الكويت... عهد جديد عنوانه الاستقرار والاستمرار

الأمير وولي العهد من رجال الدولة المخضرمين... قضيا معظم حياتهما في سلك الأمن والدفاع

الكويت... عهد جديد عنوانه الاستقرار والاستمرار
TT

الكويت... عهد جديد عنوانه الاستقرار والاستمرار

الكويت... عهد جديد عنوانه الاستقرار والاستمرار

بمناداته أميراً لدولة الكويت، أصبح الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح، الأمير السادس عشر للبلاد، والأمير السادس بعد الاستقلال عن بريطانيا عام 1961.
ولقد ولد الشيخ نوّاف الأحمد الجابر الصباح، يوم 25 يونيو (حزيران) من عام 1937، في مدينة الكويت. وهو النجل السادس لحاكم الكويت العاشر الشيخ أحمد الجابر المبارك الصباح، الذي تولّى حكم الكويت في الفترة ما بين 1921 – 1950، من زوجته اليمامة. وهو الأخ غير الشقيق لاثنين من حكام الكويت: الشيخ جابر الأحمد (حاكم الكويت الـ13 ما بين 1977 - 2006)، والشيخ صباح الأحمد (حاكم الكويت الـ15، ما بين 29 يناير/كانون الثاني 2006، حتى 29 سبتمبر/أيلول 2020). أما ولي العهد الشيخ مشعل الأحمد، فقد ولد في الكويت عام 1940، وهو الابن السابع لحاكم الكويت أحمد الجابر، من زوجته مريم مريط الحويلة.
يجمع بين الأمير السادس عشر للكويت الشيخ نواف الأحمد الصباح، وولي عهده الشيخ مشعل الأحمد، التجربة الطويلة في بناء الأجهزة الأمنية والعسكرية، وكانا شخصيتين بارزتين أمضيا معظم حياتهما العملية في سلك الأمن والدفاع.
فمن جهة، الشيخ نواف الأحمد؛ فهو يعتبر المؤسس الحقيقي لوزارة الداخلية في الكويت بشكلها الحديث، وإدارتها المختلفة، وقد تولى مسؤولية الوزارة على مدى فترتين، الأولى من مارس (آذار) 1978 إلى يناير 1988، والأخرى من 2003 إلى فبراير (شباط) 2006، وإبان توليه حقيبة وزارة الداخلية قام بتحديث هذه المؤسسة الأمنية، لتواجه التحديات الأمنية التي تواجهها البلاد. كذلك، تولى الشيخ نواف الأحمد حقيبة وزارة الدفاع عام 1988، حتى عام 1991. وخلال فترة توليه هذا المنصب شهدت البلاد كارثة الغزو العراقي للكويت (2 أغسطس/آب 1990 – 28 فبراير 1991).
ثم مع تشكيل أول حكومة بعد تحرير الكويت، تولى الشيخ نواف وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في أبريل (نيسان) عام 1991، ثم أصبح نائباً لرئيس الحرس الوطني في 1994، وعاد لتولي حقيبة وزارة الداخلية مجدداً في 2003 إلى أن أصبح ولياً للعهد في 2006.
أما ولي العهد الشيخ مشعل الأحمد الصباح، فهو يتمتع بشخصية أمنية وعسكرية؛ إذ إنه تلقى تعليمه في كلية هيندون للشرطة في المملكة المتحدة عام 1960، ثم التحق بوزارة الداخلية. ومن ثم تدرج في المناصب حتى أصبح رئيساً لجهاز المباحث العامة برتبة عقيد منذ عام 1967 وحتى عام 1980، ولقد تحولت المباحث العامة في عهده إلى إدارة أمن الدولة، وظل رئيساً لجهاز أمن الدولة لنحو 13 سنة.
بعد ذلك انتقل الشيخ مشعل إلى الحرس الوطني في 13 أبريل 2004، حين عيّنه الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد نائباً لرئيس الحرس الوطني بدرجة وزير. وحقاً، ساهم الشيخ مشعل الأحمد في إصلاح الحرس الوطني، وتنظيمه وتدريب أفراده، ورفده بالمعدات، ليصبح قوة صلبة ضمن القوات المسلحة الكويتية، وساهم الحرس الوطني مؤخراً في مساعدة الحكومة لاحتواء تفشي فيروس «كوفيد – 19» (فيروس كورونا المستجد).

