التحالف الدولي: عودة «داعش» احتمال حقيقي جداً... ومعتقلو التنظيم «جيش في الانتظار»

الكولونيل واين ماروتو لـ«الشرق الأوسط» : الهجمات على قوافل الإمداد اللوجيستي تطال مدنيين عراقيين... ونشر الـ«برادلي» هدفه ضمان عملياتنا

عربة برادلي أميركية في شمال شرقي سوريا... وفي الإطار الكولونيل ماروتو (التحالف الدولي)
عربة برادلي أميركية في شمال شرقي سوريا... وفي الإطار الكولونيل ماروتو (التحالف الدولي)
TT

التحالف الدولي: عودة «داعش» احتمال حقيقي جداً... ومعتقلو التنظيم «جيش في الانتظار»

عربة برادلي أميركية في شمال شرقي سوريا... وفي الإطار الكولونيل ماروتو (التحالف الدولي)
عربة برادلي أميركية في شمال شرقي سوريا... وفي الإطار الكولونيل ماروتو (التحالف الدولي)

حذر مسؤول عسكري أميركي من مخاطر عدم حل قضية «جيش داعش» الموجود في سجون «قوات سوريا الديمقراطية»، شمال شرقي سوريا، قائلاً إن هؤلاء يشكلون أكبر تجمع لمقاتلي التنظيم حول العالم. وأكد الكولونيل واين ماروتو، الناطق باسم «قوة المهام المشتركة - عملية العزم الصلب» في بغداد، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، أن «داعش» لم يعد يسيطر على أي أرض حالياً، لكن احتمال عودته «احتمال حقيقي جداً» إذا تم تخفيف الضغط عليه. وعد أن إرسال عربات «برادلي» القتالية إلى سوريا هدفه ضمان قدرة قوات التحالف على تنفيذ عمليات ضد «داعش» في شكل آمن.
وقال مسؤول التحالف إن خفض عدد القوات الأميركية في العراق دليل على تنامي قدرات قوات الأمن العراقية. وتناول قضية الهجمات التي تتعرض لها قوافل الإمدادات اللوجيستية لقوات التحالف في العراق، قائلاً إن هذه القوافل مدنية، وإن الخسائر عراقية، واصفاً المجموعات التي تشن هذه الهجمات بأنها «مجموعات خارجة عن القانون»، في إشارة إلى مجموعات يُعتقد أنها مرتبطة بالاستخبارات الإيرانية.
وللكولونيل ماروتو خبرة طويلة مع العراق. فقد نُشر فيه 3 مرات في إطار «عملية حرية العراق» في الأعوام 2004 و2008 و2010، وهي أعوام شهدت تنامي نفوذ فصائل المقاومة العراقية، وظهور تنظيم «القاعدة» بقيادة أبو مصعب الزرقاوي، وكذلك فصائل مرتبطة بإيران استهدفت الأميركيين، والقوات الغربية عموماً. ونُشر ماروتو مجدداً في العراق عام 2015، خلال أوج الحرب ضد تنظيم داعش، وتولى آنذاك مهمة الناطق باسم «عملية العزم الصلب»، وهي المهمة نفسها التي عاد ليتسلمها الآن بعد نشره في العراق للمرة الخامسة في صيف 2020.
يقول الكولونيل ماروتو في حواره مع «الشرق الأوسط»: «حققت قوات الأمن العراقية مكاسب هائلة خلال السنوات الخمس التي مضت على تسلمي مهمة الناطق باسم قوة المهام المشتركة - عملية العزم الصلب عام 2015. قبل خمس سنوات، كان (داعش) يسيطر على قرابة 110 آلاف كلم مربع من الأراضي، وحقق انتصارات كبيرة في الموصل والفلوجة والرمادي. لكن (داعش) اليوم لا يسيطر على أي أرض. وقادة التنظيم الأساسيون إما ماتوا أو تم تحييدهم من ساحة القتال. وقوات التحالف وقوات الأمن العراقية عملا شريكين معاً لهزيمة (داعش). واليوم، باتت قوات الأمن العراقية أقوى من (داعش)، وأظهرت أنها قادرة على منع ظهور (داعش) من جديد من خلال شن عمليات بمفردها. وقد حققت القوات العراقية نجاحات ثابتة في تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة (داعش)، بما في ذلك في مدن حضرية صعبة».
وتابع: «سيواصل التحالف تقديم المساعدة والدعم على مستوى القيادة العملانية. فمنذ عام 2014، درب التحالف وجهز ووجه أكثر من 240 ألف عنصر من قوات الأمن العراقية. والقوات العراقية تقود اليوم برامج التدريب، وتقوم بالعمليات في البلد بمفردها إلى حد كبير». وأشار ماروتو، في هذا الإطار، إلى حملات «أبطال العراق» التي تشنها قوات الأمن العراقية ضد أوكار «داعش»، قائلاً إن «قوات الأمن العراقية نقلت المعركة بشراسة إلى العدو (في مكان اختبائه)، واعتقلت أو قضت على كثير من المقاتلين الأعداء، وصادرت أو دمرت عشرات الأسلحة التي كانت في أيدي الأعداء. إن التضحيات المتواصلة التي تبذلها قوات الأمن العراقية تظهر تفانيها في إعادة الاستقرار إلى وطنها. وسيواصل التحالف المساعدة في مجالات التخطيط والاستخبارات والمراقبة والقوة الجوية من أجل هزيمة (داعش)، وتهيئة الظروف لشن عمليات أخرى هدفها تحقيق مزيد من الاستقرار الإقليمي».
وشدد مسؤول التحالف على أن «(داعش) هُزم عسكرياً اليوم، ولم يعد يسيطر على أي أرض. وقوات التحالف وقوات الأمن العراقية سيجدون بقايا (داعش)، ويقضون عليها في العراق أو سوريا. سنواصل ملاحقة واستهداف عناصر (داعش) حيث يختبئون في مناطق اختبائهم المعروفة. وسنفعل الشيء ذاته بالنسبة إلى الجيوب الأخرى المتبقية لجيوب إرهابيي (داعش). إننا ملتزمون بإكمال القضاء على (داعش) في العراق، وسنواصل تقديم النصح والدعم لقوات الأمن العراقية وقوات البيشمركة، في إطار جهودنا المشتركة لهزيمة (داعش)».
وسئل عن انتشار «داعش» في سوريا، شرق الفرات وغربه، فرد بأن «التحالف يواصل العمل، إلى جانب شركائنا المحليين، وعلى الخصوص قوات سوريا الديمقراطية وقوات الأمن العراقية، من أجل الوصول إلى هدفنا المشترك، وهو ضمان تحقيق إلحاق هزيمة مستدامة بـ(داعش). إن مراكز الاعتقال في شمال شرقي سوريا تحوي أكبر تجمع بشري لمقاتلي (داعش) في العالم؛ إنه جيش إرهابي في طور الانتظار. هذه مشكلة دولية تتطلب حلاً دولياً. إننا نناشد المجتمع الدولي أن يتدخل ويساعد في حل هذه المشكلة. أما بالنسبة إلى وضع (داعش) غرب نهر الفرات، فهذا الأمر تعود الإجابة عنه إلى القيادة المركزية الأميركية (وليس التحالف الدولي)».
وسُئل عن إرسال القوات الأميركية تعزيزات إلى شرق سوريا، تتضمن عربات «برادلي»، وهل صحيح أن هذه التعزيزات هدفها توجيه رسالة للقوات الروسية التي تتحرش أحياناً بالأميركيين شمال شرقي سوريا، فرد قائلاً: «إن الوضع في شمال شرقي سوريا معقد نتيجة تحديات خارجة عن إطار مهمة قوة عملية العزم الصلب، بما في ذلك المسار القضائي لمقاتلي (داعش) المعتقلين، وحل قضية النازحين داخلياً. إن منشآت الاعتقال في شمال شرقي سوريا تحوي أكبر تجمع لمقاتلي «داعش» حول العالم. نناشد المجتمع الدولي أن يساعد في إيجاد حل لهذه المشكلة. يوفر التحالف الأمن والاستقرار لمنظمات المجتمع المدني للوصول إلى المخيمات ومراكز الاعتقال التي تديرها قوات سوريا الديمقراطية. ولكن التحالف ليس لديه سلطة قضائية على هذه المنشآت». وتابع: «على الرغم من هزيمة (داعش) على الأرض، وتقلص قيادته، وتفنيد آيديولوجيته على نطاق واسع، فإن هذا التنظيم ما زال يمثل خطراً. وما لم يستمر الاحتفاظ بالضغط على (داعش)، فإن احتمال إعادة ظهوره يبقى احتمالاً حقيقياً جداً. إن نشر قوة المهام المشتركة - عملية العزم الصلب لتجهيزات مشاة ميكانيكية، بما في ذلك آليات برادلي القتالية، في سوريا، هدفه ضمان حماية قوات التحالف، والمحافظة على حريتها في الحركة، كي تتمكن من مواصلة عملياتها لهزيمة (داعش) بشكل آمن. إننا نبقى حازمين في التزمنا بالعمل، إلى جانب شركائنا، من أجل ضمان هزيمة (داعش) بشكل مستدام».
وفي خصوص أعداد عناصر «داعش» الذين ما زالوا ينشطون حالياً في العراق وسوريا، قال ماروتو إن «التقديرات الأخيرة، ومصدرها الأمم المتحدة، تقول إن هناك أكثر من 10 آلاف مقاتل في العراق وسوريا. إن وجود عنصر واحد من (داعش) في أي مكان هو وجود لعنصر يزيد عن اللازم. في عام 2014، سيطر «داعش» على قرابة 110 آلاف كلم مربع من الأرض، وكان لديه 40 ألف مقاتل إرهابي في العراق وسوريا. شركاؤنا المحليون، بدعم من التحالف، حرروا قرابة 8 ملايين إنسان من حكم «داعش» الوحشي. اليوم، لا يسيطر «داعش» على أي أرض، وشركاؤنا يواصلون مواجهته لضمان هزيمته المستدامة».
وسُئل العقيد ماروتو عن خفض عدد القوات الأميركية في العراق، واستمرار الهجمات التي تطال قوافل إمداداتها، وهي هجمات يُعتقد أن جماعات مرتبطة بإيران تقوم بها، لكنه لم يحدد هذه الجماعات بالاسم مكتفياً بالقول إنها «مجموعات خارجة عن القانون»، وأوضح أن «تقليل عدد القوات الأميركية خبر جيد، كونه يدل على التقدم والنجاح لقوات الأمن العراقية ضد (داعش). إن وجودنا يتقلص بسبب نجاحات قوات الأمن العراقية. إننا نبقى ملتزمين بدعم شركائنا في العراق وسوريا لهزيمة بقايا (داعش). هذه المجموعات الخارجة عن القانون تشن هجمات على القوافل اللوجيستية المدنية لمتعاقدين عراقيين يتولون نقل دعم لوجيستي لقوات الأمن العراقية وقوات التحالف، وقد قتلت أخيراً مدنياً عراقياً كان يحاول جني ما يوفر له لقمة العيش. هذه المجموعات الخارجة عن القانون تهاجم قوات الأمن العراقية، ومراكز قوات الأمن العراقية -فالتحالف لا يملك أي مراكز- والمدنيين العراقيين. إن التحالف يقر بحصول زيادة في الهجمات المنخفضة المستوى ضد قوات الأمن العراقية. ولكن لوضع الأمور في إطارها، هذه المجموعات الخارجة عن القانون لا تهاجم سوى أقل من 5 في المائة من كل القوافل اللوجيستية المدنية المتعاقدة مع قوات الأمن العراقية».



