيب اليورانيوم أو غيره من المواد النووية لتشغيل «برنامج نووي مدني».

وأضافت مالوني: «الإيرانيون مستعدون لقبول بعض التنازلات فيما يتعلق بالجداول الزمنية ومستوى التخصيب ومصير المخزون النووي، لكنهم غير مستعدين تماماً للتخلي عن التخصيب. وكان هذا أحد الانتقادات الرئيسية لاتفاق 2015».

«منحدر زلق»

ويصر ترمب علناً على أن اتفاقه لن يتضمن العيوب التي ندد بها في اتفاق أوباما. إلا أن المخاطر السياسية كبيرة، وقد وضعت جهود البيت الأبيض للتوصل إلى اتفاق بعض مؤيدي ترمب في موقف حرج، لا سيما مع تداول المال كورقة ضغط.

وقال ريتشارد غولدبرغ، الذي عمل على قضايا إيران في إدارة ترمب الأولى: «إنه وقوع في منحدر زلق، فسواء كان 20 مليون دولار أو 10 مليارات دولار، ففي النهاية، إذا كان النظام (الإيراني) لم يقدم لك تنازلاً بشأن نشاط غير مشروع رئيسي، مثل رعاية الإرهاب أو إنتاج شيء يشكل تهديداً، فسيكون هناك دائماً جدل حول: (هل خصصت مبلغاً معيناً من المال هنا لدفع ثمن هذا؟)».

ويوضح: «تحرير هذا المبلغ من المال (المُجمد) سيُستخدم في إيران لتمويل شيء آخر. لذلك، سيظل هناك دائماً جدلٌ حول أن واشنطن دعمت بشكل غير مباشر الأنشطة غير المشروعة التي لم يتم إيقافها أو التنازل عنها».

لكنه قال إنه إذا تمكن ترمب من تأمين اليورانيوم عالي التخصيب وتفكيك منشأة نووية مدفونة في عمق الأرض قيد الإنشاء في موقع إيراني يُعرف باسم جبل الفأس: «فسيُغير ذلك قواعد اللعبة تماماً؛ فبذلك، على الأقل في الوقت الراهن وخلال السنوات القليلة المقبلة، يكون قد قضى على التهديد النووي الذي تُمثله إيران».

مطالب أكبر

وإضافة إلى القضية النووية، يُريد ترمب اتفاقاً جديداً يشمل برنامج الصواريخ الإيراني ودعم طهران لوكلائها الإقليميين، بما في ذلك «حزب الله» اللبناني وحركة «حماس» الفلسطينية.

وترى ويندي شيرمان، كبيرة المفاوضين الأميركيين مع إيران في عهد أوباما أن مطالب طهران هذه المرة «ستكون أكبر مما كانت عليه في عام 2015، ويعود ذلك جزئياً إلى محاولات الإدارة الأميركية الحثيثة لتحقيق الكثير». وتضيف: «ليس واضحاً لي ما الخطوط الحمراء التي يسعى إليها ترمب. هل هي مخزون اليورانيوم؟ أم التخصيب؟ أم الصواريخ؟ أم الوكلاء؟ أم مضيق هرمز؟».

وتضيف: «إذا حصل (ترمب) على وعد بتعليق برنامج التخصيب لمدة 10 أو 15 أو 20 عاماً، كيف سيتم التحقق من ذلك؟ الأمر غير واضح تماماً بالنسبة لي أو لأي شخص آخر، وربما حتى بالنسبة له. وماذا سيتعين على ترمب تقديمه في المقابل؟»، خصوصاً أن إيران تملك الآن الكثير من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، وهو أقل بقليل من مستوى التخصيب اللازم لصنع أسلحة نووية، وفقاً لـ«الوكالة الدولية للطاقة الذرية».

وتُعتبر الحكومة الإيرانية الحالية أكثر تشدداً من القادة الإصلاحيين الذين أبرموا الاتفاق مع أوباما.

أوراق ضغط

ووفق «واشنطن بوست»، فرغم الدمار الكبير الذي سببته الحرب لإيران وأذرعها، إلا أن طهران لا تزال تمتلك أوراق ضغط. فقد أثبت النظام الإيراني قدرته على البقاء، كما أثبتت طهران قدرتها على خنق حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة.

وفي ظلّ تصاعد الهجمات الأميركية، قد يميل بعض المتشددين في طهران إلى السعي لامتلاك سلاح نووي، مما يزيد الضغط على واشنطن لمعالجة مسألة مخزون اليورانيوم.

كما توجد عوامل أخرى قد تجعل طهران أقل رغبة في إبرام اتفاق، بحسب ريتشارد نيفيو، المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأميركية الذي ساهم في صياغة نظام العقوبات المفروضة على إيران في عهد إدارة أوباما.

ويقول نيفيو: «بشكلٍ ما، تُخفف الحرب بعض الضغط على إيران... لقد أثبتوا قدرتهم على تحمل الضربات والرد عليها بالشكل المناسب». كما أن «الحرس الثوري»، الجناح الأكثر تشدداً في النظام الحاكم في إيران، هو الذي يتصدر المشهد الآن، مع غياب المعتدلين الذين كانوا يفسحون المجال سابقاً للمفاوضات.

ويُعدّ نيفيو من مؤيدي اتفاق 2015، لكنه أعرب عن تخوفه من إبرام اتفاق جديد مع المجموعة الجديدة من القادة الإيرانيين. ويقول: «لست متأكداً من جدوى فكرة تخفيف العقوبات المفروضة على الحكومة الإيرانية التي قتلت كل هؤلاء الناس بعد احتجاجات يناير».