أربعة إيرانيين بينهم دبلوماسي متهمون أمام القضاء البلجيكي بتدبير محاولة إرهابية

خططوا لتفجير اجتماع لـ«مجاهدي خلق» حضره 25 ألفاً من ضمنهم شخصيات عالمية والخطة وضعت في طهران

أسد الله أسدي
أسد الله أسدي
TT

أربعة إيرانيين بينهم دبلوماسي متهمون أمام القضاء البلجيكي بتدبير محاولة إرهابية

أسد الله أسدي
أسد الله أسدي

من المنتظر أن تنطلق نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، في مدينة أنفرس البلجيكية، محاكمة المجموعة الإيرانية المتهمة بالمحاولة الإرهابية التي كانت تستهدف اجتماعاً كبيراً للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية (مجاهدي خلق)، الذي ترأسته مريم رجوي، نهاية يونيو (حزيران) عام 2018 في مدينة فيلبانت الواقعة شمال باريس، على مقربة من مطار رواسي - شارل ديغول الدولي. ووفق تقارير استخبارية فرنسية وأوروبية، فإن القنبلة شديدة الانفجار التي كان من المخطط لها أن توضع داخل أو قريباً من مكان التجمع الذي ضم ما لا يقل عن 25 ألف شخص بينهم شخصيات عالمية معروفة، كان يمكن أن يثير تفجيرها الرعب ويفضي إلى مقتل المئات، إن بسبب الانفجار أو بسبب التدافع والهلع.
من بين المتهمين الأربعة الذين سيمثلون أمام المحكمة الفيدرالية في أنفرس، تبرز شخصية أسد الله أسدي، وهو دبلوماسي إيراني معتمد في سفارة إيران في فيينا، وقد قبض عليه في ألمانيا بعد عدة أيام من المحاولة الإرهابية، حيث ادعى أنه كان يمضي عطلة. وأسدي، وفق التحقيقات التي قامت بها الأجهزة الاستخبارية للدول الأوروبية الثلاث المعنية مباشرة بالمحاولة (بلجيكا، وفرنسا، وألمانيا)، التي تعاونت في هذه القضية، فإن مهمة أسدي لم تكن أبداً دبلوماسية، إذ إنه كان يعمل لصالح المخابرات الإيرانية وكانت تتركز على ملاحقة المعارضين والمنشقين الإيرانيين في جنوب أوروبا. وبحسب هذه التقارير، فإن السفارة الإيرانية في فيينا كانت تعد مركزاً رئيسياً لهذه المهمة.
إذا ثبتت التهم على الإيرانيين الأربعة، فإن العقوبة ستكون السجن المؤبد. وبين التحقيق، وفق تصريحات جاك راس، رئيس جهاز المخابرات البلجيكية، في 20 فبراير (شباط) الماضي، أن «الخطة الإرهابية لم تكن بمبادرة (شخصية) من أسد الله أسدي، بل تم تصورها في إيران وبدفع منها». وبحسب التقارير المتوافرة، فإن التحقيق الذي قامت به المخابرات البلجيكية يتطابق تماماً مع التحقيق القضائي الذي سيفضي إلى المحاكمة نهاية الشهر المقبل.
كان مقرراً، وفق ما تكشف عن الخطة، أن تنفجر القنبلة المصنوعة من مادة «تـي آي تي بي» شديدة الانفجار التي اكتشفتها الشرطة البلجيكية مع صاعقها في سيارة مواطنين إيرانيين؛ هما رجل وزوجته، وهي تزن 500 غرام خلال انعقاد مؤتمر المعارضة الإيرانية. وبحسب المعلومات المتوافرة، فإن هذه القنبلة التي تنفجر عن بعد، بالغة التعقيد ويتطلب تحضيرها مهارات خاصة. واللافت أن تعطيل العملية تم صباح 30 يونيو (حزيران)، أي قبل ساعات قليلة من موعد التفجير. ووفق مكتب الادعاء في مدينة بامبيرغ الألمانية، في مقاطعة بافاريا، فإن أسدي مسؤول كبير في المخابرات الإيرانية، وهو من سلم القنبلة إلى الزوج الإيراني أمير سعدوني وزوجته نسيمة ناعمي في مطعم بيتزا، في عاصمة دوقية لوكسمبورغ.
