«الاغتراب» وعجز المثقفين من «القاهرة الجديدة» إلى «ثرثرة فوق النيل»

منى بركات تتناول أبعاده وانعكاساته في أعمال محفوظ

لقطة من الفيلم المأخوذ من رواية «ثرثرة فوق النيل» من أكثر روايات محفوظ التي تعكس سلبية المثقفين وتشرنقهم حول أنفسهم
لقطة من الفيلم المأخوذ من رواية «ثرثرة فوق النيل» من أكثر روايات محفوظ التي تعكس سلبية المثقفين وتشرنقهم حول أنفسهم
TT

«الاغتراب» وعجز المثقفين من «القاهرة الجديدة» إلى «ثرثرة فوق النيل»

لقطة من الفيلم المأخوذ من رواية «ثرثرة فوق النيل» من أكثر روايات محفوظ التي تعكس سلبية المثقفين وتشرنقهم حول أنفسهم
لقطة من الفيلم المأخوذ من رواية «ثرثرة فوق النيل» من أكثر روايات محفوظ التي تعكس سلبية المثقفين وتشرنقهم حول أنفسهم

دراسة جديدة تقوم بها الباحثة د. منى بركات عن عالم صاحب نوبل حملت عنوان «الاغتراب في أدب نجيب محفوظ - دراسة سوسيولوجية» وصدرت في القاهرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.
اعتمدت الدراسة على عدد من أبرز أعمال محفوظ التي تبرز - بحسب الكاتبة - مفهوم الاغتراب لديه وتنتمي إلى مراحل زمنية مختلفة مثل رواية «كفاح طيبة»، التي كتبها محفوظ في الثلاثينات من القرن الماضي، و«القاهرة الجديدة» التي تعد باكورة الروايات التي بشرت بميلاد بطل ثوري في الرواية المصرية، وكذلك «اللص والكلاب» كنموذج على التمرد الفردي و«ثرثرة فوق النيل» كمثال على اغتراب المثقفين، و«المرايا» كنموذج على ظاهرة «التشيؤ» التي تعكس فقدان الإنسان العربي مقومات شخصيته الأصيلة.
مصطلحا الاغتراب والغربة
ترجع المؤلفة لتحديد المعنى اللغوي لكلمة الاغتراب والغربة إلى معاجم اللغة العربية والغربية، والتمييز بينها وبين الغربة. الغربة يقصد بها الغربة المكانية، أي الابتعاد عن الوطن، أو الغربة الاجتماعية، أي الانفصال عن الآخرين أو كلا المعنيين معاً. أما دائرة المعارف البريطانية فتحمل كلمة الاغتراب لديها عدة معان منها «الضعف والوهن»، أي إحساس الفرد بأن مصيره محكوم بعدة عوامل خارجية مثل القدر والحظ والمؤسسات الرسمية، كما تعني كذلك «الخلو من المعنى»، أي الافتقار إلى المنطق فيما يجري في الحياة من أحداث وعدم وجود قواعد ثابتة تحكم السلوك البشري، أو تعني «العزلة الثقافية»، وقد يأتي «الاغتراب»، بمعنى العزلة الذاتية التي تشير إلى عدم اتساق الفرد مع ذاته.
ومن بين التعريفات الفلسفية للاغتراب تتوقف المؤلفة عند الفيلسوف الألماني «هيغل»، الذي يعرفه بأنه «حالة اللا قدرة أو العجز التي يعانيها الإنسان عندما يفقد سيطرته على منتجاته وممتلكاته فتوظف لصالح غيره».
وتذهب الكاتبة إلى أن هذه المفاهيم المتعددة للاغتراب تتجسد في رواية «القاهرة 30» حيث يتجلى حال السواد الأعظم للشعب في مواجهة النخبة المهيمنة الفاسدة المرتبطة بالاحتلال البريطاني الجاثم على صدر البلاد آنذاك، وهدر كرامة أبنائها ودفعهم إلى السقوط والانحلال في سبيل التخلص من الفقر والبؤس. وهنا يظهر نموذج «محجوب عبد الدايم»، الذي يتمنى أن يصبح عظيماً ولو بارتكاب جريمة تؤدي به إلى حبل المشنقة، لقد عاش هذا الشخص المعدم صراعاً رهيباً وسط علاقات اجتماعية تعتبر الانحرافات الأخلاقية بكل أشكالها الشخصية والسياسية والفكرية سلماً طبيعياً للنجاح حتى أصبح يؤمن بأنه أحمق من يضيع على نفسه لذة لأي وهم من الأوهام التي ابتدعتها الإنسانية. وهكذا انحرف «محجوب» وتحول من مجرد باحث عن رغيف الخبز إلى التطلع لأعلى، لكن انحراف «عبد الدايم» لا يحمل فقط الإدانة لطبقته الفقيرة المسحوقة في المجتمع، وإنما يحمل أيضاً الإدانة للحكومة وأعوانها الذين عاثوا في الأرض فساداً فحاصروا طموحات المواطن البسيط وضيعوا آماله. ويؤكد محفوظ أن الشعارات الثورية وحدها والتي أطلقها المثقفون آنذاك دون أن تتبعها خطوات إيجابية عملية على الأرض لن تجدي نفعاً ولن تستطيع أن تنقذ هذه الطبقة المسحوقة من آلامها كما ستفشل في الوقوف أمام الانحلال والفوضى التي تستشري في المجتمع جراء الاستبداد والفساد.
العدالة المفقودة
وتشير المؤلفة إلى أن غياب العدالة الاجتماعية في مصر الأربعينات كان أحد أسباب ظاهرة الاغتراب كما تتجلى بوضوح في رواية «بداية ونهاية»، التي يقدم فيها نجيب محفوظ صورة من صور الصعوبات الاقتصادية التي يتعرض لها المواطن البسيط منذ معاهدة 1936 وحتى عام 1939 قبل الحرب العالمية الثانية مباشرة. وتعد الرواية من أعنف روايات محفوظ الاجتماعية وأكثرها مأساوية، فالظلم الاقتصادي مطروح، وموضوع الفقر يبدو مهيمناً، كما أن آثار الفقر والحرمان والجوع التي تعاني منه الفئات المسحوقة من المجتمع تبرز جلية في كل أحداث الرواية التي تجري في الأحياء الفقيرة من العاصمة. الأبطال أربعة أخوة في العائلة تجد نفسها بلا معيل ودون معاش يذكر إثر موت الأب الفجائي ومحاولة الأم بكل ما أوتيت من إرادة وتدبير أن تنقذ عائلتها من التدهور الذي يصل إلى حد الانتحار.
وتوضح المؤلفة أن العجز هو أكثر مظاهر الاغتراب تكراراً في البحوث المعنية بهذا الموضوع ويقصد به «شعور الفرد بأنه محكوم بعوامل خارجية ومن ثم فقدانه الشعور بأنه قوة حاسمة ومقررة في حياته»، ويصبح بالتالي منفعلاً بالأحداث لكنه غير فاعل فيها. أما العزلة فتعمق الشعور بالعجز وبانعدام الجدوى لما يؤديه الفرد من أعمال في حياته، وبالتالي يعيش في الإحباط والضياع، فهما نتيجة حتمية لما تعانيه الشخصية من يأس وتمزق وعجز وعزلة.
وترى منى بركات أن مؤلفات محفوظ جسدت كل هذا ببراعة في حقبة الستينيات، وكانت بمثابة مرآة للحياة السياسية والاجتماعية والثقافية في مصر كما أنها تعكس أزمة المثقفين على اختلاف ميولهم مع السلطة في الفترة من 1961 إلى 1967. من بين هذه الأعمال المهمة «اللص والكلاب» و«ثرثرة فوق النيل» و«ميرامار»، وهي تعبر بشكل أساسي عن أزمة المثقفين الذين قد شعروا بالعجز وبالضياع من جراء إحباطهم من الأنظمة القمعية التي حكمت العالم العربي في ذلك الحين فضربوا على أنفسهم عزلة تعبر عن قلة حيلتهم وضيق صدورهم بعالمهم ويأسهم من تحقيق ذواتهم فيه.
توضح الكاتبة أنه سواء كان الشعور بالعجز نابعاً من أنفسهم أم نابعاً من أسباب خارجية عن وارداتهم، فإن صاحب نوبل كان يرى أن هذا الشعور بالعجز قد صنع من المثقفين في النهاية نماذج محبطة مغتربة عن عالمها. ويظهر ذلك في شخصية سعيد مهران في رواية «اللص والكلاب»، تلك الشخصية التي كانت نموذجاً لحالة التمزق والعجز التي عاشها اليساريون في تلك الفترة حين أفقدته خيانة المبادئ الثورية معنى الحياة، وبثت مشاعر الإحباط والضياع والقلق الحاد والإحساس بالتمزق والحزن في نفسه. كانت شخصية سعيد مهران، كما تضيف المؤلفة، مرسومة في هذه الرواية «كبطل إشكالي»، وربما لذلك نراه على طول الرواية محبطاً من الأوضاع السياسية التي تسيطر على مصر بسب عدم وفاء الساسة بوعودهم بالعدالة الاجتماعية للشعب من وجهة نظره كيساري، وبسبب عجزه عن التأثير في السياسة العليا لبلاده مما أشعره بالعجز والضياع. ولقد حاولت هذه الشخصية المأزومة أن تخرج من حالة اليأس عن طريقة محاولة قتل «الخونة». لقد وصل إلى درجة من اليأس والعجز جعلت كل طموحه في الحياة هو أن يموت موتاً بلا معنى، وعند ذلك تسترد الحياة معناها المفقود!
المشهد نفسه يتصاعد في حالة من الدراما والعبث في رواية «ثرثرة فوق النيل»، التي ترى الباحثة أنها من أكثر الروايات التي تظهر بها سلبية المثقفين ولا مبالاتهم داخل المجتمع وتشرنقهم حول أنفسهم بدلاً من السعي للتغيير، في مجتمع سيطرت عليه الدولة وعطلت فيه الحريات العامة.



الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري
TT

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

تنهض مقامات الحريري على نسقٍ سرديٍّ ثلاثيٍّ يتوزّع بين المؤلف الخارجي، والراوي الشاهد، والبطل المركزي؛ إذ يتولى القاسم بن علي الحريري (446هـ/1054م - 516هـ/1122م) بناء النص، ويؤدّي الحارث بن همّام وظيفة الراوي الشاهد، في حين يشغل أبو زيد السروجي موقع الشخصية المحورية التي تنتظم حولها المقامات.

صاغ الحريري 50 مقامة، أي 50 حكاية عن أبي زيد السروجي، ورسم لنا شخصية ساحرة ببلاغتها وتصرّفها في فنون الكلام، وساخرة من النخب والعوام، ومتهكّمة على المهن والمؤسسات، وهامزة هازئة بالتسلسل الهرمي الاجتماعي من مختلف الفئات.

شخصية متعدِّدة الأدوار والأطوار؛ متسلّقة اجتماعياً، ومخادعة مراوغة دهيّة ظريفة. تتفوّق على القاضي، وتقلّد الواعظ، وتتوسل المرأة العجوز لاستدرار شفقة الناس وعطفهم ورِفْدِهم.

لقد ركّزت الدراسات النقدية التي تناولت مقامات الحريري على المؤلف، بل ورأى بعض الدارسين أن شخصية المقامة هي شخصية المؤلف لا شخصية بطلها، في حين ركّزت دراسات أخرى على أبي زيد، فألّفت حوله الكتب والمقالات، بينما لم تحظ شخصية الحارث بن همام بعناية مماثلة، ولم يُلتفت إليها بدراسة مستقلة على الرغم من كونها تدخل في صلب الوقائع الحكائية المبثوثة في المقامات بحيث تمثّل نقطة التوازن بين السرد والتأمل، وبين الإعجاب والنقد، وبين الأخلاق والجمال.

وأول مظاهر الفروق في الاهتمام المنصبّ على أبي زيد دون الحارث بن همام، البحث في حقيقة أبي زيد هل هو شخصية حقيقية أم شخصية خيالية، حيث مالت نصوص النقد الأدبي القديم إلى الحديث عن الأصل الحقيقي لهذه الشخصية في حين أن النقد الأدبي المعاصر أنكر ذلك. أما الحارث بن همام فلم يبحث أحد عن حقيقته، بل تسالم الجميع على كونه ناطقاً باسم الحريري، مع العلم أنّ أبا زيد لا يعدو هذه المرتبة أيضاً.

لقد انصبّ الاهتمام فقط على سبب اختيار اسم الحارث، وفسّره ياقوت الحموي بأنّ الحريري عنى نفسه بهذا الاسم أخذاً من قوله صلى الله عليه وسلم: «كلكم حارث وكلكم همّام»، فالحارث الكاسب، والهمّام كثير الاهتمام بأموره، وكان بإمكان النقد الأدبي أن يستغل هذه الإشارة ليوضّح لنا كيف غدا الراوي حارثاً وهمّاماً في هذه المقامات؟ غير أنّه غفل عن طبيعة تكوين الحارث الذي لا يقلّ ثراءً وتعقيداً وبلاغةً عن أبي زيد، إذ لم يلحظ النّقاد أنّه ليس مجرد ناقل للأحداث، بل عين القارئ وضميره ووسيطه الجمالي والأخلاقي في آن واحد.

إنّه جوّاب آفاق، وهي صفة يشترك فيها مع أبي زيد، غير أنه يختلف معه في أسبابها، فأبو زيد له سبب واحد هو الكدية والحصول على المال، أما الحارث فهو يرحل سعياً للرزق مرة، وابتغاءً للمتعة واللهو مرة أخرى، وطلباً للعلم والمعرفة مرة ثالثة، وهو في كلّ رحلة من هذه الرحلات التي يطوّف فيها من بلد لآخر يلتقي بأبي زيد في مظهر مختلف، ويكتشف حيلة جديدة، فيسردها علينا ويقدمها لنا، وتتجاوز مهمته مجرد السرد، فيمهّد للمشهد، ويخلق الإطار الحكائي، لبطل يبدّل صوره وشخصياته، كما يبدّل المحموم وسائده.

تبدأ علاقة الحارث بأبي زيد في أول مقامة من لقاءٍ عابرٍ في صنعاء حين يرى واعظاً «يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه»، فيتتبّعه بعد انفضاض المجلس، ويراه يأوي إلى مغارة يأكل مع تلميذٍ فيها الحنيذ، ويشرب النبيذ، فيكتشف زيف هذا الواعظ، ويسأل التلميذ عن اسم شيخه فيجيبه: «هذا أبو زيد السروجي: سراج الغرباء وتاج الأدباء». من هنا تبدأ هذه العلاقة، ثم تتطور وتمرّ في عدة مراحل متداخلة: مرحلة الدهشة والانخداع في البدايات، إذ ينجذب الحارث إلى بلاغة أبي زيد بسهولة، ويقع في خداعه دون مقاومة، وتبدأ مرحلة الاكتشاف عندما يدرك نمط أبي زيد المتكرّر، ومرحلة التواطؤ، فقد بات يعرف حقيقته، لكنّه يستمر في المتابعة بدافع الإعجاب بل الافتتان، ومرحلة التوتّر الأخلاقي عندما يحاول التوفيق بين رفضه الأخلاقي ومتعة السرد، وأخيراً مرحلة النضج، إذ يصبح واعياً ببنية المقامة نفسها، ويدرك أنّه داخل لعبة أدبية، غير أنّ هذه المراحل لا تسير في خطٍّ تصاعدي واضح، فالمقامات في بنيتها تقوم على إعادة إنتاج موقف الخداع البلاغي في صور متعدِّدة، فتتكرّر الحيلة وتتنوّع الصيغ، دون أن يُبنى ذلك وفق نموٍّ تدريجيٍّ ثابت، فأبو زيد لا يظهر إلا في صورة جديدة، ولا يتكلم إلا بلسان مختلف، ولا يتحرك إلا داخل لعبة تمويهٍ واسعة. هنا يتحول الحارث من ضحيةٍ إلى شاهدٍ واعٍ، وإن ظلّ متورطاً عاطفياً وجمالياً، وبذلك يتّضح أنَّ وظيفة الحارث ليست محايدة. فهو يشارك في تشكيل المعنى ويعيش حالةً دائمةً من التذبذب بين الإعجاب والرفض. حين يسمع خطب أبي زيد المؤثرة، ينجذب إليه جماليّاً، لكنّه حين يكتشف الخديعة ينفر منه أخلاقيّاً. هذا التناقض هو جوهر شخصيته: مبدأ يرفض الكذب، وذائقة جمالية تنجذب إلى براعة الكذب، لذلك نراه أحياناً يوبّخ ضمنياً، وأحياناً يسوّغ، وأحياناً يكتفي بالمشاهدة. وإذا كان أبو زيد متلوّناً، متحوّلاً، مراوغاً، فإن الحارث ثابت نسبياً، ويمثّل نوعاً من «المرجع الأخلاقي»، وهذا التضاد مقصود فنياً: فأبو زيد يعبّر عن الحركة والخداع والتحوّل، والحارث يرمز إلى الثبات والملاحظة والتأمّل.

تتعمّق هذه العلاقة فتغدو نوعاً من الصحبة الفكرية. ينتقل الحارث من موقع المشاهدة إلى تتبّع أبي زيد عبر المدن، ويتحوّل هذا الترحال تدريجياً إلى مدخل لفهم الخداع نفسه: كيف يُبنى؟ كيف يُصدَّق؟ ولماذا ينجذب الناس إليه رغم إدراكهم أنه زيف؟

في بعض المقامات، يتحوّل الحارث من مجرد شاهد على ما يجري إلى دائرة الفعل، فيطلب أحياناً من أبي زيد أداءً بلاغيّاً معيّناً، أو يختبر قدرته على الإقناع، أو يغضّ الطرف عن بعض خداعه. ومع ذلك، لا يمكن وصفه بالمشارك الكامل، إذ يبدو كأنّه يقف في منطقة رمادية بين الحياد والتورّط، يستمتع بالمشهد على الرغم من إدراكه أنّه قائم على الخداع.

ومع تتابع التجربة، يبدأ الحارث في اكتساب وعي أعمق بطبيعة ما يراه؛ ويتحول من ضحيَّةٍ إلى مشارك ضمنيٍّ في إنتاج المتعة السردية. يتعلم كيف يتأرجح بين التصديق والتأويل، وبين الانخداع باللغة والوعي بآلياتها. وهكذا لا يصل إلى يقين نهائيّ، بل إلى وعيٍّ متوتّر يزداد تعقيداً مع كل مقامة، حتى يصبح جزءاً من إنتاج المتعة السردية نفسها، لا مجرد شاهد عليها.

في المقامة الأخيرة، يحدث التحول الأهم: يقرّر أبو زيد التوبة وترك الحيل، ويتجه إلى العبادة والوعظ. هنا ينقلب موقف الحارث بشكل مفاجئ. بدلاً من الفرح، يشعر بخيبة أمل. فالتوبة، رغم قيمتها الأخلاقية، تعني نهاية اللعبة التي كانت تغذي فضوله ومتعة المراقبة لديه، ويبدو أنّ الحارث كان يظن أنه يبحث عن الحقيقة الأخلاقية، لكنّه يكتشف أنّه كان يستمتع بالبنية الجمالية للخداع أكثر من اهتمامه بالحقيقة نفسها.

في المشهد الأخير يحدثنا الحارث عن آخر ما دار بينهما من حوار، إذ يدنو منه «كما يدنو المصافح، وقلت: أوصني أيها الناصح. فقال: اجعل الموت نصب عينك، وهذا فراق بيني وبينك، فودّعته وعبراتي يتحدّرن من المآقي، وزفراتي يتصعّدن من التراقي، وكانت هذه خاتمة التلاقي». 

 

 


«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية
TT

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

لم يكن غريباً أن تفوز رواية «مخبز السعادة» للكاتبة هيلين هولمستروم بجائزة «أفضل كتاب رومانسي» في السويد، حيث تقوم حبكتها الرئيسية على قصة حب غير متوقعة بين طرفين، بدأ كل شيء بينهما بالنفور قبل أن يتحول إلى مشاعر مشتعلة في سردية تميزت باستبطان الانفعالات الداخلية للمرأة على نحو لافت.

صدرت الرواية أخيراً عن دار «العربي» بالقاهرة، ترجمة نهى مصطفى، وفيها تجد الشخصية الرئيسية «نورا يانسون» نفسها مضطرة لاتخاذ خطوة يائسة لإنقاذ مخبز والديها من الإفلاس فتضطر لقبول المشاركة في برنامج تلفزيوني واقعي، الذي من خلاله يدخل إلى حياتها الشيف الشهير «هنريك إكلوند» ببروده المهني وانتقاداته القاسية.

وبين رائحة الخبز الدافئ وأمسيات الشتاء الطويلة تبدأ المسافة بينهما في التلاشي ويتحول الصدام إلى انجذاب غير متوقع، لكن مع تزايد الضغوط بين ما تفرضه الكاميرا وما يمليه القلب تدرك «نورا» أن المعركة الحقيقية ليست من أجل إنقاذ المخبز فقط، بل من أجل استعادة ثقتها بنفسها وفتح قلبها من جديد، عبر نص ينبض بالدفء، ويحتفي بحرارة البدايات ويبرز قوة الشغف الذي قد يولد في أكثر اللحظات غير المتوقعة.

وُلدت هيلين هولمستروم عام 1984 في السويد وتخرجت في كلية الحقوق وعملت محامية لبعض الوقت لكن شغفها بالكتابة دفعها لترك مهنة المحاماة والتفرغ لكتابة الروايات، حيث صدر أول أعمالها عام 2018 تحت عنوان «العمل بعد الساعات الرسمية»، كما اشتُهرت بكتابة نصوص عاطفية ذات حبكات مشوقة وشخصيات نسائية مثيرة للاهتمام.

ومن أجواء الرواية نقرأ: «وصل هنريك بالقطار في المساء نفسه، كان الثلج يتساقط وبدا المكان أشبه بعالم من الخيال، حاول الاتصال بـ(نورا) ليخبرها أنه في طريقه إليها، لكنها لم تجب بالتأكيد. توجه مباشرة من المحطة إلى شقتها، حيث كان مخبز الحلويات قد أغلق أبوابه في وقت مبكر جداً والباب المؤدي إلى شقتها مغلقاً. حاول الاتصال برقمها مرة أخرى لكنه تحول مباشرة إلى البريد الصوتي.

تنهد وقرر أن يتنزه قليلاً ثم يحاول مرة أخرى، عندما عاد رأي أن نوافذ الشقة مظلمة، نظر حوله وقرر أنه لا خيار أمامه. انحنى وجمع بعض الثلج وشكّل كرة ثلج كبيرة... تراجع بضع خطوات إلى الوراء وصوّب نحو النافذة، أصاب الهدف بلا رد فعل. رمى كرة ثلج أخرى ثم أخرى ثم اثنتين أخريين. فجأة أضيئت الأنوار اقتربت نورا من النافذة ونظرت إليه هزت رأسها واختفت. رن تليفونه برسالة نصية: أنا نائمة لا أريد التحدث الآن ربما غداً. هاتان الكلمتان الأخيرتان جعلتا قلبه ينبض بقوة (ربما غداً)، كانتا الموعد. استيقظت نورا على صوت المنبه. لم تنم نوماً هانئاً بسبب مكالمات هنريك المتكررة ثم ارتطام كرات الثلج بنافذتها، الآن باتت مدينة له بقلب مكسور وإهانة علنية وليلة نوم مضطربة، لكن هناك شيئاً ما في تلك الكرات الثلجية كما لو أنهما بطلا فيلم رومانسي والأفلام الرومانسية لها دائماً نهاية سعيدة.

فكرت أنه ما كان ينبغي أن يكون الأمر هكذا، لم يكن عليها أن تشعر بالغضب أو الألم أو الخذلان، ربما يستحق هنريك فرصة لتبرير موقفه. نهضت من سريرها، شغلت آلة القهوة. كان الأمر معقداً لكليهما والآن ها هو قد جاء إلى هنا يرمى كرات الثلج على نافذتها ومن الواضح أنه مستعد للقتال من أجلها».


احتفاء سوري بالبحتري في مدينته منبج

ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
TT

احتفاء سوري بالبحتري في مدينته منبج

ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)

أعلنت وزارة الثقافة أن المركز الثقافي في مدينة منبج بريف حلب سيشهد انطلاق فعاليات «مهرجان البحتري 2026» في 20 و21 مايو (أيار) الحالي، بمشاركة نخبة من الشعراء والباحثين والمثقفين السوريين.

ويتضمن المهرجان برنامجاً ثقافياً متنوعاً يضم أمسيات شعرية ومحاضرات فكرية وفقرات إنشادية، في إطار احتفاء يجمع بين الأصالة الأدبية والحضور الثقافي المعاصر، حسب ما أوردته وزارة الثقافة عبر معرفاتها.

وتسعى الفعاليات إلى إحياء الموروث الشعري وتعزيز الحراك الثقافي، عبر تقديم أعمال أدبية وفكرية تبرز مكانة الشعر العربي ودوره في بناء الوعي الثقافي والجمالي.

ويشهد المهرجان مشاركة عدد من الشعراء والباحثين الذين يقدمون قراءات نقدية وأدبية، إلى جانب فقرات إنشادية تستحضر جماليات اللغة وروح التراث العربي.

ويأتي تنظيم «مهرجان البحتري» ضمن سلسلة الفعاليات الثقافية التي تعمل وزارة الثقافة على إطلاقها؛ بهدف تنشيط المشهد الأدبي والفني في مختلف المحافظات.

وكانت الوزارة قد أطلقت أواخر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي مهرجان «أيام البُردة الدولي» في دار الأوبرا بدمشق، بمشاركة واسعة من شعراء ومثقفين عرب وسوريين.

وهدف مهرجان «أيام البُردة الدولي» إلى تعزيز التواصل الثقافي والاحتفاء بالتراث الأدبي، عبر برنامج جمع الشعر والفكر والفن في فضاء ثقافي متنوع.

وشارك في المهرجان شعراء من فلسطين، والعراق، والأردن، والبحرين، والسعودية، والكويت، وتونس، وليبيا وسلطنة عمان، إلى جانب نخبة من الشعراء السوريين.

وتوزعت فعاليات «أيام البُردة الدولي» بين دمشق، وحمص، واللاذقية وحلب، في ظاهرة ثقافية احتفت بالشعر العربي ومديح الرسول الكريم ضمن أجواء فكرية وفنية متنوعة.