قبل كورونا... كيف انتهت الأوبئة السابقة التي انتشرت حول العالم؟

ممرضة ترتدي ملابس واقية خارج عيادة لعلاج متلازمة الجهاز التنفسي الحادة الوخيمة-سارس في تورنتو (أرشيف-رويترز)
ممرضة ترتدي ملابس واقية خارج عيادة لعلاج متلازمة الجهاز التنفسي الحادة الوخيمة-سارس في تورنتو (أرشيف-رويترز)
TT

قبل كورونا... كيف انتهت الأوبئة السابقة التي انتشرت حول العالم؟

ممرضة ترتدي ملابس واقية خارج عيادة لعلاج متلازمة الجهاز التنفسي الحادة الوخيمة-سارس في تورنتو (أرشيف-رويترز)
ممرضة ترتدي ملابس واقية خارج عيادة لعلاج متلازمة الجهاز التنفسي الحادة الوخيمة-سارس في تورنتو (أرشيف-رويترز)

يقع عالمنا اليوم في قبضة جائحة لا مثيل لها في الذاكرة الحية. وبينما يعلق الناس آمالهم على لقاح للقضاء عليها، فإن الحقيقة هي أن معظم الأوبئة التي واجهها أسلافنا لا تزال معنا. وأن اكتشاف طريقة انتهاء بعض تلك الأوبئة يعطينا أدلة حول كيفية تطور مستقبلنا القريب، وفقاً لتقرير لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»:
* الطاعون الدبلي
شهد العالم ثلاث فاشيات رئيسية من هذا الطاعون المدمر، تم تسجيل أقدمها في عام 541م. وبالعودة إلى العصور المظلمة، قبل حوالي 60 جيلا، عاش الناس سلسلة من تفشي الطاعون الدبلي.
وكان المرض، الذي تسببه البكتيريا التي تنتقل عن طريق البراغيث على الفئران وعن طريق الرذاذ التنفسي من الأشخاص المصابين، مدمراً لعالمنا.
وقتل الطاعون مئات الملايين من الناس على مدى 2000 عام. وتسبب بما يعرف بالموت الأسود بين عامي 1346 و1353، وهو المرض الأكثر انتشارًا وفتكا على الإطلاق.
ومن المعتقد أن المرض، الذي يسبب تورم الغدد الليمفاوية المصابة، والذي يسمى بوبوس، قد تمت أخيرًا السيطرة عليه من خلال الحجر الصحي الصارم وتحسين أنظمة الصرف الصحي، من بين أمور أخرى.
ويقول ستيفن رايلي، أستاذ ديناميكيات الأمراض المعدية في إمبريال كوليدج لندن، إن أياً من هذا لم يكن ليحدث دون فهم كيفية حدوث انتقال العدوى. هذا شيء لا يزال ساريًا اليوم. ويضيف: «بمجرد حصولك على المعرفة، ستتمكن من اتخاذ تدابير لدفع الانتشار إلى مستوى أقل بكثير».
ومع ذلك، لا تزال حالات الطاعون تحدث - على سبيل المثال، في منغوليا الداخلية في يوليو (تموز) من هذا العام - ومن الناحية النظرية، لا يزال بإمكان الناس التقاطه.
ومع ذلك، فإن الأعداد منخفضة، ويمكن الآن علاج المرض بنجاح بالمضادات الحيوية.
*الجدري - الفيروس الذي قضى عليه العلم
شهد العالم فاشيات كبيرة مختلفة، كان أقدمها في عام 1520. بعد مئات السنين، واجه أسلافنا شبح الجدري.
هذا المرض، الذي يسببه فيروس «فاروليا» طفيف، هو واحد من أكثر الأمراض فتكًا المعروفة للإنسان. ويسبب ظهور بثور مملوءة بالسوائل في جميع أنحاء الجسم. وفي أوج انتشاره، مات حوالي ثلاثة من كل 10 أشخاص مصابين بالمرض.