وقد قبض على أسدي في ألمانيا، قريباً من الحدود النمساوية، لدى محاولته العودة إلى النمسا، حيث يتمتع بالحصانة الدبلوماسية. وقد طالبت إيران التي نفت أساساً المحاولة الإرهابية بإخلاء سبيله، بحجة تمتعه بالحصانة المذكورة. وكان الرد الألماني أنه قد قبض عليه في بلد غير البلد المعتمد لديه وخارج مهماته الدبلوماسية، وعمدت برلين لاحقاً إلى تسليمه إلى السلطات البلجيكية. كذلك فعلت فرنسا بتسليمها مواطناً إيرانياً من بين ثلاثة أشخاص قبضت عليهم إلى السلطات نفسها، والأربعة هم الذين سيمثلون أمام المحكمة.
يبلغ أسدي من العمر 49 عاماً، وسبق له أن عمل في العراق بين عامي 2003 و2008، ونقل إلى فيينا في عام 2014. وبحسب جهاز أمن الدولة البلجيكي، فإن أسدي تابع لـ«المكتب 312»، ولجهاز المخابرات في وزارة الاستعلام والأمن التي يصنفها الاتحاد الأوروبي من بين المنظمات الإرهابية وفق لائحته الخاصة. وخلال تدريباته العسكرية، درب أسدي على فبركة المتفجرات وتركزت مهمته في فيينا على جمع المعلومات عن المعارضين بالتعاون مع وزارة الخارجية الإيرانية.
وفيما خص محاولة الاعتداء على تجمع «مجاهدي خلق»، فإن التحقيق بيّن أن أسدي حضر له خلال عام كامل، إذ ثبت مجيئه إلى مدينة أوفير سيور واز الواقعة شمال باريس التي كان يتخذها «مجاهدو خلق» مقراً لهم في أوروبا، وكذلك في مقر المعارضة في فيلبانت وفي الفنادق القريبة التي تنزل فيها عادة كبار الشخصيات.
ومن الذين حضروا تجمع 30 يونيو (حزيران) 2018؛ رودي جولياني، رئيس بلدية نيويورك السابق ومحامي ومستشار الرئيس دونالد ترمب، ونيوت غينغريش، رئيس مجلس النواب الأميركي الجمهوري السابق، وإيف بونيه، مدير المخابرات الفرنسية السابق، ونواب في البرلمان الأوروبي ومسؤولون سابقون من بريطانيا وفرنسا وبلجيكا وغيرهم كثيرون... وأظهر التحقيق أن أسدي تلقى مبالغ مالية كبيرة وقام بعدة سفريات إلى إيران، واجتمع مع الزوجين الإيرانيين في مدن عديدة آخرها في لوكسمبورغ.
وفي تقرير لها نشر أمس، أشارت صحيفة «لوموند» الفرنسية المستقلة، إلى أن أسدي رفض التعاون مع التحقيق البلجيكي، لا بل إنه ذهب إلى تهديد بلجيكا بأفدح العواقب في حال الحكم عليه. وهدد أسدي المحققين البلجيكيين بالانتقام من خلال مجموعات موجودة في العراق ولبنان وسوريا واليمن، وحتى من إيران نفسها، لا بل أيضاً في بلجيكا، في حال تم الحكم عليه ورفض إخلاء سبيله. ونفى محامي أسد الله، ديميتري دي بيكو، أن يكون موكله قد وجه تهديدات. وقال لـ«رويترز»: «هذا قطعاً ليس تهديداً بالانتقام، وإذا تم فهمنا بهذه الطريقة فهذا سوء تفسير». وأضاف أن موكله «سيشرح معنى تعليقاته للمحكمة».