تشخيص التهديدات
في خطابه الأول أمام البرلمان بعد أدائه اليمين الدستورية شخّص الأمير نواف الأحمد التهديدات التي تواجهها الكويت، وهي التحديات ذاتها التي لطالما أشار إليها سلفه الشيخ صباح الأحمد؛ إذ قال إن «الكويت تعرضت خلال تاريخها الطويل إلى تحديات جادة ومحن قاسية نجحنا بتجاوزها متعاونين متكاتفين، وعبرنا بسفينة الكويت إلى بر الأمان». وأضاف «يواجه وطننا العزيز اليوم ظروفاً دقيقة وتحديات خطيرة لا سبيل لتجاوزها والنجاة من عواقبها إلا بوحدة الصف وتضافر جهودنا جميعاً، مخلصين العمل الجاد لخير ورفعة الكويت وأهلها الأوفياء».
ما يجدر ذكره، أن الكويت التي عُرفت بتجربتها الديمقراطية، شهدت حياة سياسية نشطة، حتى قبل الاستقلال عن بريطانيا. إذ عرفت البلاد أول دستور مكتوب ومجلس شورى في عام 1921. وكان الكويتيون أول شعب خليجي يشكل مجلساً تشريعياً بالانتخاب في عام 1938. كما عُرفت الكويت بنظامها البرلماني الذي أرساه الشيخ عبد الله السالم الصباح، رجل الاستقلال. وفي عهده، جرى إقرار الدستور، الذي كان أول وثيقة من نوعها في الخليج، ويطلق اسمه اليوم على قاعة مجلس الأمة. صدر الدستور الحالي بعد الاستقلال في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 1962. وبدأ العمل به رسمياً يوم 29 يناير 1963.
وحصلت الكويت على استقلالها من بريطانيا في 19 يونيو 1961، حين وقّع الأمير الراحل الشيخ عبد الله السالم الصباح، الحاكم الحادي عشر للكويت، وثيقة الاستقلال مع المندوب السامي البريطاني في الخليج العربي السير جورج ميدلتون، نيابة عن حكومة بلاده. وألغى الاتفاقية التي وقّعها الشيخ مبارك الصباح، الحاكم السابع للكويت، مع بريطانيا في 23 يناير 1899 لحمايتها من الأطماع الخارجية.
ويتبنى الدستور الكويتي النظام الديمقراطي، حيث تنص المادة السادسة بأن «نظام الحكم في الكويت ديمقراطي، السيادة فيه للأمة مصدر السلطات جميعاً». وعلى الرغم من أن التجربة النيابية والتشريعية في الكويت ضاربة في القدم، فإنها بقيت على الدوام معرضة للامتحان، بين الديمقراطية والاستقرار.
كانت الكويت على الدوام تواجه تحديات إقليمية يفرضها موقعها كدولة ثرية وصغيرة في محيط ملتهب، ولكن يأتي تسلم العهد الجديد أمانة المسؤولية والبلاد تواجه تحديات متنوعة، أبرزها التحديات الاقتصادية بسبب انخفاض أسعار النفط، وجائحة كورونا، حيث تراجعت مداخيل الكويت من النفط، حيث تواجه البلاد التي تنتج يومياً نحو 2.2 مليون برميل من النفط، عجزاً في الميزانية، وأزمة سيولة وتتطلع البلاد إلى سنّ تشريعات تتيح للحكومة طرق أبواب أسواق الدين الدولية لمساعدتها في تمويل عجز الميزانية.

انتخابات متوقعة لمجلس الأمة
يأتي انتقال السلطة أيضاً وسط انتهاء دور الانعقاد لمجلس الأمة البرلمان؛ ذلك أنه من المنتظر أن تشهد البلاد انتخابات لمجلس الأمة جديد بنظام الصوت الواحد، ووسط غياب أقطاب المعارضة الذين صدرت بحقهم أحكام بالسجن على خلفية اقتحام مجلس الأمة، ونشطت في الأسابيع الأخيرة المحاولات لإصدار عفو عام لم يكتب لها النجاح.
سيكون ملف محاربة الفساد أحد أبرز الملفات التي سيضطلع بها العهد الجديد، لا سيما أن الأمير وولي عهده أظهرا الرغبة في معالجة هذا الملف بحزم وقوة القانون.
الأمير نواف تحدث في كلمته الأخيرة التي وجهها للمواطنين في 23 أغسطس 2020، عن ملف الفساد، رافعاً الغطاء عن أي فرد في الأسرة يثبت تورطه في قضايا الفساد. وقال «إن محاربة الفساد ليست خياراً، بل هي واجب شرعي واستحقاق دستوري ومسؤولية أخلاقية ومشروعي وطني يشترك الجميع في تحمل مسؤوليته». وأردف «لكل من يثير التساؤل حول محاسبة أبناء الأسرة الحاكمة نؤكد بأنهم جزء من أبناء الشعب الكويتي وتسري عليهم ذات القوانين، ومن يخطئ يتحمل مسؤولية خطأه؛ فليس هناك من هو فوق القانون».

الاقتصاد... التحدي الأكبر
أخيراً، يمثّل الاقتصاد التحدي الأبرز أمام العهد الجديد. إذ إن الكويت تعاني من شحّ في السيولة وصلت إلى التحذير من العجز عن دفع المرتبات، وقال وزير المالية الكويتي براك الشيتان في نهاية أغسطس الماضي، إن هناك حاجة أمام الحكومة إلى إقرار قانون الدين العام الذي سيمكنها من اقتراض 20 مليار دينار (نحو 66 مليار دولار) خلال ثلاثين سنة. وحذر الوزير من نقص السيولة بشكل يهدد دفع رواتب العاملين في الدولة، وقال إن «الكويت تمتلك ملياري دينار (أي ما يعادل 6.6 مليار دولار) من السيولة في خزينتها ولا تكفي لتغطية رواتب الدولة بعد شهر أكتوبر (تشرين الأول)» الحالي، وهذا، مع أن الكويت تمتلك صندوقاً سيادياً ضخماً يقدر حساب صندوق الأجيال بنحو 550 مليار دولار. وقال الوزير الشبتان «إن الحكومة تسحب من صندوق الاحتياطي العام بمعدل 1.7 مليار دينار شهرياً؛ ما يعني أن السيولة ستنضب قريباً إذا لم تتحسن أسعار النفط، وإذا لم تستطع الكويت الاقتراض من الأسواق المحلية والدولية».

حكام الكويت... ودستورها ونظامها السياسي
> الشيخ صباح بن جابر الصباح، المولود بداية القرن الثامن عشر، هو أول حكام أسرة آل صباح في الكويت. وكان قد تسلّم الحكم بعد تحالف قبلي خلال الفترة من عام 1756 حتى 1776؛ وبناءً عليه، مع الشيخ صباح بن جابر (أو صباح الأول) يبدأ التاريخ السياسي للكويت ولأسرة الصباح منذ عام 1756، واستمرّت الإمارة في ذرّيّته، مروراً بالشيخ مبارك الكبير (الحاكم السابع، الذي حكم من 1896 إلى 1915)، والذي يعدّ المؤسّس الحقيقي للدّولة.
تعاقب على الحكم في الكويت منذ عام 1756 حتى اليوم 16 أميراً، ومنذ 1915 جرى تناقل الإمارة في ذرّية الشيخ مبارك الكبير، مع الإشارة إلى أن الإمارة استقلت رسمياً عام 1961 إبان عهد الشيخ عبد الله السالم الصباح، وصدر الدستور الكويتي عام 1962م.

تسلسل تولّي حكام الكويت
تعاقب على الحكم منذ عام 1756 من مشايخ آل الصباح، كل من:
الشيخ صباح (الأول) بن جابر (تولى الحكم عام 1756م)
الشيخ عبد الله بن صباح بن جابر الصباح (1762م)
الشيخ جابر (الأول) بن عبد الله الصباح (1812م)
الشيخ صباح (الثاني) بن جابر بن عبد الله الصباح (1859م)
الشيخ عبد الله (الثاني) بن صباح الصباح (1866م)
الشيخ محمد (الأول) بن صباح الصباح (1892م)
الشيخ مبارك (الكبير) بن صباح الصباح (1896م)
الشيخ جابر المبارك الصباح (1915م)
الشيخ سالم المبارك الصباح (1917م)
الشيخ أحمد الجابر المبارك الصباح (1921م)
الشيخ عبد الله السالم المبارك الصباح (1950م)
الشيخ صباح السالم الصباح (1965م)
الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح 1977م)
الشيخ سعد العبد الله السالم الصباح (2006م)
الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح (2006م)
الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح (2020م)

الدستور الكويتي ونظام الحكم
> نصّ الدّستور الكويتي على أن نظام الحكم يكون وراثيّاً في ذرّيّة الشيخ مبارك الكبير، ويُسمّى حاكم الكويت أميراً ويتمتّع بالكثير من السلطات الدستوريّة كالسلطة التشريعيّة التي يتولّاها مع مجلس الأمّة والسلطة التنفيذيّة التي يتولّاها مع مجلس الوزراء، كما يعمل الأمير على اختيار ولي العهد وتزكيته ليقوم مجلس الأمّة بمبايعته في جلسة خاصّة، ولا بدّ من توفّر الكثير من الشروط في كلّ من الأمير وولي العهد، ومنها: أن يكون رشيداً عاقلاً مسلماً من أبوين مسلمين.
نظام الحكم بدولة الكويت أميري ديمقراطي، فلدولة الكويت سيادة ودستور ويرأسها أمير البلاد ويشرّع قوانينها مجلس الأمة المكون من خمسين عضواً يُنتخبون كل 4 سنوات بالاقتراع الشعبي الحر. وتنقسم السلطات بالكويت إلى سلطة تشريعية وتنفيذية وقضائية، يرأسها الأمير. ولا يُسمح وفقاً للدستور بتشكيل الأحزاب على الرغم من وجود الكتل النيابية.
نظام الحكم نظام وراثي دستوري، يستمد شرعيته من الدستور، وهو بذلك يتيح نقل السلطة داخل الأسرة الحاكمة من ذرية مبارك الصباح. ولقب الحاكم هو الأمير، ويتولى الأمير سلطاته التنفيذية من خلال وزرائه، ولا تنفذ الأحكام القضائية، إلا بعد مصادقة الأمير عليها، والأمير هو الوحيد الذي يمكنه العفو من الأحكام.
يمتاز نظام الحكم بالكويت بالمزج بين النظام البرلماني والنظام الرئاسي، فجميع القوانين التي يقرها مجلس الأمة تصبح نافذة بعد توقيع الأمير عليها خلال شهر من إصدارها. وفي حالة مرور شهر دون توقيع الأمير على هذه القوانين، تصبح نافذة من دون التوقيع وكأنه وقّع عليها، فإن أعادها الأمير للمجلس ووافق عليها مرة أخرى، تصبح نافذة من دون الحاجة إلى توقيعه.

