ارتفاع معدلات الانتحار في «مناطق النفوذ» الثلاث في سوريا

دمشق تؤكد حالات شنق... وامرأة في إدلب تستعمل السم... وفتاة قتلت نفسها بالمسدس شرق الفرات

حملة توعية ضد استعمال العنف والانتحار في شمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)
حملة توعية ضد استعمال العنف والانتحار في شمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)
TT

ارتفاع معدلات الانتحار في «مناطق النفوذ» الثلاث في سوريا

حملة توعية ضد استعمال العنف والانتحار في شمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)
حملة توعية ضد استعمال العنف والانتحار في شمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)

بين الأمور القليلة التي تجمع السوريين في «مناطق النفوذ» الثلاث حالياً هو ارتفاع معدلات الانتحار والجريمة لأسباب كثيرة بينها الأزمة الاقتصادية وسوء الأوضاع المعيشية.
ومع ازدياد حالات الانتحار في مناطق سيطرة الحكومة السورية، هزت مدينة طرطوس الأحد الماضي، رواية عن إقدام مدرس على قتل بناته الثلاث ومن ثم قتل نفسه، بعد تلقيه تهديدات من أشخاص كانوا متطوعين في «الفيلق الخامس» الروسي، وذلك حسب منشور كتب عن حسابه الشخصي في موقع «فيسبوك»، وسط تشكيك كبير بصحة الرواية والاعتقاد بأن الأب ضحية جريمة قتل بشعة طالت جميع أفراد العائلة.

- تهديدات
وتناولت صحيفة «حبر» السورية الإلكترونية، والكثير من الصفحات على موقع «فيسبوك» الحادثة وصور الأب والفتيات الثلاث، وعرضت منشوراً للأب الذي يعمل مدرس رياضيات، نشر على حسابه في «فيسبوك»، ويتحدث فيه عن سبب قتله لنفسه ولبناته الثلاث، قبل أن يتم حذف المنشور فيما بعد.
وجاء في المنشور: «الأصدقاء الكرام... عندما تقرأون أكون قد انتحرت وقتلت بناتي، بسبب تهديدات المدعو (أ ع) الذي يقطن طرطوس، والذي سأرفق صورة صفحته وبعضاً من صوره من صفحته على (فيسبوك) وتهديداته نتيجة لعمل طلبه ولم أتمكّن من إنجازه في الوقت المحدد في 27 الشهر، أي اليوم، وخلافنا كان على ثلاث ساعات تأخير، أي للساعة التاسعة ليلاً بأقصى حد، ولأسباب قاهرة يعرفها وشرحتها له تفصيلياً ولم يحاول تقبلها أو تفهمها، بسبب جماعته التي تضغط عليه حسب قوله».
ويذكر المنشور أن «تهديدات (أ) كانت بخصوص قتلي وقتل بناتي وحرقنا كما هو مُوضَّح في تسجيل صوتي له في التاب الخاص بي، وهو تسجيل اليوم، وهو ومن وراءه قادرون على ذلك».
ويشير المنشور إلى أسماء أخرى منهم أخوه «متورطين بسرقة أسلحة وذخيرة وبيعها قبل نحو 3 سنوات عندما كنا متطوعين في الفيلق الخامس منذ 3 أعوام».
ويشكك عدد كبير ممن قرأوا المنشور، بأن يكون هو من كتبه، ويرجحون بأن ما حصل هو جريمة مروعة طالت جميع أفراد العائلة بمن فيهم غدير، وأن القتلة هم من قاموا بكتابة المنشور بعد ارتكاب الجريمة لإبعاد الشبهات عنهم، وأن الحقيقة عند زوجته المصابة التي ما زالت على قيد الحياة.
ووفق تقارير صحفية، فإن مصادر مطلعة على ملابسات الجريمة، أكدت أن الأب قتل بأربع رصاصات واحدة منها في ظهره، وهو ما يجعل فرضية انتحاره بعد قتل أسرته غير صحيحة على الأرجح، إذ كيف يمكن أن يقوم بإطلاق أربع رصاصات على نفسه!
وفي الوقت نفسه، يرى العديد من المواطنين أن هناك أسباباً كثيرة تدفع البعض للانتحار وتتمثل في الفقر والبطالة والتفكك العائلي والاجتماعي والتنمر، والعنف والأسباب العاطفية، والفشل بالدراسة، إضافة إلى الفلتان الأمني وممارسة ذوي النفوذ من قادة وعناصر الميليشيات ضغوطاً كبيرة على المواطنين.
وتقول سيدة في العقد الرابع من العمر لـ«الشرق الأوسط»، إن «أغلب مسؤولي الأسر باتوا غير قادرين على تأمين قوت أبنائهم ولا متطلبات متابعة دراستهم، ولا الدفاع عن بناتهم في الشوارع عند تعرضهن للتحرش من قبل مسلحين أو بلطجية، والشباب معظمه عاطل عن العمل»، وتضيف: «في ظل هذه الظروف بات الموت بالنسبة للكثيرين أفضل من الحياة».
وكشف رئيس الطبابة الشرعية في الحكومة السورية زاهر حجو في تصريحات أدلى بها مؤخراً عن ارتفاع نسبة حالات الانتحار في سوريا مؤخراً، بحسب إحصائية أجريت في بداية سبتمبر (أيلول) الجاري، وقال إنه تم تسجيل 116 حالة منذ بداية عام 2020. وبيّن أن الشنق كان هو الأكثر اتباعاً (48 حالة)، يليه الطلق الناري (27 حالة)، ورمي النفس من الأماكن العالية (18 حالة)، والتسمم (16 حالة).
وشملت الإحصائية جميع المحافظات السورية باستثناء محافظات «إدلب والرقة ودير الزور» الخارجة عن سيطرة الحكومة، وتوزعت: حلب 23 حالة، وريف دمشق 18، ودمشق وحمص 14 حالة في كل منهما، وحماة 10، والسويداء 9، ودرعا 2، والقنيطرة حالة انتحار واحدة، في حين شهدت اللاذقية زيادة ملحوظة في حالات الانتحار مؤخراً حيث بلغت 18 حالة.
وسبق أن أعلنت الهيئة العامة للطب الشرعي التابعة للحكومة السورية، أن عدد حالات الانتحار خلال العام الماضي بلغت 124حالة؛ 76 ذكور، و48 إناث.
- أسباب نفسية
وتشهد مناطق الشمال السوري، إدلب ومناطق عفرين، في الآونة الأخيرة، حالات انتحار بين المواطنين، لأسباب نفسية وصحية، وتردي الأوضاع المعيشية لدى غالبية المواطنين وتحديداً النازحين. ويقول الناشط الحقوقي سعيد الحسين لـ«الشرق الأوسط»، إن «غياب القانون الذي يحد من العنف في أوساط المجتمع الذي يعقبه غالباً حالات قتل وانتحار، فضلاً عن تردي الأوضاع المعيشية لدى المواطنين والنازحين، تعد عوامل رئيسية تدفع بالأشخاص إلى الانتحار».
ويضيف أنه تم توثيق أكثر من 8 حالات انتحار لمواطنين بينهم نساء خلال أقل من 6 أشهر، مع عودة هذه الظاهرة إلى الواجهة خلال الآونة الأخيرة، حيث قبل أسبوعين أقدمت سيدة عمرها 33 عاماً، نازحة من منطقة سجنة جنوب إدلب، في منطقة أطمة شمال سوريا، على الانتحار نتيجة العنف الممارس عليها من قبل زوجها، بعد تناولها حبوب سامة أدت إلى الانتحار، بالرغم من أن لديها 3 أطفال.
«س. ع» أرملة تعيل 4 أطفال وتقيم في مخيمات دير حسان التي تفتقر لأدنى مقومات الحياة، تقول: «فكرت بالانتحار عدة مرات، وفي كل مرة تراودها وتقرر فيها الانتحار كانت هناك أسباب قاهرة تدفعها لذلك»، لافتة إلى أن أول مرة فكرت وحاولت فيها الانتحار قبل نحو 3 أشهر عندما تعرض ابنها ذو الـ5 سنوات للحرق بـ«البابور الكاز» أثناء طهي الطعام في الخيمة التي تؤويها وأطفالها وتعرضه لحروق شديدة، لتغلق أبواب المساعدة بوجهها وعدم تمكنها من معالجة ابنها فقررت الانتحار على ألا ترى ابنها يتألم نتيجة الحروق.
وفي المرات اللاحقة كانت نتيجة عدم توفر الطعام لأيام أو أي شيء يسد رمق الأطفال، الأمر الذي دفعها للتفكير بالانتحار، لكن انحسار تفكيرها لحظة الانتحار عن تدبير أطفالها أنفسهم بعد موتها يدفعها إلى التراجع عن ذلك، لتقرر في النهاية أن تعمل منظفة في أحد مشاغل الخياطة النسائية لتحصل على ما يمكنها من العيش وأطفالها وتتخلص من فكرة الانتحار.
من جهته، يقول الناشط أيمن بكور إن 6 أشخاص حاولوا خلال الآونة الأخيرة الانتحار عبر رمي أنفسهم من أبنية عالية في محافظة إدلب، إلا أن حالة واحدة فقط أدت إلى الوفاة، وبعد تدخل الجهات الأمنية والكوادر الطبية ونقل تلك الحالات إلى المشافي تبين أن لديهم أمراضاً نفسية مع إخضاعهم للعلاج والتخلص من ميول الانتحار الذي يراودهم بشكل متكرر. ويضيف أنه يتوجب على المنظمات الإنسانية والصحية إطلاق حملات توعوية تمكن المواطنيين من التغلب على صعوبات الحياة، تحديداً النازحين منهم لحمايتهم من الانتحار، وشدد على أنه بالوقت ذاته على المنظمات الإنسانية الدولية والمحلية رفع مستوى نشاطها لدعم للمواطنين وسد حاجتهم حتى لا يكون الفقر عنصراً أساسياً في إصابتهم بأمراض نفسية وصحية تدفع في النهاية إلى الانتحار.
- حملات توعية
في شرق الفرات، ذكرت منظمة «سارا لمناهضة العنف ضد المرأة» العاملة في مناطق «الإدارة الذاتية»، في تقرير صُدر بمناسبة (اليوم العالمي للانتحار)، أن 16 حالة انتحار وثقتها خلال العام الجاري حتى بداية سبتمبر (أيلول)، وتراوحت الفئات العمرية للمنتحرات بين 18 سنة و35 سنة.
وقالت الإدارية نجاح آمين إنهم وثقوا حتى بداية الشهر الحالي 16 حالة انتحار في مناطق الإدارية الذاتية. وتعزو الأسباب إلى الحرب الدائرة منذ 9 سنوات ونيف التي خلقت أزمات حقيقية على كل الأصعدة، «ما أفرزته بتعميق الشعور بالإحباط واليأس لدى كثير من الأفراد نساءً ورجالاً، نتجت عنها حالات القتل والانتحار، ولا تزال المرأة صاحبة النصيب الأكبر من هذه الضغوطات بالأسرة والمجتمع».
وتعمل منظمة «سارا» النسوية منذ شهر يوليو (تموز) 2013، وتجمع الإحصاءات والبيانات الخاصة بالانتهاكات والخروقات التي تطال الفتيات والنساء وحقوقهنّ؛ من هيئات المرأة وديوان المحاكم المحلية ونشرات الضابطة الشرطية، بحسب آمين.
وبمناسبة اليوم العاملي للانتحار الذي صادف يوم 9 من الشهر الحالي، أصدرت تقريراً مفصلاً عن حالات الانتهاك التي طالت الفتيات والنساء على مستوى شرق الفرات، وذكرت آمين أن التقرير شمل بيانات الانتهاكات الواقعة خلال العام الجاري: «تعرضت 5 نساء للتهديد بالقتل، وتقدّمت 288 سيدة بدعاوى أمام المحاكم المختصة بدعاوى العنف الأسري، وسجلنا 11 حالة تعرضن للتحرّش الجنسي، وتمّ توثيق 46 حالة زواج قاصر كما تعرّضت 3 فتيات للاغتصاب»، إضافة إلى 23 سيدة تعرضت للقتل، و27 حالة دعارة و124 واقعة لتعدد الزوجات، و27 حالة خطف، و4 حالات خيانة زوجية، بحسب التقرير نفسه.
ومن بين الحالات التي رصدتها المنظمة، أقدمت سيدة متزوجة نهاية شهر مارس (آذار) الماضي، على الانتحار عبر مسدس بعدما أطلقت النار على نفسها بمنزل والدها، حيث كانت تبلغ من العمر 22 سنة ولديها طفلة عمرها سنة، وأخبرت آمين: «من خلال متابعتنا تبين أن سبب الانتحار خلاف عائلي نشب بينها وبين زوجها، مع العلم أن خلافاتهما كانت مستمرة، والتمسك بالعادات والتقاليد حالت دون طلب الطلاق واللجوء للمحاكم المحلية».
ودعت المسؤولة الكردية جميع المنظمات المدنية والنسوية والمؤسسات والهيئات الحكومية، إلى الوقوف عند هذه الحالات وتزايد عددها في مناطق الإدارة، للعمل على الحد منها حفاظاً على تماسك المجتمع، ولفتت آمين إلى أن «منظمتنا بالتعاون مع جهات شريكة عقدنا ندوات حوارية، وقمنا بحملات توعوية وتوزيع مناشير والتنسيق مع المراكز النفسية لمعالجة الحالات المرضية، للحد من حالات الانتحار والقتل التي باتت تهدد المجتمعات».



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».