وبيّن التحقيق، وفق «لوموند»، أن الشرطة البلجيكية عثرت في سيارة المرسيدس العائدة للمواطنين الإيرانيين، إضافة إلى القنبلة التي تسلماها من أسدي، على 35 ألف يورو وعلى ثلاثة هواتف جوالة. ويبدو أن أمير سعدوني كشف كثيراً مما يعرفه، ومن ذلك أنه كان يعمل مع أسدي منذ عام 2007. إلا أنه سعى للتخفيف من أهمية دوره وأكد جهله بأن ما كان ينقله كان قنبلة يمكن أن توقع مئات الضحايا. أما الشخص الرابع فهو مهراد عارفاني وقد قبض عليه قريباً من موقع تجمع المعارضة الإيرانية وتم تسليمه إلى بلجيكا. ورغم نفيه معرفته بأسدي، فإن التحقيق بيّن أن الرجلين كانا على تواصل دائم، وأن مهمة عارفاني هي جمع المعلومات عن المعارضة الإيرانية.
وفي شهر أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2018، أصدرت وزارات الداخلية والخارجية والاقتصاد الفرنسية بياناً وجهت فيه صراحة اتهامات واضحة للسلطات الإيرانية بالمسؤولية عن المحاولة الإرهابية، وتحديداً وزارة المخابرات والأمن التي فرضت عليها عقوبات وعمدت إلى تجميد حساباتها وحسابات المسؤول عنها سعيد هاشمي مقدم. وسعت طهران لدى باريس لتحييد نفسها، نافية أي علاقة لها بالعملية المذكورة ووعدتها بتوفير معلومات «موضوعية» تبعد عنها الشبهات ومتهمة المعارضة الإيرانية باختلاقها. بيد أن هذه المعلومات لم تصل أبداً. ورغم ذلك، «تساهلت» باريس مع السلطات الإيرانية لسببين؛ الأول، اقتناعها بأن المؤامرة دبرتها المخابرات، وأن الحكومة والرئيس روحاني ليسا بالضرورة على اطلاع عليها. والثاني رغبتها في الحصول على إخلاء سبيل الباحثة الفرنسية - الإيرانية فريبا عادل خواه التي قبض عليها وعلى رفيق دربها رولان مارشال في يونيو (حزيران) من عام 2019، وبالتالي تلافي إغضاب طهران. ورغم ذلك، فإن الاتحاد الأوروبي أصدر بياناً باسم أعضائه الـ28 في شهر فبراير (شباط) من العام الماضي، ندد فيه بأعمال وصفها بالإرهابية وتعود مسوؤليتها لإيران، وحصلت في ألمانيا والدنمارك وهولندا وألبانيا.
وقبل ذلك، وفي أواخر 2018، أعلنت الحكومة الهولندية أن إيران تقف وراء اغتيال اثنين من المواطنين الهولنديين من أصل إيراني في هولندا في السنوات الأخيرة؛ أحدهما القيادي الأهوازي أحمد مولى، والثاني المعارض الإيراني محمد رضا صمدي كلاهي، المقرب من منظمة «مجاهدي خلق». وقد فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على قسم الشؤون الداخلية بوزارة الاستخبارات الإيرانية، وصنف كلاً من نائب وزير الاستخبارات الإيراني سعيد هاشمي مقدم، بالإضافة إلى أسد الله أسدي على قائمة العقوبات. وسيواجه الإيرانيون الأربعة تهم محاولة القتل على علاقة بتنظيم إرهابي إلى جانب تهم أخرى. وإضافة إلى الادعاء البلجيكي العام، فإن ما لا يقل عن 15 شخصاً من الذين حضروا تجمع المعارضة الإيرانية تقدموا بادعاءات شخصية. وستكون المحاكمة المرتقبة موضع متابعة واسعة بالنظر للظروف التي تتم فيها، وأحدها أنها ستحصل قبل ثلاثة أيام من الانتخابات الرئاسية الأميركية.