الكويت... بالأرقام
> بلغ عدد سكان دولة الكويت في 30 يونيو (حزيران) 2012 وفق «الإدارة المركزية للإحصاء» إلى 3.268.431 نسمة تقريباً، منهم 1.128.381 كويتيون، والباقي من الوافدين والأجانب، ويتركز معظم سكان دولة الكويت في مدينة الكويت وضواحيها، وبخاصة في المناطق المحاذية لساحل الخليج العربي.
في الماضي، اقتصرت المعلومات السكانية خلال الفترات التاريخية عـلى التقديرات التي ذكرها بعـض الرحّالة. لكن عام 1957م أجري أول تعداد رسمي للسكان، وبيّن أن عدد السكان يبلغ نحو 206.473 نسمة، بينهم 92.851 من الوافدين. وفي عام 1961م بلغ عدد سكان دولة الكويت 321.621 نسمة، منهم 62 في المائة من الذكور و37 في المائة من الإناث، وهذا الاختلاف في التركيب النوعي للسكان ناتج من الهجرة الخارجية التي شهدتها دولة الكويت. ومنذ عام 1965م بدأت دولة الكويت إجراء تعدادات سكانية منتظمة كل خمس سنوات.
في التعداد الذي أجري عام 1985م بلغ عدد السكان نحو 1.697.301 نسمة، منهم 56 في المائة من الذكور و44 في المائة من الإناث. أما في تعداد عام 1990م فقد بلغ إجمالي عدد السكان 2.141.465 نسمة، منهم 72 في المائة من الوافدين. وفي العام نفسه تعرضت الكويت للعدوان والاحتلال العراقي، وما تبع ذلك هجرة كبيرة للوافدين من العرب وغيرهم، الأمر الذي أدى إلى تغييرات كبيرة في وضع السكان.
بعدها، في تعداد عام 1995 م، بلغ إجمالي عدد السكان نحو 1.577.598 نسمة، منهم 58 في المائة من غير الكويتيين. وفي أبريل 2005 أُجري التعداد العام للسكان والمساكن والمنشآت، وهو التعداد التاسع من سلسة تعدادات دولة الكويت والأول في القرن الحادي والعشرين، وقد أسفرت النتائج الأولية لهذا التعداد الأخير بأن عدد سكان قد بلغ 2.213.403 نسمة، منهم 880.774 من الكويتيين و1.332.629 من غير الكويتيين.



مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
TT

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا والكونغو، قطع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للعلاقات العربية والأفريقية، مساراً سياسياً غير تقليدي. في هذا المسار، جمع رجل الأعمال اللبناني الأصل بين العلاقات العائلية وشبكات المصالح التجارية والاتصالات السياسية العابرة للقارات، لكنه اصطدم بتعقيدات أزمات القارة السمراء، التي لم تفلح معها حتى الآن سياسة دبلوماسية الصفقات.

قبل سنوات قليلة لم يكن مسعد بولس، رجل الأعمال الأميركي المتحدّر من أصل لبناني، اسماً مألوفاً في أوساط الدبلوماسية الدولية، لا سيما وأنه أمضى معظم حياته المهنية بعيداً عن واشنطن، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة ونيجيريا. إلا أن زواج نجله مايكل من تيفاني، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عام 2022، فتح أمامه أبواب العائلة الرئاسية، قبل أن يتحول أحد الوجوه البارزة في حملة ترمب الانتخابية لعام 2024. وخلال أقل من سنتين، صار اسم بولس حاضراً في جهود وقف الحرب بالسودان، وتسوية الانقسام الليبي، وإنهاء النزاع بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

النشأة والمسيرةوُلد مسعد فارس بولس عام 1971، لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذكس من أبرز عائلات بلدة كفرعقّا في قضاء الكورة بشمال لبنان. والواقع، أن السياسة لم تكن بعيدة عن عائلته، حيث شغل والده منصب رئيس بلدية كفرعقّا، كما ارتبط عدد من أفراد عائلته بالعمل السياسي والنيابي في لبنان، أبرزهم النائب والوزير فيليب بولس.

ونشأ مسعد وسط توازنات حزبية وطائفية ووجاهة سياسية؛ ما شكّل مفهومه الأول للسياسة لتغدو هذه البيئة جزءاً من شبكة علاقاته السياسية لاحقاً. وفي سن المراهقة، انتقل بولس إلى ولاية تكساس الأميركية، وحاز هناك بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة هيوستن- داونتاون، ثم إجازة الحقوق من جامعة تكساس سوذرن، كما حصل على الجنسية الأميركية.

أيضاً، إبّان سنوات دراسة مسعد في الولايات المتحدة، بدأ اهتمامه بالسياسة الجمهورية؛ إذ تطوّع للمشاركة في حملة (الرئيس لاحقاً) جورج بوش الابن لمنصب حاكم ولاية تكساس عام 1994، ونُقل عنه قوله: «هذه أول مشاركة سياسية لي كمواطن أميركي». لكن نشاطه السياسي ظل محدوداً مقارنة بعمله التجاري الذي ارتبط بالقارة الأفريقية.

رحلة تجارة في نيجيريا

بعد إنهاء سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، انتقل مسعد بولس إلى نيجيريا وانخرط في أعمال عائلته التجارية وأصبح المدير التنفيذي لمجموعة «سكوا نيجيريا» التي تعمل في مجال توزيع السيارات وتجميعها في غرب أفريقيا وتبلغ قيمتها مليار دولار. وهناك تزوج من سارة فضّول، وهي ابنة رجل أعمال لبناني ارتبط هو الآخر باستثمارات في القارة الأفريقية، وأنجب منها أربعة أبناء.

وبينما منحته سنوات عمله في نيجيريا فرصة تكوين علاقات في أوساط الأعمال الأفريقية، وهي علاقات سيحاول توظيفها لاحقاً في مهامه الدبلوماسية، أثارت انتقادات إعلامية، لا سيما مع نشر صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً نهاية عام 2024 شكّكت فيه بحجم ثروته، مدعيةً إنه يمتلك حصة صغيرة جداً من شركة «سكوا نيجيريا»، التي يسيطر عليها والد زوجته.

وفي مواجهة هذه التقارير، دافع فريق ترمب عن سجلّ بولس التجاري، مؤكداً أنه شغل مناصب تنفيذية في شركات عائلية بغرب أفريقيا لأكثر من 27 عاماً. كما أوضح بولس للـ«نيويورك تايمز» أن حديثه عن قيمة تتجاوز مليار دولار كان يقصد به مجموعة شركات عائلة زوجته، وليس الشركة التي يديرها وحدها.

ومن ناحية ثانية، أثار وصف ترمب له بأنه «محامٍ بارز» تساؤلات عدة، لا سيما مع ظهور تقارير صحافية ذكرت أنه لا يحمل رخصة مزاولة مهنة المحاماة في تكساس، مع أن هذا لا ينفي حصوله على حصوله على شهادة في القانون.

في أي حال، رغم إقامة مسعد بولس لسنوات في الولايات المتحدة أو العمل في نيجيريا، فإنه بقي مرتبطاً بمسقط رأسه، ومحافظاً على علاقاته مع عائلته في لبنان، حيث كان يتردد على بلدته كفرعقّا باستمرار. ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من عائلة بولس قولها إنها «أسرة متواضعة، وأصيلة، وودودة، لا تشبه في سلوكها الأغنياء الجُدد، أبواب أهله كانت دائماً مفتوحة للجميع، ولهم مكانة عالية في قلوب جيرانهم ومحيطهم». كما يوصف بولس نفسه بأنه «ابن رضي لوالديه». وإلى جانب العائلة، ارتبط بولس بعلاقات واسعة مع أطراف لبنانية متعارضة؛ ما عدّه مراقبون إشارة على قدرته على بناء علاقات وتحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية. وبفضل قوة علاقاته هذه، وتنوّعها، تردّد في أوساط إعلامية أنه كان مرشحاً في إحدى الانتخابات البرلمانية في لبنان، وهو ما نفاه بولس في تصريحات صحافية في ما بعد.

زواج غيّر مساره

إلا أن التحوّل الأكبر في مسيرة مسعد بولس جاء من خارج باحة السياسة التقليدية، ومن خارج لبنان أيضاً. ففي عام 2018، بدأت علاقة ابنه مايكل بتيفاني ترمب، التي تعرف إليها خلال عطلة في جزيرة ميكونوس اليونانية، قبل أن يُعلنا خطوبتهما خلال يناير (كانون الثاني) 2021، ويتم الزواج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وبذا دخل بولس الدائرة العائلية المحيطة بترمب.

وفق تقرير نشرته وكالة الـ«أسوشييتد برس» في يونيو (حزيران) 2024، كان بولس قد شارك بالفعل في أنشطة سياسية داعمة لترمب، لكن دوره توسّع بصورة كبيرة بعد زواج نجله. وحين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد ترمب في قريبه اللبناني - الأميركي شخصية مناسبة للتواصل مع الجاليات العربية والمسلمة، لا سيما في ولاية ميشيغان المتأرجحة.

وبالفعل، استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة»، في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب بحجة أن ترمب قادر على وقف الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن تلك المهمة سهلة؛ إذ واجه بولس اعتراضات على سياسات ترمب نفسها تجاه المسلمين والفلسطينيين، لكنه استطاع في الوقت نفسه اجتذاب بعض التأييد للرئيس الأميركي. وحسب مراقبين، ربما كان هذا الدور هو السبب في قرار ترمب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعيين بولس كبيراً لمستشاريه للشؤون العربية والشرق أوسطية، ووصفه إياه بأنه «رجل أعمال يتمتع بخبرة دولية وقدرة على بناء تحالفات انتخابية مع الأميركيين العرب».

وبعدها، يوم 1 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين بولس كبيراً لمستشاري الشؤون الأفريقية، ليبدأ بولس أولى مهامه الرسمية في أفريقيا بزيارة الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا؛ بهدف دعم جهود السلام في شرق الكونغو وتشجيع استثمارات القطاع الخاص الأميركي.

«دبلوماسية الصفقات» ... في أفريقيا

بدأ بولس يتبنى نهجاً يتلاءم مع فلسفة ترمب القائمة على ربط التسويات السياسية بالصفقات الاقتصادية. وقال في أحد لقاءاته الصحافية، إن سياسة الإدارة الأميركية تجاه القارة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: السلام والشراكات والازدهار. وظهر هذا التوجه واضحاً في ملف الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث قاد بولس اتصالات مع رئيسَي البلدين بشأن اتفاق لوقف الصراع في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، بينها الكوبالت والنحاس والليثيوم.

ويوم 27 يونيو 2025، وقّع البلدان «اتفاق سلام» برعاية أميركية في واشنطن، تضمّن «ترتيبات أمنية» وأسساً لتوسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

والواقع، أن الإدارة الأميركية لم تخفِ اهتمامها بالموارد المعدنية؛ بل تكلّم ترمب صراحةً عن «المكاسب» التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من الوصول إلى معادن الكونغو. لكن ذلك الاتفاق لم ينهِ الصراع فعلياً؛ إذ استمرت المواجهات في شرق الكونغو، وظل تنفيذ التفاهمات موضع شكوك.

وبعد ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، برز تطوّر جديد مع إعلان الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا قيادة تحالف متمرد جديد يضم حركة «إم 23»؛ ما عكس استمرار تعقيدات الأزمة.

السودان وليبيا... أصعب الاختبارات

ولكن، إذا كان ملف الكونغو قد منح مسعد بولس فرصة لتقديم نفسه وسيطاً دولياً، فإن السودان وليبيا وضعاه أمام اختبارات أكثر تعقيداً.

في السودان، انخرط بولس في جهود «الآلية الرباعية» الدولية التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لدفع الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع» نحو هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية. وطرح بولس خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب والعودة إلى مسار الحكم المدني، غير أن مقترحه واجه اعتراضات من أطراف مرتبطة بالجيش السوداني، وحتى الآن لا يزال مسار الحل السياسي بعيداً.

أما في ليبيا، فقد دعم بولس مباحثات لتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، وبناء شراكات تسمح بتوحيد المؤسسات والانتقال للانتخابات، لكن تعقيدات الصراع أعاقت حتى الآن الحلول السلمية.

الخلاصة، أن بولس لا يبدو دبلوماسياً أميركياً من الطراز التقليدي؛ فهو لم يأت من وزارة الخارجية، ولا من المؤسسة الأمنية أو البحثية، بل جاء من عالم الأعمال والسياسة العائلية، معتمداً على علاقات شخصية مباشرة مع الرئيس الأميركي وخبرة تجارية في القارة الأفريقية ومعرفة بالتوازنات السياسية اللبنانية، والقدرة على التواصل مع شخصيات لا تجمعها بالضرورة مواقف سياسية مشتركة. وبالتالي، مصادر قوته تمثل أيضاً نقاط ضعف تثير التساؤلات بشأنه، كما أن قدرته على الوصول إلى القادة وإطلاق المبادرات، لا تضمن وحدها نجاح تلك المبادرات أو تنفيذ ما ينتج منها من اتفاقات.


أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

عبارة تصف بصدق القارة الأفريقية، التي تمتلك وفق بعض التقديرات نحو 30 في المائة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، إضافة إلى ثروات هائلة من النفط والذهب والأراضي الزراعية، لكن الصراعات المعقدة والانقسامات السياسية والحروب الأهلية تحول دون استثمارها.

والواقع أنه يعيش نحو 44 في المائة من سكان «القارة السمراء»، خاصة، جنوب الصحراء الكبرى في فقر مدقع. وبينما تتفاقم الصراعات الأفريقية الداخلية، تتزايد الأطماع الخارجية وتشتد حدة التنافس العالمي بين القوى الكبرى على استغلال موارد القارة وثرواتها.

تقديرات «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا»، تشير إلى أنه على الرغم من امتلاك أفريقيا نحو 30 في المائة من احتياطيات المعادن العالمية، فإنها لا تحصل إلا على حصة محدودة من عوائد هذه الثروة نتيجة للاعتماد على تصدير المواد الخام وضعف التصنيع المحلي.

أيضاً، في أفريقيا نحو 65 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، بحسب التقارير الدولية. ووفق بيانات الأمم المتحدة فإن ثروات القارة تشمل نحو 7.5 في المائة من احتياطيات النفط، و8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي، و40 في المائة من احتياطيات الذهب العالمية، بجانب حصص كبيرة من الكروم والبلاتين، ويقدر رأس المال الطبيعي للقارة بنحو 7.6 تريليون دولار، وفق تقديرات البنك الأفريقي.

إلا أن كل هذه الأرقام لا تنعكس بحبوحة على سكان القارة. إذ تشير أرقام البنك الدولي لعام 2025، إلى أن نحو 584 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في فقر مدقع، ما يمثل نحو 44.1 في المائة من السكان. وكأمثلة، تتجاوز نسبة الفقر المدقع 80 في المائة في الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، وتبلغ نحو 60.5 في المائة في النيجر، ويعيش 7 من كل 10 فقراء في العالم في قارة أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، لا تنفصل الأوضاع الاقتصادية عن النزاعات المسلحة التي تضرب مناطق واسعة من أفريقيا، وتبرز الكونغو واحدةً من أبرز نماذج الصراع في أفريقيا، فالدولة الغنية بالكوبالت والنحاس والذهب والكولتان، تعد من أفقر دول القارة، وتعد النزاعات المحلية على الأرض من أزمتها. ولا يختلف الوضع كثيراً في السودان، الذي يعاني صراعاً ممتداً منذ أبريل (نيسان) 2023، بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع»، أدى إلى نزوح وتشريد عدد كبير من السكان. أما بالنسبة لليبيا، فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، تقدر بنحو 48 مليار برميل، لكن الانقسام السياسي والمؤسسي منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حال دون استثمار هذه الثروة بصورة مستقرة.

أيضاً، لا يختلف الوضع في منطقة الساحل، حيث تواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعداً في هجمات الجماعات المتشددة، ما يعوق التنمية والاستفادة من ثرواتها المعدنية الكبيرة من الذهب واليورانيوم. وفي القرن الأفريقي حيث تتعاظم التحديات من حرب أهلية في إثيوبيا، ونزاعات مسلحة في الصومال، وهشاشة في الأوضاع السياسية والأمنية في مختلف أنحاء «القارة السمراء».


شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
TT

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف الرئيسة المنخرطة فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك على ضوء إعلاء المصلحة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، واستعداد الإدارة الأميركية لانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة حلفائها، وممارسة ضغط أكبر على الأوكرانيين خلال المرحلة المقبلة.

أثارت «صفقة الديزل» المُزمعة بين الولايات المتحدة وروسيا جدلاً صاخباً داخل أروقة السياسة الأميركية، واستدعت ردود فعل غاضبة في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لكن كان مُلاحظاً أن الكرملين لم يتسرّع في إعلان مواقف رسمية حيالها، بل اكتفى بتوجيه صامت للإدارات المعنية في البلاد بالعمل على توفير الظروف الملائمة لإنجاحها، كونها تقوّض واحداً من الأركان الأساسية للعقوبات المفروضة على قطاع النفط في روسيا.

هذا الأمر دفع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الإعلان عن رفع الحظر المفروض على تصدير الديزل، مع محاولة طمأنة السوق الداخلية بأن الصفقة «لن تضرّ باحتياجات المستهلكين المحليين». وهذا مع الإشارة إلى أن روسيا تواجه داخلياً نقصاً كبيراً في إمدادات الوقود والديزل.

وبينما سارت موسكو خطوة ثانية نحو ترسيخ مكسبها، عبر اشتراطها رفع القيود المفروضة على شركات روسية لتنفيذ بنود الصفقة، كان هناك بُعد أهم. وتمثّل هذا البُعد في الانعكاس السياسي للصفقة، وكذلك عودة الكلام الأميركي عن «ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لأوكرانيا». وهذا ما حدث بعد رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي رأى أن صفقة الديزل «استثمار في الحرب»، وبالتالي، تعهّد بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية ما دامت موسكو تواصل استهداف البنى التحتية للطاقة في بلاده.

التأثيرات الميدانية

لقد كان متوقّعاً ألّا تصمد طويلاً «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنجاح الصفقة، من دون تنسيق مع الطرفين الروسي والأوكراني.

