اتصالات الجيل الخامس: شبكة المستقبل لا تزال بطيئة

اتصالات الجيل الخامس: شبكة المستقبل لا تزال بطيئة
TT

اتصالات الجيل الخامس: شبكة المستقبل لا تزال بطيئة

اتصالات الجيل الخامس: شبكة المستقبل لا تزال بطيئة

أعلن رئيس الأكاديمية الصينية لتقنيات المعلومات والاتصالات في 16 سبتمبر (أيلول) 2020 أن أكثر من 110 ملايين من المستهلكين في الصين قد سجلوا للاشتراك بشبكة «5 جي» العالية السرعة. وبهذا تصبح الصين أكبر سوق للمستهلكين المرتبطين بشبكة الاتصالات الجديدة «5 جي» في العالم، وذلك بعد أقل من عام واحد على إعلان المسؤولين عن منح تراخيص الاستخدام التجاري للشبكة في البلاد.
أما في الولايات المتحدة فتجري محاولات محمومة لنشر الشبكة في المدن الأميركية. ويقول جيفري آي. فاولر الخبير الأميركي في التقنيات إنه وبعد اختبار سرعة شبكة اتصالات الجيل الخامس الجديدة ومقارنتها بسرعة اتصالات شبكة الجيل الرابع، وجد أنّ الأولى المنتشرة على امتداد الولايات المتحدة ليست أسرع بكثير من تلك المستخدمة حالياً، بل حتّى أنّها أبطأ في بعض الأماكن.

شبكات الجيل الخامس
يعرف مالكو هواتف آيفون وغالاكسي ما هو قانون حروف الـG، وأنّ كلّ G إضافية تعني المزيد من السّرعة في عمليات التحميل... الجيل الثالث منها أو 3G سمح بإرسال الصور بينما فتح الجيل الرابع أو الـ4G الباب لخدمات تدفّق الفيديو.
قد تحمل شبكات الجيل الخامس وعوداً هائلة في السنوات المقبلة، ولكنّها اليوم، أي في 2020 وفي الولايات المتحدة، تجعل أداء الهواتف المجهّزة بتقنية الـ5G، دون المستوى. أثناء اختبارات جيفري فاولر لهواتف الـ5G، سجّلت الشبكة سرعات تحميل مشابهة لسرعات شبكات الجيل الرابع (LTE). وفي بعض الأماكن، كداخل المنزل أو على طريق كاليفورنيا السريع، سجّل الهاتف أداءً أبطأ.
ويقول الخبير الأميركي إنه خلال حمل خلال الأسابيع القليلة الماضية، ستّة هواتف من أكبر ثلاثة مزوّدين للخدمات المحمولة في الولايات المتحدة، أي «آي.تي. آند تي» و«تي موبايل» و«فرايزون»: ثلاثة بتقنية 4G (LTE) من إصدارات العام الماضي، وثلاثة أخرى حديثة بتقنية 5G. وفي كلّ مكان قصده في أنحاء منطقة خليج سان فرنسيسكو، كان يشغّل اختبارات تحميل متزامنة على جميع الأجهزة مستخدماً تطبيق اختبار السرعة اسمه «أوكلا سبيد تست». وكرّر هذه العملية أكثر من 4 آلاف مرّة.
تروج شركتا «آي.تي. آند تي». و«تي موبايل» لشبكاتهما من تقنية الجيل الخامس على أنّها «منتشرة في جميع أنحاء البلاد» دون المبالغة بأرقام السّرعة. تقول «آي.تي. آند تي» إنّ اتصالات الجيل الخامس تعني «سرعة محسنة»، بينما تقول «تي موبايل» إنّها تعني «سرعة أسرع» دون الإفصاح عن الكثير من التفاصيل. أمّا «فرايزون»، فتدّعي أنّ شبكاتها توفّر سرعات خارقة، وأنّها أسرع بـ25 مرّة من شبكات الجيل الرابع المتوفّرة اليوم، ولكنّ خدماتها متوفّرة في 1 في المائة فقط من مناطق الولايات المتحدة منذ بداية الصيف الحالي.
أظهر استطلاعٌ للرأي أجرته شركة «سايكيس» الاستشارية أنّ معظم الأميركيين يعتقدون أنّ شبكات الجيل الخامس تعني «اتصالا أكثر سرعة وفاعلية».
من خلال الاختبارات، وجد الخبير أنّ متوسّط سرعة التحميل عبر شبكات الجيل الخامس التابعة لـ«آي تي آند تي». كان 32 ميغابت في الثانية على هواتف الـ5G، و34 ميغابت في الثانية على هواتف الـ4G. وسجّلت شبكات «تي موبايل»، سرعة تحميل متوسّطة بلغت 15 ميغابت في الثانية على هواتف الـ5G، و13 ميغابت في الثانية على هواتف الـ4G. أمّا شبكات «فرايزون» المحدودة، فلم تكن متوفّرة في منطقة اختباراتي.
وعند تبادل النتائج التي جمعها مع شركات تجري اختبارات سرعة لشبكات الاتصالات في جميع أنحاء البلاد من خلال متطوّعين أو خبراء يجولون في الشوارع، أشارت شركة «روت ميتريكس» المتخصصة بتحليل الشبكات والتي تملكها شركة «آي إتش إس ماركيت»، إلى أنّه وفي النصف الأوّل من العام، وصلت السرعة المتوسّطة للتحميل عبر شبكات «آي تي آند تي». إلى 46 ميغابت في الثانية، أي أسرع بقليل فقط من شبكات الجيل الرابع والتي يبلغ متوسط سرعة التحميل عبرها 43 ميغابت في الثانية. أمّا سرعات «تي موبايل»، فقد زادت لجهة النسبة المئوية، ولكنّ سرعة التحميل المتوسطة عبر شبكاتها للجيل الخامس، فقد بلغت 25 ميغابت في الثانية ولكنها لم ترق حتّى إلى مستوى سرعات شبكات الجيل الرابع التابعة لمنافستها (آي تي آند تي).
من جهتها، قالت شركة «أوبن سيغنال» إنّ متوسّط سرعة التحميل على هواتف الجيل الخامس في الولايات المتحدة خلال الفترة الممتدّة من مايو (أيار) إلى أغسطس (آب) كانت أكبر بـ76 ميغابت في الثانية من سرعة التحميل على هواتف الجيل الرابع. في المقابل، لم يتجاوز إجمالي سرعة التحميل لدى الأميركيين الذين يملكون هواتف الجيل الخامس 33 ميغابت في الثانية، مسجّلة ثاني أبطأ سرعة في العالم.
عندما سُئل المسؤولون التنفيذيون المتخصصون بهذه الشبكات عن السرعة، أقرّوا بحقيقة تحجم إعلاناتهم عن ذكرها. فقد كشف كريس سامبار، نائب الرئيس التنفيذي للعمليات التقنية في «آي تي آند تي»، أنّ ادعاء أنّ «تجربة شبكات الجيل الخامس التابعة للشركة توازي تجربة شبكات الجيل الرابع جودة، وتكاد تكون أفضل منها» يعني أنّ تجربة الجيل الخامس توازي «في الوقت الحالي على الأقلّ» جودة تجربة شبكات الجيل الرابع.
من جهتها، قال مارك ماك ديارميد، نائب رئيس قسم هندسة شبكات الراديو والتطوير في شركة «تي موبايل»: «نحن لا ندّعي أنّ ما وصلت إليه شبكات الجيل الخامس اليوم هو النهاية، لأنّه البداية»، لافتاً إلى أنّ شبكة «تي موبايل» للجيل الخامس هي اليوم «أسرع بمرّتين» من متوسّط سرعة شبكات الجيل الرابع التي تملكها الشركة.

حقائق «5 جي»
> تحديث الهواتف. ولكن ماذا عن تحديث الهواتف هذا العام أو العام المقبل؟ قد يكون هناك سبب يدفع إلى التفاؤل بتحسّن شبكات الجيل الخامس في الولايات المتحدة، ولكنّ نصيحة الخبير الأميركي هي ألّا تحدّثوا هواتفكم في عام 2020 دون صورة واضحة لفاعلية شبكات الجيل الخامس في المنطقة التي تعيشون فيها.
> اتصالات أسرع. تعلّق شركات كثيرة آمالها على شبكات الجيل الخامس لتحدّد شكل إنتاجها المستقبلي، إذ من المتوقّع أن تفتح هذه التقنية الباب لتطوير أجهزة جديدة كالمركبات والمعدّات الطبية الأكثر ذكاءً التي تحتاج إلى عمليات تحميل أسرع وببطءٍ أقلّ في الاستجابة أو الرد (أي التأخير الذي قد يحصل في تشابك الاتصالات مع بعضها).
> مواقع جغرافية. ولكنّ الهواتف الذكية تأتي في المقدّمة، لذا يعمل مزوّدو الخدمات على تقديم هواتف جيلٍ خامس مغرية للمستهلكين، وعلى تحديث أنظمتهم لتصبح قادرة على التعامل مع الطلب المتزايد على البيانات. من هنا، يصرّ صانعو الهواتف الذكية على التسويق لتوليد «دورة زخم» من شراء الهواتف الجديدة بعد سنوات من التحديثات المملّة.
من هنا، يمكن القول إنّ شراءكم لهواتف جديدة بتقنية الجيل الخامس في 2020 يجب أن يعتمد على موقعكم على الخريطة. فقد تم الحصول خلال الاختبارات على تحميلات بسرعة 750 ميغابت في الثانية من «آي تي آند تي». في زاوية واحدة في وسط المدينة، ولكنّ أيضاً تم الحصول وفي نفس البقعة على سرعة 330 ميغابت على هاتف من الجيل الرابع.
وكما حصل أثناء الكتابة في المكتب في وسط سان فرنسيسكو، على تحميلات بسرعة 11 ميغابت في الثانية على هاتف من «آي تي آند تي». بتقنية الجيل الخامس. أمّا على هاتف «تي موبايل» من الجيل الخامس أيضاً، فقد حصل على سرعة 8 ميغابت مثيرة للسخرية لأنّها بالكاد تكفي لتشغيل نتفليكس بجودة إتش دي.
إنّ التحديات التي تواجهها شبكات الجيل الخامس حالياً وقدراتها المستقبلية هي نتاج الطريقة التي وصلت بها التقنية إلى المكان الذي هي فيه اليوم.

أبطأ النطاقات
> نطاق منخفض. وكقالب حلوى من ثلاث طبقات، تأتي شبكات الجيل الخامس بنطاقات متعدّدة: منخفضة ومتوسطة وعالية، وكلّ نطاق يتطلّب الحصول على طيف راديو من الأبراج الخلوية التابعة لهيئة الاتصالات الفيدرالية في الأماكن الصحيحة.
حالياً، تستخدم كلّ من «آي تي آند تي» و«تي موبايل» نطاقاً منخفصاً. ولكنّ هذا الأخير ليس الحصّة الأشهى من كعكة الجيل الخامس لأنّه لا يقدّم سرعات تحميل أفضل بكثير مما تقدّمه شبكات الجيل الرابع اليوم والتي يتشارك معها الطيف نفسه.
في المقابل، تسهّل شبكات الجيل الخامس المنخفضة النطاق سفر إشارات الإرسال إلى مسافة أبعد وتتيح لها اختراق الجدران. كما أنّ بناء شبكات بنطاق منخفض سمح للشركتين بادعاء أنّهما نشرتا تقنية الجيل الخامس في جميع أنحاء البلاد وخدمة ما يفوق 200 مليون زبون.
من جهتها، أعلنت شركة «فرايزون»، أكبر مزوّدي الاتصالات اللاسلكية في الولايات المتحدة، أنّها ستطلق شبكتها من الجيل الخامس المنخفض النطاق مع نهاية هذا العام.
> تحديث الأجهزة. حتى الآن على الأقلّ، لم يعمد أكبر مزوّدي الخدمة في الولايات المتحدة إلى فرض رسوم إضافية على الزبائن الذين يرغبون بالاستفادة من تقنية الجيل الخامس، إلّا أنّهم يجبرونهم على شراء هواتف مجهّزة بتقنية الجيل الخامس لاستخدام الشبكة الجديدة. ولكنّ اتصال الجيل الخامس المتوفّر اليوم ليس سببا مشجّعاً لمعظم النّاس على التحديث، لأنّه أشبه بشراء سيّارة رياضية ثمّ إدراك أنّه لا يمكن قيادتها بسرعة تفوق 65 ميلاً في الساعة في معظم الأحيان... بمعنى آخر، سيبقى النّاس عالقين في المستويات البطيئة ريثما يتمّ إنتاج شبكات أسرع.



الذكاء الاصطناعي وواقع البيانات... هل تواكب البنية التحتية هذا التسارع؟

النمو المتسارع للبيانات يفرض تحديات جديدة على البنية التحتية من حيث الكفاءة والاستدامة (غيتي)
النمو المتسارع للبيانات يفرض تحديات جديدة على البنية التحتية من حيث الكفاءة والاستدامة (غيتي)
TT

الذكاء الاصطناعي وواقع البيانات... هل تواكب البنية التحتية هذا التسارع؟

النمو المتسارع للبيانات يفرض تحديات جديدة على البنية التحتية من حيث الكفاءة والاستدامة (غيتي)
النمو المتسارع للبيانات يفرض تحديات جديدة على البنية التحتية من حيث الكفاءة والاستدامة (غيتي)

مع تسارع الذكاء الاصطناعي في توليد البيانات واستخدامها، يؤدي تزايد أهمية البنية التحتية إلى تحول أقل وضوحاً، لكنه أكثر عمقاً. فبينما يتركّز جزء كبير من النقاش العام حول الذكاء الاصطناعي على قوة الحوسبة وأداء النماذج، يشير قادة الصناعة بشكل متزايد إلى كيفية تخزين البيانات والوصول إليها وتوسيعها على نطاق واسع.

في إحاطة إعلامية خاصة حضرتها «الشرق الأوسط»، قدّم مسؤولون في شركة «سي غيت تكنولوجي» (Seagate Technology) هذا التحول بوصفه تغيراً هيكلياً، لا مجرد تحديث تقني. فالتحدي لم يعد يقتصر على إنتاج البيانات أو معالجتها، بل بات يتمحور حول القدرة على الحفاظ عليها وتوسيعها بكفاءة واستدامة وعلى نحو يمكن التنبؤ به. يقول ديف موسلي، الرئيس التنفيذي للشركة إن «ما نعلنه اليوم ليس مجرد إنجاز على مستوى المنتج، بل يعكس كيف يجب أن تتطور البنية التحتية لمواكبة التسارع غير المسبوق في نمو البيانات عالمياً».

ديف موسلي الرئيس التنفيذي لشركة «سي غيت تكنولوجي»

يصعب المبالغة في حجم هذا النمو. فحسب موسلي، انتقل حجم البيانات العالمية من نحو زيتابايت واحد في عام 2005 إلى أكثر من 70 زيتابايت في عام 2020، مع توقع إضافة مئات الزيتابايت في السنوات المقبلة. ورغم أن الذكاء الاصطناعي يعدّ محركاً رئيسياً لهذا التوسع، فإنه ليس العامل الوحيد؛ إذ تسهم خدمات الحوسبة السحابية والفيديو والأتمتة والمتطلبات التنظيمية في تشكيل منظومة بيانات أكثر تعقيداً واتساعاً.

هذا التداخل يعيد صياغة طريقة تقييم البنية التحتية. ويضيف موسلي أن «القصة لم تعد تتعلق بتقنية واحدة، بل بالبنية التحتية وتخصيص رأس المال». بمعنى آخر، لم يعد السؤال هو ما إذا كان بالإمكان إنتاج البيانات أو معالجتها، بل ما إذا كانت الأنظمة الداعمة قادرة على التوسع بكفاءة لمواكبة هذا النمو.

ما بعد الحوسبة

أحد أبرز الاستنتاجات هو أن مسار الذكاء الاصطناعي لا يمكن فهمه من خلال الحوسبة وحدها. فرغم أهمية المعالجات والمسرّعات، فإنها تعتمد بشكل أساسي على توفر البيانات.

ويشير موسلي إلى أنه «عندما يتحدث الناس عن بنية الذكاء الاصطناعي، يركّزون على الحوسبة التي لا يمكن أن تعمل دون بيانات. ماذا يحدث عندما تنفد البيانات من منصات الحوسبة؟ هذه مشكلة».

هذا الطرح يعيد وضع التخزين في قلب أنظمة الذكاء الاصطناعي. فالبيانات لا يكفي أن تكون موجودة، بل يجب الاحتفاظ بها وحمايتها وإمكانية استرجاعها على نطاق واسع. وفي بيئات الحوسبة فائقة الحجم، حيث تُتخذ القرارات على مدى خمس أو سبع أو حتى عشر سنوات، تتحول هذه المتطلبات معادلةً اقتصادية بقدر ما هي تقنية.

تكلفة التخزين لكل تيرابايت واستهلاك الطاقة وكثافة السعة لكل رفّ، كلها أصبحت عوامل حاسمة. وكما أفاد موسلي: «الذكاء الاصطناعي لا يتوسع بالحوسبة فقط، بل يعتمد على اقتصاديات مستدامة، والتخزين هو ما يحدد هذه الاقتصاديات».

الذكاء الاصطناعي لا يستهلك البيانات فقط... بل يضاعفها عبر النسخ وإعادة التدريب والاستخدام المستمر (غيتي)

من النمو إلى التراكم

جزء من هذا التحول يرتبط بطبيعة البيانات نفسها. فالذكاء الاصطناعي لا يستهلك البيانات فحسب، بل يضاعفها. ويصرح بي إس تيه، الرئيس التجاري للشركة بأن «الذكاء الاصطناعي لا يستهلك البيانات فقط، بل يراكمها». عملياً، يعني ذلك أن البيانات تُنسخ وتُوزَّع وتُحفظ ويُعاد استخدامها لتدريب النماذج وإعادة تدريبها. ونتيجة لذلك؛ لم يعد نمو البيانات خطياً، بل أصبح متسارعاً ومتراكماً.

ويظهر هذا الواقع في توسّع مراكز البيانات عالمياً. فهناك اليوم أكثر من 11 ألف مركز بيانات، مع توقع ارتفاع العدد إلى نحو 15 ألفاً خلال السنوات المقبلة. لكن الأهم هو حجم هذه المراكز. فما كان يُعدّ مركزاً ضخماً سابقاً بقدرة 10 ميغاواط تحل محله اليوم مراكز «عملاقة» تصل إلى 100 أو حتى 300 ميغاواط.

ويذكر تيه أنه «لا يكاد يمر يوم دون الإعلان عن بناء مركز بيانات جديد في مكان ما من العالم». لكن التحول الحقيقي لا يكمن في العدد فقط، بل في الحجم والضغط المتزايد على البنية التحتية.

التوسع دون اضطراب

مع هذا النمو، لا يتمثل التحدي في زيادة السعة فقط، بل في تحقيق ذلك دون إحداث اضطراب. فمشغلو البنية التحتية الضخمة لا يمكنهم تحمل تغييرات جذرية متكررة. ويلفت موسلي إلى أن بعض العملاء يتخذون قرارات تمتد لخمس أو سبع أو حتى عشر سنوات، ويحتاجون إلى ثقة بأن كثافة التخزين ستستمر في التوسع دون تغييرات معمارية معطِّلة.هذا التركيز على القابلية للتنبؤ أصبح بحد ذاته ميزة أساسية. فالتطور يجب أن يكون تدريجياً ومستمراً، لا أن يفرض إعادة تصميم مكلفة في كل مرحلة.

من جانبه، يوضح جون موريس، المدير التقني، أن التقنيات التقليدية لزيادة الكثافة وصلت إلى حدودها ويتابع: «تقنية التسجيل المغناطيسي التقليدية اقتربت من حدودها، ونحتاج إلى ابتكارات جديدة لدفع الجيل القادم من التخزين».

ولهذا؛ طوّرت الشركة تقنية التسجيل المغناطيسي بمساعدة الحرارة (HAMR)، التي تستخدم تسخيناً دقيقاً بالليزر لزيادة كثافة البيانات دون تغيير الحجم الفيزيائي للأقراص. ويشرح موريس بأن «الزيادة في السعة تتحقق من خلال الفيزياء الأساسية للتسجيل؛ ما يتيح اقتصاديات أفضل من حيث التكلفة لكل تيرابايت والاستثمار المطلوب». الأهم أن هذه التقنية لم تعد في مرحلة التجارب، بل انتقلت إلى بيئات الإنتاج الفعلية، حيث تم اعتمادها من قِبل عملاء في قطاع الحوسبة السحابية واسعة النطاق.

من الابتكار إلى الإنتاج الصناعي

تحويل الابتكار منتجاً فعلياً يتطلب أكثر من اختراق تقني، بل يحتاج إلى قدرة على التصنيع على نطاق واسع بدقة عالية. وحول ذلك يقول موريس إن «نقل هذه التقنية من البحث إلى الإنتاج تطلب تطوير تقنيات جديدة بالكامل»، مشيراً إلى التقدم في المواد والفوتونيات وعمليات التصنيع الدقيقة. وهذا ما يتيح التوسع التدريجي دون انقطاع. فكل جيل جديد يبني على السابق؛ ما يسمح بزيادة السعة دون الحاجة إلى إعادة تصميم الأنظمة بالكامل.

التحدي الأساسي لم يعد سرعة النماذج... بل قدرة البنية التحتية على التوسع بشكل مستدام وموثوق (غيتي)

اقتصاديات الحجم

على مستوى البنية التحتية الضخمة، حتى التحسينات الصغيرة تُحدِث فرقاً كبيراً. ويفسر موسلي بأنه في بيئة تخزين بحجم إكسابايت واحد، يمكن تحقيق تحسن في كفاءة الطاقة بنحو 47 في المائة مقارنة بالأنظمة السابقة، مع تقليل عدد الأقراص من نحو 50 ألفاً إلى نحو 22 ألفاً؛ ما يؤدي إلى تقليل المساحة والتبريد والتعقيد التشغيلي.

هذه ليست تحسينات هامشية، بل تغييرات تؤثر مباشرة على التكلفة والبنية.

وأشار تيه إلى أن الاستدامة أصبحت عاملاً مؤثراً في قرارات الشراء، قائلاً: «لم تعد الاستدامة مسألة ثانوية»، في إشارة إلى أهمية استهلاك الطاقة والبصمة الكربونية. كما أن نظرة المؤسسات إلى البيانات تغيّرت، حيث إنه «في السابق كانت البيانات تُعدّ تكلفة، أما اليوم فهي أصل استراتيجي يتراكم بمرور الوقت».

السؤال الحاسم

تشير هذه التطورات إلى تحول أوسع في تصميم بنية الذكاء الاصطناعي. فالتخزين الذي كان في الخلفية، أصبح اليوم في صميم التخطيط. في السابق، كانت الأولوية للحوسبة والذاكرة والشبكات. أما اليوم، فأصبح التخزين عاملاً حاسماً في قدرة الأنظمة على التوسع. وكما وصفه تيه: «كان التخزين مثل الهواء أو الماء أساسي، لكنه غير مرئي... إلى أن يغيب». اليوم، لم يعد كذلك، بل أصبح محورياً في بناء القدرات الرقمية.

بالنسبة لقيادة الشركة، يتجاوز هذا التحول حدود التقنية ليطرح سؤالاً أساسياً حول مستقبل الذكاء الاصطناعي. وباعتقاد موسلي أن «السؤال الأهم لهذا العقد ليس مدى سرعة تدريب النماذج، بل مدى قدرة البنية التحتية للبيانات على التوسع بشكل مستدام».

هذا الطرح يعيد توجيه النقاش، حيث إن مستقبل الذكاء الاصطناعي قد لا يعتمد فقط على تطور النماذج، بل على القدرة على إدارة البيانات على نطاق غير مسبوق بكفاءة واستقرار ودون انقطاع. وبهذا المعنى، قد لا يُقاس تقدم الذكاء الاصطناعي بذكائه فقط، بل بالبنية التحتية التي تجعله ممكناً.


«غوغل» تتيح نقل سجل المحادثات والتفضيلات إلى «جيميناي»

تتيح «غوغل» ميزة استيراد الذاكرة في «جيميناي» لنقل التفضيلات والسياق الشخصي من تطبيقات ذكاء اصطناعي أخرى (شاترستوك)
تتيح «غوغل» ميزة استيراد الذاكرة في «جيميناي» لنقل التفضيلات والسياق الشخصي من تطبيقات ذكاء اصطناعي أخرى (شاترستوك)
TT

«غوغل» تتيح نقل سجل المحادثات والتفضيلات إلى «جيميناي»

تتيح «غوغل» ميزة استيراد الذاكرة في «جيميناي» لنقل التفضيلات والسياق الشخصي من تطبيقات ذكاء اصطناعي أخرى (شاترستوك)
تتيح «غوغل» ميزة استيراد الذاكرة في «جيميناي» لنقل التفضيلات والسياق الشخصي من تطبيقات ذكاء اصطناعي أخرى (شاترستوك)

تسعى «غوغل» إلى معالجة إحدى أبرز العقبات في عالم تطبيقات الذكاء الاصطناعي للمستهلكين، وهي «مشكلة البدء من الصفر». فمع تنقُّل المستخدمين بين أكثر من مساعد ذكي، يجد كثيرون أنفسهم مضطرين لإعادة إدخال تفضيلاتهم، وشرح سياقهم الشخصي مراراً، وإعادة بناء سجل محادثاتهم من جديد. ومن خلال مجموعة ميزات جديدة في تطبيق «جيميناي»، تحاول الشركة تقليل هذا الاحتكاك عبر تمكين المستخدم من نقل «ذاكرته الرقمية» بين المنصات.

تعتمد عملية الاستيراد على توليد ملخص من التطبيق الآخر ثم إدخاله إلى «جيميناي»، ليتم تحليله وحفظه (غوغل)

استمرارية التجربة الرقمية

في تحديث بدأ طرحه في العالم العربي، تقدم «غوغل» ميزة «استيراد الذاكرة» (Memory Import) التي تتيح نقل عناصر أساسية من السياق الشخصي -مثل الاهتمامات والعلاقات والتفضيلات- من تطبيقات ذكاء اصطناعي أخرى مباشرة إلى «جيميناي».

الفكرة بسيطة، وهي أنه بدلاً من تدريب مساعد جديد من الصفر، يمكن للمستخدم أن ينقل معه طبقة جاهزة من الفهم تعكس طريقة تفاعله السابقة.

ورغم التعقيد التقني الكامن وراء هذه العملية، فإن تنفيذها جاء بشكل مبسَّط. من خلال إعدادات «جيميناي»، يمكن اختيار خيار الاستيراد؛ حيث يتم توليد «طلب» (Prompt) جاهز، ثم يقوم المستخدم بنسخ هذا الطلب إلى تطبيق ذكاء اصطناعي آخر، والذي بدوره يُنتج ملخصاً لتفضيلات المستخدم وسياقه. بعد ذلك، يتم لصق هذا الملخص داخل «جيميناي» الذي يقوم بتحليله وتخزينه ضمن ملف المستخدم. ومن ثمَّ، يصبح «جيميناي» قادراً على استخدام هذه البيانات لتخصيص ردوده، وكأنه يواصل رحلة المستخدم الرقمية بدلاً من البدء من جديد.

تمكِّن الميزة المستخدمين من تجنُّب البدء من الصفر عبر نقل فهم مسبق لطبيعة تفاعلاتهم واهتماماتهم (غيتي)

«الذكاء الشخصي»

تندرج هذه الخطوة ضمن توجه أوسع لدى «غوغل»، نحو ما تسميه «الذكاء الشخصي» (Personal Intelligence)، وهو نموذج يسعى إلى تقديم مساعد ذكي أكثر وعياً بالسياق. فبدلاً من التعامل مع كل طلب بشكل منفصل، يهدف «جيميناي» إلى تقديم إجابات مبنيَّة على فهم أعمق لتاريخ المستخدم وعاداته واهتماماته.

ولا يقتصر الأمر على استيراد الذاكرة فقط. فمع موافقة المستخدم، يمكن لـ«جيميناي» الاستفادة من بيانات عبر منظومة «غوغل» الأوسع، بما في ذلك «جيميل» و«صور غوغل» وسجل البحث، إضافة إلى المحادثات السابقة داخل التطبيق نفسه. وهذا يتيح مستوى أكثر تطوراً من التفاعل؛ حيث لا تعتمد الإجابة فقط على السؤال الحالي؛ بل على صورة أوسع تتشكل مع الوقت حول المستخدم.

تشتت سجل المحادثات

كما تعالج «غوغل» مشكلة أخرى برزت مع انتشار استخدام أدوات ذكاء اصطناعي متعددة، وهي تشتت سجل المحادثات؛ إذ بات بإمكان المستخدمين الآن تحميل أرشيف محادثاتهم من منصات أخرى بصيغة ملف مضغوط (ZIP) واستيراده إلى «جيميناي». وبذلك يمكنهم البحث داخل محادثاتهم السابقة، واستكمالها دون فقدان السياق.

تعكس هذه الميزة تحولاً مهماً في طريقة النظر إلى المساعدات الذكية. فهي لم تعد مجرد أدوات منفصلة؛ بل بدأت تأخذ شكل «رفيق رقمي» طويل الأمد؛ حيث تلعب الاستمرارية وتراكم السياق دوراً محورياً في قيمتها. وفي هذا الإطار، لا يُنظر إلى سجل المحادثات كأرشيف فقط؛ بل كجزء من «ذكاء» النظام نفسه.

بالنسبة للمستخدم، تكمن الفائدة المباشرة في الكفاءة. فالمهام التي كانت تتطلب شرحاً متكرراً، مثل التخطيط للسفر، أو إدارة المشاريع، أو تطوير أفكار إبداعية، يمكن الآن استئنافها بسهولة من حيث توقفت. أما بالنسبة لـ«غوغل»، فالدلالة الاستراتيجية واضحة، فتقليل تكلفة الانتقال بين المنصات يجعل من الأسهل على المستخدم اعتماد «جيميناي» مساعداً أساسياً، حتى لو كانت تجربته السابقة في مكان آخر.

يمكن لـ«جيميناي» الاستفادة من بيانات خدمات «غوغل» مثل «جيميل» و«صور غوغل» وسجل البحث لتحسين الاستجابات (غوغل)

الخصوصية والمنافسة الجديدة

في المقابل، تظل مسألة الخصوصية والتحكم في البيانات حاضرة. تؤكد «غوغل» أن هذه الميزات تعمل بموافقة المستخدم؛ خصوصاً عند الربط مع خدمات مثل «جيميل» و«صور غوغل». كما أن عملية الاستيراد نفسها تتطلب خطوات واضحة من المستخدم. ومع ذلك، فإن تعمُّق تكامل الذكاء الاصطناعي مع البيانات الشخصية سيبقى موضع نقاش مستمر.

يأتي إطلاق هذه الميزات أولاً عبر «الويب» في العالم العربي، على أن تصل إلى الأجهزة المحمولة خلال الأيام المقبلة، ما يعكس توجهاً نحو تقديم حلول مخصَّصة للأسواق الإقليمية؛ خصوصاً فيما يتعلق باللغة والسياق الثقافي.

بصورة أوسع، يشير هذا التحديث إلى تحول في طبيعة المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي. فلم يعد التميز يقتصر على قوة النماذج أو عدد الميزات؛ بل بات يرتبط بمدى قدرة المساعد على فهم المستخدم والاستمرار معه عبر الزمن. وفي هذا السياق، تصبح «الذاكرة» عاملاً حاسماً.

فمن خلال تمكين المستخدمين من نقل سياقهم معهم، لا تضيف «غوغل» مجرد ميزة جديدة؛ بل تعيد تعريف نقطة البداية في التفاعل، لتتحول من صفحة بيضاء إلى محادثة مستمرة.


«إنستغرام» يختبر نسخة مدفوعة بمزايا إضافية

شعار تطبيق «إنستغرام» (أ.ف.ب)
شعار تطبيق «إنستغرام» (أ.ف.ب)
TT

«إنستغرام» يختبر نسخة مدفوعة بمزايا إضافية

شعار تطبيق «إنستغرام» (أ.ف.ب)
شعار تطبيق «إنستغرام» (أ.ف.ب)

بدأ تطبيق «إنستغرام» اختبار نسخة جديدة للاشتراك المدفوع في العديد من الدول، مع مزايا إضافية تركز بشكل رئيسي على خاصية «ستوريز»، وفق ما قالت ناطقة باسم الشركة الأم «ميتا» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الاثنين، مؤكدة معلومات أوردها موقع «تِك كرانش».

كذلك، سيحصل المستخدمون الذين يدفعون على مزيد من التحكم في الحسابات المسموح لها بمشاهدة الصور أو مقاطع الفيديو التي يشاركونها في منشورات «ستوريز» التي عادة ما تختفي بعد 24 ساعة على الشبكة الاجتماعية.

وقالت الناطقة باسم الشركة إنه يتم اختبار هذه النسخة في «عدد قليل من البلدان»، دون تقديم مزيد من التفاصيل.

وبحسب «تِك كرانش» تشمل هذه البلدان اليابان والمكسيك والفلبين حيث تبلغ أسعار الاشتراك نحو دولارين شهرياً.

وأطلقت «ميتا» إصدارات مدفوعة خالية من الإعلانات من «فيسبوك» و«إنستغرام» في بريطانيا العام الماضي للامتثال للتشريعات في البلاد.

وتعرض منصتا «سناب تشات» و«إكس» نسخة مميزة مدفوعة منذ سنوات.