مقالات ذات صلة

الأرجنتين تدرج «الحرس الثوري» في قائمتها للمنظمات «الإرهابية»

أميركا اللاتينية عناصر من «الحرس الثوري» الإيراني في سوريا (أرشيفية - متداولة)

الأرجنتين تدرج «الحرس الثوري» في قائمتها للمنظمات «الإرهابية»

أدرجت الحكومة الأرجنتينية الثلاثاء الحرس الثوري الإيراني في قائمتها للأفراد والمنظمات «الإرهابية» وفق ما أعلنت الرئاسة الأرجنتينية في بيان.

«الشرق الأوسط» (بوينوس أيرس)
الولايات المتحدة​ قوات إنفاذ القانون الأميركية تستجيب لبلاغ في «معبد إسرائيل» اليهودي في ويست بلومفيلد بولاية ميشيغان يوم 12 مارس (أ.ب)

«إف بي آي»: هجوم كنيس ميشيغان «عمل إرهابي» بإيعاز من «حزب الله»

قال ‌مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي إن الهجوم الذي استهدف أكبر كنيس يهودي في ولاية ميشيغان هذا الشهر كان «عملاً إرهابياً» ​بإيعاز من «حزب الله» اللبناني.

«الشرق الأوسط» (ديترويت)
المشرق العربي صورة موزعة من المخابرات التركية للجاسوس الذي عمل لمصلحة نظام بشار الأسد أوندر سيغرجيك أوغلو بعد القبض عليه بالتعاون مع المخابرات السورية وإعادته إلى تركيا (إعلام تركي)

مخابرات تركيا وسوريا توقعان بمختطِف قائدَين كبيرين في «الجيش السوري الحر»

نجحت المخابرات التركية بالتعاون مع نظيرتها السورية في القبض على مواطن تركي اختطف اثنين من قادة «الجيش السوري الحر» في عام 2011.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا مقاتل ليبي خلال المواجهات ضد «داعش» في سرت عام 2015 (أرشيفية-رويترز)

عودة «داعش» تجدد قلق الليبيين على وقع تحذير أميركي

عاد «شبح داعش» ليثير قلقاً بين الليبيين بعد عشر سنوات على سقوط ما كانت تعرف بـ«إمارة التنظيم» في سرت، مدفوعاً بتحذيرات أميركية

علاء حموده (القاهرة )
شمال افريقيا جانب من مناورات للجيش الموريتاني على الحدود في أكتوبر الماضي (الجيش الموريتاني)

مقتل 8 موريتانيين على الحدود مع مالي

قال سكان محليون إن 8 موريتانيين، قتلوا أمس (الخميس) داخل أراضي دولة مالي، حيث كانوا يعملون في رعاية قطعان من الماشية خلال رحلة انتجاع عبر الحدود.

الشيخ محمد (نواكشوط)

لماذا لا تساعد روسيا والصين إيران في الحرب؟

تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
TT

لماذا لا تساعد روسيا والصين إيران في الحرب؟

تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)

رغم الشراكات السياسية والاقتصادية التي تجمع إيران بكل من روسيا والصين، فإن غيابهما عن تقديم دعم عسكري مباشر في ظل التصعيد الحالي يثير تساؤلات واسعة. غير أن حسابات المصالح الاستراتيجية، وتجنُّب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، إلى جانب فرص الاستفادة من إطالة أمد الصراع، تفسر هذا الحذر من جانب موسكو وبكين.

هذا ما أكَّد عليه جاستن ميتشل، وهو محلل سياسة خارجية مقيم في واشنطن متخصص في الجغرافيا السياسية وأمن الولايات المتحدة، وذلك في تقرير نشرته مجلة «ناشيونال إنتريست».

ويقول ميتشل إن إيران معزولة، وتخوض حرباً من أجل بقائها. ومع ذلك، فإن الصين وروسيا، الشريكتين المفترضتين لإيران، غائبتان بشكل لافت. فقد أدان البلدان الهجمات على إيران ودعيا إلى إنهاء الأعمال العدائية، لكنهما امتنعا عن تقديم دعم عسكري كبير. وفي الوقت نفسه، تنشر الولايات المتحدة مزيداً من القوات في الشرق الأوسط، بما في ذلك قوات من مشاة البحرية (المارينز) والفرقة 82 المحمولة جوَّاً، استعداداً لاحتمال غزو بري.

ويرى محللون أن عدم تحرك الصين هو «أوضح دليل على ارتباك بكين»، وأن عجز روسيا عن مساعدة «حليف رئيسي يعد بلا شك أمراً محرجاً».

غير أن الأمر لا يتعلق باللامبالاة أو الإهمال، بل إن لدى كلا البلدين تعريفات أكثر انضباطاً لمصالحهما الوطنية، ما يقيدهما عن الانخراط المباشر. إضافة إلى ذلك، من المرجح أن يحقق كلاهما مكاسب استراتيجية كلما طال انخراط الولايات المتحدة في الحرب، وفقاً لما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وتنظر الصين إلى آسيا وجوارها المباشر باعتبارهما محور سياستها الخارجية واستراتيجيتها العسكرية. ورغم أهمية الشرق الأوسط بالنسبة إلى الطاقة والتجارة الصينية، فإن بكين لم تعتبره يوماً أكثر أهمية من تايوان أو اليابان أو أوروبا. وعلى مدار تاريخها الحديث، تجنبت الصين الدخول في تحالفات رسمية. ومعاهدة الأمن الوحيدة التي تربطها هي مع كوريا الشمالية منذ عام 1961، وحتى قوة هذا الالتزام تبقى محل شك.

ويقول ميتشل إنه رغم أن الصين زودت إيران بالأسلحة على مر السنوات، فإن علاقتهما الأمنية لا تقارن بعلاقات الصين الأمنية مع روسيا أو كوريا الشمالية. فإيران ليست شريكاً أمنياً عميقاً، كما أنها لا تقع ضمن مسرح الأولويات الصينية، مما يمنح بكين أسباباً محدودة للتدخل لصالحها.

وتعد الطاقة المحرك الرئيسي لعلاقات الصين مع إيران. ففي عام 2025 وحده، اشترت الصين أكثر من 80 في المائة من صادرات النفط الإيرانية، ما يمثل 13.4 في المائة من إجمالي وارداتها النفطية. ومن شأن إغلاق مضيق هرمز، الذي سيوقف معظم صادرات النفط من إيران ودول الخليج الأخرى، أن يؤثر على مزيج الطاقة الصيني.

ويرى ميتشل أن استمرار الحرب وتعطل تدفقات النفط قد يدفع الصين إلى إعادة التفكير في استراتيجيتها الضمنية المتمثلة في إسناد أمن الطاقة في الشرق الأوسط إلى الولايات المتحدة.

ومع ذلك، فإن احتياطي الصين النفطي يمكن أن يغطي وارداتها لمدة 120 يوماً، كما أن موردين بديلين، مثل روسيا، يمكنهم التخفيف من الصدمة. وحتى مع هذا الاضطراب في سوق النفط، فإن تحويل الولايات المتحدة اهتمامها وإعادة توجيه قوتها العسكرية من منطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى الخليج يصب في مصلحة الصين.

ومن المرجح أن ينظر المخططون العسكريون في الصين، الذين يتركز اهتمامهم بشكل كبير على محيط بلادهم المباشر، بارتياح إلى تحويل القوة العسكرية الأميركية من جوار الصين إلى الشرق الأوسط. وبدأت الولايات المتحدة بالفعل في تحويل أسلحة من منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بما في ذلك بطارية اعتراض من نظام «ثاد» من كوريا الجنوبية إلى إيران، مع استنزاف الحرب لمخزونها المحدود من الصواريخ الاعتراضية. كما نقلت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) قوات برية وبحرية من المنطقة ذاتها إلى الشرق الأوسط، بما في ذلك السفينة «يو إس إس تريبولي» ووحدة مشاة بحرية من اليابان، إضافة إلى مجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» من بحر الصين الجنوبي.

مقاتلات حربية على متن حاملة الطائرات الأميركية أبراهام لينكولن (رويترز)

أما روسيا، فلا تنظر إلى إيران باعتبارها عنصراً حاسماً في سياستها الخارجية والدفاعية. فقد ركز «مفهوم السياسة الخارجية الروسية لعام 2023» على «الجوار القريب» بوصفه الأكثر أهمية، بينما جاءت إيران ضمن دول الشرق الأوسط في مرتبة متأخرة. وعلى خلاف الصين، لا تعتمد روسيا على الشرق الأوسط في النفط والغاز، كما أن حجم تجارتها مع إيران محدود.

