في المعركة ضد «داعش».. واشنطن تستهدف سيكولوجيتها

قائد قوات العمليات الأميركية الخاصة في الشرق الأوسط: «علينا أن نفهم الفكرة حتى نهزم الفكرة»

قرابة 1.000 مقاتل أجنبي يتدفقون على العراق وسوريا شهريا، حيث يرغب معظمهم في الانضمام لـ«داعش» (نيويورك تايمز)، و ميجور جنرال مايكل كيه. ناغاتا، قائد قوات العمليات الأميركية الخاصة في «الشرق الأوسط»
قرابة 1.000 مقاتل أجنبي يتدفقون على العراق وسوريا شهريا، حيث يرغب معظمهم في الانضمام لـ«داعش» (نيويورك تايمز)، و ميجور جنرال مايكل كيه. ناغاتا، قائد قوات العمليات الأميركية الخاصة في «الشرق الأوسط»
TT

في المعركة ضد «داعش».. واشنطن تستهدف سيكولوجيتها

قرابة 1.000 مقاتل أجنبي يتدفقون على العراق وسوريا شهريا، حيث يرغب معظمهم في الانضمام لـ«داعش» (نيويورك تايمز)، و ميجور جنرال مايكل كيه. ناغاتا، قائد قوات العمليات الأميركية الخاصة في «الشرق الأوسط»
قرابة 1.000 مقاتل أجنبي يتدفقون على العراق وسوريا شهريا، حيث يرغب معظمهم في الانضمام لـ«داعش» (نيويورك تايمز)، و ميجور جنرال مايكل كيه. ناغاتا، قائد قوات العمليات الأميركية الخاصة في «الشرق الأوسط»

سعى ميجور جنرال مايكل كيه. ناغاتا، قائد قوات العمليات الخاصة في الشرق الأوسط، هذا الصيف، للحصول على المساعدة في حل مشكلة طارئة تواجه القوات الأميركية: ما الذي يجعل «داعش» على هذه الدرجة الكبيرة من الخطورة؟
وشكلت محاولة لسبر أغوار هذا العدو المعقد، وهو خليط من تنظيم إرهابي وجيش تقليدي، لغزا محيرا لدرجة دفعت ناغاتا للاستعانة بعقول من خارج الدوائر الرسمية المرتبطة بالبنتاغون ووزارة الخارجية والوكالات الاستخباراتية بحثا عن أفكار جديدة، مثلا، يعكف علماء بمجال إدارة الأعمال على تفحص استراتيجيات التسويق التي ينتهجها «داعش».
وفي هذا الصدد، أعرب ناغاتا عن اعتقاده بأنه: «لا نفهم كنه هذه الحركة، وحتى يتسنى لنا ذلك لن نتمكن من هزيمتها»، وذلك حسبما ورد بمحاضر سرية لمؤتمر عقده مع عدد من الخبراء. وأضاف: «لم نهزم الفكرة، بل إننا حتى لا نفهم الفكرة».
ويتشارك مع جنرال ناغاتا في إحباطه مسؤولون أميركيون آخرون. ورغم إبداء الرئيس أوباما وكبار معاونيه المدنيين والعسكريين ثقتهم المتزايدة في أن القوات العراقية المدعومة بضربات جوية من التحالف ضد «داعش» نجحت في كبت زخم التنظيم على الأرض داخل العراق وقوضت قاعدة دعمه في سوريا، فإن مسؤولين آخرين اعترفوا بأنهم لم يحققوا تقريبا أي تقدم على صعيد الحملة الأوسع والأطول أمدا الرامية لقتل الآيديولوجيا التي خرجت من رحمها هذه الحركة الإرهابية.
وبعد 4 أشهر من جلسته الأولى مع عدد من المستشارين الخارجيين، لا يزال جنرال ناغاتا أحد النجوم الصاعدة بالمؤسسة العسكرية الذي أوكل إليه أوباما مهمة تدريب جيش من المسلحين السوريين مدعوم من البنتاغون لمحاربة «داعش»، يبحث عن أجوبة.
وعبر رسالة بريد إلكتروني موجزة بعث بها هذا الشهر، قال جنرال ناغاتا: «هذه الأسئلة والملحوظات هي سبيلي للاستقصاء والبحث».
وتسلط محاضر الاجتماعات التي عقدها جنرال ناغاتا مع أكثر من 30 خبيرا عبر الهاتف من خلال قنوات البنتاغون في أغسطس (آب) وأكتوبر (تشرين الأول)، الضوء على النضال الدائر لتفهم «داعش» باعتبارها حركة.
ومن بين أبرز الملحوظات الأولى التي طرحها الخبراء وأثارت اهتمام جنرال ناغاتا، قدرة «داعش» على السيطرة على سكان منطقة ما.
وأوضح الخبراء أن هذه السيطرة ليست نابعة من عدد القوات أو نمط الأسلحة التي تستخدمها الجماعة، وإنما في السبل المعنوية التي تلجأ إليها للسيطرة على منطقة ما وسكانها.
وأشار الخبراء إلى أن هذه القدرة تتركز حول «تكتيكات سيكولوجية مثل إرهاب السكان واستخدام خطابات دينية وطائفية، بجانب استخدام أدوات سيطرة اقتصادية».
وتكشف محاضر الاجتماعات عن حدوث اختلافات في الرأي بين الخبراء بخصوص الهدف الرئيس لـ«داعش» وما إذا كان آيديولوجيا أم إقليميا. من جانبه، حرص جنرال ناغاتا على تشجيع التعبير عن آراء متعارضة. من ناحية أخرى، أعرب الخبراء عن تشككهم في امتلاك «داعش» لـ«التعقيد البيروقراطي اللازم للمضي قدما».
من ناحيته، قال مايكل تي. فلين، جنرال أميركي متقاعد ومدير سابق لوكالة استخبارات الدفاع، الذي أثار علانية مخاوف مشابهة: «حقيقة، إن شخص بخبرة مايك ناغاتا بمجال مكافحة الإرهاب يطرح هذا النمط من التساؤلات، يكشف مدى صعوبة المشكلة».
