«جريمة في مسرح القباني»... كتابة شهادة عن تاريخ ما جرى نسيانه

زمن السرد فيها يشهد هول الحرب ودمار سوريا الحديثة

مسرح القباني
مسرح القباني
TT

«جريمة في مسرح القباني»... كتابة شهادة عن تاريخ ما جرى نسيانه

مسرح القباني
مسرح القباني

لا رواية دون مصادر تحيل إليها علناً، أو تحاول، قدر المستطاع، إخفاءها. وما بين الإعلان والإخفاء ثمة مسافة تتسع وتضيق حسب تحولات النوع السردي. وما التأكيدات التي نقرأها في مطالع الروايات أو خواتمها الخاصة بعدم مطابقة أحداث الروايات وشخصياتها لمسارات الواقع الفعلي سوى محاولة للتنصل والتنكر للمصدر الذي استقت منه الرواية عالمها السردي. ولا بأس، غير أن الرواية، بنصوصها الحديثة، صارت تبني سرديتها على أساس من الاعتراف والاندماج بمصادرها. رواية السوري باسم سليمان «جريمة في مسرح القباني (الحد والشبهة): دار ميم للنشر - الجزائر 2020» تنتمي للنوع الثاني؛ فهي تجاهر باستخدام مصادر متعدِّدة، وتبني نصها السردي على أساس من توظيف نصوص وحكايات ومواد سردية مختلفة تشترك جميعها في بناء قصة القاتل. فهي لا تختلف هنا عن مثيلاتها باستخدام المخطوط والإحالة. عندنا، مثلاً، نصوص من القرآن، لا سيّما ما يتعلق منه بقصة تضحية إبراهيم بولده إسماعيل، وقصة اصطفاء آدم، وقصة القاتل الأول كما ترد في القرآن على لسان الضحية هابيل. ثمة إحالة أخرى تصل إلينا عن طريق المحقق هشام الذي تفتتح به الرواية عالمها السردي عن «راسكولينكوف - رواية الجريمة والعقاب»، بوصفها جريمة فائقة الدلالة مع أنها تظل مجرد تخيل روائي. إشارات مختلفة يتصل بعضها ببعض وتحاول أن تخترع لنا قصة قاتل في سياق الحرب والتاريخ الملتبس لسوريا الحديثة: روايات أغاتا كريستي، ودراسة فرويد، ومسرحية ريا وسكينة. وتستكمل الرواية قصة القاتل بإشارة دالَّة لرواية الفرنسي فيكتور هيجو أحدب نوتردام، الذي تستعير منه الرواية تمثلات المنبوذ ذي الوجه المشوه. فإذا كانت «أحدب نوتردام» تتحدث عن رجل مشوه الجسم بعاهة جسدية أجبرته على التخفي والتواري في الكنسية الشهيرة، عن أنظار الناس، ويتعلَّق بشابة جميلة تعطف عليه ولا تتنكر لمنظره المشوه، فإن أحدب جسر الرئيس، هو حارس مسرح القباني الحلبي الهارب من ثأر يطارده طيلة سبعة عشر عاماً، يصل إلى دمشق عام 1979 حاملاً على ظهره حدبة نافرة وساقاً عرجاء جراء إصابة سابقة. وهو مثل صاحبه الهولندي يتخفى بوظيفة حارس المسرح الشهير، ثم متنكراً بصفة بائع كتب قديمة تحت جسر الرئيس، ومن زاويته هناك كان يراقب ويترصد طالبي الثأر القادمين من حلب. ولا تتوقف الاستعارة حتى هنا، إنما نجد الحارس يرتبط بصداقة مع «عبد الله ابن أمة الله» تتطور لاحقاً إلى علاقة أب بابنه. وفي سيرة عبد الله نستكمل بعض ملامح الأحدب المستعارة؛ فهو ضحية تفجيرات الأزبكية عام 1981 التي خلفته لفافة مشوهة الوجه بلا عائلة، ولا أصل، ولا اسم، لا يجد من يحبه سوى دمى يصنعها من مخلفات المدينة - دمشق في زمن السلم، ثم تتحول إلى تلّة خردة في زمن الحرب، فيعمد إلى إعادة تخيل حياته - سيرته عبر المسرح والتطهير، وعبر الإحالة إلى سيرة مماثلة يجد لها القارئ إشارة في كتاب «الذبابة في الحساء»، وهي سيرة الشاعر المشرد كذلك. فماذا تعني كل هذه الإحالات؟
في عنوان الرواية «جريمة في مسرح القباني» المشبع باليقين الخبري، وهو كذلك مشبع بالتوهم والإيهام؛ نكون إزاء صياغة موجزة وأولية لتلاقي هذه الإحالات. يفترض العنوان بصيغته الخبرية أن جريمة وقعت في مسرح القباني، في حين أن الرواية تمضي بعيداً في تسفيه هذه الواقعة وتكذيبها؛ في الأقل هذا ما سينتهي إليه محقق الشرطة في نهاية الرواية، فلا قاتل في قصة عبد الله وتوأمه أو شبيهه. العنوان صيغة خبرية مثبتة تخبرنا بوقوع الجريمة، وهي الإشارة الأولى التي يتلقاها محقق الشرطة هشام ومساعده جميل، والمبلغ عنها ليس سوى المتهم المشتبه به الوحيد حارس المسرح. هذه الصيغة اليقينية ستتلاعب الرواية بها، أو إن شئت قل إن هذا ما ستفعله أوراق عبد الله التي يجدها المحقق في غرفته؛ كأن نص الرواية وعالمها يجب عنوانها. وفي كلمة «جب» دلالة كبرى تتكرر في مواضع كثيرة من الرواية، فهي عتبة مهمة للخلخلة والتشكيك باليقين الذي يضعنا العنوان إزاءه، كأنها تعيد صياغة الفرضية المضادة في الرواية. نحن، هنا، أمام عنوان يتقاطع مع نص مادته السردية؛ فالعنوان دالّة رئيسية، فيما الرواية تفترض تضاداً بين عنوانها ونصها بعالمه السردي المضاد. هل نريد القول إن العنوان ليس عتبة رئيسية للرواية؟ قطعاً لا، كيف إذن؟
يمهّد العنوان السبيل أمامنا لنكون إزاء قصة قاتل في سياق الحدث السوري الدامي. هكذا تبدأ الرواية بمشهد داعم للقصة الرئيسية، قصة القاتل: ثمة ضابط محقق، وهو الممثل للسلطة، ولا يختلف عنه كثيراً رجل دين يصلي ويخطب بالناس في أول أيام عيد الأضحى، ويبلغ المشهد ذروته بصورة رئيس البلاد الذي يراقب المشهد من زاويته المعهودة. نحن في بناية الجنائية وسط دمشق. تجتمع في المشهد الاستهلالي كل مظاهر السلطة التي هي بعض متعلِّقات قصة القاتل، وتصل إلينا عبر ضمير الغائب ومنظور الراوي المراقب الذي يندمج غالباً مع منظور المحقق هشام، ويتحول أحياناً إلى كلي العلم. وهذه قضية تُفيد منها الرواية كثيراً؛ إذ سيكون السرد الذاتي معياراً فارقاً ودالاً على أننا في سياق تأويل مختلف للعنوان وللرواية برمتها. ويؤدي ما يمكن تسميته بالمخطوط الضائع، لا سيما القصص والأشعار التي يجدها المحقق مخبأة في خشبة المسرح، ناهيك بمسرحية الجثة، دوراً رئيسياً في توجيه القراءة والانتقال بالرواية من سياق العنوان، حيث قصة القاتل المزعومة، إلى سياق قصة القتيل الضحية. هل من فارق بين القصتين؛ أليس القاتل صفة لا تتحقق من دون قتيل؟ نزعم أننا في سياق مختلف كلياً. هذا الاختلاف نجده في مسألتين.
الأولى، اتساع وتشعٌّب قصة الضحية «القتيل»؛ فهي تشغل أكثر من مائة صفحة من أصل الرواية كلها البالغ عدد صفحاتها 164. نحن، هنا، إزاء قصة رئيسية تختلف جذرياً عما يريد العنوان أن يقوله ويقنعنا به، فهي لا تتصل، ولا تريد أن تُفسِّر فعل جريمة القتل. إنها قصة يجمع المحقق أوراقها المفقودة، فتبدو لنا أشبه بهوامش من المفروض أن تساعد في إضاءة قصة القاتل وتحديد شخصيته واسمه، لكننا نعرف بتوالي الفصول أننا بصدد بناء قصة الضحية، وهو ذاته توأم المحقق هشام المدفون في مقبرة قريتهم البعيدة. تتكشف القصة كاملة أمامنا عندما ينهي المحقق قراءة أوراق عبد الله كلها، فيخرج من أسفل خشبة المسرح عارفاً أنه وعبد الله قد ولدا في اليوم ذاته «29 نوفمبر (تشرين الثاني)»، وفي سنة واحدة «1981»، بل في سياق حدث واحد، وهو تفجيرات الأزبكية.
المسألة الثانية، تتعلق بما حققه السرد الذاتي الذي كُتبت عبره أوراق عبد الله. لنتذكر أن أوراق عبد الله كُتبت بمنطق النص الأدبي؛ فهي نصوص أدبية يتوفر فيها الوعي بإشكالية الفارق بين السرد الموضوعي والذاتي. هكذا تصل إلينا أغلب أوراق عبد الله عبر السرد الذاتي، ثمة متكلم لا يحيد عن مقصده الرئيسي، وهو كتابة شهادة على ما جرى محوه وتجاهله من التاريخ المعاصر لسوريا. نحن، هنا، في سياق قصة النسيان، أو ما جرى إسقاطه من الذاكرة السورية، وإن شئنا الحق نقول، كما تلح الرواية في مواضع كثيرة، نحن في سياق كتابة تاريخ ما جرى نسيانه، فعبد الله وتوأمه، محقق الشرطة، يصنعان ذاكرة من النسيان. هذا النسيان يمثله القتيل المفترض عبد الله اللقيط الذي عثرت عليه الشرطة بعد تفجيرات الأزبكية عام 1981، وعاش في ملجأ أيتام مشوَّهاً، فلما كبُر منحته الحكومة جنسيتها وبطاقتها المدنية، لكنها عجزت عن منحه أصلاً وجذوراً وعملاً، فيصبح بديلاً عن الزبّال، عامل البلدية في أحياء دمشق. يجمع المفيد من قمامة المدينة ويصنع منها دمى يؤلف منها وبواسطتها مسرحية دمى، ويكتب، في غرفته الفقيرة، قصصاً وأشعاراً. تجمعه الكتب مع حارس مسرح القباني، بائع الكتب، تحت جسر الرئيس، وهو المتهم والمشتبه به الوحيد، بمصادفة سعيدة، بقتل عبد الله الذي يموت على خشبة مسرح القباني وسط الدمى.
تختار رواية «جريمة في مسرح القباني» أدواتها وزمانها ومكانها بدقة ملفتة؛ فزمن السرد فيها يشهد هول الحرب والموت المعبر عنه بـ«تلَّة الخردة» ودمار سوريا الحديثة، فيما تكتب «تؤرخ» لنا أوراق عبد الله تاريخ النسيان. وعلى صعيد المكان، فإن الرواية تختار الزوايا المظلمة من أقدم مدينة عرفتها البشرية، دمشق. وفي اختيار «المسرح» مكاناً متخيلاً لجريمة «القتل» دلالة تعيد توجيه عالم الرواية كاملاً؛ فالمسرح قام على فكرة التطير من الذنب. تبقى أدوات الرواية المستخدمة ببناء عالمها السردي، فنجدها في التوزيع المنظّم للعوالم المتخيلة، ثمة سرد موضوعي يتولى تصوير جبروت السلطة وقوتها، ويدخل ضمنه منظور المحقق هشام ومساعده جميل الذي نعرف أنه هو من وضع توقيعه على خاتمة الرواية. ويقابل هذا الإطار شهادة عبد الله على جريمة النسيان التي أنتجت كل هذا الخراب والموت اليومي.
- كاتب من العراق



جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط

بدايةً سوف أخاطر بالأطروحة التالية، وأقول: بما أن الشعر الحديث تحرَّر من الوزن والقافية، فإنه أصبح مجبراً على التعويض عن ذلك بشيء آخر. بما أنه حرم القراء العرب وغير العرب من متعة الوزن والقافية وكل الطرب العظيم الناتج عنهما، فإنه مضطر لافتراع صور شاذة غير مألوفة، لكي يكفّر عن ذنبه. إنه مضطر لاختراع مجازات إبداعية خارقة تعوِّض عن كل ذلك حتى من خلال لغة نثرية، ولكن ملتهبة أو متشظية في كل الاتجاهات. هذا ما نلاحظه في شعر الحداثة الفرنسية، أي شعر بودلير ورامبو وملارميه ولوتريامون والسرياليين. وهذا ما نجده أيضاً في شعر الحداثة العربية، أي شعر أدونيس ومحمد الماغوط وأنسي الحاج وسواهم من الرواد. كلهم اخترعوا مجازات غريبة شاذة، ولكن ممتعة وناجحة جداً، بغية التعويض عن متعة الشعر العمودي الذي حرمونا منه بعد أن تركوه وهجروه وملوا منه. أو قل إن التاريخ العربي ذاته هو الذي تعب من حاله، ويئس، ووصل إلى الجدار المسدود. ولذلك ليس من المبالغة القول إن أهم خاصية للحداثة الشعرية (فرنسية كانت أم عربية) هي النزعة اللامنطقية والعبثية واللامعقولية. وهي نزعة مرفوضة في كل مجال آخر، ما عدا الشعر.

لوتريامون

هل تريدون أمثلة على ذلك؟ لنستمع إلى هذا المقطع من محمد الماغوط:

«سئمتك أيها الشعر... أيها الجيفة الخالدة!».

للوهلة الأولى قد نشعر بانزعاج شديد لأنه شبه الشعر بالجيفة. فالشعر بالنسبة لنا هو المثال الأعلى الوردي السماوي الأبعد ما يكون عن الجيفة المرعبة. ولولا أنه أضاف كلمة الخالدة لكان بيته الشعري قد فشل تماماً، وأسقط في يده ويدنا. بمعنى آخر لولاها لكانت الشحنة الشعرية لم تنقدح ولم تحصل أبداً. ولكنا اعتبرنا الماغوط شاعراً فاشلاً، بل ورديئاً من الدرجة العاشرة.

وهذا يثبت صحة أطروحة الناقد الفرنسي جان كوهين الذي أتيحت لي مقابلته في باريس يوماً ما أيام زمان... وهو في رأيي أهم ناقد نفذ إلى أعماق الشعر، إلى كيمياء اللغة الشعرية حيث تغلغل إلى سر أسرارها. انظروا كتابيه: «بنية اللغة الشعرية»، ثم «اللغة العليا»، أي لغة الشعر، أي اللغة التي تعلو ولا يُعلى عليها. ماذا تقول أطروحته الشهيرة؟ إنها تقول لنا ما معناه: الشعر يبتدئ أولاً بخرق نظام اللغة المعتاد. الشعر يبتدئ أولاً بانتهاك منطقية المعنى وتمزيقها بشكل فج وصادم ومزعج ولا مسؤول. الشعر هو اغتصاب بالمعنى الحرفي للكلمة: أي اغتصاب منتظم ومقصود لمعاني اللغة العادية التي نعرفها. ولكنه في الحركة الثانية يخفف من حدة هذا الانتهاك أو الاغتصاب عن طريق إضافة كلمة أخرى تقلص منه أو تخفف منه، وبالتالي تعزينا وتواسينا وتقنعنا. وهذا ما فعله الماغوط عندما أضاف كلمة «الخالدة» بعد الجيفة. وهذا يعني أنه شاعر حقيقي. ولكن المؤسف هو أن العديد من شعراء الحداثة العربية لا يستطيعون تقليص الانتهاك اللغوي الحاصل. إنهم ينتهكون المعاني ويغتصبونها على مدار الساعة ظانين أنهم كتبوا شعراً. ولكنها انتهاكات مجانية فاشلة لا تعطي أي نتيجة. ولا تؤدي إلى انقداح اللغة الشعرية أو الشحنات الشعرية. وبالتالي فهناك انتهاكات وانتهاكات. هناك اغتصابات واغتصابات. هناك انتهاكات عبقرية مقنعة تقفز بك إلى أعلى السماوات، وهناك انتهاكات فاشلة ومجانية لا تحرك فيك ساكناً. بمعنى آخر، فإنها عاجزة عن قدح الشرارة الشعرية. لا داعي لضرب الأمثلة لأن عشرات الدواوين مليئة بهذه المجازات الميتة. ولذلك قلت لأحدهم مرة: رجاء لا تُهدِني ديوانك الجديد، ولا حتى القديم. رجاء ارحمني وأشفق عليّ. إني في حالة يُرثى لها. إني أكره الشعر كره النجوس.

أعود إلى الماغوط لكي أستشهد بهذا المقطع من قصيدة «في رثاء السياب»:

«ولكن أي وطن هو الذي

يجرفه الكنَّاسون مع القمامات

في آخر الليل؟

تشبث بموتك أيها المغفل

ودافع عنه بالحجارة والأسنان والمخالب

فما الذي تريد أن تراه؟

وعكازك أصبح بيد الوطن

أيها التعس في حياته وفي موته

قبرك البطيء كالسلحفاة

لن يبلغ الجنة أبداً».

ظاهرياً يبدو وكأن الماغوط يهجو السياب ويقرّعه، بل ويشن عليه حملة شعواء. ما هذا الرثاء؟ ما هذه الفضيحة؟ ولكن في الواقع هذا أجمل رثاء وأقوى رثاء، لأنه استخدم لغة جنونية ومجازات اعتباطية وصوراً عبثية. وأنتج قصيدة شعرية حقيقية. وهذا هو المهم في نهاية المطاف. لو أنه رثاه على الطريقة التقليدية التراثية والمعاني المنطقية المحترمة الموزونة لماتت القصيدة في أرضها، ولفقدت مفعولها تماماً.

لننتقل الآن إلى الشعر الفرنسي. وأنا حياتي كلها متوزّعة بشكل متراوح بين الآداب الفرنسية والآداب العربية تماماً مثل طه حسين. (اسمحوا لي بهذه الفخفخة الفارغة). من المعلوم أن غيوم أبولينير كان هو الرائد الذي مهَّد الطريق للسرياليين. بل وكلمة سريالية بالذات مِن اختراعه، أو قُلْ من اختراع جيراردو نيرفال قبله. وقد كتب عام 1908 قصيدة نثرية جنونية ما قرأتها مرة وإلا كدتُ أموت من الضحك، تماماً كما حصل لي مع الماغوط، وربما أكثر؛ ما قرأتها مرة إلا وكدت أموت من الفرح والانشراح والابتهاج. أكاد أقوم وأقعد وأعيش كل حالاتي. لنستمع إليها فوراً:

«كان فحم السماء قريباً جداً إلى درجة أني خفت من اضطرابه ولهبه. وكان على وشك أن يحرقني... كانت هناك حيوانات متنافرة... وكانت هناك أشجار ورد تدفن كرمة العريشة التي تثقلها عناقيد من الأقمار. وخرجت من عنق القرد سياط اللهب التي تزهر العالم... وعشرون خياطاً أعمى جاءوا بغية تفصيل وتخييط حجاب موجه لتغطية حجر اليمان الأسمر. وقدتهم أنا شخصياً القهقرى.

وفي المساء راحت الأشجار تطير، وأصبحت القرود جامدة لا تتحرك، ووجدت نفسي أضعافاً مضاعفة. والقطيع الذي كنتُه جلس على شاطئ البحر... وهذا السيف روى عطشي... ثم استقبلني مائة بحار واقتادوني إلى قصر وقتلوني تسعاً وتسعين مرة»... إلخ.

ما هذا العبث؟ ما هذا الجنون؟ ما هذا الشعر؟ ربما قال قائل: يا أخي أين هو المنطق في هذه القصيدة؟ أين هو العقل المتماسك؟ ولكن هل الشعر بحاجة إلى منطق وعقل متماسك أم أنه بحاجة إلى العكس تماماً؟ هكذا نجد أن ما يبدو سلبياً للوهلة الأولى يتحول إلى ميزة إيجابية خارقة. تكاد تقول: يعيش الشعر، يموت الشعر!

ولكن جنون الشعر لا يبلغ ذروته العليا إلا عند ذلك الوحش الهائل المدعو لوتريامون. لقد تجاوز رامبو بأضعاف مضاعفة من حيث الانتهاكات والاغتصابات والاقتحامات. هناك مقاطع عديدة لا أستطيع ذكرها من «أناشيد مالدورور». ولو قطعوا رأسي لن أذكر منها حرفاً واحداً. وأصلاً لا يمكن أن تُنشر. ولكني سأخاطر بهذا المقطع:

«عقدتُ حلفاً مع الساقطات بغية زرع الفوضى في العائلات. أتذكر جيداً الليلة التي سبقت هذا التحالف الشيطاني الخطر. رأيت أمامي قبراً. سمعت دودة ساطعة كبيرة بحجم منزل تقول لي: سوف أخبرك. اقرأ هذا النقش. هذا الأمر الأعلى ليس صادراً عني. رأيت أمامي نوراً وهَّاجاً ساطعاً بلون الدم. أمامه اصطكت أفكاكي وسقطت ذراعاي هامدتين. سمعت صوتاً ينتشر في الهواء حتى الأفق. اتكأت على جدار متهدم لأني كنت على وشك السقوط. قرأت النقش أمامي: هنا يرقد طفل مات مسلولاً. تعرفون الآن لماذا مات. لا تترحموا عليه، ولا تصلوا من أجله»... إلخ.


بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله
TT

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

ثمة شيء مثير خفي في فن بابلو بيكاسو (1881 - 1973) هو ما يدفع بالمتاحف العالمية لإقامة معارض سنوية لأعماله. وبغض النظر عن المنطلقات النظرية لمنسقي تلك المعارض والتي يحاولون من خلالها صنع مناسبات، لكي تتخطى المتاحف أزماتها المالية من خلال الإقبال الجماهيري فإن رؤية واحدة من لوحات بيكاسو تكفي لكي تكون سبباً لمتعة جمالية لا توصف. ومنها على سبيل المثال الوقوف أمام لوحة البهلوان التي ضمها المعرض المقام حالياً في «تيت موديرن» بلندن تحت عنوان «مسرح بيكاسو». في تلك اللوحة التي رُسمت عام 1930 والمُعارة من متحف بيكاسو في باريس، يتحوَّل جسدٌ بلا جنس مُحدد إلى لغزٍ مُعقَّد، ساقٌ تنبت في الظهر، رأسٌ مُغلق العينين، ساقٌ أخرى مُستقرة على الأرض، متوازنة بذراعٍ تعمل يدها كقدم، بينما تنحني الذراع الأخرى، بقبضةٍ مُحكمة، كذيل. بهذه الطريقة، قلب بيكاسو الإنسان رأساً على عقب، وشوَّهه بشكلٍ لا يُمكن التعرف عليه، ومع ذلك جعله أكثر جاذبيةً وإنسانيةً وعاطفية. المخترع وهو اللقب الذي رافقه لم يكن مقتنعاً بطريقة النظر التقليدية إلى صورة الإنسان كما هو. ذلك ما دفعه إلى اختراع صور جديدة تتناسب مع وظيفة الإنسان وتنسجم مع مزاجه وتعبِّر عن حالته الروحية، باعتباره لغزاً يمكن النظر إليه من جهات مختلفة وإعادة تشكيله كما لو أنه لم يتخذ هيئته النهائية بعد. من بين كل فناني الحداثة الفنية في القرن العشرين انفرد ابن مالقة بتلك الصفة المتوحشة التي تذكر بولعه بمصارعة الثيران، ذلك التقليد الإسباني الذي اعتبره بيكاسو فناً واستحضره في لوحاته.

سليل فنانين مسرحوا العالم

لم يعتمد منسقو المعرض سياقاً زمنياً يمكن أن يُهتدى به تاريخياً. فكرتهم عن بيكاسو باعتباره رجل مسرح أيضاً كانت هي الأساس. وهي ليست فكرة جديدة. هناك معرضان سبقا هذا المعرض كان الغرض منهما تسليط الضوء على تلك العلاقة التي بدأت عام 1917 يوم صمم الرسام الشاب ستارة وأزياء وديكورات باليه كتبه صديقه الشاعر جان كوكتو وأخرجه الروسي دياغيليف. الأول أقيم عام 1960 وكان بيكاسو يومها حياً والثاني في فرانكفورت عام 2006. وإذا ما كان صاحب غورنيكا قد استمر في عمله المباشر في المسرح وبالأخص في العروض الراقصة فإن نقاد الفن الذين تخصصوا بفنه يصرون على أنه كان مسرحياً في تصويره للمشاهد في أعماله الكبرى. كان كما يقولون يتخيل مسرحاً تجري عليه الوقائع التي يصورها ويتخذون من «غورنيكا» و«حرب كوريا» و«الراقصات الثلاث» وأعمال كبيرة وصغيرة أخرى أمثلة على صحة نظريتهم التي تقول «إن بيكاسو كان يرسم وعينه على المسرح» وفي العودة إلى سيرته التي تتخللها طريقته في تصفية حساباته مع الفنانين الذين أُعجب وتأثر بهم يمكن القول إن البعد المسرحي في أعمالهم لم يفُتْه، فقرر أن يتفوق عليهم جميعاً، وتلك هي عادته التي انتبه إليها رسامان ارتبط بهما بصداقة عميقة هما هنري روسو وجورج براك اللذان كانا يخفيان أعمالهما الجديدة عنه خشية أن يلتهمها. في علاقته بالمسرح حاول بيكاسو أن يتفوق على الرسام الانطباعي تولوز لوتريك مثلاً الذي كان ملهى الطاحونة الحمراء مسرحاً لفنه وحياته معاً.

الشقاء الإنساني في صورة

لا أتذكر عدد المرات التي رأيت فيها «المرأة الباكية» اللوحة التي رسمها بيكاسو عام 1937 وهي السنة نفسها التي رسم فيها رائعته «غورنيكا». وعلى الرغم من أنها لوحة صغيرة ولا يخرج موضوعها عن نطاق كونه صورة شخصية لدورا مار، المصورة وصديقة الفنان في تلك المرحلة فإنها لا تقل قيمة من غورنيكا على المستويين التاريخي والفني. الحزن الذي تنطوي عليه تلك اللوحة يختزل قوة الفتك التي ظهرت في اللوحة الشهيرة التي وضعت البلدة الإسبانية التي قصفها النازيون على خريطة الشقاء الإنساني. ولأن جلب غورنيكا باعتبارها محاولة لمسرحة حدث مأساوي إلى لندن لتكون جزءاً من المعرض كان صعباً فقد حلَّت «المرأة الباكية» محلها كونها قرينتها الأكثر قرباً. وكما أرى فإن ذلك الاستبدال عبر عن ذكاء منسقي المعرض وهم يسعون إلى تقديم الجوانب المختلفة لبانوراما بيكاسو التي أحاط من خلالها العالم مسرحياً. لقد حوَّل الرجل الذي أحدث انقلاباً جذرياً في الرؤية الفنية منذ لوحته «فتيات أفنينون» التي رسمها عام 1907 العالم مسرحاً، وهو ما سيلقي بظلاله على الاحتفالات المتكررة بعبقريته. وقد يكون مفيداً هنا أن أقول إن الوقوف أمام لوحة «المرأة الباكية» يمكنه أن يعطينا فكرة مهمة مزدوجة عن قيمة بيكاسو على المستويين الفني والإنساني. فمن جهة تقنية يمكن اعتبار تلك اللوحة واحدة من أهم اللوحات التي أعلنت الحداثة الفنية فيها عن واحدة من أهم لحظات قطيعتها مع الماضي من خلال ابتكار طريقة جديدة في النظر إلى الوجه البشري. في الوقت نفسه فإن قوة التعبير عن الشقاء الإنساني التي انطوت عليها اللوحة ستكون دائماً بمثابة النافذة الخيالية التي ما كان لها أن تُفتح لولا بيكاسو.

سر بيكاسو في غموضه

«جمال آسر وغموض لا ينفد» هما قطبا المعادلة التي لا تزال تضع بابلو بيكاسو في مكانة لا ينافسه عليها أحد باستثناء فنسنت فان غوخ على مستوى جذب الجمهور إلى معارضه الاستعادية العالمية التي لم يترك منسقوها مرحلة من مراحله الأسلوبية المتعددة إلا وسلطوا عليها الضوء، وهو ما يكشف عن غنى تجربته الفنية والإنسانية التي استطاع بعبقرية موهبته الاستثنائية أن يغوص من خلالها في عمق المعاني الخالدة للحياة.

ولأن بيكاسو رسم كل شيء فإن فنه لا يعد مرآة لعصره فحسب، بل اتسع أيضاً للأسئلة التي تتعلق بمسألة علاقة المتلقي بالعمل الفني وهي علاقة شائكة تتعرض للكثير من الانقلابات التي يتحكم بها مزاج العصر. وهنا بالضبط يكمن سر مقاومة أعمال بيكاسو من خلال عدم تعرضها لاهتزازات معادلة القديم والجديد. فن بيكاسو جديد دائماً لأن مبدعه نجا من التنميط المدرسي من خلال تجدده المرتبط بأصالة شخصية لا علاقة لها بما يجري من حوله.

في معرض «مسرح بيكاسو» هناك لوحات تعود إلى مراحل وأزمنة مختلفة. المرحلة الزرقاء التي ترتبط بالسنوات الأولى من القرن العشرين وهي السنوات التي قضاها بيكاسو في باريس جائعاً. المرحلة التكعيبية التي بدأت عام 1912. وأخيراً مرحلة ثلاثينات القرن العشرين التي أثمرت عن لوحته الشهيرة غورنيكا. تلك مرحلة خصبة كان بيكاسو فيها غزير الإنتاج متعدد الأساليب والموضوعات، وهو ما أغرى المتاحف العالمية بأن تخصها بغير معرض استعادي كبير، منها ذلك المعرض الضخم الذي أقامه تيت موديرن عام 2018.

إعادة النظر في الشكل البشري

واحدة من أجمل المفارقات التي تتعلق بسيرة بابلو بيكاسو أن شهرته تفوق شهرة أعماله، بضمنها غورنيكا. في المقابل فإن لوحة موناليزا التي تحل ملايين البشر في باريس سنوياً من أجل رؤيتها هي أكثر شهرة من رسامها ليوناردو دافنشي التي يدين له الرسم في القرون الخمس الأخيرة بالكثير من الكشوفات التقنية والأسلوبية.

«مسرح بيكاسو» الذي يُحتفى به الآن هو جزيئة من عالم الفنان الذي ألهمته صلته بفلسفة وعلوم عصره التفكير بصرياً بما لا يُرى من شخصية الإنسان، فكان ذلك دافعاً لإعادة النظر في الشكل البشري لا كما يُرى في الواقع بل كما هو عليه في حقيقة جوهره. حين رسم لوحته لشهيرة «فتيات أفنيون» عام 1907 صار ذلك الشارع الصغير في برشلونة مسرحاً للأفكار المتدفقة التي مزجت الرغبة في إعادة النظر في المفاهيم الاجتماعية السائدة بالتحولات الأسلوبية التي كان على الرسم الحديث أن يخوض مغامرتها في ظل تبدُّل طريقة النظر العلمية إلى الإنسان.


رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية
TT

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «سيثيسيون فيرلاغ» الألمانية السويسرية المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العالمي الحديث، ترجمة لرواية «مكان اسمه كميت» للروائي العراقي نجم والي، التي أنجزتها المترجمة الألمانية إيمكه آلف فين. الرواية التي صدرت طبعتها الأولى عن دار شرقيات القاهرة 1997 وطبعتها الثانية عن دار الرافدين في بغداد - كان بيروت عام 2018، وهي تاسع رواية تصدر له مترجمة إلى الألمانية.

وتدور أحداث الرواية في المنتصف الثاني من أعوام السبعينات.

عشية الحرب العراقية الإيرانية، في أواخر صيف عام 1980، ينفصل صالح سلطان، مدرس التاريخ والشاعر البالغ من العمر ثلاثين عاماً، عن زوجته، وهي ناشطة شيوعية سابقة، ويغادر بغداد هرباً من السجن. كان يأمل في بدء حياة جديدة في البلدة الصغيرة «كميت»، الواقعة جنوب العراق. وعندما يقع في غرام الطالبة الجميلة ماجدة، ذات التسعة عشر عاماً، التي انضم شقيقها رعد إلى صفوف الأنصار الشيوعيين، تبدأ رحلته المحفوفة بالمخاطر كخصم لعصام محمود، حاكم كميت المستبد، الذي يرغب هو الآخر في ماجدة.

الفتاة الشابة تنجذب إلى الرجلين؛ إلى صالح لكونه ضعيفاً، حساساً، مثقفاً، وكئيباً، يذكرها بأخيها الهارب رعد، وإلى عصام لأنه يمثل تحدياً مثيراً للاهتمام، وحماية لأهلها من التعرض للملاحقة.

كانت ذكريات طفولته الجميلة مع جدته، ماتينراد، التي لا تزال تعيش في كميت وتكسب رزقها من صناعة العباءات، هي ما قادت صالح سلطان إلى تلك الناحية النائية، ورغم أنه لم ينضم إلى حزب البعث، فقد وقّع على تعهدٍ بالابتعاد عن السياسة في الريف. إلا أن كميت لم تعد ملاذاً ريفياً هادئاً، كما ظن صالح، بل أصبحت أشبه بدولة بوليسية مصغرة يحكمها عصام ماهود.

وسبق أن صدرت ترجمة فرنسية للرواية نفسها عام 1999 أنجزتها المستعربة الفرنسية ماريانا، وستصدر ترجمتها إلى الانجليزية التي أنجزها المترجم وليم هيتشنيز العام المقبل.