وترتبط روسيا بترتيبات أمنية مع بيلاروسيا ودول منظمة معاهدة الأمن الجماعي، كما تجمعها «شراكة شاملة وتعاون استراتيجي» مع الصين. وأبرمت روسيا صفقات أسلحة عديدة مع إيران، من بينها صفقة بقيمة 500 مليون يورو (589 مليون دولار) لتوريد 500 قاذف محمول على الكتف من طراز «فيربا» و2500 صاروخ من نوع «9إم336». ومع ذلك، فإن إيران لا تحظى بالأهمية الكافية لدى روسيا لتبرير تقديم ضمانات أمنية لها.

ويقول ميتشل إنه على غرار الصين، يمكن لروسيا أن تخرج مستفيدة بشكل كبير من هذه الحرب، لا سيما في قطاع الطاقة. فإغلاق إيران لمضيق هرمز سيجبر دولاً، منها الصين والهند، على زيادة وارداتها النفطية من روسيا. كما أن الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة عالمياً، إلى جانب تعليق العقوبات النفطية، قد يوفِّر عائدات تشتد الحاجة إليها لاقتصاد روسيا المعتمد على الوقود الأحفوري.

كما أن انخراط الولايات المتحدة في إيران يخدم حرب روسيا في أوكرانيا. فالعمليات الأميركية تستهلك موارد عسكرية، خاصة الصواريخ الاعتراضية. وكل صاروخ من أنظمة «ثاد» أو «باتريوت» أو «توماهوك» يتم تحويله إلى إيران هو صاروخ لن يصل إلى جبهات القتال في أوكرانيا. كذلك تملك روسيا فرصة لدعم إيران في استهداف القوات الأميركية عبر تقديم معلومات استخباراتية لتحديد مواقع الأهداف العسكرية الأميركية في أنحاء الشرق الأوسط.

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

وبذلك، تستطيع روسيا مساعدة إيران بشكل غير مباشر ومن مسافة، مع الاستفادة من الحرب دون المخاطرة بمواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

ويخلص ميتشل إلى أن ضبط النفس الذي تبديه الصين وروسيا يعكس انضباطاً استراتيجياً، لا إهمالاً. فجيش أميركي مستنزف وموزع على جبهات متعددة يصب في مصلحة الصين في منطقة المحيط الهادئ وروسيا في أوكرانيا. وكلما طال أمد هذه الحرب، زادت المكاسب المحتملة لكلا البلدين.


بعد تهديدات ترمب... الجيش الإيراني يتعهد بشنّ هجمات «ساحقة» على أميركا وإسرائيل

قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)
قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)
TT

بعد تهديدات ترمب... الجيش الإيراني يتعهد بشنّ هجمات «ساحقة» على أميركا وإسرائيل

قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)
قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)

تعهّد الجيش الإيراني، الخميس، بشنّ هجمات «ساحقة» على الولايات المتحدة وإسرائيل، بعد ساعات من تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتوجيه ضربات شديدة للجمهورية الإسلامية في الأسابيع المقبلة، وإعادتها إلى «العصر الحجري».

وقال «مقر خاتم الأنبياء»، غرفة العمليات المركزية للقوات المسلحة الإيرانية، في بيان بثّه التلفزيون الرسمي: «بالتوكّل على الله، ستستمرّ هذه الحرب حتى إذلالكم وذلّكم وندمكم الدائم والحتمي واستسلامكم».

وأضاف: «انتظروا عملياتنا الأكثر سحقاً وتدميراً».

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، إن الولايات المتحدة «تقترب من تحقيق» أهدافها في الحرب ضد إيران لكنها ستواصل ضرب البلاد «بشدة» لمدة أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع أخرى.