ويمكن أن ينتشر عن طريق قطرات من أنف أو فم الشخص المصاب أو عن طريق تقرحاته.
ومثل الطاعون، قتل الجدري مئات الملايين من الناس - 300 مليون في القرن العشرين وحده.
ولكن بفضل لقاح طوره الطبيب البريطاني إدوارد جينر عام 1796 وجهود المجتمع العلمي، تم القضاء على المرض تمامًا - رغم أن الأمر استغرق ما يقرب من قرنين من الزمان.
ويبقى الجدري المرض البشري الوحيد الذي تم القضاء عليه بهذه الطريقة. ويعتبر البروفسور رايلي هذا العمل أحد أعظم إنجازات البشرية - منافساً الهبوط على سطح القمر.
ويقول: «يمكن أن ينظر إليه على أنه أكبر عائد على الاستثمار العام على الإطلاق»، في إشارة إلى المدخرات السنوية التي تمتع بها العالم بفضل غياب المرض.
* الكوليرا - المرض المتوطن في البلدان المنخفضة الدخل
يرى البشر تفشي مختلف من هذا المرض حتى يومنا هذا، وحدثت الجائحة الكبيرة عام 1817.
وتقول منظمة الصحة العالمية إن المرض، الناجم عن طعام أو مياه شرب ملوثة، أودى بحياة الملايين من الناس في سبع مرات تفشى فيها بشكل كبير.
ولكن في حين أن تحسين النظافة وتطوير أنظمة الصرف الصحي في الغرب قد أزالا خطر المرض، فإنه لا يزال مستوطنًا - أو شائعًا - في العديد من البلدان منخفضة الدخل ويقتل ما بين 100 ألف و140 ألف شخص كل عام، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية.
ولا يزال من الممكن أن نتعرض لخطر الإصابة به والموت، رغم توافر لقاح وعلاج المرض السهل.
* الإنفلونزا - التهديد الموسمي
عاش العالم عددًا من أوبئة الإنفلونزا، وكان أكبر حضور للمرض في أوائل القرن العشرين.
وكانت جائحة إنفلونزا عام 1918، الذي يشار إليها أحيانًا بالإنفلونزا الإسبانية، أخطر تفشٍ في التاريخ الحديث، فقد قتلت 50 مليونا إلى 100 مليون شخص في جميع أنحاء العالم.
كما هو الحال مع فيروس كورونا المستجد اليوم، أدى العزل والحجر الصحي إلى إبطاء انتقال العدوى.
وبعد موجتين بين عامي 1918 و1920، تلاشت سلالة إنفلونزا «إتش 1 إن 1» الخاصة لتصبح نسخة أكثر اعتدالًا ولا تزال تنتشر كل عام. لكن أعقبت ذلك أوبئة أخرى ترتبط بالإنفلونزا.
وتسببت إنفلونزا هونغ كونغ عام 1968 في مقتل مليون شخص ولا تزال تنتشر على أنها إنفلونزا موسمية. وكذلك الحال بالنسبة لإنفلونزا الخنازير - وهي نسخة من فيروس «إتش 1 إن 1» والتي أصابت حوالي 21 في المائة من سكان العالم عام 2009.
ولا تزال الإنفلونزا تشكل «تهديدًا وبائيًا»، كما يقول البروفسور رايلي، ولا نزال معرضين لخطر مواجهة جائحة أخرى قد تشببها مثل هذه الفيروسات.
ونحن أيضًا معرضون لخطر الإصابة بالإنفلونزا الموسمية، التي لا تزال تقتل مئات الآلاف كل عام.
*فيروس نقص المناعة البشرية / الإيدز - الوباء المستمر
بدأ الفيروس الانتشار عام 1981 ولا يزال يظهر لدى الكثيرين حتى اليوم.
وقبل حوالي أربعة عقود، عاش الناس انتشاراً لفيروس نقص المناعة البشرية / الإيدز - الذي اعتبره البعض وباءً عالميًا، لكن منظمة الصحة العالمية وصفته بأنه «مرض عالمي».
ولقد أودى فيروس نقص المناعة البشرية - الذي ينتقل عن طريق سوائل الجسم - بحياة أكثر من 32 مليون شخص في جميع أنحاء العالم حتى الآن.
يقول البروفسور رايلي إن فيروس نقص المناعة البشرية يمكن اعتباره «أسوأ سيناريو لفيروس»، بسبب طول الوقت الذي يستغرقه ظهور الأعراض ومعدل الوفيات المرتفع. ينتشر بسرعة لأن الناس لا يعرفون بالضرورة أنهم مصابون به.
ومع ذلك، فإن التطورات في تقنيات التشخيص وحملات الصحة العامة العالمية - التي غيرت السلوك الجنسي وزادت من توافر الحقن الآمنة لمستخدمي الأدوية - ساعدت في إبطاء نمو العدوى.
رغم ذلك، توفي ما يقدر بنحو 690 ألف شخص بسبب الإيدز \عام 2019، وفقًا لأرقام منظمة الصحة العالمية.
ورغم عدم وجود علاج لفيروس نقص المناعة البشرية، إذا كنت تعيش في بلد يتمتع برعاية صحية جيدة وإمكانية الحصول على الأدوية المضادة للفيروسات القهقرية، يمكنك الآن أن تعيش حياة طويلة وصحية.
ومع ذلك، إذا كانت تعيش في بلد منخفض الدخل ولم يكن لديه مثل هذا الدعم، فقد تظل عرضة للخطر.
* سارس وميرس - الأسهل احتواء
ظهر هذان المرضان في 2002 و2003 و2012 حتى الآن.
وقتلت المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة (سارس) - أول وباء مميت يسببه فيروس كورونا - أكثر من 800 بين عامي 2002 و2003، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية.
لكن بحلول أواخر يوليو (تموز) عام 2003، لم يتم الإبلاغ عن أي حالات جديدة، وأعلنت منظمة الصحة العالمية انتهاء الفاشية العالمية.
وبعد ذلك بقليل ظهرت متلازمة الشرق الأوسط التنفسية (ميرس)، وهي أيضًا تابعة لعائلة فيروس كورونا، والتي أودت بحياة 912 شخصًا. وحدثت معظم الحالات في شبه الجزيرة العربية.
وفي حين أن خطر الإصابة بالفيروس في المملكة المتحدة، على سبيل المثال، يعتبر منخفضًا للغاية، إلا أنه لا يزال أعلى في الشرق الأوسط.
*كوفيد - 19
والآن، نواجه شبح فيروس كورونا الجديد سارس، الذي يتسبب في مرض الجهاز التنفسي «كوفيد - 19».
ويعتبر «كوفيد - 19»، كما هو معروف، نسخة متطورة من فيروس سارس 2003 ويعتبره المتخصصون في الأمراض فريدًا من نوعه، وذلك بفضل مجموعة الأعراض - من لا شيء إلى القاتلة - ومستويات عالية من انتقاله من الأشخاص الذين ليس لديهم أعراض أو قبل تطويرها.
ويقول البروفسور رايلي: «بسبب ذلك، لم يتمكن الكثير من السكان من السيطرة عليه».
ولقد لعبت زيادة المعرفة حول انتقال العدوى وحملات الصحة العامة والعلاجات الجديدة واللقاحات دورها في إنهاء الأزمات السابقة.
ومن المحتمل أيضًا أن تأتي نهاية الوباء الحالي من مجموعة من التدابير المماثلة.


مقالات ذات صلة

حركات بطيئة... نتائج أقوى: تمارين خفيفة تُعزّز العضلات بلا إرهاق

يوميات الشرق الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)

حركات بطيئة... نتائج أقوى: تمارين خفيفة تُعزّز العضلات بلا إرهاق

فاعلية التمارين لا ترتبط بالجهد الشديد بقدر ما ترتبط بطريقة أداء الحركة نفسها، وهو ما قد يُغيّر المفهوم الشائع عن اللياقة البدنية مستقبلاً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك موجات الحر قد تُخلّ بتوازن الهرمونات في الجسم (بيكسلز)

لماذا تشعر النساء بإرهاق أكبر خلال الطقس الحار؟

مع ارتفاع درجات الحرارة واقتراب فصل الصيف، لا يقتصر تأثير الطقس الحار على الشعور العابر بالإرهاق، بل تمتد آثاره لدى كثير من النساء إلى حالة من التعب المستمر.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
صحتك مزيج الزبادي وبذور الشيا يُعد خياراً فعالاً للتحكم في الشهية (بيكسلز)

من الهضم إلى المزاج... فوائد تناول الشيا مع الزبادي

لم يعد الزبادي مع بذور الشيا مجرد خيار شائع لوجبة خفيفة صحية، بل أصبح مزيجاً غذائياً يحظى باهتمام متزايد بسبب تأثيره الإيجابي المحتمل على صحة الأمعاء والطاقة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك تشكيلة من المقرمشات والأجبان واللحوم والفواكه (أ.ب)

بينها الجبن... 6 خيارات غذائية أقل بروتيناً مما تتوقع

يعتقد كثيرون أن بعض الأطعمة تُعد مصادر جيدة للبروتين لمجرد شهرتها أو تسويقها ضمن الأغذية الصحية، لكن الواقع الغذائي قد يكون مختلفاً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك  فيتامين «د» يُعرف بـ«فيتامين الشمس» (بيكسلز)

مكملات فيتامين «د» قد تحمل فوائد خفية لبعض الأشخاص

تشير دراسات حديثة إلى أن فوائد هذا الفيتامين قد لا تكون متساوية لدى الجميع، بل قد تعتمد على عوامل وراثية محددة تجعل بعض الأشخاص أكثر استفادة من غيرهم.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

لوجاندر تبحث عن توجه جديد لـ«العالم العربي» في باريس

Anne-Claire Legendre
Anne-Claire Legendre
TT

لوجاندر تبحث عن توجه جديد لـ«العالم العربي» في باريس

Anne-Claire Legendre
Anne-Claire Legendre

بحلول عام 2027، يكون قد مرَّ 40 عاماً على تأسيس «معهد العالم العربي» في باريس، ولأنّ المعهد شهد تغييراً في رئاسته عقب استقالة رئيسه السابق جاك لانغ وتسمية آن كلير لوجاندر، السفيرة السابقة ومستشارة الرئيس إيمانويل ماكرون الدبلوماسية لشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي، مكانه، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب.

تقول لوجاندر، التي تجيد العربية، لـ«الشرق الأوسط»: «نأمل بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ40 لتأسيسه، أن نتمكن من تحديد توجُّه جديد للـ40 عاماً المقبلة». وتستطرد: «ثمة تطوّر مهم يتمثّل في بروز المشهد الثقافي في المنطقة الخليجية، الذي نما بقوة وبشكل لافت خلال الـ20 عاماً الأخيرة (...) ونحن نرغب بشدّة في تعزيز روابطنا مع الفاعلين الفنّيين والثقافيين هناك».

الهدف الآخر الذي تريد الرئيسة الجديدة التركيز عليه، يتناول اللغة العربية وكيفية الدفع باتجاه تعليمها والترويج لها، في فرنسا وفي أوروبا أيضاً. وبنظرها، فإن «المعهد» قادر على المساعدة والإسهام في هذه المهمّة.


المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
TT

المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)

قال المصوّر والمخرج الفلسطيني أحمد الدنف إنّ فكرة فيلم «ضايل عنا عرض» بدأت مع مخرجته مي سعد، التي كانت تسعى في البداية إلى توثيق ما يحدث داخل غزة عبر تسجيلات صوتية تعكس تفاصيل الحياة اليومية، قبل أن تتطوّر الفكرة لاحقاً إلى مشروع بصري، لافتاً إلى أنّ التعارف بينهما حصل عن طريق المصوّر محمد سالم، وكان نقطة تحوّل مع اقتراح تحويل المشروع إلى تصوير فيديو، ومن خلاله جرى التواصل مع عدد من المصوّرين داخل القطاع.