انقلابيو اليمن يرفعون أسعار الوقود ويعمّقون المعاناة

منظر من شارع الستين في صنعاء أكبر شوارع العاصمة اليمنية المختطفة (الشرق الأوسط)
منظر من شارع الستين في صنعاء أكبر شوارع العاصمة اليمنية المختطفة (الشرق الأوسط)
TT

انقلابيو اليمن يرفعون أسعار الوقود ويعمّقون المعاناة

منظر من شارع الستين في صنعاء أكبر شوارع العاصمة اليمنية المختطفة (الشرق الأوسط)
منظر من شارع الستين في صنعاء أكبر شوارع العاصمة اليمنية المختطفة (الشرق الأوسط)

فرضت الجماعة الحوثية زيادة جديدة على أسعار المشتقات النفطية بمناطق سيطرتها، لترفع بذلك تكلفة المعيشة على ملايين السكان الذين يواجهون تدهوراً اقتصادياً واسعاً وتراجعاً في مصادر الدخل وانقطاعاً للمرتبات.

وأقرت شركة النفط الخاضعة للجماعة في صنعاء رفع سعر لتر البنزين إلى نحو دولار واحد (525 ريالاً يمنياً)، لتصبح قيمة الصفيحة سعة 20 لتراً نحو 19.6 دولار (10 آلاف و500 ريال)، مقارنة بنحو 17.8 دولار (9500 ريال) سابقاً.

كما رفعت سعر الديزل إلى نحو 1.07 دولار للتر (575 ريالاً)، لتباع الصفيحة بالسعر الجديد بنحو 21.5 دولار (11 ألفاً و500 ريال)، بدلاً من نحو 19.6 دولار (10 آلاف و500 ريال)، وفق سعر صرف ثابت للدولار عند 535 ريالاً تفرضه الجماعة بالقوة على الصرافين، ويختلف عن الريال اليمني في المناطق اليمنية المحررة.

تأتي الزيادة في وقت تعاني فيه الأسر اليمنية في مناطق سيطرة الحوثيين ضغوطاً متراكمة؛ نتيجة انقطاع المرتبات وتراجع فرص العمل وتدهور الخدمات، إلى جانب الضرائب والجبايات التي تفرضها الجماعة على المواطنين والأنشطة التجارية.

وتسود مخاوف لدى السكان من أن يؤدي ارتفاع أسعار الوقود إلى موجة جديدة من الغلاء، بالنظر إلى ارتباط تكاليف النقل بأسعار السلع والخدمات، خصوصاً المواد الغذائية والاحتياجات الأساسية.

جانب من طوابير كثيفة أمام محطة وقود في صنعاء (أ.ف.ب)

وقال «أمين»، وهو أحد سكان ضواحي صنعاء، إن زيادة أسعار الوقود لا تقتصر آثارها على أصحاب السيارات، «بل تنتقل سريعاً إلى أجور المواصلات وأسعار المواد الغذائية والخدمات».

وأضاف: «راتبي لا يكفي الاحتياجات الأساسية، وكل زيادة في سعر الوقود تعني أننا سندفع أكثر مقابل المواصلات والمواد الغذائية. الوضع أصبح صعباً جداً على الأسر محدودة الدخل».

أعباء النقل

يواجه سائقو سيارات الأجرة بدورهم ضغوطاً متصاعدة؛ إذ يجدون أنفسهم أمام خيار إما رفع أجور النقل وإما تحمل ارتفاع تكاليف التشغيل.

وقال أحد سائقي سيارات الأجرة في العاصمة اليمنية المختطفة إن رفع سعر البنزين يضع السائقين أمام «خيارين صعبين»، موضحاً: «إذا رفعنا الأجرة؛ فلا يستطيع المواطن الدفع، وإذا أبقيناها كما هي، فلن يغطي الدخل تكلفة الوقود والصيانة».

وفي مدينة ذمار، قال أحد العاملين بالأجر اليومي إن ارتفاع أسعار المشتقات النفطية أصبح ينعكس على مختلف تفاصيل الحياة اليومية؛ نتيجة ارتباط نقل السلع والخدمات بتكلفة الوقود.

تجمع سيارات أجرة في أحد شوارع صنعاء (الشرق الأوسط)

وأضاف أن أسرته اضطرت خلال الفترة الأخيرة إلى تقليص مشترياتها من المواد الأساسية، قائلاً: «كل شيء يرتفع مع ارتفاع الوقود، بينما فرص العمل منعدمة، وهذا يجعلنا أمام معادلة صعبة».

وفي محافظة إب، قالت ربة أسرة إن الزيادات المتتالية في أسعار الوقود فاقمت الأعباء المعيشية، في ظل ثبات المداخيل وارتفاع تكاليف الغذاء والمواصلات.

وأضافت: «لم نعد نعرف كيف سندبر احتياجاتنا اليومية. كلما ارتفع سعر الوقود؛ ارتفعت معه أسعار المواصلات والمواد الأساسية، بينما دخل الأسرة لم يتغير».

احتكار وإيرادات

تتهم مصادر يمنية الجماعة الحوثية باستغلال سيطرتها على سوق المشتقات النفطية لتحقيق إيرادات كبيرة، من خلال احتكار استيراد الوقود وتوزيعه وبيعه في المناطق الخاضعة لنفوذها، إلى جانب الإيرادات الناتجة عن الضرائب والجبايات المفروضة على السكان والأنشطة التجارية.

وتقدر المصادر أن الجماعة تجني ملايين الدولارات يومياً من تجارة المشتقات النفطية، فضلاً عن موارد أخرى، بينما تتهمها بتوجيه جزء من هذه الإيرادات لتمويل أنشطتها العسكرية وتعزيز قدراتها في الحرب.

شاحنة مرور تقطع أحد شوارع صنعاء ضمن حملة جباية حوثية (الشرق الأوسط)

وتشير تقارير محلية إلى أن الجماعة تتسبب بأزمات متكررة في الوقود من خلال منع دخول شحنات المشتقات النفطية الآتية من المناطق الخاضعة للحكومة اليمنية، رغم انخفاض تكلفتها مقارنة بالوقود المستورد عبر ميناء الحديدة، وفق هذه التقارير.

وخلال السنوات الماضية، فرض الحوثيون أكثر من 9 زيادات سعرية على المشتقات النفطية في صنعاء وبقية مناطق سيطرتهم؛ مما أدى إلى ارتفاع متواصل في أسعار الوقود، وانعكس على تكاليف النقل وأسعار السلع والخدمات، وسط تدهور اقتصادي ومعيشي متفاقم.


الحوثيون ينقلون اقتصاد الجباية إلى الساحل الغربي اليمني

قادة حوثيون في ميناء المخا بعد السيطرة عليه (إعلام حوثي)
قادة حوثيون في ميناء المخا بعد السيطرة عليه (إعلام حوثي)
TT

الحوثيون ينقلون اقتصاد الجباية إلى الساحل الغربي اليمني

قادة حوثيون في ميناء المخا بعد السيطرة عليه (إعلام حوثي)
قادة حوثيون في ميناء المخا بعد السيطرة عليه (إعلام حوثي)

تواجه مناطق الساحل الغربي لليمن، وفي مقدمها مديريتا حيس والمخا ومحيطهما، موجة واسعة من التضييق المعيشي بعد سيطرة الجماعة الحوثية حديثاً، والتي سارعت إلى نقل منظومتها لتحصيل الموارد وفرض الجبايات والإتاوات القسرية والإجراءات المصرفية وحرب العملات مع الحكومة الشرعية، وحوّلت الأنشطة الزراعية والتجارية المحدودة مصادر لتمويل أنشطتها الميدانية.

لم تقتصر الإجراءات الحوثية على الجبايات والإتاوات؛ إذ توجهت مباشرة صوب المنظومة المصرفية عبر ذراعها النقدية في صنعاء، حيث بدأت فرض حظر تام على تداول الطبعة النقدية الجديدة من العملة الوطنية الصادرة عن البنك المركزي في عدن، ووجهت ببدء استبدالها بالطبعات القديمة المتهالكة أو الفئات المعدنية البديلة المستحدثة والمعتمدة لديها.

وبعدما سيطرت على مدينة المخا، أقدمت الجماعة على نقل محتويات مبنى البنك المركزي فيها إلى جهة مجهولة، في عملية وصفتها مصادر محلية في المدينة بالنهب المنظم.

وأعيد افتتاح مقر فرع البنك المركزي اليمني في المدينة في سبتمبر (أيلول) العام الماضي، بعد توقف نشاطه قرابة 10 سنوات بفعل الانقلاب الحوثي والحرب التي فرضتها الجماعة.

الحوثيون سيطروا على فرع «المركزي اليمني» في المخا (البنك المركزي اليمني)

وكشفت مصادر محلية مطلعة في المدينة عن اعتزام الجماعة إطلاق آليات تبادل مجحفة للعملات وبلا غطاء مصرفي عادل؛ ما أسهم في شل الحركة التجارية، المتضررة أصلاً بالعمليات العسكرية وسيطرة الجماعة؛ ما تسبب في توقف جماعي للأنشطة المصرفية وتلاشي قيمة المدخرات الحقيقية في غضون أيام.

ومن شأن ذلك، وفق خبراء اقتصاديين، أن يعمّق انقسام أسعار الصرف ونقل الفجوة المصرفية الحادة إلى قلب مجتمعات الساحل الغربي.

جبايات عاجلة

بدأت ملامح التضييق المعيشي في مديريات جنوب محافظة الحديدة وغرب محافظة تعز، فور سيطرة الجماعة على المنطقة، وكان افتتاح مكاتب ما يسمى «الهيئة العامة للزكاة» أولى خطواتها الميدانية لتحصيل الجبابات وفرض واقع مالي جديد، ولم يتوقف الأمر عند مصادرة المباني الحكومية وتحويلها مراكز للتحصيل الإجباري، بل امتد ليشمل عسكرة الطرقات الحيوية الرابطة بين القرى والبلدات.

مقار جديدة افتتحها الحوثيون لمؤسسات الجباية التابعة لهم في مديريتَي حيس والمخا (إكس)

وذكرت مصادر محلية أن الجماعة، وبمجرد سيطرتها، استحدثت منظومة من «الموازين الإلكترونية» ونقاط التفتيش العسكرية على المداخل المؤدية إلى الأسواق المحلية، لوزن محاصيل المزارعين من خضراوات وفواكه وقات، وفرض رسوم مالية ونسب عينية مجحفة قبل السماح ببيعها وتداولها؛ ما أدى إلى ارتفاع كبير في أسعار السلع الغذائية الأساسية وعجز السكان عن الشراء.

ووجَّه القادة الميدانيون خطابات لوجهاء وأعيان المناطق التي أخضعوها لسيطرتهم أخيراً، يحثونهم فيها على الإسراع بدفع مبالغ دورية لدعم «قوافل رفد الجبهات والمقاتلين»، والإسراع بتحصيلها من السكان، إلى جانب خطابات مشابهة للتجار وكبار ملاك المزارع.

وتعتزم الجماعة إقرار نظام جمارك داخلي مزدوج يفرض رسوماً على حركة البضائع القادمة من المحافظات المحررة.

وتضمنت توجيهات القادة الحوثيين للتجار والوجهاء وملاك المزارع الكبيرة بتقديم تبرعات مالية وعينية تتمثل بالمواشي والمواد الغذائية، وألزمت الأعيان بحصر العائلات في مناطقهم وتقديم بيانات كاملة عنهم لتقدير التبرعات التي سيجري إقرارها بناءً على عدد أفراد كل عائلة.

دمار هائل في ميناء المخا بفعل استهدافه من قِبل الحوثيين قبل السيطرة عليه (غيتي)

وكشفت المصادر المحلية، عن أن الجماعة ألزمت المطاعم والمحال التجارية بتقديم وجبات ومواد غذائية للمقاتلين وعناصر الأمن والمسلحين التابعين لها، وسط تهديدات مباشرة بالعقوبات القاسية والمصادرة في حال تجاهل طلباتهم.

تكلفة السيطرة

تقول مصادر «الشرق الأوسط» إنه، وفي مواجهة التذمر الشعبي الواسع بسبب تلك الإجراءات، لوّح القادة الحوثيون بالرد على شكاوى التجار وملاك المزارع بمواجهة تهم الخيانة، عادّين أن هذه الأموال المطلوب جبياتها هي مقابل إجباري لما سمّوه «تحريرهم» من سلطة الحكومة الشرعية، وطلبوا من السكان إظهار الامتنان والشكر بذريعة تخليصهم من «الاحتلال الأميركي والإسرائيلي»، وفقاً لرواية الجماعة وسرديتها.

وتعكس التقارير الحقوقية الأخيرة الصادرة عن منظمات محلية حجم الكارثة الإنسانية والاقتصادية المروعة في المنطقة، فحسب تقرير للشبكة اليمنية للحقوق والحريات، جرى اقتحام ومداهمة نحو 356 منشأة حكومية ومنزلاً خاصاً تعرضت لنهب كلي أو جزئي ومصادرة الأصول المادية والسيولة النقدية الموجودة بداخلها.

الجماعة الحوثية نقلت مباشرة ممارسات اقتصاد الحرب إلى المناطق التي سيطرت عليها أخيراً (إ.ب.أ)

وشملت عمليات المصادرة العسكرية نحو 30 سيارة خاصة و17 دراجة نارية، بالإضافة إلى نهب أجهزة ومركبات تابعة لمركز الأمم المتحدة الإنساني في المخا؛ ما تسبب في شلل تام لحركة الإغاثة والتبادل التجاري المحلي وحرمان المحتاجين من المساعدات الطارئة.

وكانت «مؤسسة تمكين المرأة اليمنية» وثقت في تقرير لها، منذ أيام، أكثر من 18 واقعة مصادرة أموال وممتلكات وفرض جبايات مباشرة خلال سعي الحوثيين على مناطق في جنوب محافظة الحديدة وغرب محافظة تعز.

ويعتمد غالبية سكان الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر على الزراعة الموسمية والصيد التقليدي، وهي أنشطة اقتصادية ذات دخل محدود ومتقطع، ويؤدي فرض الجبايات القسرية وصدمات الحرب إلى الإضرار بها بشكل بالغ.

أعمال جباية حوثية مكثفة لتمويل تصعيد الجماعة العسكري وتجنيد المزيد من المقاتلين (غيتي)

وتشهد المنطقة موجة نزوح جماعي واسعة النطاق عقب التطورات العسكرية الأخيرة، وسجلت الإحصاءات الرسمية الصادرة عن «الوحدة التنفيذية لمخيمات النازحين» نزوح ما لا يقل عن 823 أسرة (تضم أكثر من 5671 فرداً) من مديرية المخا وحدها باتجاه المناطق التي تسيطر عليها الحكومة الشرعية في تعز والمحافظات الجنوبية.

من جهتها، تتوقع الشبكة اليمنية للحقوق والحريات أن إجمالي العائلات المشردة والمهجرة قسرياً بفعل هذه الإجراءات الاقتصادية والأمنية التعسفية تجاوز 2300 أسرة في عموم مناطق الساحل الغربي؛ ما ينذر بكارثة إنسانية متفاقمة وأزمة لجوء حادة تتطلب تدخلاً عاجلاً من المجتمع الدولي والمنظمات الأممية.


قوات الحكومة اليمنية ترتّب صفوفها لاستعادة المبادرة الميدانية

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عثمان مجلي يتفقد القوات المسلحة في حجة (إعلام حكومي)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عثمان مجلي يتفقد القوات المسلحة في حجة (إعلام حكومي)
TT

قوات الحكومة اليمنية ترتّب صفوفها لاستعادة المبادرة الميدانية

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عثمان مجلي يتفقد القوات المسلحة في حجة (إعلام حكومي)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عثمان مجلي يتفقد القوات المسلحة في حجة (إعلام حكومي)

رفع الجيش اليمني وقواته المساندة مستوى التأهب في جبهات تعز وحجة، بالتزامن مع تحركات ميدانية لإعادة ترتيب الأوضاع العسكرية واستعادة زمام المبادرة، في وقت يضغط فيه الحوثيون على تعز بعد سيطرتهم على الساحل الغربي وصولاً إلى باب المندب.

في محافظة حجة (شمالي غرب)، تفقد عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عثمان مجلي قوات المنطقة العسكرية الخامسة والجبهات التابعة لها، واطلع على مستوى الجاهزية والتدريب والتأهيل والروح المعنوية لدى القوات، في مؤشر على استمرار رفع الاستعداد في الجبهة الشمالية الغربية.

واستمع مجلي من قائد المنطقة العسكرية الخامسة، اللواء الركن يحيى صلاح، إلى شرح بشأن المهام العملياتية ومستوى الجاهزية، قبل أن يتفقد المرابطين في الجبهات وينقل إليهم تحيات رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي وأعضاء المجلس.

وقال مجلي إن القوات المسلحة ماضية في مواجهة الحوثيين واستعادة مؤسسات الدولة، مشدداً على أهمية الحفاظ على الروح المعنوية والاستعداد لمعركة تحرير البلاد. كما أشاد بما وصفها بقدرة المنطقة العسكرية الخامسة على تطوير معدات لتصنيع الذخيرة وصيانة الأسلحة والعربات، إلى جانب تدعيم وحدة الطيران المسيّر ومنظومة الرصد المتقدم.

طيران الجيش اليمني يواصل استهداف قدرات الحوثيين في الساحل الغربي (إعلام حكومي)

وشملت الزيارة قوات التشكيل البحري وخفر السواحل وعدداً من الجزر قبالة مديرية ميدي، حيث تابع مجلي جهود إخلاء مواطنين وأفراد من جزيرة الزبير بعد تعرضهم للحصار نتيجة التطورات الأخيرة في الساحل الغربي. واطلع كذلك على جاهزية القوات البحرية لتأمين الجزر والمياه الإقليمية وتعزيز الحضور العسكري والأمني في القطاع الساحلي.