وأشاد الرئيس الأميركي، في خطاب للأمة من البيت الأبيض، بالانتصارات «الحاسمة» و«الساحقة» التي حققتها الولايات المتحدة، مؤكداً مرة أخرى أن الضربات كانت ضرورية لمنع إيران من الحصول على السلاح النووي. وتعهّد بعدم التخلي عن دول الخليج التي تستهدفها إيران رداً على الضربات الإسرائيلية الأميركية على الجمهورية الإسلامية، وقال: «أود أن أشكر حلفاءنا في الشرق الأوسط... لقد كانوا رائعين، ولن نسمح بتعرضهم بأي شكل لأي ضرر أو فشل».

وفي الوقت نفسه، أصر ترمب على أن نهاية الحرب لم تأتِ بعد، وقال: «سنوجه إليهم ضربات شديدة للغاية خلال الأسبوعين أو الثلاثة المقبلة. سنعيدهم إلى العصر الحجري الذي ينتمون إليه».


واشنطن تطرح انسحاباً «سريعاً» وضربات خاطفة


غارة على مقر تابع لوزارة الدفاع الإيرانية في منطقة باسداران شمال شرقي طهران صباح أمس (شبكات التواصل)
غارة على مقر تابع لوزارة الدفاع الإيرانية في منطقة باسداران شمال شرقي طهران صباح أمس (شبكات التواصل)
TT

واشنطن تطرح انسحاباً «سريعاً» وضربات خاطفة


غارة على مقر تابع لوزارة الدفاع الإيرانية في منطقة باسداران شمال شرقي طهران صباح أمس (شبكات التواصل)
غارة على مقر تابع لوزارة الدفاع الإيرانية في منطقة باسداران شمال شرقي طهران صباح أمس (شبكات التواصل)

طرحت واشنطن خيار انسحاب «سريع» من حربها مع إسرائيل ضد إيران، مع الإبقاء على فكرة العودة لتنفيذ ضربات خاطفة.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، إن الولايات المتحدة ستنسحب من إيران «بسرعة كبيرة»، بعدما ضمنت عدم قدرة طهران على امتلاك سلاح نووي. وأضاف لـ«رويترز» أن واشنطن قد تعود لتنفيذ «ضربات محددة» إذا لزم الأمر.

وفي حين ربط ترمب أي نظر في إنهاء القتال بإعادة فتح مضيق هرمز، تمسك «الحرس الثوري» بإبقائه مغلقاً أمام من وصفهم بـ«الأعداء».

وعبّر ترمب عن عدم اكتراثه بمخزون إيران من اليورانيوم المخصب، لأنه «عميق جداً تحت الأرض»، لكنه قال إن واشنطن ستراقبه بالأقمار الاصطناعية. وقيّم أن طهران باتت «غير قادرة» على تطوير سلاح نووي.

ومن دون أن يحدد اسماً، أفاد ترمب بأن «رئيس النظام الجديد» في إيران طلب وقف إطلاق النار، غير أنه رهن النظر في ذلك عندما يكون مضيق هرمز «مفتوحاً وحراً وآمناً».

في المقابل، قال «الحرس الثوري» إنه وضع مضيق هرمز «تحت سيطرة حاسمة ومطلقة» للقوة البحرية التابعة له، و«لن يفتح أمام أعداء هذه الأمة».

ونقل نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، عبر وسطاء، إلى طهران أن ترمب «غير صبور»، وهدد بأن الضغط على البنية التحتية الإيرانية سيتزايد إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق.

ميدانياً، أعلن الجيش الإسرائيلي تنفيذ ضربات على نحو 400 هدف خلال يومين، بينها موجة واسعة على ما قال إنها «بنى عسكرية، ومواقع تصنيع أسلحة» في قلب طهران، فيما شوهد الدخان يتصاعد من مقرات لوزارة الدفاع في شرق وغرب طهران.

في المقابل، قال «الحرس الثوري» إن قواته نفّذت عمليات بصواريخ ومسيرات ضد أهداف «قواعد أميركية» وإسرائيل، كما أعلن الجيش الإيراني استهداف مواقع عسكرية مرتبطة بطائرات الإنذار المبكر والتزود بالوقود في إسرائيل. وأعلنت فرق الإسعاف الإسرائيلية، أمس، إصابة 14 شخصاً بعد رصد رشقة صاروخية من إيران.