«جريمة في مسرح القباني»... كتابة شهادة عن تاريخ ما جرى نسيانه

زمن السرد فيها يشهد هول الحرب ودمار سوريا الحديثة

مسرح القباني
مسرح القباني
TT

«جريمة في مسرح القباني»... كتابة شهادة عن تاريخ ما جرى نسيانه

مسرح القباني
مسرح القباني

لا رواية دون مصادر تحيل إليها علناً، أو تحاول، قدر المستطاع، إخفاءها. وما بين الإعلان والإخفاء ثمة مسافة تتسع وتضيق حسب تحولات النوع السردي. وما التأكيدات التي نقرأها في مطالع الروايات أو خواتمها الخاصة بعدم مطابقة أحداث الروايات وشخصياتها لمسارات الواقع الفعلي سوى محاولة للتنصل والتنكر للمصدر الذي استقت منه الرواية عالمها السردي. ولا بأس، غير أن الرواية، بنصوصها الحديثة، صارت تبني سرديتها على أساس من الاعتراف والاندماج بمصادرها. رواية السوري باسم سليمان «جريمة في مسرح القباني (الحد والشبهة): دار ميم للنشر - الجزائر 2020» تنتمي للنوع الثاني؛ فهي تجاهر باستخدام مصادر متعدِّدة، وتبني نصها السردي على أساس من توظيف نصوص وحكايات ومواد سردية مختلفة تشترك جميعها في بناء قصة القاتل. فهي لا تختلف هنا عن مثيلاتها باستخدام المخطوط والإحالة. عندنا، مثلاً، نصوص من القرآن، لا سيّما ما يتعلق منه بقصة تضحية إبراهيم بولده إسماعيل، وقصة اصطفاء آدم، وقصة القاتل الأول كما ترد في القرآن على لسان الضحية هابيل. ثمة إحالة أخرى تصل إلينا عن طريق المحقق هشام الذي تفتتح به الرواية عالمها السردي عن «راسكولينكوف - رواية الجريمة والعقاب»، بوصفها جريمة فائقة الدلالة مع أنها تظل مجرد تخيل روائي. إشارات مختلفة يتصل بعضها ببعض وتحاول أن تخترع لنا قصة قاتل في سياق الحرب والتاريخ الملتبس لسوريا الحديثة: روايات أغاتا كريستي، ودراسة فرويد، ومسرحية ريا وسكينة. وتستكمل الرواية قصة القاتل بإشارة دالَّة لرواية الفرنسي فيكتور هيجو أحدب نوتردام، الذي تستعير منه الرواية تمثلات المنبوذ ذي الوجه المشوه. فإذا كانت «أحدب نوتردام» تتحدث عن رجل مشوه الجسم بعاهة جسدية أجبرته على التخفي والتواري في الكنسية الشهيرة، عن أنظار الناس، ويتعلَّق بشابة جميلة تعطف عليه ولا تتنكر لمنظره المشوه، فإن أحدب جسر الرئيس، هو حارس مسرح القباني الحلبي الهارب من ثأر يطارده طيلة سبعة عشر عاماً، يصل إلى دمشق عام 1979 حاملاً على ظهره حدبة نافرة وساقاً عرجاء جراء إصابة سابقة. وهو مثل صاحبه الهولندي يتخفى بوظيفة حارس المسرح الشهير، ثم متنكراً بصفة بائع كتب قديمة تحت جسر الرئيس، ومن زاويته هناك كان يراقب ويترصد طالبي الثأر القادمين من حلب. ولا تتوقف الاستعارة حتى هنا، إنما نجد الحارس يرتبط بصداقة مع «عبد الله ابن أمة الله» تتطور لاحقاً إلى علاقة أب بابنه. وفي سيرة عبد الله نستكمل بعض ملامح الأحدب المستعارة؛ فهو ضحية تفجيرات الأزبكية عام 1981 التي خلفته لفافة مشوهة الوجه بلا عائلة، ولا أصل، ولا اسم، لا يجد من يحبه سوى دمى يصنعها من مخلفات المدينة - دمشق في زمن السلم، ثم تتحول إلى تلّة خردة في زمن الحرب، فيعمد إلى إعادة تخيل حياته - سيرته عبر المسرح والتطهير، وعبر الإحالة إلى سيرة مماثلة يجد لها القارئ إشارة في كتاب «الذبابة في الحساء»، وهي سيرة الشاعر المشرد كذلك. فماذا تعني كل هذه الإحالات؟
في عنوان الرواية «جريمة في مسرح القباني» المشبع باليقين الخبري، وهو كذلك مشبع بالتوهم والإيهام؛ نكون إزاء صياغة موجزة وأولية لتلاقي هذه الإحالات. يفترض العنوان بصيغته الخبرية أن جريمة وقعت في مسرح القباني، في حين أن الرواية تمضي بعيداً في تسفيه هذه الواقعة وتكذيبها؛ في الأقل هذا ما سينتهي إليه محقق الشرطة في نهاية الرواية، فلا قاتل في قصة عبد الله وتوأمه أو شبيهه. العنوان صيغة خبرية مثبتة تخبرنا بوقوع الجريمة، وهي الإشارة الأولى التي يتلقاها محقق الشرطة هشام ومساعده جميل، والمبلغ عنها ليس سوى المتهم المشتبه به الوحيد حارس المسرح. هذه الصيغة اليقينية ستتلاعب الرواية بها، أو إن شئت قل إن هذا ما ستفعله أوراق عبد الله التي يجدها المحقق في غرفته؛ كأن نص الرواية وعالمها يجب عنوانها. وفي كلمة «جب» دلالة كبرى تتكرر في مواضع كثيرة من الرواية، فهي عتبة مهمة للخلخلة والتشكيك باليقين الذي يضعنا العنوان إزاءه، كأنها تعيد صياغة الفرضية المضادة في الرواية. نحن، هنا، أمام عنوان يتقاطع مع نص مادته السردية؛ فالعنوان دالّة رئيسية، فيما الرواية تفترض تضاداً بين عنوانها ونصها بعالمه السردي المضاد. هل نريد القول إن العنوان ليس عتبة رئيسية للرواية؟ قطعاً لا، كيف إذن؟
يمهّد العنوان السبيل أمامنا لنكون إزاء قصة قاتل في سياق الحدث السوري الدامي. هكذا تبدأ الرواية بمشهد داعم للقصة الرئيسية، قصة القاتل: ثمة ضابط محقق، وهو الممثل للسلطة، ولا يختلف عنه كثيراً رجل دين يصلي ويخطب بالناس في أول أيام عيد الأضحى، ويبلغ المشهد ذروته بصورة رئيس البلاد الذي يراقب المشهد من زاويته المعهودة. نحن في بناية الجنائية وسط دمشق. تجتمع في المشهد الاستهلالي كل مظاهر السلطة التي هي بعض متعلِّقات قصة القاتل، وتصل إلينا عبر ضمير الغائب ومنظور الراوي المراقب الذي يندمج غالباً مع منظور المحقق هشام، ويتحول أحياناً إلى كلي العلم. وهذه قضية تُفيد منها الرواية كثيراً؛ إذ سيكون السرد الذاتي معياراً فارقاً ودالاً على أننا في سياق تأويل مختلف للعنوان وللرواية برمتها. ويؤدي ما يمكن تسميته بالمخطوط الضائع، لا سيما القصص والأشعار التي يجدها المحقق مخبأة في خشبة المسرح، ناهيك بمسرحية الجثة، دوراً رئيسياً في توجيه القراءة والانتقال بالرواية من سياق العنوان، حيث قصة القاتل المزعومة، إلى سياق قصة القتيل الضحية. هل من فارق بين القصتين؛ أليس القاتل صفة لا تتحقق من دون قتيل؟ نزعم أننا في سياق مختلف كلياً. هذا الاختلاف نجده في مسألتين.
الأولى، اتساع وتشعٌّب قصة الضحية «القتيل»؛ فهي تشغل أكثر من مائة صفحة من أصل الرواية كلها البالغ عدد صفحاتها 164. نحن، هنا، إزاء قصة رئيسية تختلف جذرياً عما يريد العنوان أن يقوله ويقنعنا به، فهي لا تتصل، ولا تريد أن تُفسِّر فعل جريمة القتل. إنها قصة يجمع المحقق أوراقها المفقودة، فتبدو لنا أشبه بهوامش من المفروض أن تساعد في إضاءة قصة القاتل وتحديد شخصيته واسمه، لكننا نعرف بتوالي الفصول أننا بصدد بناء قصة الضحية، وهو ذاته توأم المحقق هشام المدفون في مقبرة قريتهم البعيدة. تتكشف القصة كاملة أمامنا عندما ينهي المحقق قراءة أوراق عبد الله كلها، فيخرج من أسفل خشبة المسرح عارفاً أنه وعبد الله قد ولدا في اليوم ذاته «29 نوفمبر (تشرين الثاني)»، وفي سنة واحدة «1981»، بل في سياق حدث واحد، وهو تفجيرات الأزبكية.
المسألة الثانية، تتعلق بما حققه السرد الذاتي الذي كُتبت عبره أوراق عبد الله. لنتذكر أن أوراق عبد الله كُتبت بمنطق النص الأدبي؛ فهي نصوص أدبية يتوفر فيها الوعي بإشكالية الفارق بين السرد الموضوعي والذاتي. هكذا تصل إلينا أغلب أوراق عبد الله عبر السرد الذاتي، ثمة متكلم لا يحيد عن مقصده الرئيسي، وهو كتابة شهادة على ما جرى محوه وتجاهله من التاريخ المعاصر لسوريا. نحن، هنا، في سياق قصة النسيان، أو ما جرى إسقاطه من الذاكرة السورية، وإن شئنا الحق نقول، كما تلح الرواية في مواضع كثيرة، نحن في سياق كتابة تاريخ ما جرى نسيانه، فعبد الله وتوأمه، محقق الشرطة، يصنعان ذاكرة من النسيان. هذا النسيان يمثله القتيل المفترض عبد الله اللقيط الذي عثرت عليه الشرطة بعد تفجيرات الأزبكية عام 1981، وعاش في ملجأ أيتام مشوَّهاً، فلما كبُر منحته الحكومة جنسيتها وبطاقتها المدنية، لكنها عجزت عن منحه أصلاً وجذوراً وعملاً، فيصبح بديلاً عن الزبّال، عامل البلدية في أحياء دمشق. يجمع المفيد من قمامة المدينة ويصنع منها دمى يؤلف منها وبواسطتها مسرحية دمى، ويكتب، في غرفته الفقيرة، قصصاً وأشعاراً. تجمعه الكتب مع حارس مسرح القباني، بائع الكتب، تحت جسر الرئيس، وهو المتهم والمشتبه به الوحيد، بمصادفة سعيدة، بقتل عبد الله الذي يموت على خشبة مسرح القباني وسط الدمى.
تختار رواية «جريمة في مسرح القباني» أدواتها وزمانها ومكانها بدقة ملفتة؛ فزمن السرد فيها يشهد هول الحرب والموت المعبر عنه بـ«تلَّة الخردة» ودمار سوريا الحديثة، فيما تكتب «تؤرخ» لنا أوراق عبد الله تاريخ النسيان. وعلى صعيد المكان، فإن الرواية تختار الزوايا المظلمة من أقدم مدينة عرفتها البشرية، دمشق. وفي اختيار «المسرح» مكاناً متخيلاً لجريمة «القتل» دلالة تعيد توجيه عالم الرواية كاملاً؛ فالمسرح قام على فكرة التطير من الذنب. تبقى أدوات الرواية المستخدمة ببناء عالمها السردي، فنجدها في التوزيع المنظّم للعوالم المتخيلة، ثمة سرد موضوعي يتولى تصوير جبروت السلطة وقوتها، ويدخل ضمنه منظور المحقق هشام ومساعده جميل الذي نعرف أنه هو من وضع توقيعه على خاتمة الرواية. ويقابل هذا الإطار شهادة عبد الله على جريمة النسيان التي أنتجت كل هذا الخراب والموت اليومي.
- كاتب من العراق



الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».