«معركة دبلوماسية» في مجلس الأمن حول «الكيماوي» السوري

ضحايا يتهمون النظام ويقدمون شكاوى للادعاء الألماني

TT

«معركة دبلوماسية» في مجلس الأمن حول «الكيماوي» السوري

تراشق دبلوماسيون غربيون من جهة، وروس وصينيون من الجهة الأخرى، بالاتهامات، على خلفية جلسة عقدها مجلس الأمن لمناقشة ملف الأسلحة الكيماوية في سوريا، بينما طالبت الممثلة السامية للأمم المتحدة لشؤون نزع السلاح إيزومي ناكاميتسو، بـ«تحديد» و«محاسبة» المسؤولين عن استخدام هذه الأسلحة المحرمة دولياً في سياق الحرب السورية، مشيرة إلى اكتشاف مادة كيماوية في منطقة مجاورة للمركز السوري للدراسات والبحوث العلمية. وبصفتها رئيسة لمجلس الأمن للشهر الحالي، دعت روسيا المدير العام السابق لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية جوزيه بستاني، لتقديم إحاطة خلال الجلسة الشهرية لمجلس الأمن حول الملف السوري. وخلال الاجتماع، طلب القائم بالأعمال البريطاني لدى الأمم المتحدة جوناثان ألن، الكلام، باسم بلاده ووفود أخرى، معبراً عن اعتراضه على دعوة بستاني الذي كان أقيل من منصبه. وطلب إجراء تصويت إجرائي على هذه المشاركة، وأيده المندوبان الفرنسي نيكولا دو ريفيير والألماني كريستوف هيوسيغن. ورد نائب المندوب الصيني جينج شوانغ، مدافعاً عن مشاركة بستاني. وأيده المندوب الروسي فاسيلي نيبينزيا.
وبعد التصويت الإجرائي، أيدت ثلاث دول هي الصين وروسيا وجنوب أفريقيا اقتراح دعوة بستاني لتقديم إحاطة. بينما رفضته ست دول هي أستونيا وألمانيا وبلجيكا وفرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، وامتنعت عن التصويت ست دول هي جمهورية الدومينيكان وإندونيسيا والنيجر وسانت فنسنت وغرينادين وتونس وفيتنام. وبذلك سقط الاقتراح.
وعلى الأثر، قدمت ناكاميتسو إحاطة دعت فيها مجلس الأمن إلى «عدم التسامح مع الإفلات من العقاب فيما يتعلق باستخدام الأسلحة الكيماوية». وقالت إن جائحة «(كوفيد - 19) لا تزال تؤثر على قدرة منظمة حظر الأسلحة الكيماوية على الانتشار في سوريا»، علماً بأن الأمانة الفنية واصلت نشاطاتها فيما يتعلق بالقضاء على البرنامج السوري. وأضافت: «كما أعلم فإن الجمهورية العربية السورية لم تقدم بعد معلومات أو تفسيرات تقنية كافية تمكن الأمانة الفنية لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية من إغلاق القضية المتعلقة بنتائج مادة كيماوية اكتشفت في أجزاء من المنطقة المجاورة للمركز السوري للدراسات والبحوث العلمية». وأوضحت أن الأمانة الفنية للمنظمة «ستواصل الانخراط مع السلطات السورية وستبلغ المجلس التنفيذي للمنظمة بأي تقدم في الوقت المناسب». وقال المندوب الروسي الذي تترأس بلاده مجلس الأمن للشهر الحالي، إن «ما حصل إجرائياً يظهر كيف أن الدول الغربية تريد فقط سماع تأكيدات لادعاءاتها وليس الحقيقة». ثم تلا البيان الذي كان سيقدمه بستاني، الذي أفاد بأنه «أقيل من إدارة منظمة حظر الأسلحة الكيماوية لأنه كان يحاول التمسك باتفاقية الأسلحة الكيماوية بالعدل المطلوب». واعتبر نيبينزيا أن التصريحات «كشفت التوجه المتحيز من جانب المجلس التنفيذي لمنظمة الأسلحة الكيماوية، الذي صار أداة الغرب لقمع دول معينة». وتطرق إلى أن «الادعاءات المتعلقة (بالمعارض الروسي) ألكسندر نوفالني تتبع المشكلة ذاتها». وأعلن تأييد موسكو «لإجراء تحقيقات نزيهة بعيداً عن المكائد والأكاذيب».
ووصفت المندوبة الأميركية كيلي كرافت، دعوة المدير السابق للمنظمة بأنه «محاولة فاضحة لحماية نظام (الرئيس السوري بشار) الأسد، الذي يواصل مهاجمة شعبه بالأسلحة الكيماوية، مما تسبب بمعاناة مروعة». وإذ نددت بـ«أي استخدام للأسلحة الكيماوية بأشد العبارات الممكنة»، طالبت أعضاء المجلس بـ«عدم التزام الصمت»، داعية «نظام الأسد إلى الامتثال للاتفاقية في أسرع وقت ممكن لتجنب المزيد من المآسي».