وأضاف الدنف، الذي لا يزال موجوداً داخل غزة، لـ«الشرق الأوسط»، أنه تلقّى الفكرة بشكل مباشر من مي سعد، التي كانت تتابع عمل فريق السيرك في القطاع، مشيراً إلى أنه شَعَر منذ اللحظة الأولى بأنّ المشروع مختلف وقريب من روحه؛ لأنه لا يركّز على الحرب بقدر ما يسلّط الضوء على الحياة داخل غزة.

وأكد أن ما جذبه للمشاركة هو صدق الفكرة وبساطتها؛ إذ يسعى الفيلم إلى الاقتراب من الناس وتفاصيلهم ومحاولاتهم المستمرة للتمسّك بالحياة، لينطلقوا في العمل على المشروع خطوة خطوة حتى خرج بالشكل الذي يُعبّر عنهم، ويحكي قصتهم.

المخرج والمصوّر الفلسطيني أحمد الدنف صوَّر غزة من زاوية أخرى (فيسبوك)

الفيلم، الذي حصد عدداً من الجوائز، وعُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، صُوِّر في غزة عام 2024 خلال الحرب، ويتتبّع «سيرك غزة الحرّ» الذي أسّسته مجموعة من الشباب الفلسطينيين الذين رفضوا الاستسلام لليأس رغم الإبادة الجماعية التي يشهدها القطاع، وبين الملاجئ والشوارع المهدّمة وركام المباني المنهارة يواصلون تقديم عروضهم للأطفال، ويذهبون إليهم في كلّ مكان ليمنحوهم لحظات من الفرح والأمل في ظلّ قسوة الواقع الذي يعيشونه.

ووصف الدنف تجربته في العمل مع المخرجة مي سعد بأنها «مميّزة»، لكونها اعتمدت على الثقة والتفاهُم منذ البداية، مع تمتّعها بحسّ إنساني عالٍ، وحرصها على تقديم القصة بصدق من دون مبالغة أو استغلال، وهو ما عدَّه عنصراً مهماً، إلى جانب مساحة واسعة للنقاش وتبادل الأفكار، التي منحته حرّية كبيرة بكونه مصوّراً للعمل انطلاقاً من إحساسه وقربه من الواقع الذي يعيشه في غزة، في مقابل وضوح الرؤية الإخراجية لديها، الأمر الذي خلق توازناً بين الرؤية والتنفيذ.

وأكد أنّ التصوير داخل غزة يُمثّل تحدّياً مستمراً، ليس فقط على المستوى التقني، بل على المستويين الإنساني والنفسي أيضاًح لأنهم عملوا في ظروف غير مستقرّة، من بينها انقطاع الكهرباء، وصعوبة التنقل، ووجود مخاطر أمنية في أيّ لحظة، إلى جانب محدودية الإمكانات التي شكّلت تحدّياً إضافياً، سواء على مستوى المعدات أو الموارد، ممّا فرض عليهم البحث الدائم عن حلول سريعة ومرنة لمواصلة العمل دون فقدان اللحظة.

المخرجة مي سعد خلال مناقشة الفيلم في مهرجان «مالمو» (حساب الدنف في «فيسبوك»)

ولفت إلى أنّ التحدّي الأكبر تمثّل في الحفاظ على التوازن بين توثيق الحقيقة واحترام مشاعر الناس، في ظلّ التعامل مع قصص حسّاسة، وهي تحدّيات يرى أنها منحت الفيلم قوته وصدقه، مع أمنيته بأن يرى الجمهور غزة من زاوية مختلفة، ليس فقط على هيئة أرقام أو أخبار، بل حياة حقيقية مليئة بالمشاعر والأحلام.

وأوضح أنّ الفيلم يُمثّل محاولة للتأكيد على أنّ هناك دائماً مساحة للحياة والفنّ والأمل حتى في أقسى الظروف، مشيراً إلى أنّ عنوان «ضايل عنا عرض» يعكس فكرة الاستمرار والتمسك بالحياة.

وعن تكريمه في مهرجان «الإسكندرية السينمائي للفيلم القصير»، قال الدنف إنه استقبل الخبر بمشاعر مختلطة بين الفرح والمسؤولية؛ لأنّ التقدير في ظلّ هذه الظروف الصعبة يحمل قيمة كبيرة، لكنه في الوقت عينه ليس إنجازاً فردياً، بل يعود إلى كلّ مَن شارك في هذه الرحلة، ولكلّ الأشخاص الذين وثَّق قصصهم؛ لأنّ المهرجان يتمتّع بمكانة مهمّة، وحضوره فيه يُمثّل رسالة بأنّ الصوت والصورة القادمين من غزة قادران على الوصول إلى منصات مؤثرة.

وأشار إلى أنّ التكريم، على المستوى الشخصي، يُمثّل تقديراً لمسيرة مليئة بالتحدّيات، بينما يمنحه مهنياً دفعة للاستمرار والتطور، مع شعور متزايد بالمسؤولية لتقديم أعمال على قدر الثقة.

وعن فيلم «الرجل الذي يطعم أطفال غزة»، أوضح الدنف أنه يأتي في إطار تسليط الضوء على قصص إنسانية حقيقية من داخل غزة، ويركّز على شخصية حمادة شقورة، الذي اختار، رغم الظروف الصعبة، تكريس جهده لتوفير الطعام للأطفال، مشيراً إلى أنه نموذج إنساني بسيط لكنه عميق، وأن قطاع غزة مليء بالقصص الإنسانية الملهمة والمؤثرّة عالمياً.

وأكد أنّ ما جذبه لهذه القصة هو ابتعادها عن الصورة النمطية للحرب، وتركيزها على قيم التضامن والعطاء، خصوصاً تجاه الأطفال، لافتاً إلى أنّ الفيلم توثيقي بحت، قائم بالكامل على الواقع من دون إعادة تمثيل أو تدخُّل درامي، حيث اعتمد على الملاحظة والتوثيق المباشر، مع حضور الجانب السينمائي فقط في الاختيارات البصرية من دون المساس بحقيقة الحدث.

فيلم «ضايل عنا عرض» شارك في «مالمو للسينما العربية» (إدارة المهرجان)

وعن أكثر المشاهد تأثيراً، أشار إلى لحظات انتظار الأطفال للطعام، وما تحمله من مزيج بين الحاجة والأمل، مؤكداً أنّ هذه التفاصيل الصغيرة تحمل ثقلاً إنسانياً كبيراً.

وأكد أنّ تجربة التصوير في غزة تعني العيش داخل الواقع نفسه، وليس مجرد توثيقه، وهو ما يفرض مسؤولية مضاعفة، في ظلّ صعوبة التوازن بين كونه جزءاً من القصة ومصوراً يسعى إلى نقلها بصدق، لافتاً إلى تعرّضه لخسائر كبيرة في معدّاته نتيجة القصف، حيث فقد جزءاً منها مع تدمير منزله، ثم خسر معدات أخرى وسيارته خلال النزوح؛ ما شكّل تحدّياً إضافياً على المستوى المهني.

وأشار إلى أنه لم يكن أمامه خيار سوى الاستمرار؛ لأنّ القصة كانت دائماً أهم من الأدوات، واضطر إلى العمل بالإمكانات المتاحة رغم صعوبتها؛ لأن محدودية الإمكانات قد تؤثر تقنياً في جودة الصورة، لكنها أحياناً تمنحها قوة أكبر لجهة الإحساس والصدق، وهو ما تحقّق عبر اعتماده على حلول بديلة مثل الإضاءة الطبيعية، وتبسيط أسلوب التصوير، والتركيز على اللحظة.

وختم حديثه بالتأكيد على أنّ الاستمرار في ظلّ هذه الظروف ليس سهلاً، لكنه مدفوع بإحساس عميق بالمسؤولية قبل الشغف، مع رؤيته لنفسه جزءاً من الواقع في ظلّ وجود قصص لا بد أن تُروى؛ ما يدفعه إلى مواصلة العمل رغم كلّ التحدّيات.


لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ضرب زلزال بقوة 5.77 درجة على مقياس ريختر، صباح الجمعة، منطقة شمال مدينة مرسى مطروح المصرية (شمال غربي مصر) المطلة على البحر المتوسط، بالتزامن مع هزة أرضية شهدتها جزيرة كريت اليونانية، دون تسجيل خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وأعلن المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد نحو 412 كيلومتراً شمال مرسى مطروح، في تمام الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.85 كيلومتر.

وأوضح المعهد، في بيان، أن بعض المواطنين شعروا بالهزة بشكل خفيف، دون وقوع أي أضرار.

وفي التوقيت ذاته تقريباً ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان. وذكر معهد الجيوديناميكا التابع للمرصد اليوناني في أثينا، أن مركز الزلزال وقع على بُعد نحو 23 كيلومتراً جنوب غربي مدينة لاسيثي، وعلى عمق 9.7 كيلومتر، دون ورود تقارير فورية عن إصابات أو أضرار.

وكانت مدينة مرسى مطروح قد شهدت قبل أسبوعين هزة أرضية أخرى، وقعت على بُعد 659 كيلومتراً شمال غربي المدينة، يوم 8 أبريل (نيسان) الحالي عند الساعة 1:35 مساءً بالتوقيت المحلي، وبلغت قوتها 4.8 درجة على مقياس ريختر. وأكد المعهد القومي للبحوث الفلكية آنذاك عدم تلقيه أي بلاغات بشأن الشعور بالهزة داخل مصر، وعدم تسجيل أي خسائر.

«مسافة آمنة»

من جانبه، قال الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، إن جزيرة كريت اليونانية تُعد من أكثر المناطق نشاطاً في الهزات الأرضية في حوض البحر المتوسط وعلى مستوى العالم؛ نظراً لموقعها الجيولوجي الفريد الذي يضعها في قلب حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر، وأن الهزة التي شعر بها سكان مرسى مطروح بشكل خفيف تعود إلى تأثر المنطقة بنشاط زلزالي من مكان آخر، مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن هذا الحزام الزلزالي النشط.

شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وأوضح أن شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية، مشيراً إلى أن زلزال كريت الأخير وقع على «مسافة آمنة» تتجاوز 400 كيلومتر من أقرب نقطة للحدود المصرية.

وأكد رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، أن مصر تقع على «مسافة آمنة» جغرافياً من حزام «شرق المتوسط» الزلزالي، وهو ما يفسر عدم شعور سكان مصر في أغلب الأحيان بالهزات الخفيفة المتكررة التي تضرب جزيرة كريت، خصوصاً مع وقوع معظمها على أعماق ضحلة داخل البحر، حيث تُمتص نسبة كبيرة من طاقتها؛ لذلك يقتصر التأثير غالباً على الإحساس بالهزات المتوسطة أو القوية التي تضرب كريت، لكن دون تسجيل أضرار في البنية التحتية بمصر، نتيجة تشتت الطاقة الزلزالية قبل وصولها إلى اليابسة.

وأشار الهادي إلى أن درجة الإحساس بهذه الهزات الأرضية داخل مصر تختلف باختلاف طبيعة التربة والتركيب الجيولوجي؛ فالموجات الزلزالية تمر بسرعة أكبر عبر الصخور الصلبة في المناطق الجبلية، ما يقلل الإحساس بها، في حين تتباطأ وتزداد شدتها عند انتقالها إلى التربة الرسوبية الرخوة في وادي النيل والدلتا، وهو ما يطيل مدة الاهتزاز ويزيد من الإحساس به، خصوصاً لدى سكان المباني المرتفعة، وتزداد احتمالات الشعور بالهزات في المدن الساحلية مثل الإسكندرية ومرسى مطروح؛ نظراً لقربهما الجغرافي من سواحل البحر المتوسط.