النقمة الشعبية تزداد على «حزب الله» بعد إفشاله تشكيل الحكومة

التأزم الاقتصادي واستهداف مخزن لسلاحه جنوباً يفاقمان أحواله

TT

النقمة الشعبية تزداد على «حزب الله» بعد إفشاله تشكيل الحكومة

لم يعد «حزب الله» قادراً على استيعاب تداعيات العقوبات الأميركية التي بلغت ذروتها في الآونة الأخيرة حين طالت حلفاء له. فإذا كان على الصعيد الحزبي؛ كما على صعيد بيئته الشعبية، قد تكيف مع هذه العقوبات ومع الحصار المالي المفروض عليه من أكثر من جهة، من خلال منظومة خاصة به لا تمر بالقطاع المصرفي ولا بالمؤسسات الرسمية للدولة اللبنانية، فإن كثيرين يتوقعون أنه لن يتمكن من استيعاب النقمة الشعبية المتزايدة عليه، نتيجة تحميله مسؤولية الأوضاع الاقتصادية والانهيار المالي المتواصل، والتي بلغت ذروتها أخيراً مع اتهامه مباشرة من أكثر من فريق؛ وآخرهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بعرقلة عملية تشكيل الحكومة برئاسة مصطفى أديب.
وبدأت الأصوات ترتفع حتى ضمن البيئات الحليفة له وبالتحديد في بيئة «التيار الوطني الحر» برئاسة جبران باسيل، التي يحمّل قسم كبير منها الحزب مسؤولية عرقلة مهمة أديب الذي قرر أخيراً الاعتذار، نتيجة تمسكه ورئيس المجلس النيابي نبيه بري بحقيبة المالية ما أطاح بالجهود الأخيرة التي بذلت لإخراج البلد من عنق الزجاجة عبر المبادرة الفرنسية. ويتحدث قياديون في «الوطني الحر» في مجالسهم الخاصة عن رضوخ الحزب لعدم رغبة طهران في تقديم أي تنازلات تصب لصالح واشنطن قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية، ما أدى برأيهم، إلى جانب تمسك رؤساء الحكومات السابقين بتشكيل حكومة على قياسهم، إلى فشل مهمة مصطفى أديب.
ويرجح أستاذ السياسات والتخطيط في الجامعة الأميركية في بيروت الدكتور ناصر ياسين أن «تزداد الضغوطات على (حزب الله) وأن نشهد مزيداً من العقوبات عليه وعلى حلفائه، وإن كنا نعي أن هذه العقوبات والضغوطات بشكل عام لا تنهيه ولا توقف عمل ماكينة الحزب بأنواعها كافة، أي الأمنية والعسكرية والاجتماعية، إنما تجعل قدرته على التحرك أصعب، ولعل أدق مثال على ذلك العقوبات التي طالت النظام السوري». ويشير ياسين إلى أن «هذه العقوبات تؤثر على المجتمع اللبناني ككل، ومن ضمنهم البيئة الحاضنة للحزب، فالتأزم الاقتصادي يضرب الجميع ومراقبة حركة الأموال تضر بالجميع من هذه البيئة. وهذا ما يجعل الحزب يعمل بين الفينة والأخرى على تذكير جمهوره بدوره الحامي لهم من الأعداء؛ الاحتلال الإسرائيلي والهجوم الداعشي على حد سواء».
وطرح الانفجار الذي هز بلدة عين قانا جنوب لبنان الأسبوع الماضي، أكثر من علامة استفهام حول ما إذا كانت الضغوط على «حزب الله» انتقلت إلى استهداف مخازن سلاحه. ورغم عدم صدور أي رواية رسمية عن الحزب بهذا الخصوص وحديث مقربين منه عن أن ما انفجر هو مركز لتجميع مخلفات «حرب يوليو (تموز)» من ألغام، فإن «رويترز» كانت قد نقلت عن مصدر أمني قوله إن «انفجار جنوب لبنان وقع في مستودع أسلحة لـ(حزب الله) بسبب خطأ فني».
ويضع خبراء الانفجار في خانة «الموقف الأميركي - الإسرائيلي الواضح لجهة منع (حزب الله) من الاستحواذ على صواريخ عالية الدقة، ما يرجح فرضية الضربات العسكرية لمواقع للحزب يحتمل وجود هذه الصواريخ فيها».
ويعدّ رئيس «مركز الشرق الأوسط والخليج للتحليل العسكري (أنيجما)» رياض قهوجي أن «الضغوط الداخلية في المرحلة الراهنة كبيرة على (حزب الله)، وستزداد على الأرجح بعدما حشره الرئيس الفرنسي أخيراً في الزاوية»، لافتاً إلى أنه «حشر أيضاً حلفاءه؛ وبخاصة (التيار الوطني الحر) الذي لا شك يجد نفسه محرجاً جداً، باعتبار أن فرنسا، الحليف الأساسي لمسحيي لبنان، هي من تقول إن من يعرقل تشكيل الحكومة والنهوض بالبلد هو (حزب الله)، ذاهبة أبعد من ذلك بالحديث عن دور سلبي يلعبه كميليشيا تحاول أن تقوم بدور سياسي».
ويضيف قهوجي لـ«الشرق الأوسط»: «عادة عندما يحاصر (حزب الله) فهو يهاجم، وبالتالي إذا رأى عملية ابتعاد عنه من قبل حلفائه مما يؤدي لتشديد الحصار عليه، فقد نشهد ردة فعل غير متوقعة».
في المقابل، يتحدث الكاتب والمحلل السياسي المختص في شؤون «حزب الله»، قاسم قصير، عن تكيف «حزب الله» مع الضغوط، لافتاً إلى أنه «رغم صعوبتها، فهو يعمل على مواجهتها ويسعى لمعالجة الأزمة، أضف أن لديه خططاً متعددة سواء على المستوى الحزبي وعلى الصعيد العام، علماً بأن المعركة تطال الجميع من منطلق أنه ليس وحده المسؤول عما يجري، بل الجميع يتحمل المسؤولية؛ خصوصاً سعد الحريري ورؤساء الحكومات السابقين الذين أرادوا إحداث انقلاب سياسي في البلد». ويصف قصير في تصريح لـ«الشرق الأوسط» الأحداث الأمنية التي شهدتها البلاد أخيراً بـ«الخطيرة»، مشيراً إلى أنه «ليست هناك معلومات عما جرى في عين قانا سوى أنه خطأ تقني»، عادّاً أن احتمال الحرب يبقى مستبعداً حالياً.



جهود سعودية مكثفة لتطبيع الأوضاع وتوحيد القوات في جنوب اليمن

اجتماع في محافظة شبوة بحضور الوفد السعودي العسكري (سبأ)
اجتماع في محافظة شبوة بحضور الوفد السعودي العسكري (سبأ)
TT

جهود سعودية مكثفة لتطبيع الأوضاع وتوحيد القوات في جنوب اليمن

اجتماع في محافظة شبوة بحضور الوفد السعودي العسكري (سبأ)
اجتماع في محافظة شبوة بحضور الوفد السعودي العسكري (سبأ)

كثّفت السعودية، عبر تحالف دعم الشرعية في اليمن، تحركاتها العسكرية والأمنية والسياسية في عدد من المحافظات الجنوبية اليمنية، في إطار جهود تهدف إلى تطبيع الأوضاع، وتعزيز الأمن والاستقرار، وتنظيم عمل التشكيلات العسكرية تحت مظلة وزارتي الدفاع والداخلية، بالتوازي مع مساعٍ دبلوماسية داعمة للتهدئة وفتح مسارات حوار حول القضايا الوطنية.

وفي هذا السياق عقد لقاء عسكري تشاوري في ديوان وزارة الدفاع اليمنية بالعاصمة المؤقتة عدن، برئاسة نائب رئيس هيئة الأركان العامة اللواء الركن أحمد البصر سالم، لمناقشة تنفيذ قرارات وتوجيهات القيادة السياسية ممثلة برئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي، القائد الأعلى للقوات المسلحة، بشأن وضع وعمل التشكيلات العسكرية.

وضم اللقاء - وفق الإعلام الرسمي - ممثلين عن هيئات العمليات المشتركة، والتشكيلات العسكرية، ومسؤولي وزارة الدفاع وهيئة الأركان العامة، حيث جرى استعراض الإجراءات المتعلقة بتنظيم وتوحيد عمل القوات ضمن جيش وطني نظامي موحد، يعمل تحت قيادة واحدة وغرفة عمليات مشتركة، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار في العاصمة المؤقتة عدن وبقية المحافظات المحررة.

اجتماع للقادة العسكريين اليمنيين في مقر وزارة الدفاع في عدن (سبأ)

وأكد اللواء البصر أن القيادة السياسية والعسكرية تولي هذا الملف اهتماماً بالغاً، بعدّه خطوة محورية في مسار بناء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة، مشدداً على ضرورة الالتزام بالعمل المؤسسي والانضباط العسكري، والعمل تحت مظلة وزارة الدفاع وقيادة هيئة الأركان العامة.

كما شدد على أهمية التنسيق الكامل مع الوفد العسكري للقوات المشتركة لدعم الشرعية، برئاسة اللواء الركن فلاح الشهراني، مستشار قائد القوات المشتركة، بما يضمن تنفيذ التوجيهات الصادرة، وتحقيق الأهداف الأمنية.

من جانبه، أكد اللواء فلاح الشهراني أهمية خروج جميع القوات والمظاهر المسلحة من مدينة عدن، والحفاظ على الطابع المدني للعاصمة المؤقتة، مشدداً على ضرورة إبقاء مطار عدن منشأة مدنية تخدم المواطنين.

وفد سعودي عسكري في عدن لتطبيع الأوضاع الأمنية وتوحيد القوات (إكس)

وقال الشهراني، في تصريح خلال لقائه قيادات التشكيلات العسكرية في عدن، بما في ذلك التشكيلات المحسوبة على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، إن وجود وفد التحالف في عدن يحمل رسالة طمأنة للمواطنين والسلطات المحلية، ويعكس التزام السعودية بدعم الأمن والاستقرار بوصفهما شرطاً أساسياً للانتقال إلى مرحلة جديدة من التنمية والاستجابة لاحتياجات المواطنين.

شبوة والمهرة وسقطرى

في شبوة، ناقش محافظ المحافظة عوض محمد ابن الوزير، مع لجنة عسكرية من قيادة تحالف دعم الشرعية برئاسة العميد الركن عبد الإله العتيبي، أوجه التنسيق المشترك لتعزيز جهود الأمن والاستقرار في المحافظة. بحسب الإعلام الرسمي اليمني.

وخلال اللقاء، الذي حضره الأمين العام للمجلس المحلي عبد ربه هشله، وقادة المحاور والألوية والوحدات الأمنية والعسكرية، ثمّن المحافظ اهتمام قيادة القوات المشتركة بمحافظة شبوة، ودعمها المتواصل لجهود تثبيت الأمن وترسيخ الاستقرار، مؤكداً أهمية تعزيز العمل المؤسسي وتكامل الأدوار بين السلطة المحلية ووزارة الدفاع وهيئة الأركان العامة.

من جهته، أوضح العميد الركن عبد الإله العتيبي أن مهمة اللجنة العسكرية تتمثل في مساعدة قيادة المحافظة على إعادة ترتيب وتنظيم أوضاع مختلف الوحدات العسكرية والأمنية، وفقاً لتوجيهات رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي وقيادة تحالف دعم الشرعية، بما يمكنها من مواصلة دورها في حماية أمن واستقرار شبوة وصيانة سلمها الاجتماعي.

وفي محافظة المهرة، تفقد قائد قوات درع الوطن العميد عبد الله الجدحي، الأوضاع الأمنية في مديرية شحن والمنفذ الحدودي مع سلطنة عمان، واطلع على مستوى الجاهزية والانضباط والتنسيق بين الوحدات الأمنية والجهات المختصة.

وأكد الجدحي أهمية منفذ شحن لكونه أحد المنافذ الحيوية والاستراتيجية، مجدداً التأكيد على جاهزية قوات درع الوطن لتأمين المنفذ، وضمان انسيابية الحركة وتسهيل إجراءات العبور للمواطنين والمسافرين.

سعي رسمي في سقطرى لتطبيع الأوضاع بالتعاون مع قوة الواجب السعودية (سبأ)

وفي محافظة سقطرى، عُقد لقاء موسع برئاسة المحافظ رأفت الثقلي، ضم قيادات السلطة المحلية ومشايخ المراكز السكانية، وناقش الأوضاع العامة وسبل تعزيز الأمن والاستقرار في المحافظة. طبقاً لما أفادت به المصادر الرسمية.

وأكد المحافظ أهمية توحيد الصف وتعزيز الوعي المجتمعي، مرحباً بقوات «درع الوطن» بوصفها قوة وطنية تعمل بإشراف مجلس القيادة الرئاسي وقيادة التحالف العربي بقيادة السعودية.

وأقر اللقاء - بحسب الإعلام الرسمي - تشكيل لجنة خاصة من مشايخ المحافظة للتواصل المستمر مع قيادة السلطة المحلية وقائد قوات الواجب (808)، بهدف تنسيق الجهود ومعالجة أي إشكالات بصورة عاجلة.

حراك سياسي ودبلوماسي

على مستوى التحركات السياسية والدبلوماسية تواصلت لقاءات أعضاء مجلس القيادة الرئاسي مع شركاء اليمن، وفي هذا السياق التقى عضو المجلس عبد الرحمن المحرمي، السفيرة الفرنسية لدى اليمن كاترين قرم كمون.

ونقل الإعلام الرسمي أن المحرمي أشاد بالموقف الفرنسي الداعم لجهود الإصلاحات الاقتصادية والتنموية في اليمن، مؤكداً أهمية تعزيز الشراكة مع المجتمع الدولي في حماية الممرات المائية وخطوط الملاحة الدولية من التهديدات التي تشكلها الجماعات المسلحة.

كما ثمّن المحرمي الدور الذي تضطلع به السعودية في قيادة جهود خفض التصعيد واحتواء التطورات الأخيرة، وحرصها على تثبيت دعائم الأمن والاستقرار في المحافظات المحررة.

وأكد عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن التوصل إلى حل عادل ومنصف للقضية الجنوبية، من خلال حوار جامع، يمثل ركيزة أساسية لدعم الجهود الرامية لاستعادة مؤسسات الدولة، وإنهاء الانقلاب الحوثي، مشدداً على أهمية تعزيز الشراكة مع المانحين الدوليين لدعم برامج الإعمار وتحسين الخدمات.

طارق صالح عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني مجتمعاً مع سفير الاتحاد الأوروبي (سبأ)

من جهته، استقبل عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، سفير الاتحاد الأوروبي لدى اليمن باتريك سيمونيه، وأفاد الإعلام الرسمي بأن اللقاء ناقش آفاق الشراكة بين اليمن ودول الاتحاد الأوروبي، وجهود مجلس القيادة والحكومة لتثبيت الأمن في المحافظات المحررة، إضافة إلى المخاطر المرتبطة بالإرهاب والقرصنة في البحر الأحمر.

وثمّن عضو مجلس القيادة - بحسب المصادر الرسمية - مواقف الاتحاد الأوروبي الداعمة لليمن ووحدة أراضيه، مشيداً بدوره في إسناد العمليات الإنسانية خلال السنوات الماضية. وأطلع السفير الأوروبي على التطورات الأخيرة في المحافظات المحررة، مؤكداً أن تحسّن الاستقرار يتطلب تعزيز حضور الدولة ورفع كفاءة الخدمات الأساسية. كما أشاد صالح بالدور الذي تضطلع به السعودية، خصوصاً رعايتها للحوار الجنوبي – الجنوبي المرتقب في الرياض.


بعد ترحيل اليهود والبهائيين… الحوثيون يقمعون معتنقي المسيحية

الحوثيون يواصلون اعتقال أكثر من 100 ناشط في محافظة إب (إعلام محلي)
الحوثيون يواصلون اعتقال أكثر من 100 ناشط في محافظة إب (إعلام محلي)
TT

بعد ترحيل اليهود والبهائيين… الحوثيون يقمعون معتنقي المسيحية

الحوثيون يواصلون اعتقال أكثر من 100 ناشط في محافظة إب (إعلام محلي)
الحوثيون يواصلون اعتقال أكثر من 100 ناشط في محافظة إب (إعلام محلي)

بعد سنوات من استهداف الأقليات الدينية في اليمن، صعّدت جماعة الحوثيين من حملتها القمعية لتطول معتنقي المسيحية، في تطور وصفه حقوقيون بأنه «حلقة جديدة» على مسار من الاضطهاد الديني المنهجي.

ووفق مصادر محلية وبيانات حقوقية، فقد نفذت الجماعة خلال الأسابيع الماضية حملات اعتقال واسعة، شملت العشرات من اليمنيين المسيحيين في صنعاء ومحافظات أخرى، بالتوازي مع استمرار احتجاز أكثر من 100 ناشط ومدني في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء).

وأكد «المجلس الوطني للأقليات» في اليمن، وهو كيان حقوقي يضم ممثلين عن الطوائف اليهودية والبهائية والمسيحية والمهمشين، أن الاعتقالات الأخيرة تمثل تصعيداً خطيراً يستهدف حرية الدين والمعتقد، ويقوّض ما تبقى من القيم الإنسانية والقانونية في البلاد، محذراً بأن هذه الممارسات ترقى إلى مستوى «الاضطهاد الديني المنظم».

وأوضح «المجلس»، في بيان وزعه على وسائل الإعلام، أن جماعة الحوثيين، وبعد «استئصال الوجود اليهودي في اليمن، وترحيل رموز الطائفة البهائية، خلال السنوات الماضية، وجّهت بوصلتها القمعية نحو أتباع الديانة المسيحية، في إطار سياسة منظمة تقوم على الإقصاء الديني واستهداف التنوع المذهبي والفكري».

الجماعة الحوثية استهدفت أتباع الديانات الأخرى بالاعتقال والترحيل (إعلام محلي)

وأشار البيان إلى أن الجماعة سبق أن اعتقلت 7 يمنيين مسيحيين، عادّاً ذلك مؤشراً واضحاً على «مسار ممنهج في الاضطهاد، وليس حوادث معزولة». وأضاف أن الاعتقالات التعسفية الأخيرة شملت «مواطنين لا ذنب لهم سوى انتمائهم الديني، في انتهاك صارخ لمبادئ حقوق الإنسان والمواثيق الدولية التي تكفل حرية الفكر والوجدان والمعتقد».

وشدد «المجلس» على أن اليمنيين من أتباع الديانة المسيحية يشكلون جزءاً أصيلاً من النسيج الوطني، ويتمتعون بالحقوق والواجبات نفسها كسائر المواطنين، وأن استهدافهم بسبب معتقدهم يمثل اعتداءً مباشراً على مبدأ المواطنة المتساوية، وعلى وحدة المجتمع، ويغذي خطاب الكراهية والانقسام.

انتهاك فاضح

ووصف «المجلس الوطني للأقليات» هذه الممارسات بأنها «انتهاك جسيم لحرية الدين والمعتقد، وهي حق أصيل كفلته الشرائع السماوية قبل القوانين الوضعية»، مؤكداً أن «العلاقة بين الإنسان وربه تقوم على الاختيار والضمير الحر، لا على الإكراه والترهيب». وعدّ أن ما تقوم به جماعة الحوثيين يكشف عن زيف شعارات «التعايش» التي ترفعها، و«يفضح التناقض العميق بين خطابها الديني المعلن وسلوكها القائم على الإكراه والعقاب الجماعي على أساس المعتقد».

وأكد البيان أن هذه الممارسات تضع الجماعة في خانة «الجماعات المتطرفة الراديكالية» التي «تستخدم الدين أداة للهيمنة والسيطرة، وتحول الخلاف الديني إلى ذريعة للقمع والاعتقال، وهي أفعال ترقى إلى مستوى الاضطهاد الديني، وتشكل نوعاً من الإرهاب الفكري والعقائدي».

العشرات من عمال الإغاثة يواجهون أحكاماً بالإعدام في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

وفي سياق متصل، حذر حقوقيون بأن تصاعد الانتهاكات لا يقتصر على الأقليات الدينية، بل يشمل أيضاً عمال الإغاثة والناشطين، حيث يواجه العشرات منهم أحكاماً بالإعدام أو محاكمات تفتقر إلى أدنى معايير العدالة في مناطق سيطرة الحوثيين؛ مما يعكس اتساع دائرة القمع وتوظيف القضاء لأغراض سياسية وآيديولوجية.

وطالب «المجلس الوطني للأقليات» في اليمن بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المعتقلين المسيحيين، وكل معتقلي الرأي والمعتقد، محمّلاً جماعة الحوثيين المسؤولية القانونية والأخلاقية الكاملة عن سلامة المعتقلين، وعن أي أضرار جسدية أو نفسية قد يتعرضون لها خلال الاحتجاز.

دعوة لمساءلة دولية

ودعا «المجلس» المعني بحقوق الأقليات، الأمم المتحدة، ومجلس حقوق الإنسان، والمقررين الخاصين المعنيين بحرية الدين والمعتقد، وكل المنظمات الدولية والإقليمية ذات الصلة، إلى «اتخاذ موقف واضح وحازم، والضغط الجاد لوقف هذه الانتهاكات، وضمان المساءلة وعدم الإفلات من العقاب».

وفي الوقت ذاته، حمّل «المجلس» الحكومة اليمنية الشرعية المعترف بها دولياً مسؤولية التحرك الجاد للدفاع عن حقوق جميع المواطنين دون تمييز، مطالباً بإدانة صريحة لهذه الانتهاكات، والعمل على إدخال تعديلات دستورية وقانونية تضمن حرية الدين والمعتقد وحرية الضمير، وتكفل حق كل إنسان في اختيار معتقده دون إكراه أو وصاية.

وشدد البيان على أن «حرية الدين والمعتقد ليست امتيازاً تمنحه سلطة سياسية أو دينية، بل حق إنساني أصيل»، وأن «أي سلام حقيقي أو دولة عادلة في اليمن لا يمكن أن تقوم دون ضمان هذا الحق، وتجريم كل أشكال الإكراه الديني، سواء مورست بالسلاح أو بالقانون أو بالضغط الاجتماعي»، محذراً بأن «استمرار الصمت الدولي سيشجع على مزيد من الانتهاكات ويعمّق مأساة اليمنيين».


هلع حوثي في صنعاء على وقع الاحتجاجات المتصاعدة في إيران

عنصر حوثي في ميدان السبعين بصنعاء خلال حشد للجماعة المتحالفة مع إيران (إ.ب.أ)
عنصر حوثي في ميدان السبعين بصنعاء خلال حشد للجماعة المتحالفة مع إيران (إ.ب.أ)
TT

هلع حوثي في صنعاء على وقع الاحتجاجات المتصاعدة في إيران

عنصر حوثي في ميدان السبعين بصنعاء خلال حشد للجماعة المتحالفة مع إيران (إ.ب.أ)
عنصر حوثي في ميدان السبعين بصنعاء خلال حشد للجماعة المتحالفة مع إيران (إ.ب.أ)

تعيش العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء حالة هلع غير مسبوقة في أوساط الجماعة الحوثية، تزامناً مع الاحتجاجات المتصاعدة التي تشهدها إيران، الداعم الرئيسي للجماعة، وسط مؤشرات واضحة على ارتباك عميق وقلق متصاعد من انعكاسات محتملة قد تمس مستقبل الجماعة وقدرتها على الاستمرار سياسياً وأمنياً.

وكشفت مصادر مقربة من دوائر الحكم الحوثية في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» عن صدور تعليمات صارمة من قيادات عليا برفع مستوى الجاهزية الأمنية إلى الحد الأقصى، وتعزيز الانتشار المسلح في الشوارع الرئيسية، ومحيط المؤسسات الحكومية والأمنية، إضافة إلى استحداث نقاط تفتيش جديدة، في إجراء يعكس خشية الجماعة من أي تحركات مفاجئة قد تستغل حالة الارتباك الداخلي.

وبحسب المصادر، فإن قيادات الصف الأول في الجماعة لا تزال متوارية عن الأنظار منذ أسابيع، وسط مخاوف من استهدافات محتملة أو انفلات أمني، في حين كثفت قيادات الصف الثاني خلال اليومين الماضيين اجتماعات مغلقة لمناقشة ما تصفه بـ«السيناريوهات الأسوأ»، بالتوازي مع فرض قيود إضافية على تحركات العناصر الميدانية، وتشديد الرقابة الداخلية.

مسلحون حوثيون في أثناء انتشارهم في أحد شوارع العاصمة صنعاء (إكس)

وتشير المصادر إلى أن الجماعة أطلقت حملة تعبئة داخلية مكثفة، شملت توجيه الخطباء ووسائل الإعلام التابعة لها بالتركيز على خطاب «الصمود» و«المواجهة»، في محاولة لاحتواء القلق المتنامي في أوساط أتباعها، إلا أن هذه المساعي بدت عاجزة عن تبديد المخاوف، خصوصاً مع تزايد الأخبار الواردة من طهران، وما تحمله من دلالات مقلقة بالنسبة للجماعة.

ويعود هذا الهلع، وفق المصادر، إلى إدراك الحوثيين لحجم ارتهانهم السياسي والعسكري لإيران، إذ يشكل الدعم الإيراني ركيزة أساسية لقدراتهم في مجالات التمويل، والتسليح، والتدريب، والدعم الإعلامي. وأي اضطراب جوهري في وضع النظام الإيراني، أو انشغاله بأزماته الداخلية، من شأنه أن ينعكس بشكل مباشر على وضع الجماعة في اليمن.

مخاوف كبيرة

ويؤكد محلل سياسي في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» أن الإجراءات الحوثية الأخيرة تعكس حالة خوف حقيقية من تكرار سيناريوهات مشابهة لما تشهده إيران. ويضيف أن الجماعة تواجه في الوقت ذاته احتقاناً شعبياً متصاعداً في مناطق سيطرتها، نتيجة التدهور الحاد في الأوضاع المعيشية، وارتفاع الأسعار، وانقطاع الرواتب، وغياب الخدمات الأساسية، فضلاً عن استمرار حملات القمع والاختطاف بحق المعارضين.

ولا يستبعد «أمين» اندلاع احتجاجات شعبية مفاجئة، موضحاً أن الجماعة تتعامل مع أي بوادر تجمع أو تعاطف مع أحداث إيران بعدّها «خطاً أحمر». ويقول: «نشاهد تحركات غير طبيعية لعناصر الجماعة ليلاً ونهاراً، نقاط تفتيش مستحدثة، تفتيشاً للهواتف، وتضييقاً غير مسبوق على المواطنين... من الواضح أنهم خائفون مما يجري في إيران».

عبد الملك الحوثي يُعتقد أنه يعيش متخفياً في كهوف صعدة (إعلام حوثي)

وفي السياق ذاته، كشف تاجر في سوق هائل وسط صنعاء عن تشديد الأجهزة الأمنية الحوثية الرقابة على الأسواق والمتاجر، وإجبار بعض المحال على الإغلاق المبكر، عادّاً أن «أي تجمع يُنظر إليه كتهديد محتمل». وأضاف: «حتى الحديث العابر عن إيران بات محفوفاً بالمخاطر».

من جانب آخر، أفاد ناشطون إعلاميون في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» بتصعيد الخطاب الإعلامي الحوثي خلال الأيام الأخيرة، عبر التقليل من شأن الأحداث في إيران، والتشكيك في مصادرها، مقابل التركيز المكثف على مفردات «المعركة المصيرية» و«محور المقاومة».

إلا أن هؤلاء أكدوا فشل هذه الحملات في تهدئة المخاوف، بل إنها أسهمت في زيادة التوتر، في ظل تداول أنباء عن خلافات داخلية وتبادل اتهامات بين قيادات الجماعة حول ما يُعرف بـ«مرحلة ما بعد إيران».

مشروع غير يمني

في هذا السياق، يرى محلل سياسي يمني – فضل عدم ذكر اسمه – أن حالة الاستنفار في صنعاء تكشف بوضوح عن طبيعة الحوثيين كجماعة تابعة لا تمتلك قرارها السيادي. وأكد أن أي تصدع في إيران يعني بالضرورة اهتزاز العمود الفقري للجماعة، لأن مشروعها، بحسب تعبيره، «ليس مشروعاً يمنياً وطنياً، بل امتداد مباشر للمشروع الإيراني في المنطقة».

عناصر أمن حوثية تهتف بالصرخة الخمينية في أحد شوارع صنعاء (فيسبوك)

ويجمع متابعون للشأن اليمني على أن القلق الحوثي الحالي مبرر، في ظل مرحلة حرجة تمر بها إيران، مؤكدين أن أي انكفاء إيراني سيضع الجماعة وقادتها أمام واقع بالغ الصعوبة، خصوصاً مع تنامي الغضب الشعبي والانقسامات الداخلية والأزمات الاقتصادية الخانقة.

ويرى محللون يمنيون أن حالة الارتباك التي تعيشها صنعاء ومدن أخرى تعكس هشاشة المشروع الحوثي، القائم على الارتباط الخارجي أكثر من اعتماده على قاعدة داخلية حقيقية، لافتين إلى أن أي تغيرات جوهرية في المشهد الإيراني قد تفتح الباب أمام تصدعات داخل الجماعة، أو على الأقل تُضعف قدرتها على الاستمرار في فرض قبضتها بالقوة.