واتهم القائم بالأعمال البريطاني، السفير الروسي، بأنه «أظهر ازدراء لمجلس الأمن باختياره تجاهل التصويت الإجرائي». وحذر من أن «المجلس يجب أن يتوخى الحذر حيال أي إحاطة لا تؤدي إلا إلى تسييس مناقشاته وصرف الانتباه عن القضايا الحقيقية».
وأكد المندوب الألماني أنه «ينبغي للمندوب الروسي أن يوضح من الذي يجلب العار إلى مجلس الأمن؛ أعضاء المجلس الـ12 الذين رفضوا الاستماع إلى افادة (بستاني) أم الصين وروسيا اللتان تمنعان وصف المعاناة الإنسانية في سوريا، والمساءلة عن الجرائم التي ارتكبها نظام الأسد وتسببت في مثل هذه المعاناة؟». وأسف نائب المندوب الصيني لنتيجة التصويت الإجرائي، واصفاً الآراء التي أعرب عنها بعض السفراء الغربيين بأنها «مثال على النفاق العفوي».
وأكد المندوب الفرنسي نيكولا دو ريفيير، أن «إغلاق الملف الخاص بسوريا والأسلحة الكيماوية فيها لا يزال يمثل أولوية»، لكنه «لا يقترب بأي حال من الأحوال من تلك النقطة في الوقت الحالي»، مضيفاً أن الحكومة السورية «لم تفِ بوعدها في أن تصير شفافة في شأن مخزوناتها الكيماوية».
إلى ذلك، قال محامون يمثلون ضحايا هجمات أسلحة كيماوية في سوريا، إنهم قدموا شكاوى جنائية لدى المدعي الاتحادي العام في ألمانيا ضد مسؤولين سوريين يتهمونهم بالتسبب في موت مئات المدنيين في مناطق تسيطر عليها المعارضة. وتؤوي ألمانيا 600 ألف سوري، وتسمح قوانينها بالمقاضاة في جرائم ارتُكبت ضد الإنسانية في أي مكان بالعالم. ويفتح هذا ساحة قانونية نادرة للتحرك ضد حكومة الرئيس بشار الأسد.
كانت محاولات قوى غربية لفتح ساحة قضاء دولية للتعامل مع سوريا قد تعرقلت بسبب معارضة روسيا والصين في مجلس الأمن الدولي. وتنفي الحكومة السورية أنها استخدمت أسلحة كيماوية ضد مواطنيها. ولم يتسن الاتصال بمتحدث باسم الادعاء العام بألمانيا لتأكيد تقديم الشكاوى. وتستند الشكاوى إلى ما يصفه المحامون بأنه أقوى دليل مادي حتى الآن على استخدام مواد مثل غاز السارين في الغوطة بسوريا في 2013، وفي خان شيخون بعدها بأربع سنوات، وهو ما أودى بحياة 1400 مواطن على أقل تقدير. ويقولون إن الأدلة تشمل شهادات 17 ناجياً و50 منشقاً لديهم معلومات عن برنامج الأسلحة الكيماوية بالحكومة السورية أو خطط لتنفيذ الهجومين. وقال ستيف كوستاس المحامي بمبادرة «العدالة» بمؤسسة «المجتمع المفتوح»، وهي إحدى ثلاث جماعات وراء الشكاوى، «قد يخلص الادعاء في النهاية إلى وجود ما يكفي من الأدلة لإصدار مذكرات اعتقال بحق أفراد بنظام الأسد». وأضاف: «ستكون هذه خطوة كبيرة في عملية أطول لمحاكمة مسؤولين سوريين».
في 2016، خلص تحقيق جرى بتفويض من الأمم المتحدة لتحديد من وراء هجمات بالأسلحة الكيماوية في سوريا إلى أن قوات الحكومة السورية استخدمت غاز الكلور وغاز السارين. وقال مسعفة متطوعة أصيبت أثناء إنقاذ ضحايا الهجوم في الغوطة «هذه خطوة صغيرة لكنها تعطينا الأمل في أننا ربما نرى العدالة تتحقق يوماً ما». وأضافت المرأة التي فرت إلى ألمانيا في 2015، وطلبت عدم نشر اسمها، خوفاً على سلامتها، «بدأ العالم ينسانا، وشكاوانا تذكرة بأن العالم لديه التزام أخلاقي يحتم المساعدة في جلب من استخدموا أسلحة كيماوية أمام المحكمة».
ويسعى أيضاً محامون سوريون وضحايا تعذيب مزعوم لرفع دعاوى قضائية ضد مسؤولين عسكريين وأمنيين سوريين سابقين يقيمون في ألمانيا، ويشتبه في انتهاكهم حقوق الإنسان.
وبدأت في ألمانيا في أبريل (نيسان) أول محاكمة لأفراد من الأجهزة الأمنية التابعة للأسد يُشتبه بارتكابهم جرائم ضد الإنسانية تشمل التعذيب والاعتداء الجنسي.
وأصدر المدعي العام الألماني أيضاً مذكرة اعتقال دولية بحق رئيس المخابرات الجوية السورية بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وتنفي حكومة الأسد تعذيب المحتجزين.
وقال مازن درويش مدير المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، «مغزى الشكاوى إرسال إشارة لداعمي النظام السوري الرئيسيَين، ألا وهما روسيا وإيران، بأنه لا حل للصراع دون محاسبة على الجرائم التي ارتُكبت بحق المدنيين».



العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.


الخطر يحدق باليمنيين جراء تصاعد النزوح ونقص الغذاء

الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
TT

الخطر يحدق باليمنيين جراء تصاعد النزوح ونقص الغذاء

الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)

تتصاعد التحذيرات من تفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن مع استمرار الحرب وتدهور الاقتصاد وتفاقم الصدمات المناخية، وظهور صراعات جديدة في المنطقة والعالم تلقي بآثارها على البلاد، فيما تكشف تقارير أممية ودولية عن مواجهة ملايين السكان نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات الأساسية، وازدياد أعداد النازحين وتراجع القدرة على الإغاثة بسبب نقص التمويل.

وفي حين أعلنت الأمم المتحدة إطلاق «خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026»، صدرت تحذيرات من تفاقم أزمة النزوح واتساع نطاق انعدام الأمن الغذائي، الأمر الذي يضع البلاد أمام تحديات إنسانية متشابكة تتطلب دعماً دولياً عاجلاً ومستداماً، وسط شكوى السكان من تدهور قدراتهم الشرائية واضطرارهم إلى تقليص وجباتهم.

وحذرت «مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» من استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية في اليمن، مؤكدة أن البلاد لا تزال تمثل إحدى أشد الأزمات الإنسانية في العالم.

ووفق تقديرات «المفوضية»، فقد ارتفع عدد النازحين داخلياً إلى نحو 5.2 مليون شخص مع استمرار النزاع المسلح، بينما يعيش أكثر من 63 ألف لاجئ أوضاعاً اقتصادية قاسية، دفعت ببعضهم إلى تقليص وجباتهم الغذائية أو تأجيل الحصول على الرعاية الصحية بسبب الفقر المتصاعد؛ مما يعكس اتساع نطاق الأزمة وتعقيد جهود الاستجابة الإنسانية.

تدهور المعيشة في اليمن دفع ربات البيوت إلى تقليص كمية الطعام (الأمم المتحدة)

وكانت «المفوضية» أكدت أن اليمن يواجه إحدى أشد الأزمات الإنسانية في العالم، بعد أن أثرت فيضانات مدمرة على أكثر من 460 ألف شخص خلال العام الماضي، وألحقت أضراراً بمواقع النزوح ودمرت الملاجئ في مناطق معرضة أصلاً للأمطار الموسمية.

تفاقم مرتقب

من جهتها، توقعت «شبكة نظام الإنذار المبكر بالمجاعة» أن تبلغ الاحتياجات الغذائية ذروتها بين يوليو (تموز) وسبتمبر (أيلول) المقبلين، مع احتمال تضرر نحو 16 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي خلال تلك الفترة.

وتظهر بيانات الشبكة الدولية المختصة في مراقبة المجاعات استمرار ظهور مستويات الطوارئ الغذائية في بعض المناطق، بما في ذلك محافظات الحديدة وحجة وتعز، إضافة إلى مناطق في لحج والضالع وأبين وشبوة، بعد تآكل سبل العيش وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.

قسوة المناخ في اليمن ألحقت أضراراً بمساكن النازحين وفاقمت من معاناتهم (الأمم المتحدة)

وتعاني الأسر في مختلف أنحاء اليمن من التداعيات طويلة الأمد للصراع وتدهور الاقتصاد وتراجع فرص كسب الدخل، وفقاً للتقرير الذي يرجح أن تبلغ الاحتياجات من المساعدات الغذائية ذروتها خلال موسم الجفاف.

وأشارت البيانات الدولية إلى احتمالية تضرر نحو 16 مليون شخص، ودخول معظم مناطق البلاد ضمن مستويات الأزمة الغذائية أو أسوأ، وفق «التصنيف المرحلي لانعدام الأمن الغذائي»، في وقت يخطط فيه «برنامج الأغذية العالمي» لدعم 1.6 مليون شخص في مناطق الحكومة، بينما لا تزال المساعدات معلقة بمناطق الحوثيين، مما يؤثر على 9.5 مليون شخص.

وأطلقت الأمم المتحدة وشركاؤها في المجال الإنساني «خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026»؛ التي تهدف إلى جمع نحو 2.16 مليار دولار لتوفير مساعدات إنسانية منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص في مختلف أنحاء البلاد.

موائد فقيرة

كشف كثير من العائلات اليمنية عن أن الأشهر الأخيرة كانت الأشد صعوبة في قدرتها على تلبية احتياجاتها المعيشية، بينما تذهب التقارير الدولية إلى أن الأشهر الستة المقبلة ستشهد تفاقماً في أزمة الأمن الغذائي باليمن، في ظل استمرار تدهور الظروف الاقتصادية وتآكل مصادر الدخل لدى ملايين الأسر.

الفيضانات في اليمن شردت الآلاف خلال العام الماضي وأضافتهم إلى أعداد النازحين (أ.ف.ب)

يقول سامي المقطري، وهو من سكان العاصمة اليمنية الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، لـ«الشرق الأوسط»، إن «المعيشة أصبحت أشد صعوبة، فبينما تراجعت فرص العمل بشكل كبير، توقفت المساعدات الغذائية والمالية إلى أقصى حد».

وينوه بأنه كان سابقاً يحصل على «فرص عمل بالأجر اليومي بين حين وآخر، كما يأتي بعض المساعدات، على شكل سلال غذائية أو مبالغ مالية، لتغطية العجز في توفير الطعام» لعائلته؛ بسبب التوقف عن العمل بعض الوقت أو عدم كفاية الأجرة التي يحصل عليها، إلا إن «الأشهر الأخيرة شهدت توقف العمل والمساعدات معاً».

وتتحسر، أمنية العريقي، وهي ربة بيت في تعز؛ بسبب عدم قدرتها على تلبية احتياجات عائلتها، المكونة من 6 أفراد، بعد ارتفاع أسعار الخدمات والغذاء.

وذكرت لـ«الشرق الأوسط» أنها تتلقى مساعدة مالية من شقيقها المغترب بين فترة وأخرى، وكان ذلك يساعد في تلبية كثير من الاحتياجات إلى جانب راتب زوجها، إلا إن ذلك، ومع تراجع سعر صرف العملات الأجنبية، وبقاء الأسعار على حالها، دفعها إلى التنازل عن كثير من المتطلبات.

بينما يتراجع تمويل أعمال الإغاثة في اليمن تشهد البلاد زيادة في أعداد النازحين (رويترز)

بدوره، يبدي علي غالب، وهو معلم في محافظة لحج (شمال عدن)، غضباً شديداً من ارتفاع الأسعار بتأثيرات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول منطقة الشرق الأوسط، «بينما كان السكان ينتظرون تراجع الأسعار بعد التحسن الذي شهدته العملة المحلية منذ نحو 8 أشهر؛ مما يعني أن اليمنيين تطولهم الكوارث، ولا يصل إليهم أي خير»، وفق رأيه.

ووفق التقديرات الأممية، فإن نحو 22.3 مليون إنسان سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية وخدمات حماية خلال العام الحالي، منهم 5.2 مليون نازح داخلياً، فضلاً عن آلاف اللاجئين والمهاجرين الذين يعيشون ظروفاً إنسانية معقدة، وتسعى الأمم المتحدة من خلال «خطة الاستجابة» إلى إنقاذهم.


السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».