تشكل العلاقات التركية - الروسية نموذجاً للتعاون على أساس المصلحة تحكمه الشراكة التكتيكية التي تتعامل مع التطورات الآنية والتوصل إلى حلول للمشاكل التي تطرأ في الملفات المختلفة بالشكل الذي ينحي الصدام، وكان الملف السوري هو المثال الأبرز على هذه الطريقة في التعامل بين أنقرة وموسكو اللتين اجتازتا اختبار إسقاط الطائرة الروسية «سو 24» في 24 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015 بأقل الخسائر.
مثلت هذه الحادثة، التي تسببت في تداعيات لا سيما على حركة التجارة والسياحة والتعاون الاقتصادي استمرت 3 أعوام تقريباً رغم طي صفحتها بعد أقل من عام على وقوعها، نقطة فاصلة في تأسيس أنقرة وموسكو إطار علاقات خاصة بينهما لا يعتمد بالتحالف الاستراتيجي لكنه ينفي القطيعة أيضاً.
يحفل الملف السوري بالعديد من القضايا التي شكلت محل خلاف بين تركيا وروسيا وكان بعضها في وقت من الأوقات عامل توتر في العلاقات بينهما. تشمل نقاط الخلاف الرئيسية القيادة السورية، والمعارضة، والمجموعات الكردية، والدور الأميركي.
لكن وجود قضايا خلافية لم يمنع من التقاء روسيا وتركيا حول نقاط ضمن الملف السوري، وهذا الالتقاء مدفوع بإدراك روسيا بأهمية دور تركيا في إيجاد حل للأزمة السورية يحقق مصالحها. كما تسعى روسيا إلى كسب تركيا إلى جانبها في الشرق الأوسط لإدراكها أهمية التأثير التركي على الجماعات والفصائل المسلحة.
وتتمثل نقاط الالتقاء بين روسيا وتركيا في ملف مكافحة الإرهاب، الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، ووضع نهاية للحرب في سوريا ودفع الحل السياسي عبر تشكيل اللجنة الدستورية والحفاظ على مسار آستانة والعمل ضمن إطار قرارات الأمم المتحدة، وضمان عدم نشوء كيان مستقل للأكراد في سوريا، والاتفاق على تقليص الدعم الروسي للأكراد.
ونجحت تركيا بالفعل في الحصول على موقف روسي مساند عندما تدخلت عسكرياً في شمال شرقي سوريا في أكتوبر (تشرين الأول) 2019، عبر اتفاق سوتشي الموقع في 22 من الشهر ذاته، الذي حقق لتركيا، مع اتفاق أميركي مماثل إبعاد وحدات حماية الشعب الكردية، أكبر مكونات تحالف قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، عن حدودها لعمق 30 كيلومتراً، وانسحاب الوحدات الكردية من منبج وتل رفعت، وتسيير دوريات تركية روسية مشتركة في شرق الفرات.
ورأت دوائر سياسية في أنقرة في مذكرة تفاهم سوتشي انتصارا أتاح لتركيا الخروج من العباءة الأميركية في سوريا واستخدام روسيا كقوة مسيطرة في تحقيق المنطقة الآمنة التي أرادتها، ودفع أميركا للقبول بها وتقليص دعمها لحليفها الكردي.
ويشكل ملف إدلب ضمن النطاق الأوسع للأزمة السورية، أبرز الأمثلة التي توضح كيف تسير أنقرة وموسكو تفاهماتهما بالطريقة التي تنحي نقاط الاختلاف وتبني على نقاط الاتفاق حتى إذا تعارضت المواقف، فتركيا تدعم المعارضة المسلحة وروسيا تدعم النظام السوري لكن ذلك لم يمنع أن تستفيد تركيا من هذا التعاون في تحقيق أهدافها في شمال سوريا، وإن كان ذلك بقي محدوداً دائماً، في رأي العديد من الخبراء والمراقبين، بما سمحت به روسيا في إطار خطتها ومصالحها في سوريا.
لم يتوصل العسكريون الروس والأتراك، خلال اجتماعهم بشأن إدلب في أنقرة في 16 سبتمبر (أيلول) الماضي، إلى صيغة موحدة لتنفيذ الاتفاقيات المتعلقة بشمال غربي سوريا.
عقد الاجتماع في ظل تصعيد ميداني من جانب روسيا والنظام في إدلب، وهو أحد الاجتماعات في إطار آلية تشاور عسكري مستمر بين أنقرة وموسكو، تمكنتا من خلالها في تجنب الصدام في أكثر من مرحلة فاصلة، كان الصدام والمواجهة المباشرة هما السيناريو الأقرب لأذهان جميع المتابعين للتطورات في الملف السوري. وشهد الاجتماع تقديم الوفد الروسي لتخفيض عدد نقاط المراقبة التركية العسكرية في إدلب، «إلا أنه لم يتم التوصل إلى اتفاق بهذا الشأن، فطرح الجانب الروسي تقليص الوجود العسكري في النقاط التي تقع في مناطق يسيطر عليها النظام وسحب الأسلحة الثقيلة منها. بينما طرحت أنقرة في المقابل تسليمها مدينتي منبج وتل رفعت، وهو ما رفضه الروسي.
وعقب الاجتماع قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، إنه «لم يكن مثمراً للغاية». وأضاف: «يحتاج وقف إطلاق النار في سوريا إلى الاستمرار والتركيز أكثر قليلاً على المفاوضات السياسية»، مشيراً إلى وجوب وجود هدوء نسبي في إدلب، لأنه إذا استمرت المعارك، فقد تكون العملية السياسية قد انتهت.
ولم يصدر عن السلطات الروسية أي تعليق حول الاجتماع على عكس الأتراك، إلا أن النظام وروسيا استهدفا مناطق سيطرة المعارضة بالقصف.
وعلى الرغم من الإعلان الرسمي لفشل هذا الاجتماع، الذي جاء في ظل تصعيد وانتهاكات لاتفاق وقف إطلاق النار الموقع بين الجانبين في 5 مارس (آذار) الماضي، فإن الطرفين ماضيان في تنفيذ الاتفاق ومحاولة تجاوز الخلافات بشأن تسيير الدوريات المشتركة على طريق حلب - اللاذقية الدولي (إم 4) التي جمدها الجانب الروسي للضغط على أنقرة للفصل بين الجماعات المتشددة والفصائل السورية المعتدلة في إدلب.
ومع إدراك موسكو أنها لا تستطيع حل النزاع دون حد أدنى من التعاون التركي، فإنها تظل في موضع قوة تجاه أنقرة وليست في وارد تقديم تنازلات كبيرة، لا سيما بشأن مستقبل النظام السوري.
كما تدرك تركيا أن روسيا يمكن أن تشن حملة عسكرية في ظل انشغال الرئيس الأميركي دونالد ترمب في الانتخابات الرئاسية. وتكرر روسيا باستمرار أنها ستعمل مع النظام السوري على عودة جميع الأراضي السورية لسيطرته، لكن حملتها العسكرية الأخيرة في إدلب لم تلق ارتياحا من واشنطن.
وترفض تركيا المطالب الروسية فيما يتعلق بإدلب، وتواصل تعزيز وجودها العسكري كضمانة لأمنها القومي ولمنع عملية عسكرية في المنطقة، لا ترغب فيها الولايات المتحدة وكذلك الاتحاد الأوروبي الذي لا يريد موجة جديدة من اللاجئين.
12:21 دقيقه
تعاون روسي ـ تركي لـ«تحقيق الأهداف بأقصر الطرق»
https://aawsat.com/home/article/2541096/%D8%AA%D8%B9%D8%A7%D9%88%D9%86-%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%8A-%D9%80-%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A-%D9%84%D9%80%C2%AB%D8%AA%D8%AD%D9%82%D9%8A%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%87%D8%AF%D8%A7%D9%81-%D8%A8%D8%A3%D9%82%D8%B5%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%B1%D9%82%C2%BB
تعاون روسي ـ تركي لـ«تحقيق الأهداف بأقصر الطرق»
- أنقرة: سعيد عبد الرازق
- أنقرة: سعيد عبد الرازق
تعاون روسي ـ تركي لـ«تحقيق الأهداف بأقصر الطرق»
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة




