لماذا يفتح ماكرون ملف الإسلام السياسي الآن؟

الرئيس الفرنسي يتعرض لهجمة شرسة

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)
TT

لماذا يفتح ماكرون ملف الإسلام السياسي الآن؟

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)

فوجئت بالهجمة الشرسة والظالمة التي تشنها بعض وسائل الإعلام العربية على الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. ومعظمها صادر عن جهة محددة تماماً: هي جهة الدوحة - إسطنبول وجماعات الإسلام السياسي أو المسيس. فما هي الجريمة التي ارتكبها ماكرون؟ لقد قال بأن الإسلام مأزوم عالمياً وليس فقط فرنسياً. ولكن جميع المثقفين العرب يقولون ذلك ومنذ زمن طويل. وبما أن ماكرون كان تلميذاً أو معاوناً للفيلسوف الكبير بول ريكور؛ فإنه يسمح لنفسه بالتدخل في الشؤون الدينية والميتافيزيقية. وهذا شرف له. فرئيس مثقف أفضل من رئيس جاهل بشؤون الثقافة والفكر. جميع مثقفي الأرض يعرفون أن الإسلام مأزوم، وأنه في حاجة إلى إصلاح داخلي تنويري. بل وصل الأمر بالمفكر التونسي الراحل عبد الوهاب المؤدب إلى حد القول بأن الإسلام «مريض» بالمعنى الحرفي للكلمة. وكلمة مريض أخطر بكثير من كلمة مأزوم. وقد تحاشاها الرئيس ماكرون وكان ينبغي أن يشكروه على ذلك بدلاً من أن يصبّوا جام غضبهم عليه. وعبد الوهاب المؤدب لمن لا يعرفه كان سليل عائلة تونسية عريقة علماً وأدباً وديناً. فوالده كان أحد شيوخ الزيتونة العريقة وكذلك جده. وبالتالي فلا أحد يستطيع أن يزايد عليه إسلامياً. لقد ألّف كتاباً كاملاً بعنوان: مرض الإسلام. ولكنه مريض بماذا؟ إنه مريض بالأصولية الظلامية التكفيرية والدموية التي ارتكبت التفجيرات العشوائية في شتى أنحاء العالم: من نيويورك إلى بالي إلى بومباي، إلى لندن إلى باريس ونيس، إلى مدريد وبرشلونة، إلى شرم الشيخ إلى بغداد والحلة... الخ، والقائمة طويلة. وهذه أشياء يراها حتى الأعمى وقد سمع بها القاصي والداني. ولكن يبدو أن هؤلاء القوم لم يسمعوا بها حتى الآن. لم يسمعوا بــبن لادن، ولا بذلك المجرم الخطير أبو مصعب الزرقاوي الذي أدمى العراق كله، ولا بالخليفة البغدادي الذي لا يقل عنه وحشية، ولا بجماعات «داعش» و«النصرة» و«القاعدة» و«بوكو حرام» وعشرات التنظيمات الظلامية الأخرى. ولكن من يصدق أنهم لم يسمعوا بها؟ في الواقع أنهم في أعماق قلبهم معها وإن كانوا لا يتجرأون على التصريح بذلك علناً. بل أحياناً يلومونها بشكل خفيف من رؤوس الشفاه لإبعاد شبهة الإرهاب عن أنفسهم. ثم لكي يثبتوا أنهم مثقفون حداثيون أو على الأقل عصريون محترمون أو يستحقون الاحترام... كنت قد تحدثت عن هذه القضايا بشكل مفصل ومطول في كتابي الأخير: لماذا يشتعل العالم العربي؟ منشورات دار المدى. بغداد. العراق. ولا أعرف لماذا لم يُعملوا بي سكاكينهم حتى الآن؟ لحسن الحظ أنهم لم يطلعوا عليه بعد. وأخشى ما أخشاه أن يقرأوه!