ومن المقرر أن تصدر مجموعة الخبراء التي تمت الاستعانة بها والتي ضمت أفرادا من الحقل الأكاديمي وآخرين من منظمات بحثية، تقريرها الشهر المقبل.
الملاحظ أن التساؤل حول كيفية التغلب على خطاب «داعش» التحريضي يفرض نفسه بقوة على كثير من أعضاء الإدارة الأميركية الآخرين، وكذلك قيادات بارزة في الشرق الأوسط وأوروبا.
هذا الشهر، قالت ليزا موناكو، مستشارة أوباما لشؤون مكافحة الإرهاب والأمن الداخلي، إن «الجهود المتزايدة التي يبذلها (داعش) للتوسع داخل دول مثل الأردن ولبنان وليبيا، تثير قلقا هائلا من جانبهم»، وأشار مسؤولو استخبارات أميركيون إلى أن «قرابة 1.000 مقاتل أجنبي يتدفقون على العراق وسوريا شهريا، حيث يرغب معظمهم في الانضمام لـ(داعش)».
من جهته، قال جون برينان، مدير وكالة الاستخبارات المركزية، هذا الخريف: «أعتقد أنه يجب علينا كمجتمع دولي الاتفاق على كيفية التعامل مع هذه الآيديولوجيات والحركات التي تستغل نقاط ضعف كثير من الدول. ويتعين علينا تناول بعض العوامل والظروف التي تحرض على وتسمح بتنامي مثل هذه الحركات».
يذكر أن جنرال ناغاتا حارب الظل معظم الـ32 عاما التي قضاها بالجيش، حيث شارك بقوات العمليات الخاصة، وكذلك في وحدات عسكرية سرية بمناطق مشتعلة مثل الصومال والبلقان والعراق. ويقول زملاؤه إنه أبدى حصافة بيروقراطية خلال توليه وظائف بمجال مكافحة الإرهاب بوكالة الاستخبارات المركزية والبنتاغون، بجانب إبدائه معرفة دبلوماسية أثناء عمله كضابط ربط عسكري في باكستان أثناء الفترة المضطربة التي مرت بها البلاد بين عامي 2009 و2011.
ووصفه ستانلي مكريستال، جنرال متقاعد والقائد السابق لقوات التحالف في أفغانستان، بأنه «محارب من طراز نادر يشعر بأريحية داخل البيئات المعقدة».
وعندما اجتمع جنرال ناغاتا للمرة الأولى مع مجموعة المتخصصين خلال اجتماع عقد عبر الهاتف في 20 أغسطس، حدد أولوياته والتحديات التي يشكلها «داعش». وقال: «ما الذي يجعل (داعش) على هذه الدرجة من الجاذبية والإلهام؟»، وأعرب عن قلقه من أن التنظيم «يترك أصداء عميقة لدى قطاع محدد وواسع من السكان المسلمين، خصوصا الشباب المتطلعين نحو لواء يلتفون حوله».
وخلال الاجتماع، ألمح جنرال ناغاتا إلى استخدام «داعش» المعقد لشبكات التواصل الاجتماعي في طرح وتضخيم جهودها الدعائية، وأصر على أن الولايات المتحدة بحاجة «لأفراد ولدوا وترعرعوا بالمنطقة» للمعاونة في مكافحة هذه المشكلة. وقال: «أود خوض محادثة طويلة لتفهم القوة السيكولوجية والعاطفية والثقافية لـ(داعش) من منظور جمهور متنوع الأطياف. إنهم يجتذبون الناس إليهم بأعداد كبيرة. هناك قمصان وأكواب تحمل شعارهم».
وأضاف جنرال ناغاتا: «عندما أرى الأميركيين يستخدمون كلمات، مثل: خسيس، ووحشي، وقاتل، ومشين، وصادم.. إلخ في وصف أفعال تنظيم إرهابي عنيف، أدرك أننا بذلك نخدم العدو مباشرة، حيث تشعر هذه التنظيمات بالسعادة لدى وصف أعضائها بالقتلة عندما يخرج الوصف من أفواه كافرة». واستطرد بأنه: «علينا أن نتذكر أن الجزء الأكبر من رسائل مثل هذه التنظيمات غير موجه إلينا. إنهم يشعرون بالسعادة عندما يروننا غاضبين، بينما هم يتحدثون في الواقع إلى الأفراد الذين يعملون على اجتذابهم إلى ولائهم».

* خدمة «نيويورك تايمز»



حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.


زعيم «الحوثية» يدعم إيران دون التصريح بخوض الحرب

زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
TT

زعيم «الحوثية» يدعم إيران دون التصريح بخوض الحرب

زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)

على وقع العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية الجديدة ضد النظام الإيراني، أعلن زعيم الجماعة الحوثية في اليمن، عبد الملك الحوثي، استعداد جماعته للتحرك في مسارات متعددة سياسياً وشعبياً وإعلامياً تضامناً مع طهران، دون التصريح المباشر بإعلان الحرب إلى جانبها.

وجاءت تصريحات الحوثي خلال خطاب متلفز، مساء السبت، دعا فيه أنصار جماعته إلى الخروج في مظاهرات حاشدة في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء وبقية المناطق الخاضعة لسيطرتها، مؤكداً أن الجماعة في «أهبة الاستعداد لأي تطورات»، وأن التحركات المقبلة ستشمل أنشطة جماهيرية وإعلامية وسياسية تهدف إلى إظهار التضامن مع طهران في مواجهة ما وصفه بالتصعيد الأميركي الإسرائيلي.

ويرى مراقبون أن الدعوة إلى التظاهر تمثل محاولة لإعادة تعبئة الشارع في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، وربط الصراع الداخلي اليمني بالتطورات الإقليمية، حيث ينظر إلى الجماعة بأنها أهم الأذرع العسكرية لإيران في المنطقة.

حشد من أنصار الجماعة الحوثية خلال تظاهرة في صنعاء أمام مبنى السفارة الأميركية (أ.ف.ب)

وزعم الحوثي في خطبته أن الضربات الإيرانية التي استهدفت قواعد عسكرية أميركية في المنطقة تمثل «حقاً مشروعاً»، معتبراً أنها تستهدف الوجود العسكري الأميركي وليس الدول التي تستضيف تلك القواعد.

ويأتي هذا الموقف متسقاً مع الخطاب السياسي والعسكري الذي تبنته الجماعة خلال الفترة الماضية، والقائم على تصوير الصراع بوصفه مواجهة إقليمية واسعة ضد النفوذ الأميركي والإسرائيلي ومناصرة الفلسطينيين في غزة.

ارتهان للمحور الإيراني

خلال الأعوام الأخيرة، تجاوز خطاب الجماعة الحوثية المجال الداخلي للصراع في اليمن، خصوصاً بعد تنفيذ هجمات بحرية وصاروخية مرتبطة بالحرب في غزة، الأمر الذي أدى إلى تصعيد المواجهة مع القوات الأميركية والإسرائيلية التي نفذت بدورها ضربات جوية ضد الجماعة والتي أدت إلى مقتل قيادات عسكرية ومدنية، بينهم رئيس أركان الجماعة وأكثر من نصف وزراء حكومتها الانقلابية.

ويشير محللون إلى أن ربط الحوثيين موقفهم بالتطورات الإيرانية يندرج ضمن ما يُعرف باستراتيجية «وحدة الساحات»، حيث تسعى الجماعة إلى تقديم نفسها كجزء من المحور الذي تقوده إيران، وليس مجرد طرف محلي في النزاع اليمني.

كما أن الدعوة إلى الحشد الشعبي تحمل بعداً داخلياً يهدف إلى تعزيز التماسك التنظيمي في ظل الضغوط الاقتصادية والإنسانية المتفاقمة داخل مناطق سيطرة الجماعة التي تتخوف من إسقاط انقلابها إذا ما فقدت الداعم الرئيسي في طهران.

الجماعة الحوثية المدعومة من إيران تسببت في مقتل أكثر من 300 ألف يمني خلال سنوات الانقلاب (إ.ب.أ)

وتأتي تصريحات زعيم الحوثيين وسط مخاوف دولية من أن يؤدي أي تصعيد إضافي إلى توسيع نطاق المواجهة العسكرية، خصوصاً في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات الحيوية للتجارة العالمية.

وكانت الهجمات الحوثية السابقة ضد سفن مرتبطة بإسرائيل أو متجهة إلى موانيها قد دفعت الولايات المتحدة إلى تشكيل تحالف بحري لحماية الملاحة الدولية، أعقبته ضربات عسكرية استهدفت منصات إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة، قبل أن تتعهد الجماعة بعدم مهاجمة السفن الأميركية بناء على وساطة عمانية في منتصف 2025.

ويرى خبراء أن إعلان الجماعة الحوثية الاستعداد للتحرك تضامناً مع إيران قد يفتح الباب أمام عودة الهجمات بوتيرة أعلى، سواء عبر الهجمات البحرية أو إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

الموقف الحكومي

في بيان رسمي، حملت الحكومة اليمنية، النظام الإيراني المسؤولية الكاملة عن أي تصعيد يهدد أمن المنطقة، وعن استمرار سياساته القائمة على توسيع نطاق المواجهة عبر أدواته ووكلائه، وما يترتب على ذلك من تقويض لأمن الممرات المائية الدولية، وتهديد مصادر الطاقة، وتعريض شعوب المنطقة لمخاطر حرب مفتوحة لا تخدم سوى مشاريع الفوضى، والتخريب، والإرهاب.

وحذرت الحكومة الجماعة الحوثية من الانخراط بأي مغامرات عسكرية، دعماً للأجندة الإيرانية، أو محاولة استخدام الأراضي اليمنية منصة لاستهداف دول الجوار أو المصالح الدولية، مؤكدة أن أي تصرف من هذا القبيل يمثل عملاً عدائياً ضد اليمن، وتهديداً لمصالح شعبه، وأمنه القومي.

قيود الحوثيين وتعسفاتهم حرمت ملايين اليمنيين من المساعدات الإغاثية (أ.ف.ب)

وجددت الحكومة اليمنية دعوتها المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف حازم إزاء الانتهاكات الإيرانية المتكررة لسيادة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، والعمل على ردع أي سلوك يزعزع أمن واستقرار المنطقة، ويفتح الباب أمام تصعيد واسع ستكون تكلفته باهظة على الجميع.

وشددت على أن أمن المنطقة مسؤولية جماعية، وأن الاستقرار لن يتحقق إلا باحترام سيادة الدول، والكف عن دعم المليشيات المسلحة، والامتثال الصارم لقواعد القانون الدولي.


البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)
الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)
TT

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)
الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات القيادة السعودية، المُخصصة لتغطية النفقات التشغيلية والرواتب.

وتأتي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية، وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ودعم التعافي المستدام في اليمن، حيث مثّل وزارة المالية اليمنية مروان بن غانم وزير المالية، فيما مثّل البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن المشرف العام السفير محمد آل جابر.

الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

ومن المنتظر أن يسهم الدعم في معالجة عجز الموازنة، وتعزيز قدرة الدولة اليمنية على الإيفاء بالتزاماتها ودعم جهود الإصلاح الاقتصادي، ترسيخاً لدعائم الاستقرار المستدام، وينعكس إيجاباً على تعزيز القوة الشرائية، وانتظام الدخل للأسر، وتحسين مستوى المعيشة، وكذلك تنشيط الأسواق التجارية.

كما يساهم الدعم في تعزيز قدرة المؤسسات اليمنية على مواصلة تقديم الخدمات للشعب اليمني، وتخفيف حدة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز احتياطيات النقد الأجنبي، تحقيقاً لمستوى من التوازن المالي ودعم استقرار الاقتصاد الكلي.

ويُعدّ هذا الدعم الاقتصادي امتداداً لسلسلة الدعوم الاقتصادية والتنموية المقدمة من المملكة العربية السعودية، وشملت ودائع ومنحاً لصالح البنك المركزي اليمني ومنحاً للمشتقات النفطية، وكذلك مشاريع ومبادرات تنموية عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، وشكّلت إحدى الدعائم الرئيسية نحو التعافي الاقتصادي في اليمن.

كما يمتد دعم البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن ليشمل مساراً متكاملاً لبناء القدرات المؤسسية، الذي انطلق منتصف عام 2021، واستهدف وزارة التخطيط والتعاون الدولي ووزارة المالية اليمنية، تعزيزاً لقدرات الكوادر اليمنية، وتمكين الجهات الحكومية من تشخيص احتياجاتها، وتقييم قدراتها، والارتقاء بأدائها، بما ينسجم مع أفضل الممارسات.

يُعدّ هذا الدعم الاقتصادي امتداداً لسلسلة الدعوم الاقتصادية والتنموية المقدمة من السعودية (البرنامج السعودية)

ويساهم البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن في بناء وتنمية القدرات الحكومية وتطوير الكوادر بمختلف المستويات: المؤسساتية، والفنية، والأصول المجتمعية، عبر نقل الخبرات وتطوير الكفاءات الإدارية والفنية في مختلف القطاعات الأساسية والحيوية، حيث يمثل تعزيز قدرات المؤسسات الحكومية خطوة محورية في تعزيز الاستقرار وتحفيز النمو الاقتصادي.