وبعد توقف مؤقّت عن استهداف منشآت الطاقة الروسية، أعلن زيلينسكي أن الضربات على مصافي النفط ستُستأنف بسبب عدم التزام موسكو التي واصلت قصف البنى التحتية الأوكرانية. وفي المقابل، تجاهلت موسكو الهدنة، واكتفت بإشارات إلى أنها «تبحث شروطها مع الجانب الأميركي». وهكذا بدا أن الجهد الأميركي في هذا المجال يواجه اختباراً جدّياً لمدى قدرة ترمب على فرض تصوّره لآليات تنفيذ الصفقة.

المثير أن ترمب اختار الطريق الأقصر لذلك، عبر تقليص الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وتجميد التعاون عبر شبكة «ستارلينك» و«ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية للشبكة التي كانت تتولّى توجيه التحذيرات المُسبقة للجانب الأوكراني عندما يُصار إلى إطلاق موجات صاروخية نحوه. وهو ما جعل الدفاعات الجوية الأوكرانية عمياء لعدة أيام، ومن ثم، زاد من حجم الضغوط على زيلينسكي. وفي هذا المجال، أكدت موسكو عملياً أنها تستعد للاستفادة إلى أبعد درجة مُمكنة من التدهور الحاد في علاقات القيادة الأوكرانية مع واشنطن.

القطيعة مع زيلينسكي

لقد طرح التطوّر معضلة جديدة أمام كل الأطراف الداعمة لأوكرانيا. فالقطيعة بين إدارة ترمب وزيلينسكي، الذي حمّله الرئيس الأميركي المسؤولية عن محاولة تعطيل الصفقة و«الإضرار بإمدادات الطاقة عالمياً»، دفعت نحو إطلاق واشنطن فكرة استبدال القيادة الأوكرانية.

بيد أن التطبيق العملي لهذه الفكرة يبدو احتمالاً بعيداً جداً، في ظروف الوضع الأوكراني الداخلي، وتعذّر فرص إجراء انتخابات، والموقف الأوروبي المعارض لتصعيد الضغوط على كييف و«منح موسكو جوائز»... كما علق أكثر من مسؤول أوروبي.

الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، المؤجلة منذ سنتين، لا يُمكن إجراؤها، كما يقول الأوكرانيون، تحت النار، ولا بد من إعلان هدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل لإنجاح الاستحقاق، وفقاً لمطلب زيلينسكي.

ولكن هذا أمر يبدو مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، لا سيما أن واشنطن فشلت حتى في فرض هدنة مؤقتة في قطاع الطاقة، فكيف ستنجح في حمل الكرملين على القبول بهدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل؟

لا تبدو موسكو اليوم متحمسة كثيراً

«للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي

على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه

المزاج الشعبي الأوكراني

من جانب آخر، اللافت أنه خلافاً للموقف المتشدّد للرئيس الأميركي حيال العلاقة مع زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً؛ إذ بدا لافتاً في تأكيده له أنه «مهما بلغت الرغبات» تظلّ مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمراً مستحيلاً».

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن موسكو التي شكّكت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، ورأت «صعوبة» في إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ سنتين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدّد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتكلّم باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها الآن أمام استحقاق جديد مع بلوغ الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية.

لكن موقف الكرملين لا يبدو، في أي حال، معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني.

إذ إن موسكو لا تبدو راهناً متحمسة كثيراً «للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي، على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب، واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة.

بناءً عليه، يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، لكن هذا الالتباس يُخفي فهماً روسيا أعمق، وأكثر دقّة، من الفهم الأميركي للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية. وهنا تدخل «ضرورات» التعامل مع زيلينسكي، بالنسبة إلى موسكو على الرغم من كل الاعتراضات السابقة عليه.

وفي هذا السياق، كتب معلّق روسي بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمُحاط بالضغوط يظل (بالنسبة لموسكو) أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي، والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

وفي هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي؛ إذ يكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)»، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمّل الحرب ما دام الأمر لازماً. واللافت أنه في مقابل غالبية جاهزة لمواصلة تحمّل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينغ» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية مقابل تحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. واللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة - إذا أجريت الانتخابات - بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة.

والملاحظ في كل هذه النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات أجريت قبل شهرين وكذلك نتائج العام الماضي.

وعلى وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان العاصمة كييف الذين شملهم الاستطلاع - 72 في المائة من المستجيبين مستعدّون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

الملاحظ أيضاً أن «معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية» أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة. ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر الدنيبر».

غير أن كل هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض؛ إذ أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثّقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

ولدى العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، دلّت الدراسات الحديثة كلها أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المعادلة السياسية في البلاد.

وبالفعل، لا يزال زيلينسكي، بالإضافة فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية) يتصدّرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

والمعنى هنا أن الانتخابات، لو أجريت الآن أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأوفر حظاً بالفوز... أو حتى قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.