يقول عبد الوهاب المؤدب في كتابه التالي ما فحواه: الإسلام ليس في وضع صحي جيد. أحواله ليست على ما يرام. هذا أقل ما يمكن أن يقال. في الواقع إنه مريض بحركات التزمت والتطرف. وكنت قد حاولت تشخيص هذا المرض ووصف العلاج المناسب له من خلال كتبي الأربعة السابقة. وهذا الكتاب الجديد يواصل المهمة ذاتها ولا يحيد عنها. وأبتدئ القول بأن هذا المرض الخطير، هذا المرض العضال، مختصر كله بكلمة واحدة: استخدام العنف باسم الله والإسلام. المقصود خلع المشروعية الإلهية والدينية على العنف الأعمى الممارس بشكل عشوائي ووحشي إجرامي من قِبل حركات التطرف والظلام. ونضيف من عندنا قائلين بأن هذا العنف حصد حتى الآن عشرات الآلاف أو حتى مئات الآلاف من المدنيين العزّل الأبرياء في شتى أنحاء العالم. وعلى الرغم من كل ذلك، فلا يجوز لك أن تقول بأن الإسلام مأزوم! ما هذا الهراء؟ على أي كوكب يعيش هؤلاء القوم؟ وهل يعتقدون بأن العالم بشرقه وغربه، بشماله وجنوبه سوف يسكت عليهم؟ ألا يعلمون بأنك لم تعد تستطيع الجهر بأنك مسلم في أي مكان في العالم حالياً خوفاً من نظرات الاحتقار والازدراء؟ ألا يعلمون بأنك لا تستطيع أن تظهر هويتك العربية أو الإسلامية ليس فقط في باريس ولندن ونيويورك وواشنطن وبرلين وروما وأمستردام... الخ، وإنما أيضاً في الصين أو الهند أو اليابان؟ فيما يخص تشخيص أمراضنا انظر كتاب عبد الوهاب المؤدب الأخير: رهان على الحضارة. ففيه وضع العرب والمسلمين أمام خيارين لا ثالث لهما: فإما الحضارة وإما البربرية الهمجية، إما إسلام الأنوار وإما إسلام الظلام. نقطة على السطر. أضيف بأن عبد الوهاب المؤدب كان معتزاً جداً بالتراث العربي الإسلامي العريق الذي ولد في أحضانه. كان متعلقاً جداً بابن عربي وابن رشد وابن المقفع وعشرات غيرهم مثلما كان متعلقاً بدانتي وفولتير وروسو ومونتسكيو... الخ، وكان يعتبر نفسه نتاج كلا التنويرين الكبيرين: أي التنوير العربي والتنوير الفرنسي في آن معاً.
ولكن قبل المؤدب بسبعين سنة على الأقل كان المفكر الباكستاني الشهير محمد إقبال قد تحدث عن الموضوع نفسه. هو الآخر مسلم عريق: من يشك في إسلامه؟ أليس هو الأب الروحي للباكستان؟ لقد تحدث عن هذه القضايا في كتابه الكبير: تجديد الفكر الديني في الإسلام. ونلاحظ أنه يستخدم عبارات أقسى بكثير من عبارات الرئيس الفرنسي. فهو يقول صراحة بأن الإسلام تجمد وتحجر وتكلس وتحنط بعد الدخول في عصر الانحطاط وإغلاق باب الاجتهاد. فلماذا لا يحاكمونه إذن بدلاً من محاكمة الرئيس ماكرون؟ لماذا لا يصبّون عليه جام غضبهم ولعناتهم واتهاماتهم.
أخيراً، ليعلم القاصي والداني ما يلي: أنا أعتقد أن الإسلام أكبر من الإخوان المسلمين بألف مرة. الإسلام تراث ديني وأخلاقي وروحاني عظيم. الإسلام هو أحد الأديان الكبرى للبشرية. الإسلام يقدم الطمأنينة والسكينة لمليار ونصف المليار شخص. الإسلام يحتوي على كنوز من المعارف والحكم ومكارم الأخلاق. الإسلام قدّم للعالم ابن رشد وابن خلدون وسواهما من العباقرة. وهذا ما يقوله إيمانويل ماكرون أيضاً. فهو يعرف قيمة دين عالمي كبير كالإسلام بخاصة في عصره الذهبي. لكنه بعد عصر الانحطاط والجمود الطويل أصبح في حاجة إلى إصلاح وتجديد بغية التوصل إلى إسلام الأنوار المتصالح مع الحضارة الحديثة. وبالتالي، فالمشكلة ليست في الإسلام ككل، وإنما فقط في الجماعات الراديكالية المتطرفة التي أشعلت العالم والتي هي معادية ليس فقط للحداثة الفرنسية وإنما أيضاً للحداثة العربية الإسلامية ذاتها. وعلى أي حال، فالإسلام بحر متلاطم الأمواج من المذاهب والتيارات والشخصيات المبدعة. عباقرة العرب والإسلام أضاءوا الدنيا يوماً ما بعلومهم واختراعاتهم وابتكاراتهم وفلسفاتهم... كانوا قدوة ليس فقط لأوروبا وإنما للعالم كله في فترة من الفترات. كانوا منارات حضارية مشعة. وكان الأوروبيون يتسابقون على ترجمة علمائنا وفلاسفتنا ويبنون على ذلك نهضتهم المقبلة. وكانوا يفتخرون بأنهم يعرفون ابن سينا وابن رشد والفارابي مثلما نفتخر نحن الآن بأننا نعرف ديكارت أو كانط أو هيغل. وكانت اللغة العربية لغة العولمة والفلسفة والإبداع تماماً كالإنجليزية حالياً. ثم إن الإسلام جاء رحمة للعالمين لا نقمة عليهم كما يتوهم هؤلاء القوم من إخوان وقواعد ودواعش وقرضاويين وإردوغانيين... الخ. على أي حال، فالعالم العربي، بل الإسلامي كله منقسم حالياً إلى قسمين كبيرين متصارعين: قسم منفتح على العالم - وقسم متقوقع على الذات، قسم متسامح - وقسم تكفيري، قسم تنويري - وقسم ظلامي. القسم الأول تجسد في وثيقتين مهمتين: الأولى هي وثيقة مكة المكرمة التي صدرت في 30 مايو (أيار) من عام 2019 على هامش المؤتمر الدولي الذي نظمته رابطة العالم الإسلامي، ووقّعت عليها 1200 شخصية إسلامية من 139 دولة ومن مختلف المذاهب والطوائف الإسلامية. وقد نصت الوثيقة على تأصيل قيم التعايش بين الأديان والثقافات والأعراق والمذاهب. واعترفت بمشروعية التنوع والاختلاف في الدين والمعتقد والمذهب، وقالت إن هذا سنّة كونية. وأما الوثيقة الأخرى، أي «وثيقة الأخوة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك»، فقد صدرت في 4 فبراير (شباط) من عام 2019 في أبوظبي عاصمة الإمارات العربية المتحدة. ووقّع عليها كل من شيخ الأزهر وبابا روما تحت إشراف السلطات الإماراتية بطبيعة الحال. وقد دعت إلى نشر ثقافة التسامح والتعايش والسلام بين مختلف الأديان والشعوب دون أي تمييز طائفي أو عنصري. هذا التوجه العام المستنير هو الذي ينبغي أن يسود العالم العربي. ولا نملك إلا أن نكون معجبين بهذه الثورة الفكرية والدينية التي تدشنها حالياً المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.
أما التوجه الآخر المضاد، أي توجه الإخوان المسلمين وتفرعاتهم، فهو الذي ينبغي تحاشيه لأنه يشكل خطراً على العرب والمسلمين قبل غيرهم. لماذا؟ لأنه يشوه سمعتهم في شتى أنحاء العالم، ثم لأنه يكفّر الآخرين ولا يعترف بمشروعية أتباع الأديان والمذاهب الأخرى. بل يدعو إلى استئصالهم وإبادتهم على الطريقة الداعشية. ولذلك؛ أقول بأن خط الدوحة – إسطنبول «أي خط الانغلاق والتعصب الإخواني» مسدود لأنه يمشي ضد حركة التاريخ. وحده خط مكة المكرمة وأبوظبي الذي بلور للبشرية نص الوثيقتين المذكورتين، يفتح للعرب والمسلمين كلهم ثغرة في جدار التاريخ المسدود. وحده هذا الخط الجديد المستنير يمثل بصيص نور. إنه أمل المستقبل. علاوة على كل ذلك فهو وحده الذي يمثل الجوهر الحقيقي للإسلام والقرآن الكريم:
« يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا...» (الحجرات، 13) صدق الله العظيم.



مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
TT

مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)

يكتسي مسجد الطابية بمحافظة أسوان (جنوب مصر) بحلة جديدة، بعد سلسلة من أعمال التطوير التي تنفذها شبكة الأغاخان للخدمات الثقافية، وأعلن محافظ أسوان، عمرو لاشين، عن تطوير شامل للمسجد وإعادة المشهد البصرى للمحيط العمراني بالإضاءة المبهرة ليلاً، بفكر احترافي يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي.

ويعدّ المسجد الذي يتوسط حديقة خضراء في منطقة الطابية، مصدر جذب سياحي لطبيعته التاريخية المميزة، وهو ما تسعى الشركة المنفذة لمشروع التطوير للحفاظ عليه، لتجعله في صدارة المشهد الحضاري للمدينة السياحية، في إطار رؤية متكاملة تقدر القيمة التاريخية للموقع، وتعيد تقديمه بروح معاصرة تليق بمكانته المتميزة التي تتعانق فيها الطبيعة الخلابة مع التاريخ العريق.

وأكد محافظ أسوان أن «أعمال التطوير تشمل تنفيذ منظومة إضاءة خارجية متكاملة تستهدف إبراز العناصر المعمارية الفريدة للمسجد، بالإضافة إلى إعادة صياغة المشهد البصري للمحيط العمراني من خلال الإضاءة المبهرة للمسجد ليلاً، بما يجعله علامة حضرية مضيئة يمكن رؤيتها من مسافات بعيدة، ويعزز حضوره في الذاكرة البصرية لمدينة أسوان التاريخية»، وفق بيان للمحافظة، الثلاثاء.

ويعود موقع الطابية في قلب أسوان إلى عهد محمد علي باشا، تحديداً عام 1811، حين قرر بناء حصن وتأسيس مدرسة حربية بأسوان، لتأمين الحدود الجنوبية، وتهدم الحصن والمدرسة، وأنشئ المسجد على أطلال الحصن في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وتم افتتاحه في عصر السادات، وهو مبني على الطراز المملوكي ومزين بالزخارف الكوفية، ويلعب المسجد دوراً في استطلاع هلال رمضان بفضل موقعه المرتفع، كما يستقطب الزوار من داخل مصر وخارجها بعروض الصوت والضوء. وفق موقع وزارة الأوقاف المصرية.

مسجد الطابية في أسوان (وزارة الأوقاف)

وأشار محافظ أسوان إلى أن جهود تطوير المسجد امتدت لتشمل محيطه وحديقته، حيث يجرى تنفيذ شبكة ري حديثة تعتمد على زراعة مدروسة للزهور والنباتات، وتحقق توازناً بصرياً وبيئياً، وتعيد للحديقة دورها بوصفها مساحة جمالية مفتوحة تخدم المصلين والزائرين على حد سواء، مع مراعاة اختيار عناصر نباتية تتوافق مع طبيعة أسوان ومناخها، مؤكداً أن أعمال الصيانة والترميم بالمسجد مستمرة ضمن رؤية متكاملة تستهدف الارتقاء بالموقع العام للحديقة والمسجد إلى مستوى احترافي، وبفكر يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي والاحترام الكامل للتراث، ليكون نموذجاً لإعادة إحياء المواقع التاريخية بلمسات حضرية وجمالية جديدة، تحافظ على هويتها الأصيلة، وتعكس التزام الدولة بالحفاظ على التراث.

مسجد الطابية يجتذب السائحين في أسوان (محافظة أسوان)

ووفق الخبير الآثاري، الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، فإن مسجد الطابية استمد اسمه من موقعه المشيد عليه، ويرجع تاريخ الطابية إلى بداية القرن الـ19، حيث كان مقاماً عليها طابية حربية لتكون مقراً لأول كلية حربية في مصر، وهي واحدة من طابيتين حربيتين في أسوان تم إنشاؤهما في عهد محمد علي باشا.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «المسجد ارتبط وجدانياً بشعب أسوان، حيث يقبل عليه الكثير من المواطنين في المناسبات الدينية والاحتفالات والأعياد؛ علاوة على أنه أصبح مزاراً سياحياً لأهميته التاريخية وارتفاعه، حيث يمكن رؤية المدينة بأكملها من فوق سطح المسجد، كما يتم استخدامه لاستطلاع هلال شهر رمضان، وفي المساء يقام به عرض الصوت والضوء».

ويؤكد ريحان أن «تطوير بانوراما المسجد يسهم في تحسين الرؤية البصرية لمدينة أسوان عامة، وزيادة المسطحات الخضراء لتتناغم مع تراثها العظيم وجمال كورنيش النيل، وحدائقها المتعددة لتصبح واحة للجمال قديماً وحديثاً».


ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
TT

ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)

أعلن الفنان ياسر جلال قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر بعد انتشار فيديو يحمل لفظاً مسيئاً للمخرج الراحل جلال توفيق، مما أثار جدلاً طويلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وتدخلت نقابة المهن التمثيلية بمصر في الأزمة وقررت إحالة الفنان أحمد ماهر للتحقيق، عقب انتشار فيديو مسيء منسوب له على عدد من المواقع «السوشيالية»، تضمن لفظاً مسيئاً، وجهه الفنان المصري لأسرة المخرج الراحل جلال توفيق، والد ياسر ورامز جلال.

وتقدمت نقابة الممثلين في بيان أصدرته، الثلاثاء، باعتذار رسمي لأسرة المخرج الراحل، بينما أعلن المكتب القانوني للفنانين ياسر ورامز جلال في بيان صحافي متابعة إجراءات التحقيق التي تجريها النقابة بشأن ما صدر عن الفنان أحمد ماهر من إساءة للمخرج الراحل جلال توفيق، وانتظار النتائج.

وأوضح الوكيل القانوني لياسر ورامز جلال، أن المكتب يتابع ما تسفر عنه تحقيقات النقابة، برئاسة الدكتور أشرف زكي، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال ما بدر من إساءة وسب بحق أسرة المخرج الراحل، وكذلك ضد كل من قام بتصوير مقطع الفيديو المتداول، أو نشره أو إعادة نشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتصدر اسم الفنان أحمد ماهر «الترند»، على موقع «غوغل»، الثلاثاء، عقب إصدار نقابة المهن التمثيلية بيانها وإحالته للتحقيق، وعن رأيه القانوني في الواقعة، أكد المستشار صبرة القاسمي، أن أحمد ماهر وقع ضحية «فخ الخصوصية»، وأن الناشر هو الجاني الحقيقي.

وأضاف القاسمي لـ«الشرق الأوسط» أن «واقعة الفيديو المتداول للفنان أحمد ماهر، الذي ظهر فيه وهو يوجه عبارات حادة للفنان رامز جلال خلال مكالمة هاتفية، بدت عبارات عفوية وأبوية وليست إهانة مقصودة».

الفنان ياسر جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

وأشار المحامي المصري إلى أن «الفيديو المسرب يفتقر إلى أهم أركان جريمة (السب والقذف)، وهو القصد الجنائي العلني»، موضحاً أن «من يشاهد المقطع بتمعن يدرك أن الفنان أحمد ماهر كان يتحدث في مكالمة هاتفية خاصة، وبنبرة يغلب عليها (العشم والأبوة)، ولم يكن يعلم مطلقاً أن هناك من يتربص به ويسجل له خلسة، بدليل استنكار إحدى المرافقات له وتسجيلها اعتراضاً بقولها للمصور، (إنت بتصور إيه؟)».

وشدد صبرة القاسمي على أن «الجرم الأكبر يقع على عاتق (الناشر والمصور)، فهما الأجدر بالملاحقة القضائية»، استناداً إلى القواعد القانونية التي تحمي حرمة الحياة الخاصة، وانتهاك الخصوصية وفقاً للمادة 309 مكرر من قانون العقوبات، فإن تسجيل مكالمة أو حديث خاص دون إذن صاحبه هو جريمة «استراق سمع» واعتداء على حرمة الحياة الخاصة.

ونوه القاسمي، بأنه «وفق قانون تقنية المعلومات، فإن الناشر ارتكب جريمة مركبة بنشره محتوى خاصاً بهدف الإساءة والتشهير، وهي من الجرائم التي يعاقب عليها القانون بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة مالية تصل إلى 100 ألف جنيه».

واختتم صبرة القاسمي حديثه قائلاً: «القانون لم يوضع لمعاقبة الناس على أحاديثهم العفوية في هواتفهم، بل وضع لردع من يستغلون التقنية لاختراق خصوصيات البشر»، مشيراً إلى «أن أحمد ماهر في هذه الواقعة هو (مجني عليه)، والعبء القانوني يقع على من خطط وسجل، ونشر هذا المحتوى المسيء».

الفنان رامز جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

فيما قال الناقد الفني المصري طارق الشناوي إن «أحمد ماهر من حقه الانتقاد، ولكن دون تجاوز بكلمات لا تليق، بعكس ما جرى في الفيديو، حيث سب الأب بكلمة تتجاوز أي قدرة على الاحتمال».

وأضاف طارق الشناوي لـ«الشرق الأوسط»: «من حق أسرة المخرج الراحل التحرك والغضب، ومن واجب النقابة اتخاذ ما يلزم»، موضحاً أن «الكلام الذي قاله أحمد ماهر يسيء إليه أيضاً، وأن هذه الواقعة لم تكن الأولى التي لم يستطع فيها ضبط رد فعله، فهناك بوصلة لإدراك الخط الفاصل بين الخاص والعام، وما يجوز وما لا يجوز».

ويطمح الشناوي، أن ينتهي الأمر باعتذار أحمد ماهر.

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» أكد الفنان أحمد ماهر تقديره لموقف النقابة وموقف نجلي المخرج الراحل جلال توفيق، ياسر ورامز جلال تجاهه، لافتاً إلى أن «ما أثير حول الواقعة أمر طبيعي وسلوك قانوني متبع ومحترم».

وأضاف أحمد ماهر: «تصوير الواقعة تم وأنا في حالة نفسية سيئة، وتحديداً وقت خروجي من تقديم واجب عزاء، وحينها تكالبت علي الكاميرات وتم توقيف سيارتي قسراً للحصول على تصريحات، بينما اندس مصور الفيديو وسألني عن برنامج رامز، حيث جاء ردي بشكل عفوي للخروج من الموقف، ولم أقصد الإساءة مطلقاً لهذه الأسرة الكريمة».

وأوضح أحمد ماهر أنه سيذكر جميع ملابسات الواقعة خلال تحقيق النقابة، مشيراً إلى أنه كانت تربطه علاقة قوية وصلة وطيدة بالمخرج الراحل جلال توفيق وعملاً معاً في أعمال فنية عدة، ومن المستحيل أن يذكره بسوء.

إلى ذلك، أعلن الفنان المصري ياسر جلال، قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر ومسامحته، بعد تصريح «مثير» من الأخير، وصف بأنه مسيء وغير مقبول؛ وفق بيان لنقابة المهن التمثيلية بمصر.

ونشر الفنان ياسر جلال مقطع فيديو على صفحته في «فيسبوك»، قال إنه موجه للفنان الكبير أحمد ماهر، وإنه علم باعتذار عن اللفظ المسيء، ويعلم تماماً أنه لم يقصد، مؤكداً أنه قَبِل اعتذاره، ويعرف قدر محبة أحمد ماهر لأبيهما المخرج الراحل. وبصوت مؤثر قال ياسر جلال: «هل تتذكر حين هاتفتك وأخبرتك بأنني أشعر بالحنين لأبي، وأنني أحدثك لأنك تذكرني به، أنت بالفعل أب لنا وأخ كبير، وحصل خير، كلنا بنحبك وبنحترمك».


«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
TT

«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)

دفع الشعور بعدم الانتماء إلى هذا العالم الفنان التشكيلي السوري سبهان آدم إلى ابتكار الكائنات الممسوخة التي اشتهر بها، وترتبط ارتباطاً مباشراً بشخصه وأوجاعه وآلامه المولودة من أفعال البشر. صحيح أنه يحب الناس والطبيعة، لكنه وجد في هذه المخلوقات ملاذاً له، وهو يردد: «عندما يكون ذلك الكمّ الكبير من الألم داخلك وحولك، يصبح من المستحيل رسم عصافير وأزهار».

ولكن في معرضه «حديقة آدم السرية» يقلب سبهان الصفحة تماماً، متجهاً نحو تجربة تشكيلية جديدة ترسو على أسس مختلفة. فاختار الورود لتشكّل نماذج بشرية تسقط ثم تنتصب، تتألم وتضحك ثم تذبل.