وتأتي زيارة مجلي في وقت تحاول فيه القوات الحكومية الحفاظ على مواقعها في شمال غربي البلاد، بالتوازي مع إعادة تقييم انتشارها العسكري عقب التطورات المتسارعة التي شهدها الساحل الغربي.

ضغط على تعز

في تعز (جنوبي غرب) أعلن الجيش اليمني، الثلاثاء، قصف منصة لإطلاق صواريخ باليستية للحوثيين في مطار تعز؛ الواقع شرق المدينة. وقال محور تعز العسكري إن الطيران الحربي استهدف المنصة، في خطوة تعكس تصاعد اليقظة العسكرية حول المدينة التي باتت تواجه ضغطاً متصاعداً من الجهة الغربية.

كما أعلنت القوات المسلحة اليمنية في وقت سابق استهداف عتاد وعناصر حوثية ومقار استولت عليها الجماعة في منطقتي ذوباب بمحافظة تعز والخوخة بمحافظة الحديدة، وفق المتحدث باسم القوات المسلحة العقيد الركن ماجد النزيلي.

الحوثيون يخططون لخنق مدينة تعز من الجهة الغربية وسط تصدي الجيش اليمني (إعلام حكومي)

وتزامنت هذه الضربات مع جولة ميدانية لرئيس أركان محور تعز، اللواء الركن عبد العزيز المجيدي، على عدد من الجبهات المحيطة بالمدينة، حيث اطلع على مستوى الجاهزية واليقظة، ودعا إلى مواصلة رفع الحذر والتعامل مع أي تحركات حوثية.

وفي جنوب تعز، تفقد قائد محور طور الباحة وقائد «اللواء الرابع مشاة جبلي»، اللواء الركن أبو بكر الجبولي، خطوط التماس الممتدة من بني عمر إلى جرداد وتخوم مديرية الوازعية، بما فيها جبهتا راسن والعلقمة.

وأكد الجبولي أن قواته في جاهزية قتالية عالية وقادرة على التعامل مع مختلف التطورات الميدانية، مشدداً على أهمية اليقظة والانضباط العملياتي والاستعداد الدائم لأي تحركات حوثية.

إعادة ترتيب

تأتي هذه التحركات بعد التحول الكبير الذي أحدثته سيطرة الحوثيين على أجزاء واسعة من الساحل الغربي، بما فيها المخا والخوخة وحيس، ثم وصولهم إلى باب المندب وعدد من الجزر في البحر الأحمر. وأدى ذلك إلى زيادة الضغط على تعز، التي يمكن أن تصبح هدفاً لمحاولات حوثية لتوسيع نطاق السيطرة وتشديد الخناق على المدينة وأريافها.

ويرى مراقبون أن تحركات القوات الحكومية في تعز وحجة تعكس محاولة لاحتواء تداعيات خسارة الساحل، ومنع الحوثيين من تحويل مكاسبهم الأخيرة إلى واقع ميداني دائم، بالتوازي مع إعادة تنظيم القوات ورفع مستوى الاستعداد في القطاعات الأعلى حساسية.

القوات المسلحة اليمنية ترفع جاهزيتها في جبهات تعز وسط ضغط حوثي (إعلام حكومي)

وفي هذا السياق، دعا مجلي القبائل إلى حماية أبنائها من التجنيد الحوثي والزج بهم في القتال، بينما أشاد بالدعم السعودي للقوات اليمنية والمشروعات الإنسانية والتنموية. كما تفقد جهود مشروع «مسام» في إزالة الألغام التي زرعتها الجماعة في المناطق المحررة.

وتشير التطورات إلى أن القوات الحكومية تحاول الانتقال من التعامل مع آثار الانتكاسة الأخيرة إلى بناء وضع عسكري أشد تماسكاً، خصوصاً في تعز، حيث تتقاطع الجبهات الداخلية مع الساحل وممرات البحر الأحمر؛ مما يجعل المحافظة محوراً رئيسياً في أي محاولة لاستعادة المبادرة العسكرية خلال المرحلة المقبلة.