يصوّر سبهان آدم الورود كأشخاص يحزنون ويفرحون (الشرق الأوسط)

في غاليري «ميشن آرت» في شارع مار مخايل، تصطف لوحات سبهان المنفذة بالأكريليك و«الميكسد ميديا». وقد شيّد لكل مجموعة منها عالمها الخاص، مستخدماً ألواناً فاقعة يهرب عبرها من واقع الحروب. وفي رحلة يحلّق فيها على بتلات الزهور، يعبّر عن مشاعر الناس وأحاسيسهم. وعلى خلفيات بيضاء وخضراء وحمراء، يرشد زائر المعرض إلى عالم جديد يخلقه بعيداً عن كائناته البشرية الممسوخة التي طبعت مسيرته.

ويرى مدير أعماله غيث المشنوق أن هذا المعرض يشكّل نقلة نوعية في تجربة سبهان آدم. فمن خلاله يرسم بخياله عالماً آخر يهرب معه من قسوة الحروب. وقد اختار الورود ليحلِّق على أجنحتها في فضاء البشر، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الأزهار التي يرسمها تشبهنا، فهي تنكسر ثم تعيش، تتحاور في جدالات طويلة ثم تلوذ بالصمت. إنها نماذج إنسانية لا ترضى بحدود اللوحة، فتبحث عن وطن خارجها».

لا يضع سبهان آدم أسماء أو عناوين للوحات، فيترك لأشكالها وألوانها حرية التأويل. ولئلا تغيب كائناته البشرية التي وسمت مسيرته، يقدّمها هذه المرة في منحوتات تتوزع ضمن تجهيز فني صاغه كحديقة غنّاء، يستحضر فيه جمال الحديقة التي خلق فيها الإنسان الأول.

بألوان جريئة وفاقعة تتميّز لوحات سبهان آدم (الشرق الأوسط)

في لوحاته، تشعر بأن لا وردة راضية بواقعها. يضعها في إناء أحمر فتتدلّى بأعناقها الطويلة، زهرية تارةً، وحمراء وزرقاء، خانعة ومنتصبة، على خلفية خضراء، تارة أخرى. وفي مجموعة غيرها بخلفية بيضاء، تخاطبك الزهور برؤوسها البرتقالية والبنفسجية والصفراء الخارجة من إناء أخضر. بعضها يزهو مبتسماً بأكسجين الحياة، وأخرى تختنق مطأطئة الرأس.

يشرح المشنوق: «أن سبهان من الفنانين غزيري الإنتاج. لذلك نرى عشرات اللوحات تتجاور ضمن مجموعات متلاحقة. جرأته في استخدام الألوان الزاهية والمنعشة تعبير عن تمرّد، وكأنها ترفض الواقع الأسود، فتسبح في فضاء الأمل، لأن الألم لا يدوم».

وعن سبب هذه الغزارة، يقول: «تنطلق من شغفه بالرسم، وتعكس في الوقت نفسه أحاسيس جياشة تجتاحه أينما كان. ما إن يمسك الفرشاة حتى تتوالد الأفكار بلا نهاية»، ويضيف: «حين أسأله عن ذلك، يجيب بأن هناك ملايين لم يشاهدوا لوحاته بعد. وهو يتوق إلى إيصالها للعالم كي تجول على كوكب الأرض بأسره».

يهرب الفنان السوري من الحروب عبر أجنحة الورود (الشرق الأوسط)

بدأ سهبان آدم رحلته الفنية بالعمل الدؤوب والتعلّم الذاتي. أحلامه الطفولية كانت تتمحور حول مهن كثيرة إلا الرسم. راحت موهبته الفنية تتبلور منذ بلوغه الخامسة عشرة، حتى وصلت أعماله إلى أعرق دور العرض والمتاحف الحديثة. فجابت باريس، وديجون، وأفينيون، وستراسبورغ، وجنيف، وبيروت، ومدريد. صدر كتاب عنه بتقديم الشاعر أدونيس. وتندرج طريقته ضمن المدرسة التعبيرية التي عُرفت بتشويه الجسد البشري.

ويشير المشنوق، ممثلاً سبهان المقيم حالياً في سوريا، إلى أن «حديقة آدم السرية» يعد أول معرض ملوّن له: «غالباً ما يعبّر في أعماله عن عالم سوداوي، لكنه ينتقل هنا إلى فضاء يحمل رسائل حب، وعنف، وحنين وهجرة. خرج من ذاته ليقدّم المختلف. فهو لا يخزّن المشاهد كما تراها العين، بل يرتكز على اللحظة ومشاعرها ليخلق لوحاته بخياله».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended